علم

19- قدم أسفار العهد العتيق



19- قدم أسفار العهد العتيق

19- قدم أسفار العهد العتيق

 تستمدّ
هذه الكتابات إذن من قدمها السّحيق مصداقيّتها؛ عندكم أنتم أيضا شبه ما في ديننا:
إرساء المعتقد على النّقل عبر الأزمان.
] فالإيغال في القدم[1] يكفل
مرجعيّة تلك الكتابات؛ أوّل نبيّ موسى الّذي استهلّ بذكر أخبار الماضي: تكوين العالم
وانتشار الجنس البشريّ والطّوفان الّذي ما لبث أن حلّ به عقابا لظلم أهل تلك
القرون، أبان بنبوّته ومعجزاته ما حدث حتّى عصره وأحوال ما سيأتي، فعنده عرض
لتسلسل الأحقاب منذ البدء وإحصاء لتاريخ البشريّة؛ ومعلوم أنّه سبق بحوالي
ثلاثمائة سنة أقدم رجل عندكم، وهو دانَووس[2]
الّذي حلّ بأرغوس[3]. ويتقدّم
على حرب طروادة بألف سنة، وهو من ثمّ سابق حتّى على ساترنوس نفسه؛ فحسب تاريخ
ثالّوس* حيث يروي لنا حرب الأشوريّين[4] وصراع
ساترنوس ملك التّيتان[5] مع يوبتر،
يستفاد أنّ الحرب سبقت بثلاثمائة واثنتين وعشرين سنة دمار طروادة؛ بواسطة موسى
أيضا أرسل الله الشّريعة الخاصّة باليهود. ومن بعده بعث رسلا تترى هم أقدم عهدا من
كتاباتكم. وآخرهم سبق بقليل أو عاصر على أقلّ تقدير كتّاب حكمتكم ومشرّعيكم
الأوائل. فقد عاش زكريّا[6] في عهد قورش[7]
وداريوس[8] وفي زمانه
لم يجد طاليس[9] أمير علماء
الطّبيعيّات قولا ثابتا يجيب به كرويسوس* حين سأله في الرّبوبيّة، وقد حيّرته
بالتّحقيق أقوال الأنبياء. وقد تكهّن صولون[10]
لهذا الملك بالذّات أنّ عليه ارتقاب نهاية حياته الطّويلة، تماما كما يفعل
الأنبياء. ومن هنا يمكن أن نرى أنّ تشريعاتكم وعلومكم استقت من الشّريعة والتّعاليم
الإلهيّة*؛ لا بدّ أن يكون السّابق هو البذرة؛ لذا لديكم بعض الأمور المطابقة لما
لدينا أو القريبة منه. اقتبستم من حكمتنا فسمّيتم حبّها فلسفة[11]،
ومن النّبوّة فدعوتم التّظاهر بها كهانة شعريّة. هكذا كلّما وجد رجالكم العظماء
شيئا، لينقلوه عمدوا إلى تشويهه؛ كذلك يحدث أن تفسد الثّمار بعد خروجها من بذرتها.
سأتوقّف عند قدم النّصوص الإلهيّة من أوجه عدّة لو لم تكف للحمل على الإيمان بها
سلطتها المستمدّة من قوّة حقيقتها أكثر ممّا هي من مستمدّة من عتاقتها؛ وهل من
تأييد لشهادتها أقوى من تحقّقها اليوميّ في العالم أجمع، إذ يتجاوب تتابع الدّول،
وخراب المدن، ودمار الأمم، وتتابع الأحقاب مع ما أنبأت به منذ آلاف السّنين. فهي
تنعش أملنا الّذي يثير سخريتكم، وتقوّي إيماننا الّذي تدعونه وهما؛ وإنّ صدق
السّابق ليبرّر الإيمان باللاّحق؛ فقد تنبّأت نفس الأصوات بكليهما، وأشارت إلى
كليهما نفس الكتب. لأنّ ما يبدو لنا منفصلا بين ماض وآت زمان واحد في عرفها؛ وهكذا
فما بقي قد ثبت لدينا لأنّها تنبّأت به مع أمور تحقّقت فعلا وكانت آنذاك غيبا.
لديكم أنتم أيضا السّيبلّة[12] وإن كانت
تسمية الوحي الحقّ من الله الحقّ اغتُصبت لتعطى لكلّ منتحلي النّبوّة؛ فعرّافاتكم
انتحلن الصّفة من الحقيقة زورا تماما مثل آلهتكم.*
[ هكذا إذن، كلّ القرائن والموادّ، والأصول والتّصانيف والمصادر
الّتي اختطّتها أقدم الأقلام عندكم، بل والأمم العديدة والمدن الشّهيرة بتاريخها
الحافل، والجليلة بتراثها المتناقل، بل وكذلك ما في جوف أقدم مخطوطاتكم الشّاهدة
على أخبار الماضي، بل أقول وبدون مبالغة، حتّى آلهتكم ومعابدكم وعرّافوكم
ومقدّساتكم، كلّ ذلك يتفوّق عليه في القدم مصحف نبيّ واحد يوجد محفوظا فيه كنز
الدّيانة اليهوديّة بأكملها، وبالتّالي ديانتنا نحن. إن سبق أن سمعت بموسى المشار
إليه فإنّه معاصر إيناخوس[13]
الأرغوسيّ*، وسبق بحوالي أربعمائة سنة < إلاّ سبعا> دانووس وهو لديكم أقدم
الأوّلين، وسبق بحوالي ألف عام هزيمة بريام[14]،
بل أستطيع القول بأنّه يتقدّم بخمسمائة سنة إضافيّة هوميروس[15]،
ولديّ من أتبع في ذلك. كذلك الأنبياء الآخرون، وإن تأخّروا على موسى، فأقربهم عهدا
منّا لا يدركه الأوائل من بين علمائكم ومشرّعيكم ومؤرّخيكم. ليس عرض هذه الحقائق
الممكن إثباتها بالتّسلسلات التّاريخيّة المقارنة أمرا صعبا بقدر ما هو ضخم، وليس
شائكا بقدر ما هو طويل بالمقابل. إذ يقتضي إثباته فحص وثائق متعدّدة والدّخول في
متاهات حسابيّة، ولا بدّ من كشف المستندات الّتي خلّفتها أقدم الأمم، المصريّين
والكلدانيّين والفينيقيّين. ولا بدّ من الاستشهاد بمن أمدّنا بأخبارهم من
مواطنيهم، كمانثون المصريّ[16] وبيروصوس
الكلدانيّ[17] وكذلك
حيرام الفينيقيّ[18] ملك صور
وكذلك تابعيهم مندسيوس البطليموسيّ[19] ومينندر
الأفسسيّ[20] وديمتروس
الفاليريّ والملك يوبا[21] وأبيون[22]
وثالّوس، ويوسفوس اليهوديّ[23] العمدة في
أخبار قدامى اليهود لانتمائه إلى ملّتهم والّذي يؤيّدهم أو يخالفهم. لا بدّ كذلك
من جمع مدوّنات اليونان والتّأريخ للأحداث لكشف تسلسل الوقائع الّذي به تتّضح
تواريخ الحوليّات؛ لا بدّ والحال تلك من التّنقّل عبر كتب التّاريخ والأدب لكلّ
الأمم؛ والحقّ أنّا قدّمنا لكم جزءا من الإثبات لمّا عرضنا ما يمكن بناء عليه
إثبات تلك القضايا. لكن من الأفضل إرجاء ذلك النّقاش مخافة التّقصير في الإثبات إن
تعجّلنا أو طول الاستطراد إن أسهبنا.



[1]  الفقرة ]فالإيغال…مثل
آلهتكم
[ أراد
أباء الكنيسة- بعد الكتّاب اليهود منذ القرن الثّالث ق م، وبالأخصّ أرسطوبولوس ثمّ
فيلون الإسكندريّ ويوسفوس في إطار الصّراع ضدّ الثّقافة الهلّينيّة- إظهار أقدميّة
الكتاب المقدّس. وح
اول
يوليوس الإفريقيّ 160-240
معاصر
ترتلّيانوس، ثمّ يوسبيوس وسنكلّوس وغيرهم من أباء الكنيسة
التّوفيق بين التّاريخ المشتقّ
من ا
النّسخة
السّبعينيّة من ا
لكتاب
المقدّس وكتب المؤرّخين الأقدمين وقدّر
وا
ب
حوالي 5500 سنة تاريخ البشريّة إلى
ميلاد المسيح.
لكنّ
الأرقام المشتقّة من النّسخة العبريّة ومن التّوراة السّامريّة ( الّتي تضمّ
الأسفار الخمسة فقط) أقلّ ( 3760-4300)، والفرق هو بالأخصّ في فترة ما قبل
الطّوفان: 2242 سنة مقابل 1656 و1306. والسبب في ذلك يرجع إلى نوع الترجمة التي
انتهجتها السبعينية إنها كانت في احيانا كثيرة تهج إلى ايصال المعنى العام للنص النبوي
ومفهوم التعابير العبرية الواردة بإجمال دون تفصيل ، ففصلها المترجمون للسبعينية
كنوع من الترجمة التفسيرية وهذا لا يعيب الكتاب لأن هذا الأمر يتوقف على نوع
الترجمة المتبعة. في المقابل نجد عند مانيثون قبل السّلالات المصريّة الثّلاثين
إلى عهد البطالسة ( وأرقامه تؤيّدها إلى حدّ ما القوائم الملكيّة في أبيدوس
والكرنك وسقّارة وحجر بالرمو وبرديّ تورينو) فترة أولى أسطوريّة تبلغ 24900 سنة من
حكم الآلهة ثمّ أنصاف الآلهة وأرواح الموتى اعتبرها ] وليانوس الإفريقيّ ويوسبيوس
فترة ما قبل الطّوفان واختزلاها إلى حوالي 2206 سنة باعتبارها شهورا قمريّة ( وهو
افتراض لا أساس له، وإنّما كان المصريّون يستخدمون السّنوات القصار: 360 يوما
والطّوال: 365)
.
 أمّا عند بيرصّوس فتبلغ فترة ما قبل الطّوفان
المتضمّنة كما في الكتاب المقدّس 10 أجيال

[2]  دانووس: Danaus حسب
الأسطورة ابن بيلوس ملك مصر، فرّ من أخيه مع بناته الخمسين إلى أرغوس حيث لحق بهنّ
أبناء أخيه فتزوّجوهنّ فأمرهنّ باغتيالهم ففعلن إلاّ واحدة، فقتل زوجها لنكيوس
دانووس وبقيّة بناته. وهو على الأرجح آخر ملوك الهكسوس ( 1650-1580 ق م). وفي بعض
النّسخ 400 عوض 300 سنة.

[3]  أرغوس: Argos مدينة
يونانيّة قرب كورنثية.

[4]  حرب الأشوريّين: ربّما يقصد حربهم مع الميديّين
الّتي أنهت الامبراطوريّة الأشوريّة حوالي 609 ق م.

[5]  التّيتان: Titani ذرّيّة أورانوس وجاية الاثنا
عشر، منهم ساترنوس* وقُبيلة. انتصر عليهم يوبتر وألقاهم في التّرتار.

[6]  زكريّا: Zacharias من
أنبياء اليهود، في القرن ااسّادس ق م وله كتاب في العهد القديم.

[7]  قورش: Cyrus 600-529 ق م ملك الفرس، ابن
قمبيز، غلب كرويسوس* الملك اللّيديّ وغزا بابل.

[8]  داريوس: Darius اسم
ثلاثة من ملوك الفرس، آخرهم داريوس الثّالث 380-330 ق م الّذي هزمه الإسكندر.

[9]  طاليس: Thales فيلسوف ورياضيّ وفلكيّ مشهور
عاش في أواخر القرن السّابع ق م وبداية السّادس. وقصّته مع الملك كروسوس تروى في
الحقيقة عن سيمونيدس مع هيرون ملك سرقوسة 478-467 ق م ( أرنوبيوس 2: 2)

[10]  صولون: Solon حكيم
ومشرّع أثينيّ عاش في القرن السّادس ق م.

[11]  الفلسفة: philo/sophia تعني
الكلمة باليونانيّة “حبّ الحكمة”.

[12]  السّيبلّة: Sibylla كاهنة
أبولّون، وكان الرّومان يستشيرون في الأزمات الكتب السّيبلّيّة المشهورة بغموض
كهاناتها.

[13]  إيناخوس:
Inachus ملك أرغوس الأوّل
حسب الأسطورة؛ سبق رومولوس ب1100 سنة حسب حسابات القدماء.

 

 

 

[14]  بريام:  Priamusملك طروادة الأسطوريّ، هزمه
اليونان ( الآخيّون).

[15]  هوميروس: Homerus شاعر
يونانيّ من القرن السّابع أو السّادس ق م، تُنسب إليه الإلياذة والأوديسة، مشكوك
فيه.

[16]  مانِثون: Manetho كاهن
مصريّ كتب تاريخ مصر على الأرجح لبطليموس الأوّل 305-282 ق م بقيت منه شذرات.

[17]  بيروصّوس: Berosus برعاشا
كاهن كلدانيّ من القرن 3 ق م له كتاب باليونانيّة عن التّاريخ البابليّ استخدمه
اللاّحقون.

[18]  حيرام: Hieromus ملك صور
في القرن 10 ق م، أرسل خشب أرز لبنان والعمّال والمهندسين لبناء قصر لداوود (
أخبار 14: 1، ملوك2 5: 11) ثمّ هيكل سليمان ( ملوك3: 5 و7 و9 و10). وقد يكون
ترتلّيانوس خلط بينه وبين المؤرّخ
هيرونيموس الصّوريّ: ( حوالي 400 ق م)، وهو من المصادر القديمة عن آلهة العرب في
الجاهليّة، وإن كان يحاول عادة، كهيرودوت قبله، مماهاتها بالآلهة اليونانيّة.

[19]  مندسيوس: Ptolemaeus Mendesius راهب
مصريّ معاصر لإيناخوس حسب المؤرّخين القدماء.

[20]  مينندر الأفسسيّ: Menander Ephesius غير
الرّودسيّ مؤرّخ حروب خلافة الإسكندر. وأفسس
مدينة تقع حاليّا في تركيا.

[21]  يوبا الثّاني: Iuba 50
ق م-24 م نصّبه الرّومان على نوميدية وموريتانية* بعدما هزموا أباه، كتب في
التّاريخ.

[22]  أبيون: Apion نحويّ
يونانيّ عاش في القرن الأوّل م. كتب ضدّه يوسفوس دفاعا عن اليهود.

[23]  يوسفوس: Iosephus 37-101
م مؤرّخ يهوديّ رومانيّ صديق الأباطرة فسبسيانوس وتيتوس ودومتيانوس.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى