علم

نص الدفاع عن الايمان المسيحى



نص الدفاع عن الايمان المسيحى

نص
الدفاع عن الايمان
المسيحى

1-
الدّعوة إلى إعادة النّظر في قضيّة المسيحيين

 إن
لم يسعْكم يا ولاة الامبراطوريّة الرّومانيّة النّظر علانية من علاء منزلتكم
المرموقة على رأس الدّولة في قضيّة المسيحيين والتّحقيق حولها أمام الجميع، إن
كانت سلطتكم توْجل أو تخْجل من التّحرّي علنا وبتبصّر العدالة حول هذه القضيّة دون
سواها، أخيرا وكما تمّ مؤخّرا إن كمّم اضطهاد هذه الملّة المشطّ فم الدّفاع في بعض
المحاكمات المحلّيّة[1]، فاسمحوا
على الأقلّ بأن تصل الحقيقة إلى مسامعكم من خلال رسالة خرساء لا ترافقها أيّة
ضجّة. ليس لها ما ترتجي بخصوص قضيّتها فهي لا تعجَب من وضعها وتعلم أنّها تسير
كغريبة في الدّنيا[2] ولا غرو أن
تجد بين الغرباء أعداء، لكنّ لها في السّماوات أهلها ووطنها ورجاءها وحظوتها
ومجدها؛ في انتظار ذلك لها رغبة واحدة: ألاّ تدان جهلا. فأيّ ضير على القوانين،
ولها السّلطان المطلق في مجالها، من الاستماع إليها؟ أيزداد سلطانها حين تدين
الحقيقة بدون سماعها؟ وإلاّ إن تدينها بدون سماعها فحينئذٍ ستستحقّ فضلا عن طابع
الجور البغيض أن يُرتاب في تحيّزها لرفضها سماع ما لا تستطيع إدانته لو سمعته. نضع
إذن نصب أعينكم هذا السّبب الأوّل لما في الكراهية تجاه اسم المسيحيين من ظلم.
والذّريعة نفسها، الّتي تبدو تبريرا لهذا الظّلم، وهي الجهل طبعا، تضاعفه وتدحضه؛
وهل أظلم من أن يكره النّاس ما يجهلون، حتّى لو استحقّ الكراهية فعلا؟ فإنّما تحقّ
الكراهية متى عُلم أنّها تحقّ. أمّا في غياب العلم باستحقاقها، فبم يُستدلّ على
عدل الكراهية الّذي يجب إثباته لا من الأمر الواقع، بل بالاقتناع الباطن؟ فعلا، إن
كره النّاس لجهلهم بحقيقة ما يكرهون، ألا يمكن أن يكون ما يكرهون بهذا النّحو
تحديدا ما يجب ألاّ يكرهوا؟ هكذا نبيّن بُطلان كلا الموقفين انطلاقا من الآخر:
أنّهم يجهلون في كرههم، ويكرهون ظلما في جهلهم. دليل جهلهم الّذي وإن فسّر ظلمهم
يدينه أنّ كلّ من كانوا يكرهون سابقا لجهلهم بحقيقة ما يكرهون يكفّون عن كرههم فور
زوال جهلهم؛ فهم يتحوّلون إلى مسيحيون عن اقتناع، ويكرهون حينئذ ما كانوا قبل
تحوّلهم إليها، ويجاهرون بما كانوا يكرهون؛ وإنّهم ليدخلون في هذا الدّين بالأعداد
الّتي يشيعها غيرهم. تتعالى الأصوات بأنّهم اندسّوا في المدينة، بأنّ المسيحيين في
الحقول والقرى المحصّنة والجزر، وترتفع الشّكاوى من دخول النّاس في هذا الدّين
أفواجا من كلّ جنس وعمر وفئة بل وكلّ منزلة، كما لو كان ذلك ضررا فادحا. لكن لا
يخطر ببالهم افتراض خير خفيّ فيه، لا يمكنهم تصوّره بنحو أقوم ولا يعجبهم تجريبه
عن كثب. هنا فقط يثّاقل فضولهم الإنسانيّ؛ يحبّذون الجهل بينما يسعد غيرهم
بالمعرفة؛ ولكم كان أناخرسيس[3] سيشنّع أكثر
على هؤلاء الجاهلين الّذين يحكمون على العارفين، < كمن ينتقدون أهل الفنّ وهم
يجهلونه>. يؤثرون الجهل، لكراهيتهم المسبقة؛ هكذا يحكمون مسبقا على ما يجهلون
بأنّه بالصّورة الّتي يظنّون، ولو عرفوه لما أمكن أن يكرهوه، بينما الأوْلى بلا
شكّ إن لم يُكتشف مسوّغ للكراهية، الكفّ فورا عن كراهية لا موجب لها. وإن اتّضح
أنّ لها مبرّرا فلا داعي حينئذٍ لتخفيفها، بل فوق ذلك، يدعو شرف العدل نفسه إلى
الاستمرار عليها. لكن قد يقال: “ليس أمر ما خيرا لمجرّد اجتذابه كثيرين: فكم
من النّاس يغويهم الشّرّ < وكم منهم يستهويهم الضّلال! من ينكر ذلك؟> لكنّ
ما هو شرّ حقّا لا يجرؤ المنجرّون إليه على الدّفاع عنه كخير. فقد ألقت الطّبيعة
على كلّ شرّ ستارا من الخوف أو الخجل. لذا يرغب الأشرار في الاختفاء، ويتجنّبون
الظّهور، ويضطربون إذا قُبض عليهم، وينكرون ما يُتّهمون به، وحتّى تحت التّعذيب لا
يقرّون بسهولة ولا في كلّ الأحوال، ويأسفون بالتّأكيد عند إدانتهم: يقرّون في
خفايا سرائرهم بأنّهم دُفعوا بشرّ أنفسهم ويعزون للقدر والبروج خطاياهم ولا يريدون
الإقرار بأنّ ما يعلمونه شرّا هو من عند أنفسهم. فهل من شبه للمسيحيّ بذلك؟ لا أحد
يخجل أو يندم على شيء سوى أنّه لم يكن كذلك في وقت أبكر؛ إن أشير إليه افتخر، وإن
اتُّهم ما أنكر،وإن استُجوب، بل ومن تلقاء نفسه، أقرّ وإن أدين شكر. فأيّ شرّ هذا
الّذي لا يقترن بسمات الشّرّ المعتادة، من خوف وخجل وتنصّل وندم وحسرة؟ ماذا؟ أشرّ
هذا الّذي يسعد المتّهم به؟ الّذي تهمته مُنية وعقابه نعمة؟ لا يجوز أن تصِم
بالجنون ما ثبت أنّك تجهله.



[1] محاكمات محلّيّة: domesticis indiciis
أو ربّما
iudiciis: أي على أساس شهادات عبيد ( تصحيف).

 

[2]  ملّتنا
غريبة في الدّنيا:
قد يعود ضمير
“هي” على “الحقيقة” لكنّ “ملّتنا” أرجح، كما
المؤمنون في رسالة القدّيس بولس إلى العبرانيّين 11: 13 (فِي الإِيمَانِ مَاتَ
هَؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ
نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ
وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ
. ).

[3]  أناخرسيس: حكيم سكيثيّ
أسطوريّ، ذكره هيرودوت في وصف طقوس قُبيلة عند الشّعوب الفريجيّة.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى