علم

18- مدح الكتاب المقدّس



18- مدح الكتاب المقدّس

18- مدح الكتاب المقدّس

 لكن
لندرك بمزيد من الجلاء والرّسوخ ذاتَه ومشيئته وأحكامه، أعطانا إضافة إلى ذلك
رسالاته ليمكن لمن شاء أن يبحث عنه، وإن بحث عنه أن يجده، وإن وجده أن يؤمن به،
وإن آمن به أن يخدمه. فمنذ بداية الخليقة بعث في العالمين رسلا[1]
أهّلتهم أمانتهم واستقامتهم لمعرفة الله وبيانه للنّاس، وأفاض عليهم روحه ليدْعوا
إلى إله واحد، هو من أنشأ الأكوان وصنع الإنسان من صلصال، فهو برومثيوس[2]
الحقيقيّ، ونظّم العالم مقدّرا لكلّ شيء مبتداه ومنتهاه. وأرسل كذلك آيات على
جلاله الأمطارَ والنّيرانَ، وحدّد السبل لاستحقاق رضوانه، وعيّن جزاء من يجهلها
ومن يخالفها ومن يستمسك بها، حتّى يحكم في نهاية الدّهر فيكافئ عباده البررة
بالنّعيم الأبديّ، ويعاقب الكفرة بنار أبديّة كذلك لا يخبو لها أوار، يوم يبعث كلّ
الموتى ويعيدهم نشأة أخرى ويحشرهم وازنا أعمالهم ليعيّن لكلّ أيّ الجزاءين استحقّ.
نحن أيضا ضحكنا من كلّ ذلك فيما مضى؛ فنحن منكم: النّاس لا يولدون، بل يصيرون،
مسيحيون. أولئك الّذين سمّيناهم دعاةً أنبياءٌ كُلّفوا بتبليغ الرّسالة. أقوالهم
وخصالهم الّتي كانوا يدعون بها إلى الإيمان بالله محفوظة في كنوز الكتب، لكنّها
كنوز غير مخفاة. لذا فإنّ بطليموس[3] المكنيّ
بفيلادلفوس[4]، ذلك الملك
الواسع الاطّلاع على كلّ مجالات الأدب، ربّما لمنافسة بيسستراتوس[5]
في جمع الكتب، ومن جملة الآثار الّتي استمدّت من قِدمها أو طرافتها شهرةً، وبتوجيه
من ديمتروس الفاليريّ[6] أوثق علماء
عصره الّذي كان قد استشاره، طلب من عند اليهود كتبا خاصّة بملّتهم موجودة لديهم
وحدهم. فمنهم دوما بُعث الأنبياء[7] وإليهم
وجّهوا دعوتهم، باعتبارهم الشّعب اّلذي اجتباه الله بخدمته، بلا شكّ للنّعمة الّتي
خصّ بها آباءه*؛ كان من ندعوهم اليوم يهودا يسمّون في الماضي عبرانيّين فكانت
كتبهم وكلامهم بالعبريّة. ولئلاّ يتعذّر عليه فهمها قُدّم له اثنان وسبعون ترجمانا
استنسخوا له كتب اليهود[8]، أثنى
الفيلسوف منيدموس[9] الضّامن
لحسن التّدبّر في هذا الباب على اتّفاقهم في الرّأي؛ يؤكّد لكم ذلك أيضا أرسطايوس.
هكذا نقلت أقلامهم إلى اليونانيّة هذه الرّوائع بعد فتح مستغلقها؛ واليوم توجد
مجموعة كتب بطليموس معروضة مع الصّحف العبريّة الأصليّة في سرابيوم[10].
بل حتّى اليهود أنفسهم يقرؤونها هناك علنا: تلك حرّية يتمتّعون بها مقابل الجزية[11]،
يذهب كافّتهم هناك كلّ سبت؛ من يستمعْ إليها يجدِ الله، ومن يجتهدْ لفهمها تحْدُه
حتما إلى الإيمان.



[1]  تبرير بعث الرّسل: ما دام الإنسان قادرا بعقله
على معرفة الله فلم الرّسل؟ يستبق ترتلّيانوس هذا الاعتراض الشّبيه بما قال ابن
الرّاونديّ في الزّمرّذة ( كما ورد في المجالس المؤيّديّة): “إنّ العقل أعظم
نعم الله على خلقه وهو الّذي يعرف به الرّبّ ونعمه فإن كان الرّسول يأتي مؤكّدا
لما فيه من التّحسين والتّقبيح والإيجاب والحظر، فساقط عنّا النّظر في حجّته
وإجابة دعوته إذ غنينا بما في العقل عنه، والإرسال على هذا الوجه خطأ وإن كان
بخلاف ما في العقل من التّحسين والتّقبيح والإطلاق والحظر فحينئذ يسقط عنّا
الإقرار بنبوّته”.

[2]  برومثيوس: أحد التّيتان، سرق النّار رمز
المعرفة وأعطاها للبشر فعاقبه زيوس بربطه في جبل القوقاز حيث ظلّ نسر من رأسه حتّى
حرّره هرقل. يستخدمه أبو القاسم الشّابّي في إحدى قصائده كرمز لروح التّحدّي.

[3]  البطالسة:
سلالة مقدونيّة حكمت مصر بعدما غزاها الإسكندر حتّى
ضمّها الرّومان 323-30 ق م.

 

[4]  بطليموس فيلادلفوس: Ptolemaeus
Philadelphus
أي “محبّ أخته” لأنّه تزوّج أخته
لأسباب سياسيّة واتّباعا للتّقاليد الفرعونيّة
308-246 ق م ثاني البطالسة، حكم بين 285
و246، عهده ذروة الحضارة الهلّينيّة
( الموسيوم، توسعة مكتبة الإسكندريّة الّتي أنشأها أبوه). في عهده تمت الترجمة السبعينية بعد أن طلب من
كهنة أورشليم أن يبعثوا له علماء الشريعة ليترجموا الأسفار المقدسة من العبرية
لليونانية فجلب 72 كاهنا يهوديا متبحرين في العلوم والترجمة في جزيرة فاروس في
الإسكندرية وتمت الترجمة.

[5]  بيسستراتوس: Pisistratus حاكم أثينيّ في القرن السّادس ق
م، شجّع الفنون والآداب واعتبر عهده العصر الذّهبيّ لأثينة.

[6]  ديمتروس الفاليريّ: Demetrius Phalereus 350
ق م- سياسيّ وفيلسوف أثينيّ والي أثينة من قبل المقدونيّين، فرّ بعد إعادة
الدّيمقراطيّة لها 307 م، واستقرّ في بلاط بطليموس.

[7]  الله خصّ بنعمة النّبوءة بني
إسرائيل
: جاء
الأنبياء من بني إسرائيل ومنهم من أرسله الله لبعض الأمم للتوبة كيونان النبي ولكن
معظمهم للأمة اليهودية.

[8]  استنسخ اثنان وسبعون ترجمانا أسفار
اليهود:
هي
التّرجمة السّبعينيّة
 Septuagintالّتي اعتمدها الكتّاب المسيحيّون وضمّن منها
الإنجيليّون ( مثلا قينان الّذي بين شالح وأرفكشاد الّذي ورد في لوقا 3: 36 في نسب
المسيح، ولم يُذكر في التّوراة السّامريّة ولا المسورت)
. وذلك حسب ما جاء في “رسالة أرستياس”
المنحولة الّتي تؤكّد أهميتها. فقد لبثوا 72 يوما كلّ بمعزل عن الآخر ثمّ قارنوا
ترجماتهم فإذا هي واحدة.
وللعدد
70 ( أو 72= 6×12 على أساس الأسباط الاثني عشر كما للعدد 12 نفسه) دلالة خاصّة في
الكتاب المقدّس: 70 رجلا مع موسى ( خر 24: 1 وعدد 11: 16 وجاء ذكرهم في القرآن 7:
155) و70 من شيوخ إسرائيل في نبوءة حزقيال 8: 11 والرّعاة ال70 الّذين حكموا
إسرائيل في سفر أخنوخ المنحول ومترجمو التّوراة ال70 أو 72 والتّلاميذ الّذين
أرسلهم يسوع إلى مدن فلسطين لوقا 10: 1 الخ

[9]  مينيدموس الأرتريّ: 339-265 ق م تقريبا،
فيلسوف يونانيّ ولد بجزيرة أرترية، مؤسّس المدرسة الأرتيريّة.

[10]  سرابيوم: Serapeum معبد
قريب من السّقّارة لعبادة سرابيس، ظلّ قائما حتّى هدمه العرب.

[11]  في إطار حرّيّتهم مقابل الجزية:
في النّصّ uectigalis libertas. ظلّ اليهود فعلا، في إطار الهلّينيّة ثمّ في إطار الامبراطوريّة
الرّومانيّة يستخدمون السّبعينيّة، قبل أن ينكفئوا إلى النّسخ العبريّة بسبب
المسيحية بعد مجمع يمنيا المشؤوم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى