علم الخلاص

14- فليقدم آدم ذبيحة فداء عن نفسه، وليقدم ذبيحة أخرى فداء عن حواء



14- فليقدم آدم ذبيحة فداء عن نفسه، وليقدم ذبيحة أخرى فداء عن حواء

14-
فليقدم آدم ذبيحة فداء عن نفسه، وليقدم ذبيحة أخرى فداء عن حواء.. ألا تكفر
الذبائح عن الخطايا؟ وإن كانت لا تكفر فلماذا أوصى الله بها في العهد القديم؟

ج:
مادمنا قد اعترفنا وأقرَّينا بمبدأ الفداء إذاً يستحسن بادئ ذي بدء أن نتعرف على
أهم صفات الفادي وهي أن يكون:

أ-
إنسان: لأن الإنسان هو الذي أخطأ، ولا يوجد كائن آخر نظير الإنسان ومثيله، ولذلك
يجب أن يكون الفادي إنساناً حتى يكون من نفس طبيعة المفدي، وقد سبق الكتاب وأشار
للفادي الذي سيسحق رأس الحية انه من نسل المرأة.. إذاً النائب عن الإنسان لابد أن
يكون إنساناً، وهذا ما حدث في التجسد الإلهي إذ اتخذ الله الكلمة طبيعتنا البشرية
كاملة جسداً وروحاً ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً
كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي ابليس ” (عب 2: 14)
وقال لتلاميذه بعد القيامة ” انظروا يدىَّ ورجلىَّ إني أنا هو. جسوني وانظروا
فان الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي ” (لو 24: 39).

 

ب-
بلا خطية: لا يكفي أن يكون الفادي إنساناً، ولكن لابد أن يكون بلا خطية ليحمل عقاب
خطايا الآخرين.. يكون بلا خطية شخصية، وخالي تماماً من الخطية الجديَّة المتوارثة
عن آدم، لأن الخاطئ لا يفدي خاطئاً، والمُفلِس لا يفي دين مُفلِس آخر، والمحكوم
عليه بالإعدام لا يقدر أن يفدي إنساناً آخراً محكوماً عليه بالإعدام.. حقاً إن
فاقد الشئ لا يعطيه، وقد تمسكت طقوس العهد القديم باختيار الذبيحة بلا عيب داخلي
ولا خارجي إشارة إلى الفادي الذي بلا عيب.

 

ولأنه
لم يفلت إنسان واحد من الخطية الجديَّة لذلك تجسد الله الكلمة من مريم العذراء
بدون زرع بشر، بعيداً كل البعد عن الخطية الجديَّة، لأن الروح القدس حلَّ على
العذراء القديسة مريم وقدَّس مستودعها، ولذلك فالمولود منها قدوس كقول جبرائيل
الملاك ” القدوس المولود منك يدعى ابن الله ” (لو 1: 37) ولا يكفي أن
يكون الفادي إنساناً خالياً من الخطية مثلما كان آدم قبل السقوط ثم تعرض للسقوط،
إنما يجب أن يُثبِت بالدليل القاطع انه معصوم من الخطأ، وهذا ما تشهد به حياة
السيد المسيح على الأرض الذي قال ” من منكم يبكتني على خطية” (يو 8: 46)
وقال عنه الكتاب ” قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة ” (عب 7: 26).

وعلى
حد تعبير الرازي في تفسير كلمة المسيح: انه سُمي المسيح لأنه مُسِح من الأوزار
والآثام، وذكر أبا هريرة عن الرسول قوله ” ما من مولود من بني آدم إلاَّ نخسه
الشيطان حين يُولَد فيستهل صارخاً من نخسه إياه إلاَّ مريم وابنها” وفي حديث
آخر رواه البخاري عن الرسول قوله ” كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه متى
يُولَد غير عيسى ابن مريم ذهب ليطعن فطعن في الحجاب “.

 

ج-
يقدم نفسه بإرادته: عن حب وسرور وليس عن قسر واضطرار كمن يساق إلى غرفة الإعدام
رغماً عنه، ولا يكفي أن يكون الفادي إنساناً مخلوقاً وبلا خطية، لأن المخلوق لا
يملك نفسه لكيما يقدمها فدية عن الآخرين، بل يجب أن يكون إنساناً بلا خطية يملك
نفسه أي هو الله المتأنس الذي قال ” لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً ليس أحد
يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن اخذها ”
(يو 10: 17، 18).

 

د-
أن يكون قابلاً للموت: لأن الحكم الإلهي الصادر ضد آدم كان بالموت، ولأن أجرة
الخطية موت، ولذلك تجسَّد كلمة الله ليتخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت يستطيع أن
يقدمه فداءاً عن الإنسان.. يقول القديس أثناسيوس ” وإذا رأى (الكلمة) ان فساد
البشرية لا يمكن أن يبطل إلاَّ بالموت كشرط لازم، وانه مستحيل ان يتحمل (الكلمة)
الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب، لهذا أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت، حتى
بإتحاده (بالكلمة) الذي هو فوق الكل يكون جديراً أن يموت نيابة عن الكل ”
(تجسد اكلمة 9: 1) ويقول أيضاً ” ولما كان مستحيلاً – كما قدمت سابقاً – أن
يموت ” الكلمة ” لأنه غير قابل للموت، فقد أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت
حتى يمكن أن يقدمه كجسده نيابة عن الجميع ” (تجسد الكلمة 20: 6).

 

ه-
أقوى من الموت: حتى إذا قدم نفسه بإرادته يستطيع أن ينتصر على الموت وينهض من
رقاده، ويقدر أن يهزم ابليس الذي هزم البشرية، ويخلص الأسرى من يد الجبار، ولذلك
يجب أن يكون المخلص قوياً في قدرته وحكمته وخبرته، ولهذا تأنس الله.

 

و-
غير محدود: لأن الخطية الموجهة ضد الله غير المحدود هي خطية غير محدودة، فلزم أن
يكون الفادي غير محدود، والمثال الدارج على هذا انه لو صفع طالب زميله على وجهه،
فمن السهولة حل هذه المشكلة، بينما لو صفع هذا الطالب مدير المدرسة فانه يتعرض
للفصل من المدرسة، وإذا صفح وزير التعليم فالعقوبة تشتد.. أما إذا صفع رئيس الدولة
فان الإهانة تكون موجهة للدولة ككل وتصل العقوبة إلى أقصاها.. لقد تجسَّد الله
الغير محدود ليرفع عقاب خطية غير محدودة. بل ليرفع خطايا العالم كله في كل زمان
ومكان، ففيه تحققت صفات الفادي كاملة بناسوته صار إنساناً، وقابلاً للموت، وبلا
خطية، وبلاهوته هو الخالق الذي يستطيع أن يقدم نفسه، وهو أقوى من الموت وغير محدود..
يقول البابا ثاؤفيلس ” فلما كان إلهاً تاماً صار إنساناً بإرادته، ولم يترك
شيئاً إليه مما ينتسب إلى الطبيعة البشرية ماعدا الشر الأثيم وحده، لأنه وإن كان
طفلاً فمع ذلك يُعرف بانه عمانوئيل ” (1).

 

ونعود
يا صديقي إلى إجابة السؤال الثاني عشر، ونتساءل هل تكفي الذبائح لفداء الإنسان؟ هل
تصلح هذه الحيوانات أن تكون وسيطاً بين الله والإنسان؟ وهل تتوفر فيها صفات
الفادي؟ بالقطع لا، فالحيوان لا يحمل طبيعة الإنسان، ويقاد للذبح قسراً، وهو محدود،
وليس أقوى من الموت.. إلخ ولذلك قال الكتاب ” لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع
خطايا ” (عب 10: 4) وأيضاً نقول ان الجسد البشري الذي سكنه الموت هو يحتاج
إلى الحياة لتتحد به وتطرد الموت من داخله.

 

ونأتي
إلى الشق الثاني من السؤال وهو: لماذا أوصى الله بتقديم الذبائح الحيوانية في
العهد القديم؟

 

نقول
انه أوصى بها لأنها تشير وترمز لذبيحة الصليب، وأخذت قوتها على المغفرة من
إرتباطها بذبيحة الصليب، فالإنسان الذي كان يخطئ كان يقدم ذبيحة بحسب خطيته وبحسب
رتبته , ويقرُّ ويعترف بخطاياه فينال وعداً بالمغفرة على حساب الذبيحة المستقبلية
كما ننال نحن المغفرة على حساب الذبيحة الماضية، لأن ذبيحة الصليب غير محدودة
بمكان ولا بزمان، فهي ممتدة عبر الزمن تكفي الكل من آدم حتى آخر إنسان تائب قبل
المجئ الثاني.

 

وأيضاً
أوصى الله بها حتى عندما يرى الإنسان الحيوان البرئ يُذبَح عوضاً عنه فيسفك دمه
وتشتعل فيه نيران العدل، فان منظر الدم والنار يحركان القلب القاسي والضمير الذي
تحجر فيشمئز الإنسان من خطاياه التي فعلت بالحيوان البرئ كل هذا، والحيوان أقرب
كائن للإنسان حيث يشعر بالراحة والألم.. كما أن تكرار الذبائح يشير إلى قصورها
وعجزها أما الإله المتأنس فقدم نفسه مرة واحدة فوجد فداءً أبدياً.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى