علم

منهج إيرينيوس فى كتاب ”الكرازة الرسولية”:



منهج إيرينيوس فى كتاب ”الكرازة الرسولية”:

منهج
إيرينيوس فى كتاب ”الكرازة الرسولية”:

 يبنى القديس
إيرينيوس كتابه على أعمال الكُتّاب المسيحيين السابقين له، وهو يتخذ موقفًا حاسمًا
ومدروسًا ضد كل من ماركيون والغنوسيين. فإيرينيوس هو أول أب من آباء الكنيسة
يستخدم الكتابات الرسولية ويقول إنها من الكتاب المقدس. فهو يعرف نصوص العهد
الجديد كلها التى نعترف بها نحن الآن ويستخدمها بالفعل فى كتاباته. وهو يُصرّ على
أن الأناجيل لا يمكن أن تكون أكثر أو أقل من أربعة أو بالأحرى إنجيل واحد له أربعة
أوجه. وهو فى كتابه الكبير ” ضد الهرطقات” بعد أن يصف أنظمة الغنوسيين فى
الجزء الأول من كتاب “ضد الهرطقات”، ثم يوضح تناقضاتهم الموجودة فيها فى
الجزء الثانى، ثم ينتقل فى الأجزاء الثالث والرابع والخامس إلى الشرح من الكتاب
المقدس، وأيضًا الشرح من الرسل الذين كتبوا الإنجيل، والذين سجلوا فيه التعليم عن
الله، مبينين فيه أن ربنا يسوع المسيح هو الحق ولا يوجد فيه غش (ضد الهرطقات
AH3: 5: 1). وبعد ذلك ينسج بمهارة مقاطع من العهد القديم مع مقاطع من العهد
الجديد، لكى يوضح أنه لا يوجد سوى إله واحد الذى أعلن عن نفسه للجنس البشرى الواحد
فى ابنه الوحيد يسوع المسيح بالروح القدس الواحد، وذلك بواسطة التدبير الإلهى الذى
يخيّم على الكل على مدى التاريخ.

 وكما سبق أن
أشرنا فإن إيرينيوس فى كتابه “الكرازة الرسولية”، لا يستخدم الكتابات
الرسولية كثيرًا وبشكل صريح. هو يشير إلى الرسل فى الفصول 3و41و46و47و86و98و99،
ويقتبس من الرسول بولس ثلاث مرات، ومرة يشير إليه على أنه رسول المسيح فى فصل
5و8و87، ويقتبس من تلميذ المسيح يوحنا مرتين فى فصلى 43و94. وفيما عدا هذه
الإشارات القليلة، فإن إيرينيوس يشرح “الكرازة الرسولية” ببساطة ضمن
إطار قراءة العهد القديم المتمركزة حول المسيح تلك القراءة التى ميّزت التعاليم
المسيحية فى القرن الثانى.

 إن منهج
القديس إيرينيوس الخاص فى كتابه “الكرازة الرسولية” سبق أن أشار إليه
بوضوح كل من أغناطيوس الأنطاكى ويوستينوس، ونقصد هنا قراءة العهد القديم المتمركزة
حول المسيح. وهذا المنهج فى الواقع يُنسب إلى يسوع المسيح نفسه بعد القيامة، الذى
” ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهم الأمور الخاصة به فى جميع
الكتب” (لو27: 24). وأكثر من ذلك فإن عددًا كبيرًا من النصوص الكتابية التى
استخدمها إيرينيوس كان يوستينوس قد سبق باستخدامها لنفس الغرض. وفى أغلب الحالات
بنفس تجميع الآيات مع بعضها وبنفس طريقة ترتيبها، فإما أن يكون إيرينيوس قد استقى
فى كتابته كثيرًا من يوستينوس أو أن يكون كلاهما قد استقى من مصدر مشترك.

 ومع ذلك فإن
فرادة إيرينيوس فى كتاب “الكرازة الرسولية” تكمن ليس فى التحليل النظرى
للموضوع، بل فى عرضه الشامل والواضح الذى قدّمه. وبينما كان يوستينوس يتجول من
موضوع إلى موضوع بدون تنسيق واضح، فإن إيرينيوس كان يعالج أو يقدم شرحًا للكرازة
الرسولية بسهولة، بخصوص عمل الله منذ بداية الخليقة حتى يصل إلى تمجيد ابن الله
بصعوده إلى المجد.

 ومما سبق أن
قلناه بخصوص عرض “الإعلان المسيحى” فى كتابات القرن الثانى، يتضّح أنه
كان هناك مشروعان مرتبطان معًا: الأول هو توضيح أو كشف محتوى الكتاب المقدس، العهد
القديم فيما يختص بإعلان يسوع المسيح كما بشر به الرسل؛ والثانى هو الاعتراف
بالإصالة الكتابية لتلك الكرازة الرسولية بإظهار أن كرازة الرسل التى كان مركزها
يسوع المسيح كما صيغت فى الكتاب المقدس، قد سبق التنبؤ بها كما هى.

 هاتان
المهمتان عبّر عنهما القديس إيرينيوس بكلمة واحدة هى
επίδειξις أى شرح أو برهان للكرازة الرسولية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى