مريم العذراء القديسة

يسوع قبل الثلاثين



يسوع قبل الثلاثين]]>

يسوعقبل الثلاثين

كانالرب يسوع يعمل نجارا حتى بلغ سن الثلاثين. وأغلب الظن أنيوسف لقنّ يسوع مهنة النجارة التي ارتزق بها في غضون حياته المتسترة. فقد كانعلى كل فرد من أفراد الأمّة اليهودية أن يتقن مهنة يدوية، حتى ولو كان منالمنصرفين إلى علم الشريعة: فرابيّ هلّيل كان شقّاق حطب، ورابي شمعي نجارا. فيسوعقد سعى إلى قوته بعرق جبينه، عملاً بالسُنّة التي فرضت على آدم.

وجاءفي أحد التعاليم الربينية: ” من لم يلقنّ ابنه مهنة، جعله لصاً!”. وسوفيقول بولس، فيما بعد: ” من لا يعمل لا يأكل “. وأما مهنة النجارة فقدكانت تشتمل في الواقع، جميع صناعات الخشب: من سحج عمدان السقوف، إلى صناعة الأنيار(جمع نير) والمهاميز، وإلى تجهيز الأسرة إلأصونة والمقاعد والمعاجين… وقد لاحظبابيني (كاتب إيطالي معاصر، وضع ” سيرة المسيح ” بعد اهتدائه إلىالإيمان)، مصيباً، أن الفلاحّ والحدّاد والبناء والنجّار همٍ، بحرَفهم اليدوية،أكثر العمال اندماجاً في حياة البشر، وأعمقهم نزاهة وتديناً”

انقضتأعوام، ولا شك، كثيرة.. فيسوع لم يخرج من عزلته إلا بعد الثلاثين من عمره. وأماتلك الأعوام فلا نعرف عنها شيئاً سوى أن المسيح كان، في أثنائها، ” يتقدم فيالحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لوقا 2 ك 52). وإن الأحداث التينعرفها من غير ذلك لها أي اتصال بالبيئة التي نشأ فيها الطفل الإلهي

كانيسوع قد ناهز العشرين من عمره عندما توفي أوغسطس قيصر (14م) وهوفي السادسة والسبعين من عمره؛ وخلفه على العرش طيباريوس بن ليفا دعيه وحظية. فكيف يكونأوغسطس قد نصب بعد وفاته إلهاً فما كان ذلك في نظر كل يهودي ورع سوى برهان جديدعلى وثنية الشعب الروماني. وأن يكون الإمبراطور الجديد قد أطلق يد صفيه”سيجان” في رقاب بطانته فما كان ذلك سوى دليل على بربريتهم. ولم يكنالشعب اليهودي ليهتمّ إلاّ للأحداث التي كان لها بديارهم المقدّسة علاقة مباشرة.ففي السنة 6م وهي السنة التي جرت فيها حادثة يسوع في الهيكل، خلع”أغسطس أرخيلاوس بن هيرودس، عاهل اليهودية، عن عرشه، ونفاه، بسبب ما تفاقم منأخطائه ؛ وتولى من بعده على اليهودية ولاة رومانيون… وكان يسوع قد بلغ -ولاشك -الحادية والثلاثين من عمره، وعلى همة الشروع في رسالته العلنية، عندما وصل إلىاليهودية، في السنة 26م، وَال روماني اسمه بنتيس بيلاطس، ذاك الذي كان على المسيحأن يتواجه وإياه يوماً في ساعة عصيبة.

أمّابلاد الجليل فكانتإقطاعية هيرودس أنتيباس، أحد أبناء هيرودس الكبير- فكانت تنظر بعين التحفظ والحذرإلى ذاك المُليكْ الذي هبّ يتخلّق بأخلاق الرومان، ويهدر الأموال الطائلة، علىضفاف البحيرة، في بناء عاصمة باذخة مترفة، دعاها طبرية، توددا إلى طيباريوس، سيّدالعرش المقتدر. وعندما شاع في الناس، سنة 28م، أنه طلق امرأته الشرعية، وتزوجبامرأة أخيه هيروديّا، سرت في الشعب المؤمن موجة من السخط، وراحوا يرددون، همساً،اللعنات التي أنزلها الله بالزناة، قي جبل سيناء

لقدعاش يسوع عيشة الفقراء. ولاشك أنه سكن بيتا متواضعاً جدّاً شبيهاً بذاك الذي حضرفيه الملاك إلى مريم، والذي أوى إليه يوسف مع أسرته. وأما طعامه فكان من طعامالشعب الجليلي، قوامه خبز الحنطة أو الشعير، واللبن الرائب، والخضار، والفواكه،واللحم في بعض الأحوال النادرة، وكثيراً من الأحيان ” ذاك السمك المقلي الذييخصب جسم الإنسان “، على حدّ ما جاء في كلام الرابيين. ويتبّين من مطالعةالأمثال الإنجيلية، أن يسوع لم يخالط قط الأغنياء وعظماء الأرض. فهو يتكلّم عنالبذخ والترف بما نجده عند الفقراء من نزعة إلى التبسيط. وعندما يأتي، في معرضأمثاله، على ذكر الدرهم المفقود، فًلا شك أنه يتذكّر والدته، والسراج في يدها،تبحث في بيتها الفقير، عن قطعة النقود المفقودة، وتطفح بشراً إذا عثرت عليها. حياةفطرية رائعة يجب ألاّ تغيب عن الأذهان صورتها، عندما يتجلى لنا المسيح، في سناءمجده، والجماهير زاحفة في إثره..

فمنتلك البيئة الاجتماعية، بيئة الفقراء.والصيّادين، والكرّامين، والفلاحين، وذويالمهن اليدوية، استمدّ يسوع تلك الدربة التي يصادفها كلّ منا في مشاركاته مع الناس.وكان الجليليون من الأقوام الطيّبين، أقلّ تشبّثاً بالشكليّات من يهود اليهودية،قلوباً صافية، وإن على شيء من الخشونة. وسوف يستعين يسوع بلغتهم وعاداتهم وبكثيرمن تعابيرهم التصويرية. ولسوف تبقى، سحابة حياته كلها، واحداً من أبناء الشعب لهمن سجايا النبل الفطري، ما يجعله توّاً في مستوى جميع الناس

إنجميع بقعة الجليل تكسوها من الخصب والرُواء ما يتعارض ومشهد الجفاء في أرضاليهودية. فالآكام فيها لينة، والأرض مريعة، تحجب الجثاء الصخري. والمطر فيها (6 سنتمتراً)أغزر منه في أورشليم، وفي وادي الأردن خصوصاً. لقد كانت أرض الجليل، إذن، في حياةالمسيح، مهبط البشرْ والفرح. فيها درجت طفولته، وانضوت حياته المتست
رة الدائبة،واَنطلقت، فيما بعد، تباشير نجاحه الرسولي. وإنه لمن الأهمية بمكان أن يكون كتابالطبيعة قد رافق أعوام نشأته بتلك الهمسات الودية التي سوف يبقى ذكرها عالقاً فيكل صفحة من صفحات الإنجيل.

منتلك الأرض انطلق المسيح، ذات يوم من شتاء سنة 27م، وشخص إلى مخاضة ” بيتعَبرا “، حيث كان ينتظره مع المعمدان، اعتلان مصيره.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى