اللاهوت الروحي

22- الإيمان العملي



22- الإيمان العملي

22- الإيمان العملي

 ايها القارئ العزيز: لا شك انك تعتقد في نفسك
أنك شخص مؤمن وأن أيمانك بالله ليس هو موضع سؤال.

 

فهل اختبرت اعتقادك هذا
في ضوء “الإيمان العملي”؟! ولعلك تسأل: وما هو الإيمان العملى؟

 

و للإجابة على هذا
السؤال نقول: إن كثيرين يؤمنون بالله إيماناً نظرياً، إيمانا فكرياً، إيماناً يختص
بالعقل فقط ولا يتعدى نطاق العقل.. أما الإيمان العملى، فهو الإيمان الذي تظهر
ثماره وعلاماته واضحة في حياة الإنسان، بحيث تشهد أعماله وأقواله وسلوكه انه شخص
مؤمن.. لهذا يسأل القديس بولس الرسول ويقول: “لنختبر أنفسنا هل نحن في
الإيمان”. ولتوضيح هذا الأمر سأضرب بضعة أمثلة:

 

أنت تؤمن ان الله
موجود، وأنه عادل، وأنه يحكم للمظلومين، لماذا إذن تخاف؟ ولماذا تضطرب؟ وهل خوفك
يدل على أنك شخص مؤمن؟!

 

عن داود النبى يقول:
“الرب نورى وخلاصى، ممن اخاف؟ الرب عاضد حياتى، ممن أجزع.. إن يحاربنى جيش،
فلن يخاف قلبى. وإن قام على قتال، ففى ذلك أنا مطمئن.. “.. داود النبى يؤمن
أنه في رعاية الله، حمل صغير في غنم رعيته، ولذلك يخاطب الله قائلاً: “إن سرت
في وادى ظل الموت فلا أخاف شراً، لأنك أنت معى.. عصاك وعكازك هما يعزياننى”..

 

حقاً، إن القلب المؤمن
لا يخاف. الإنسان المؤمن الذي يثق برعاية الله له، لا يمكن أن يخاف. إن الخوف دليل
عملى على ضعف الإيمان. ضعف الإيمان برعاية الله، وحمايته، وحفظه..

 

إن المؤمن ينصت إلى صوت
المزامير وهى تشجعه بقول الوحى الإلهى: “فلا تخش من خوف الليل. ولا من سهم
يطير بالنهار.. يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يقتربون إليك
بل بعينيك تتأمل، ومجازاة الخطاة تبصر”.

 

لهذا استطاع القديسون
أن يواجهوا الأخطار بقلوب مملؤة بالسلام لا تعرف للخوف معنى.. وإن ضغطت عليهم
الضيقات، وإن بدا أن أعداءهم أكثر قوة وعدداً، يرن في آذانهم القول الإلهى:
“أنا معكم، لا تخافوا”، “الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون”،
“إن الذين معنا أكثر من الذين علينا”. عاش آباؤنا في البرارى والقفار،
في وسط الوحوش والحيات والعقارب ودبيب الأرض، ولم يخافوا.. وتعرضوا لهجمات
الشياطين وحروبهم، ولم يخافوا.. كانوا مؤمنين بعمل الله معهم ن وعمل الله من
أجلهم..

 

لذلك إن حاربك الخوف،
وبخ ذاتك وقل: أين إيمانى؟! اشعر باستمرار، بأن يرونها، ومن الأخطار الخفية التي
لا يعرفونها. هو يدافع عنا أكثر من دفاعنا عن أنفسنا.. ولكنه دائماً يتدخل في
الوقت المناسب في الوقت الذي تحدده حكمته الازلية. فإن حاربك الخوف بسبب ان بمعونة
الإلهية بدت متباطئة في الوصول إليك ن فلتتشجع بقول داود النبى في المزمور:
“انتظر الرب، تقو وليتشجع قلبك، وانتظر الرب”.. حالة واحدة تخاف منها.
عندما تشعر أن الله قد تخلى عنك بسبب خطاياك.

 

و حتى في هذه الحالة
يستطيع المؤمن أن يجد حلاً إذ يشعر أنه يشعر أنه بالتوبة يصطلح مرة أخرى مع الله ن
ويعود الله إليه، وتعود معونته. والتوبة في مقدور كل إنسان: يكفى أن يندم من كل
قلبه، ويرفع قلبه إلى الله في انسحاق.. وإذ يشعر برجوع الصلة، ويزول الخوف
ويطمئن.. الإنسان المؤمن لا يخاف. والإنسان المؤمن لا يخاف. والإنسان المؤمن حقاً
ن لا نخطئ. إنك قد تخجل من ان ترتكب خطيئة أمام أحد معرفك، أو أمام من توقرهم في
داخلك، فكن بالأولى أمام الله!! إن الذي يضع الله أمام عينيه، لا شك أنه يستحى أن
يخطئ قدامه.. مثلما عرضت الخطية على يوسف الصديق، فقال: “كيف أخطئ، وأفعل هذا
الشر العظيم أمام الله؟!”.

 

أؤكد لكم أننا في كل
مرة نخطئ، نكون قد نسينا الله، نسينا أنه يرانا ويبصر ما نفعله، وهكذا إيماننا فهو
وجود الله قد ضعف.. في كل مرة نظلم غيرنا، نكون قد نسينا الله العادل، وفقدنا
الإيمان بالله الذي يحكم للمظلومين.. في كل مرة نفعل ما لا يليق، لا تكون صورة
الله واضحة أمام أعيننا..

 

عن الإنسان المؤمن لا
يخطئ، ليس فقط لإيمانه بأن الله يراه، وإنما أيضاً لإيمانه بأن الله سيحاسب وهو
الدين الذي لا مهرب منه..

 

لهذا كان الاباحيون
يحاربون باستمرار فكرة وجود الله، ويتخذون الله عدواً لهم، ويقود الإباحية إلى
الالحاد.. أما المؤمنون فتظهر ثمار إيمانهم في حياة العفة والطهارة والقداسة التي
يسلكون فيها، وبها يشعر الناس أنهم مؤمنون. ولذلك قال السيد المسيح: “من
ثمارهم تعرفونهم”. فإن كنت تسلك في الخطية فلا تفتخر باطلاً، وتقول إنك إنسان
مؤمن!! لئلا تكذبك أعمالك، وتقف شاهدة ضدك!

 

إن الإيمان كما قلت من
قبل، ليس مسألة عقلية او نظرية، إنما يدخل في الحياة العملية، ويصبح إيماناً
عملياً، تسمى الحياة فيه “حياة الإيمان”.

الإيمان إذن يتعارض مع
الخوف، ويتعارض مع الخطيئة والشر.. هو أيضاً يتعارض مع التذمر والضجر. أنت تؤمن
بالله. حسناً تفعل. فهل تؤمن أن الله يصنع معك خيراً؟ إن كنت تؤمن بهذا فلماذا
تتذمر؟ ولماذا لا تحيا في حياة الرضا والشكر؟

 

إن المؤمنين يحيون
باستمرار في حياة الشكر، يشكرون الله في كل حين، على كل شيء.. يقبلون كل شيء من يد
الله في رضى وفى فرح، لا يتذمرون ولا يتضجرون.. هم يؤمنون أن ضابط للكل، وانه يملك
زمام الكون كله، ويدبر أموره حسب مشيئته الإلهية لصالحة. لذلك هم مطمئنون إلى عمل
الله.. ما يعمله الله خير ومقبول. وكل ما يشاؤه الله هو نافع ومفرح. فلتكن
مشيئته..

 

المؤمنون لا يضعون
مشيئة الله تحت مقاييس حكمتهم البشرية، إنما يخضعون حكمتهم البشرية لمشيئة الله،
ويقبلون مشيئة الله في غير تذمر شاعرين أنها لصالحهم مهما كانت تبدو غير ذلك..
وحقاً كم من أمور تضايق منها الناس في بادئ الأمر ثم اثبتت لهم الأيام انها كانت
خيراً وبركة.. لذلك فان المؤمن يحيا باستمرار في حياة التسليم.

 

 حتى إن كان الأمر الذي يحدث للمؤمن هو شر واضح،
فإنه لا يتذمر، شاعراً بالإيمان أن الله قادر أن يحول الشر إلى خير.. إن اخوة يوسف
صنعوا به شراً، وامرأة فوطيفار الزانية فعلت به ايضاً شراً، وقادته إلى السجن.
ولكن الله حول ذلك الشر إلى خير.. كم من أمور يريد بها الناس ضررنا، ولكن هذه
الأضرار في طريقها إلينا تمر على يد الله صانعة الخيرات، فتحول الضرر إلى خير..
فلنكن إذن مطمئنين شاعرين بالإيمان أن حياتنا في يد الله، وليست في أيدى الناس،
ولنقل باستمرار تلك الآية الجميلة المعزية التي يقول فيها الوحى الإلهى: “كل
الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الرب”.

 

 الإيمان إذن يتعارض مع الخوف، ومع الخطيئة، ومع
التذمر.. وهو أيضاً بالأكثر يتعارض مع اليأس.. ألست تؤمن أن الله قادر على كل شيء؟
آمن إذن أن الله قادر على حل جميع إشكالاتك، وقادر على إزالة جميع متاعبك. لا داعى
إذن لليأس، فهو لا يتفق مع الإيمان.. وقل لنفسك باستمرار: “عند الله لكل
مشكلة حل، أو حلول. وهو قادر على كل شيء. “غير المستطاع عند الناس مستطاع عند
الله”.

 

 لهذا نجد أن رجل الإيمان بشوش باستمرار، فرح
القلب، مهما أحاطت به المتاعب لا يحزن ولا يكتئب ولا ييأس..

 

 إنه يعيش في الحل الآتى، وليس في المشكل الحاضر.
يجعل الله بينه وبين المتاعب فتختفى المتاعب بينه وبين الله، لئلا يختفى إيمانه
بالله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى