اللاهوت الروحي

وقفة بعرض الزمن



وقفة بعرض الزمن

وقفة بعرض الزمن

القمص زكريا بطرس

“..
امتحنوا أنفسكم..” 2كو5: 13

مقدمة

من الثابت أن الزمن
ينقسم إلى ماض، وحاضر، ومستقبل. والواقع أن الليلة الأخيرة من العام
تمثل حاضر، له ماض، وينتظر المستقبل. والإنسان في تلك الليلة يقف في مفترق طرق
بين عام منصرم، وآخر يطل برأسه مع دقات الساعة المعلنة منتصف الليل. وبكل تأكيد هي
لحظة خطيرة تحتاج إلى قرار خطير. إما أن يواصل الإنسان مسيرة حياته كما
كانت في العام الماضي، وإما أن يغير مسيرته وفقا لمعطيات جديدة تختلف عما
كانت عليه سابقا. إنها وقفة بعرض الزمن.

تعال معي أيها القارئ المحبوب
لنتأمل بهدوء في تلك الوقفة بين الماضي والحاضر والمستقبل.فإن كان ماضينا قاتما
فينبغي أن يكون حاضرنا حاسما ليكون مستقبلنا باسما.

أولاً: الماضي القاتم

إذا فكرنا في حياتنا
خلال العام الماضي فسوف نجد أنه كان بها نقاط مضيئة بلا شك، ومع ذلك فإن
أمعنا النظر بأمانة سوف نكتشف المساحات الداكنة التي غطت رقعة كبيرة من تلك
الأيام.

كم نحتاج إلي وقفة
صريحة لنقيِّم حياتنا حتي نستطيع أن نغسل قتام تلك الأيام.

ولكي نستطيع أن نقيِّم
حياتنا بدقة
نحتاج إلي معرفة بعض القيم والمعايير التي تساعدنا علي
ذلك، وهي:

1 المحبة: المحبة
لله وللناس
.
فهل كنا ندرك مدي محبة الله لنا، تلك المحبة الفائقة التي تجسدت فوق خشبة
الصليب لتعلن فداءنا وتهبنا بر المسيح وتجعلنا أحباء لله بعد أن كنا له أعداء.
” أنتم الذين كنتم قبلا أجنبيين وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة قد
صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت لنكون قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه”
(كو1: 21و22)؟

هل نحن بادلنا الله
الحب بالحب

كما هو مكتوب” نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولا”(1بو4: 19)؟ هل عبرنا عن هذا
الحب بطريقة عملية فكانت لنا أوقات قرأنا فيها كلامه الحبي باشتياق؟ وهل وجدنا
حنينا داخليا للحديث الحبي معه؟

ثم ماذا عن محبتنا
للآخرين
الأقرباء والأعداء؟ هل كانت هناك محبة قلبية خاصة لهم أم كنا نعيش في
الأنانية ومحبة الذات؟ هل عبرنا عن محبتنا هذه بأعمال محبة عملية مثل ذكر أسمائهم
في الصلاة ليباركهم الرب ويغدق عليهم النعمة؟ هل باركنا لاعنينا وأحسنا إلي
مبغضينا؟ هل عملنا علي تعميق العلاقة الحبية مع الآخرين بالمودة والتعاون
والمشاركة..إلخ.

 

2 الأمانة: هل عشنا
بالأمانة في القول والفعل؟ بمعني هل كذبنا علي أحد؟ وهل تكرر هذا الكذب؟ وهل الكذب
هو أسلوب حياتنا؟ وما هو نوع هذا الكذب؟ هل هو تغيير حقائق؟ أم ذكر نصف الحقائق؟
أم إختلاق أحداث؟ أم مبالغة في الكلام؟

 

وماذا عن الأمانة في
الفعل؟ بمعني عدم السرقة. فهل كانت لنا مواقف وتصرفات ينطبق عليها صفة السرقة؟
سواء كانت سرقات كبيرة أو سرقات صغيرة؟ هل تحتفظ بكتب إستعرتها من إحدي المكتبات
أو أحد الأصدقاء؟ هل تحتفظين بآنية أخذتيها سلفة من جارتك ولم ترديها للآن؟

 

3 الطهارة: هل قضينا
العام الماضي في طهارة الفكر والقول والحس والفعل؟ أم تنجست عيوننا بالنظرات
الشريرة؟ وآذاننا بالسماع الدنس؟ وعقولنا بالأفكار النجسة؟ وبقية حواس الجسد
بالزنا والعهارة والدعارة؟

 

4 التواضع: هل تصرفنا
في العام الماضي في كبرياء؟ أو تمركز حول الذات؟ أو إفتخار وتباهي بالمال أو
الجمال أو الذكاء وكثرة المعرفة؟ أو تحقير للآخرين؟ أم كنا نعتذر عن أخطائنا
للآخرين في تواضع قلب؟

وماذا بعد هذا التقييم
ومعرفة حقيقة النفس في مفترق الطرق بين عامين؟

لكي نعرف إجابة ذلك
علينا أن ننتقل للنقطة التالية:

 

ثانيا: حاضر حاسم:

في هذه الليلة الحاسمة،
إذ يكتشف الإنسان حياته ويرى تلك المساحات السوداء الملتحفة بالخطية عندئذ تكتئب
نفسة وتحزن علي كل هذه الشرور التي لوثت حياته، ويبحث عن مخرج من هذه الكآبة.

وقد يجدها الشيطان
فرصة ليضرب الإنسان باليأس ويسحبه إلي بالوعة الفشل ليلقيه في غياهب الضياع!!
فاحذر من هذا العدو الخبيث الذي يريد أن يقضي علي حياتك. وقل بقوة مع ميخا النبي
” لا تشمتي بي يا عدوتي إذا سقطت أقوم. إذا جلست في الظلمة فالرب نور
لي” (ميخا7: 8)

تعال للرب في هذه الليلة
تائبا
.
تقدم إلي أب إعترافك مقرا بخطاياك. وقل مع يوحنا الرسول: “إن إعترفنا
بخطايانا فهو أمين وعادل حتي يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم”(1يوحنا1:
9). ولهذا اعتادت كنائسنا أن تقيم في نهاية سهرة رأس السنة قداسا إلهيا حتي
تتيح الفرصة لمن يشاء أن يجدد عهوده مع الرب أو أن يبدأ من جديد في عشرة مقدسة مع
المسيح أن يعترف ويتناول من سر الأفخارستيا المقدس.

 واعلم يقينا أن
الرب ينتظرك لأنه يعزك ويحبك وينتظر رجوعك إليه فهو القائل أنا أنا هو الماحي
ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكرها ” (إش43: 25) وأيضا “لأني أصفح عن
اثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد” (ارميا 31: 34).

 
ثالثا: مستقبل باسم:

في هذه الليلة الفاصلة،
وبعد هذا التقييم الدقيق، والاعتراف التفصيلي، والاغتسال بدم الحمل الطاهر ليطهر
قلوبنا وأفكارنا وضمائرنا، وجب أن نتخذ قرارا حاسما بأن نقطع عهدا مع الرب
لبدء حياة جديدة ليست كصفحة الماضي الكئيبة التي نطويها الآن من ملف حياتنا.
ولنعقد النية علي أن نحيا حياة مرضية للرب في هذه السنة المقبلة علينا والمقبولة
من الرب.

سنة يكون هدفنا فيها
مجد الله
في الأعالي.

سنة يغمرها سلام
حقيقي
في القلوب.

سنة مليئة باليشر
والسعادة
في الرب يسوع.

سنة مفعمة بالمعونة
الإلهية
التي تسند ضعفاتنا البشرية.

سنة ينعشها التمتع
القلبي بالعشرة
مع الحبيب.

سنة تتلألأ بالشهادة
القوية
للرب في قدوة حسنة وسلوك مقدس.

سنة تفيض بأحاديث
النعمة
التي تفتح الطريق أمام الآخرين لمعرفة الرب الفادي والمخلص والمحب
الألزق من الأخ.

سنة يشرق فيها
الرجاء المبارك
.

سنة المستقبل الباسم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى