بدع وهرطقات

مشكلة الإخوة الطوال



مشكلة الإخوة الطوال

مشكلة
الإخوة الطوال

الأخوة
الطوال ويوحنا ذهبى الفم

تعليق:
قبل أن نتكلم عن مشكلة الإخوة الطوال مع البابا ثاوفيلس لوحظ أن بابا الإسكندرية
كانت من طباعه أن يسير بخطه محاولة وضع أتباعه فى مراكز الأسقفية بالعالم القديم
فكان فى قبرص أسقف مصرى وفى أورشليم وفى خلقيدونية وكان يريد وضع القديس إيسيذوروس
كبطريرك للقسطنطينية ولكنه أخفق فقد إختير ذهبى الفم، وقد تردد أنه خصاله أنه عنيف
فى مقاومة خصومه يكيل لهم بمكيالين ولم يكن يهتم كثير بالعقيدة الإيمانية المسيحية
فمثلاً إنحاز مع الرهبان أصحاب هرطقة تجسيم شكل الإله
Anthropomorphism وقال لهم عندما رأيتكم كمن رأيت وجه الإله، ولم ينسحب الرهبان
الهراطقة إلا بعد أن وعدهم بحرمان أوريجانوس وكتابات أوريجانوس بل وكل من يقرأ
كتابات أوريجانوس (وهذا ما تم فعلاً فى عيد الفصح التالى)، فهل فعل هذا لأنهم
كثيرى العدد، كما أنه لم يتضح هل إنحيازه لهم نتيجة خوفه منهم؟ أم لأنه إعتنق هذه
الهرطقة؟ أم لأنه يريد إنتقاماً من خصومه فركب الموجة العالية حتى يصل إلى مرماه
أم ماذا؟ أم كما يقول المؤرخين الغربيين أنه كان رجلاً عنيفاً غضوباً لا يرحم
معارضيه وأطلقوا عليه أسم فرعون؟ أم أنه كان محباً للسلطة والشهرة هدم الهياكل
الوثنية ليكون اسمه على كل لسان وهاجم الأوريجانية وكأنه هاجم هرطقة تهدد الكنيسة
ليكون اسمه على كل لسان؟ لقد حاول الأغلبية من مؤرخى الكنيسة القبطية تجميل صورة
هذا البطريرك ودفع الإتهامات عنه بإخفاء بعض الحقائق أو ذكر بعضها والرد على الإتهامات
ولكنهم أخفقوا جميعا والبعض أظهرها غير واضحة وعندما سرد أحد الاباء الموقرين ما
قالة المؤرخين وسئل عن هذا قال: لقد ذكرت الحقيقة إحقاقاً للحق!!

 

من
هم الأخوة الطوال؟

نشأ
الأخوة الطوال فى الفرما وأصبحوا من بين رهبان هناك، وكانوا أربعة أخوة إشتهروا
بطول القامه وعرفوا فى التاريخ بأسم ” الأخوة الطوال ” (12)

وكان
أكبرهم فى العمر أسمه الآباء أمونيوس (آمون) وأطلقوا عليه أسم باروتيس (أطلق عليه
المؤرخين لقب باروتيس ومعنى هذا الإسم: صاحب الأذن الواحدة) أرسل ثيوفيلوس جنوداً
ليجلبوا امونيوس بالقوة لرسامته أسقفاً. فلما رأى الجنود قادمين، أمسك بالسكين
التي يستخدمها لتقشير الخضار وقطع إحدى أذنيه. فلم يعد يستوفي شروط الأسقف، وقال
إذا أصر البابا تيموثاوس على رسامته فسيضطر إلى قطع لسانه فتركوه، وقد سافر
أمونيوس مع البابا أثناسيوس الرسولى إلى رومية عام 341م

والأخ
الثانى أسمه ديسقوروس أقامه البابا ثاؤغيلس أسقفاً لواحة هرموليس ”
الأشمونين”

أما
الأخ الثالث وأسمه يوساب والرابع وأسمه أنتيموس أقامهما البابا قسيسين فى كنيسة
الإسكندرية

هؤلاء
الإخوة اتسموا بالروحانية والنسك، وقاموا بالنضال ضد الأريوسية بعد نياحة البابا
أثناسيوس. وكانوا على علاقة طيبة بالبابا تيموثاوس والبابا ثاوفيلس حتى سنة 400م،
فقد أحبهم وأكرمهم كرامة زائدة، فرسم ديسقورس أسقفًا على هرموبوليس كما سام اثنين
منهم يوساب و أنتيموس كاهنين بعد اعتذارهم عن السيامة كأساقفة. لقد أراد البابا أن
يستبقيهم معه في الإسكندرية لمساندته في الرعاية لكنهم فضلوا سكنى البرية

 

وكان
من أكبر مناطق تجمع الرهبان المصريين فى عصر البابا ثائوفيلس 23 الأولى: منطقة
نتريا ، الثانية: منطقة الإسقيط وتشمل أديرة وادى النطرون

 

وبدأت
أتعاب البابا ثائوفيلس 23 مرة اخرى

وفي
البداية كان البابا محبًا لكتابات أوريجينوس، حتى أنه في سنة 399م إذ رأى الخلاف
محتدمًا بين يوحنا أسقف أورشليم وهو من رهبان وادى النطرون وجيروم بسبب العلامة
أوريجينوس حاول مصالحتهما، فشعر جيروم (4) (القديس إيرونيموس) أن البابا ينحاز
لأوريجينوس، فكتب إليه بعنف يقول: “إنك لا تعرف كيف يكون الجدل والمناقشة،
لأنك تعيش مع رهبان يجلون قدرك ويرفعون مقامك ويجلون قدرك عند مقابلتهم إياك بل
يحبونك ويظهروا لك إخلاصهم بولاء لأنك لم تظلمهم أو بالحرى لم تقسو عليهم فى شئ
” ولكن فى الحقيقة لم ينقضى وقت حتى ظهر الخلاف بين رهبان مصر وإنحاز البابا
ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 لرهبان الإسقيط وعامل رهبان نتريا قسوة .

 

العلاقة
المميزة بين رهبان الإسقيط والبابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23

 تقول
مسز بتشر (4): ” أن البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 كان على وفاق ووئام تام
مع جماعة الرهبان العديدين فى مصر خصوصاً مع رهبان وادى النطرون الذى هو أكبر
الأديرة وأقرب لمدينة الإسكندرية وكانوا قد ساعدوه فى هدم الهياكل وتدميرها فمدح
غيرة إيمانهم وكافأهم على ذلك بأن كان يختار من بينهم ليرسمهم لرتبة الأسقفية كلما
كانت تسنح له الفرصة وكان من بين الذين أصبحوا أساقفة ديسقوروس أحد الإخوة طويلى القامة،
وكان أسقفاً على هرموبوليس (المنيا)، أما شقيقاه يوساب وبوثيموس كان البابا
ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 طلب منهم أن يتركا دير وادى النطرون ورسمهما كاهنين فى
كنيسة الإسكندرية ”

 هرطقة
تجسيم شكل الإله
Anthropomorphism

 

هرطقة
تجسيم (1) شكل الإله
Anthropomorphism (الأنثروبومورفيزم): بسبب بدعة انتشرت بين بعض رهبان الإسقيط كان
رأسها أفوديوس من بين النهرين مؤداها أن الإله ذو صورة بشرية وذو أعضاء جسمية (1)،
وفي نفس السنة نشر البطريرك رسالة عيد الفصح السنوية، فاغتاظ أولئك الرهبان من
عبارة وردت فيها وهى قوله: “إن الله روح لا يدركه الفهم، وليس هو مجرد إنسان
يقع تحت الحد والحصر”، فهاجوا على البطريرك لما رأوه يخالفهم في الاعتقاد
وترك

وتصف
المؤرخة مسز بتشر هياج رهبان الإسقيط فتقول: ”

وكان
أساس هذا الفكر هو الراهب سيرابيون

 

رهبان
الإسقيط يريدون الفتك بالبابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23

فلما
قرأ هؤلاء العميان هذه الرسالة حنقوا وهاجوا هياجاً لم يكن منتظراً من رهبان تركوا
العالم وقاموا بجيش جرار، وتركوا وادى النطرون وساروا بعرض الصحراء إلى أن وصلوا
القصر الذى كان يقيم فيه البابا فإحتشدوا حوله كالنمل وأخذوا يصيحون ويتوعدون
ويتهددون البابا بالموت العاجل إن لم يسحب كلامه ويعدل عن رأيه فى رسالته الفصحية
. أكثرهم قلاليلهم وجاءوا كجيشٍ جرارٍ إلى الإسكندرية وعزموا على الفتك بالبطريرك
حالما يقع بصرهم عليه واحتشدوا حول داره وهم يتهددونه ويتوعدونه.

وإذ
رأى أن قلوبهم مملوءة بالغيظ ولم يجد له عضدًا أسرع على مرتفع وصعد عليه وخاطبهم
بعبارات رقيقة تهدئ الخواطر الهائجة ومن ذلك قوله لهم: “إنني إذا رأيت وجوهكم
أشعر كأني أشاهد الله لأنكم على صورته ومثاله”، فسكن ثورتهم قليلاً، وفهم من
عبارته أنه لا يخالفهم فى الإعتقاد (2)

وتستطرد
مسز بتشر قائلة: ” ولكن هذا هذا التملق لم يكن ليسكتهم أو يوقفهم عند حدهم بل
صاح بعض زعمائهم طالبين من البطريرك أن يحرم أوريجانوس ويشجبه إنهم إعتبروا ان
البدعة التى ذكرها البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 فى رسالته الفصحية حسب زعمهم
وتفكيرهم قد إقتبسها البابا من آراء أوريجانوس وكتاباته أو أفكاره .. فلم ينصرفوا
من أمام الدار البطريركية إلا بعد أن وعدهم البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 بتنفيذ
طلبهم بحرمان أوريجانوس ”

 

أما
الأخوة الطوال فلم يرضهم تصرف البابا وإزدروا بتملقه، وعادوا راجعين إلى وادى
النطرون دون أن يقابلوه ويفصحوا عن وجهة نظرهم .

 

ولكن
الخلاف لم بنتهى فإضطر البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 أن يصالح هؤلاء الرهبان
المتحفزين للثورة والفتك به وكان يخشاهم لأنه إستخدم بعضهم كأساقفة وفى المصالح
الكنسية، وإستمر فى إختيار زعمائهم للمناصب الكنسية خوفاً من بطشهم وعنفهم حتى
يبعدهم عن إثارة الرهبان ضده وعن مركز الثورة .

 

البابا
ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 يحرم أوريجانوس وكل من يقرأ كتبه

وكان
رهبان الإسقيط يظنون أن العبارة التي أوردها عن الإله في رسالة عيد الفصح اقتبسها
من مؤلفات أوريجينوس. لذلك طلبوا إليه بشدة أن يحرم أوريجينوس وكل من يطالع كتبه
فوعدهم بذلك.

ثم
انعكف حسب قول المؤرخين على مطالعة كتب أوريجينوس إذ لم يكن طالعها قبلاً فتبين من
بعض ألفاظها ما يشعر بضلاله.

(ملاحظة
من الموقع: كان أوريجينوس قد مات وشبع موتاً، وكثير من المؤرخين لم يفهموا كيف
يحرم البابا ميتاً، وربما كانت بعض الألفاظ الكتابات التى إطلع عليها قد أدخلت على
كتابات أوريجينوس، خاصة أنه الهرطقة الأريوسية قد حاولت إدخال أفكارها بشتى الطرق
للشعب المسيحى، ومن المعتقد أن البابا قد قام بهذا الحرم حتى يبعد عن نفسه شبهة
محبته لكتابات وأفكار أوريجانوس )

وفي
أوائل السنة التالية شكل مجمعًا حرم أوريجينوس وندد بتعليمه في رسالة عيد الفصح بل
وحرم كل من يقرأ كتاباته.

 

مشكلة
الإخوة الطوال القامة

(تعليق:
أمامنا فى كتب التاريخ مجموعتين من الرهبان رهبان الأسقيط الذى عرفنا عنهم أنهم
يعتنقون فكر تجسيم الله، والمجموعة الثانية هم رهبان نتريا الذين إعتنقوا فكر
أورجينوس وهو الفكر المجازى، وكان رهبان الإسقيط أكثر عدداً وقوة من رهبان نتريا،
وكان من الواضح أن البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23مال لفكر رهبان الإسقيط بعد أن
كان ميالاً للفكر الأوريجانى وكانت مشكلة الإخوة الطوال القامة الأوريجينيين هى
المشكلة الرئيسية التي شوهت صورة هذا البابا فى التاريخ)

إذ
درس البابا ثاوفيلس كتابات العلامة أوريجينوس واكتشف بعض الأخطاء اللاهوتية صار
مقاومًا لكل ما هو أوريجيني (تعليق من الموقع: يعتقد أن هذه العبارة قد دخيلة على
الموضوع)، ويقول الأنبا أيسذورس: ” وظهر شقاق بين رهبان مصر بسبب مؤلفات
أوريجانوس العلامة فكان: بعضهم يحرم القراءة فيها وهم رهبان الإسقيط .. والبعض
الاخر يحل ذلك وهم رهبان جبل نتريا (الفرم)

فذهبت
سفارة (أى مجموعة منتدبة من رهبان الإسقيط) وألحت على البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم
23 أن يحرم من يقرأ تلك المؤلفات ففعل برأيهم أى أنه حرم كل من يقرأ كتابات
أوريجينوس

 

إيسودورس
(إيزودورس – إيسيذورس) أمين الصندوق

يقول
القس منسى: ” أما ما ألهب الموقف بينهما (البابا والأخوة الطوال) فهو خلافه
مع القديس إيسيذورس الذي مارس الحياة النسكية بنتريا وقد اتسم ببشاشة الوجه واللسان
العذب فسامه البابا أثناسيوس كاهنًا . أحبه البابا ثاوفيلس جدًا حتى رشحه
للبطريركية بالقسطنطينية عوض ذهبي الفم، لكن هذه الصداقة انقلبت إلى عداوة سافرة
إذ عاد إلى نتريا يلتصق بالإخوة الطوال الذين يمثلون حزبًا أوريجينيًا مضادًا
للبابا الذي في نظرهم قد ملأ الأنثروبوموفليت الإسقيطيين، واعتبر البابا هذا
التجمع تحديًا له، ومارس الطرفان ضغوطًا شديدةً. “

 

تقول
مسز بتشر: ” وكان إيسودورس (إيزودورس) أمين صندوق كنائس الإسكندرية صديقاً
حميماً البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 ودامت هذه الصداقة بينهما مدة من السنين،
ولكن لأسباب ما تغير الحال وأصبحت الصداقة عداوة، وإستحكم الخلاف بين الإثنين،
ولما كان إيسودورس يعتقد أن الإله روح، إتخذ البابا ثاؤفيلس إعتقاده لإيقاع به،
بأن إنضم لأولئك الرهبان الهراطقة الذين كان ينفر منهم وحرضهم ضد إيسودورس . وقد
ذكر البعض أسباب كثيرة (6) قالوا أنها منشأ هذا الخلاف ولكن الذى يقرب إلى العقل
(من المنطق) أن سبب الخلاف بينهما هو خلاف مالى يختص بالصندوق لأن الدراهم علة كل
البلايا وسبب للخلاف والإنشقاقات فى هذا العالم، وكما قال الكتاب المال أصل لكل
الشرور .

 

ويقول
الأروام الملكيين (تعليق من الموقع: الفقرة التالية كلمات الأروام الملكيين
نقلناها هنا حتى نغطى الموضوع من جميع جوانبة، قد يكون فيها بعض المبالغة ولكن لا
شك أن بها بعض الحقيقة أيضاً، بأن الخلاف كان على صرف مبلغ الأرملة التى كانت قد
وهبته كعطية مشروطة فليس من حق البابا إذاً أن يصرفه فى عمل أخر غير الذى حددته
الأرملة): ” وأراد ثيوفيلوس أن يغتصب ثروة أرملة. ولكن كيف يبرر هذا
الاغتصاب؟. فلجأ إلى مدير أبرشيته: الايكونومس ايزيدوروس. إلا أنه كان تقياً
صالحاً فرفض أن يشاركه في هذه السرقة. فغضب وأصدر أمره بإلقاء القبض عليه وتعذيبه
وتسليمه للقضاء. إذا كان الأسقف الإسكندري يتمتع بصلاحيات زمنية. ولإثبات التهمة
كان الفرعون بحاجة إلى شهود. ولمّا كان مدير الأبرشية يتمتع بسمعة طيبة وصيت حسن،
وجب إذن أن يكون الشهود أوفر فضيلة منه. ولا يتمتع بهذه الفضيلة إلا الأخوة
الطوال. فاستدعاهم ثيوفيلوس وطلب منهم الشهادة. ولكنهم رفضوا بحزم. فأصدر أمره
للجنود، فعذبوا الأخوة الطوال ثم قيدوهم بالحديد. وتولى ثيوفيلوس بنفسه ضربهم،
بيديه. ثم راح يدوسهم برجليه. ثم اقتيدوا للسجن في سلاسل الحديد. وهزّ هذا المنظر
الإسكندرية بأسرها. فلم يكن أمام ثيوفيلوس إلا أن يذيع خبر بأن الأخوة الطول أصحاب
هرطقة. ولم تنجح الحيلة فأطلق سراحهم.”

 

وإضطر
البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 أن ينحاز لمجموعة رهبان السقيط الذين ضد مبدأ
أوريجانوس الصحيح وهؤلاء الرهبان الذين كانوا يعتقون بإنسانية الإله وحسب ما ذكرنا
سابقاً أنه فى أوائل السنة التالية شكل هذا البطريرك مجمعاً حرم أوريجانوس
وتعاليمه ومن يقرأ كتاباته (7) وقد كان هذا الحرم لوعد وعده مسبقاً لرهبان الأسقيط
قبل قراءة أو فحص كتبه .

 

نفى
الرهبان ومقابلة البابا لوفد رهبانى يرأسة احد الإخوة الطوال

لم
يكتف البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 بذلك بل أنه فى رسالة الفصح سنة 401 م كتب ضد
أوريجانوس كلاماً مؤلماً وذكر منه غلطات وهفوات لم يكن لها وجود فى هذا الرجل
النابغة ولكنها خرجت من مخيلة البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 وأخيراً حكم عليه
بأنه هرطوقى مبتدع .

 

وبدأ
الخلاف بين إيسودورس والبابا يتسع فإستعمل البابا القوة ضده وضد مؤيديه فإضطر
إيسودورس فى نفس السنة أن يهرب من الإسكندرية ويقيم فى وادى النطرون مع جماعة
الرهبان الموجودين فيه، فلم يكن أمام البابا إلا ان يصدر أمره إلى أساقفة
الإبروشيات ورؤساء الديرة بنفى وطرد جميع الرهبان الذين يبجلون أوريجانوس ويتبنون
أسلوبه المجازى فى تفسير الكتب المقدسة، او يرددون أقوال أوريجانوس .

 

وعندما
وصل هذا الأمر الباباوى إلأسقف أمونيوس وهو أحد الأخوة الطوال القامة لم يسكت بل
ذهب إلى الإسكندرية يرأس وفداً من الرهبان ليحتج ضد أعمال وأوامر البابا ويعترض
على إتهامه لهم بأنهم مبتدعين لأنهم رفضوا قبول تفسير وفهم الكتاب المقدس بطريقة
حرفية ناقصة كالرهبان الغبياء الذين كانوا يفسرون الكلمات التى تقال عن افله
تفسيراً حرفياً وجعلوا الإله فى الشكل إنساناً .

 

وكان
لما إنتشرت هذه الهرطقة وإعتنقها كثير من الرهبان الأغبياء الجهلة أن البابا
ثاؤفيلس هابهم ومال لمذهبهم ولم يذكر المؤرخون أنه مال لمذهبهم إقتناعاً أم خوفاً
أم لأن لهؤلاء الهراطقة من القوة بحيث إستغلها كمطرقة لضرب من لا يميل إليهم من
الأساقفة والرهبان، ولكن فى كلا هذه الحالات كان يخالف ضميرة وإيمانه المسيحى، وقد
جامل هؤلاء الهراطقة ضد الوفد الرهبانى المعتدل برئاسة الأنبا أمونيوس أسقفاً
لواحة هرموليس ” الأشمونين” أحد الأخوة الطوال الذى حاول غقناع البابا
عن العدول عن حرمان أوريجانوس وكتاباته وكل من يقرأها وأن حعل الإله إنساناً مخالف
للعقيدة المسيحية، وبالغم من أن أدلتهم وبراهينهم وحجتهم كانت أقوى من جهل هؤلاء
الهراطقة، ولكن كان البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 ثائراً لا يريد أن يسمع لصوت
العقل والإيمان فعامل الأنبا أمونيوس والوفد المرافق له معاملة غير كريمة وتقول
مسز بتشر: حتى قيل أن البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 لطم الأنبا أمونيوس على فمع
وإتهمه بأنه مبتدع لأنه رفض أن يحرم أوريجانوس ويحط من قدره، ومن الغريب أن خمسة
من رهبان دير وادى النطرون الذين ليس لهم ذكر ولا شهره لجهلهم وغباوتهم أرادوا أن
يصطلحوا مع البطريرك فطلبوا منه أن يصرح لهم بتلفيق تهم كاذبة ضد ثلاثة من مشاهير
الرهبان وعظمائهم فوافق على طلبهم، وكانت النتيجة أن حكم البابا ثاؤفيلس البطريرك
رقم 23 على هؤلاء العظماء بالحرمان .

 

ورجع
وفد رهبان إلى وادى النطرون وهو فى يأس وقنوط وقلب حزين ومكسور ورضى أعضاؤه
بالرجوع فقط حتى بدون إحراز نتيجة، ولكن البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 لم يرضى
بوجود رهبان لهم فكر مختلف بل كان يسعى لإقلاق بالهم وراحتهم، وعندما سمع البابا
ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 بذلك أرسل منشوراً إلى رهبان الإسقيط يأمرهم أن يتجنبوا
أولئك الرهبان وقطع (حرم) ديسقوروس أسقف (أرموبوليس) من شركته لأنه قبلهم

 

وكان
البابا قد تأكد من إزدياد سطوة الرهبان وتكاثر عددهم وقوتهم أن هذا من شأنه يقلص
من سلطانه على الكنيسة، فإنحاز إلى الأغلبية ضد الأقلية، وجعل الخلاف ينمو بينهما
ولم يقف بجانب الحق حتى أن جميع المؤرخين الأقباط المصريين قد أهملوا هذا الجانب
من تصرف هذا البطريرك وكتبوه مبهما وكتبت مسز بتشر عن هذا البابا فقالت: ”
ولكن هذا البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 لم يتخذ طريقاً لقطع شآفة هذا الداء
(الهرطقة) ولم يأت عملاً يبرره (أى ما فعله) فى أعين الناقدين بل صار سيراً (أى
تصرف بما) يستحق الأسف كل مدة رئاسته المشؤمة ”

 

هجوم
البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 بقوة مسلحة على الدير

عقد
البابا مجمعًا بالإسكندرية حرم فيه آمون وأخويه الراهبين، وإنقضى زمن الخلاف
والشقاق وعاد الرهبان إلى أديرتهم فى وادى النطرون ليمارسوا اعمالهم المعتادة مثل
الأعمال اليدوية فكان بينهم الحائك والنساج وصانع الحلويات والطبيب وطالب العلم
وكل أرباب الحرف والصنائع، وظلوا ساكتين فى صلواتهم التى يرفعونها يصلون فى كنيسة
كبرى تحيط بها ثلاث نخلات ولم يحاولوا أن يتكلموا فيما حدث فخلاصهم هو أساس
رهبنتهم .

 

 أما
ما ألهب الموقف بينهما فهو خلافه مع القديس إيسيذورس الذي مارس الحياة النسكية
بنتريا وقد اتسم ببشاشة الوجه واللسان العذب فسامه البابا أثناسيوس كاهنًا وأقامه
مسئولاً عن مستشفى بالإسكندرية. أحبه البابا ثاوفيلس جدًا حتى رشحه للبطريركية
بالقسطنطينية عوض القديس ذهبي الفم، لكن هذه الصداقة انقلبت إلى عداوة سافرة إذ
عاد إلى نتريا يلتصق بالإخوة الطوال الذين يمثلون حزبًا أوريجينيًا مضادًا للبابا
الذي في نظرهم قد ملأ الأنثروبوموفليت الإسقيطيين، واعتبر البابا هذا التجمع
تحديًا له، ومارس الطرفان ضغوطًا شديدةً.

 

ولكن
البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 لم يروق له هذا السكون وجالت فى فكره الظنون فطلب
من الوالى الرومانى أن يمده بقوة عسكرية يهاجم بها جماعة الرهبان الآمنين فتحركت
القوة فى سرية تامة وتحت جنح الليل فأقلق هدوء الصحراء والبرية وسمع الرهبان
بسنابك الخيول التى يمتطيها أفراد القوة العسكرية الرومانية ترنويسمع دويها فى
الفضاء فوقع الرعب فى القلوب .

 

ويقول
الملكيون (ألروم): ” وثيوفيلوس البطريرك كان يقود بنفسه فرقاً من الجنود.
فكان هذا الفرعون (يقصدون ثيوفيلوس) لا يتوارى عن إصدار الأوامر بالتعذيب. يل
ويشترك في هذا العمل الوحشي. واهتم ببناء الكنائس كحجر ونسي واحتقر البشر. وابغض
جميع الناس.”

 

فهاج
الرهبان وزعروا لما بلغهم من أن البطريرك جاء ومعه قوة عسكرية مسلحة لكى يقبض على
أتباع الفكر ألأوريجانى وساد القلق والخوف فى أنحاء الدير، وهرب ثلاثة من الأخوة
الطوال إلى الإختباء فى بئر عميقة ولجأ رابعهم الأنبا ديسقوروس أسقف هرموليس
” الأشمونين” وكمن فى ركن خفى من أركان الكنيسة ولكنه لم يلبث حتى عرف
مكانه مجموعة من الأحباش المرافقين للبطريرك فأخرجوه من ملجأه بالكنيسة بقوة وعنف
.

 

أما
القوة العسكرية فظنوا أن هذا الدير إنما هو مدينة محصنة يجب الإستيلاء عليها قسراً
وعنوة وكان قد طلب البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 منهم ألا يفعلوا ذلك لم يذعنوا
لقوله بل هاجموا صوامع الرهبان ونهبوها وأضرموا فيها النيران ومات أحد الرهبان
حرقاً كان فى إحداها كما أثبت ذلك شهود عدول .

 

وعندما
لاح الفجر وبدأت تباشير الصباح فى الظهور تعب الجنود من هجومهم فكفوا وخاصة بعد
إلحاح البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 عليهم بذلك فردوا السيوف إلى أغمادها ووقفوا
جانباً لتنفيذ آوامره ثم دعى بعض من رهبانهم ليطرح عليهم ما وصل إليه ويعرض عليهم
أفكاره بسلام ووئام بدلاً من الحرب والخصام، ثم قرأ على مسامعهم بعض نبذات من كتب
أوريجاننوس وفلسفته الغامضة (نحن لا نعرف إعتقاد البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23
وهل هى توافق النفسير المجازى الذى كان تسير عليه أفكار أوريجانوس أم مال للتفسير
الحرفى وإعتنق هرطقة أن الإله فى الشكل والشعور إنساناً، وهل إذا كان يؤمن إيماناً
صحيحا ما الذى يؤكد أن هذه كتابات أوريجانوس حيث قد مر سنين عديدة تخللتها الهرطقة
الأريوسية فربما أدخلها الريوسيين ضمن كتابات أوريجانوس) ثم إستنتج البابا مما
توهمه من بدع فى هذه القراءات والتى ود لو إقتنع الرهبان بصحة نسبتها إلى
أوريجانوس، وحينئذ قال لهم: ” فلهذا السبب حكم على حلفاء أوريجانوس وأتباعه
(الذين إعتنقوا أفكاره) بالحرمان “، فلم يرضخ الرهبان لهذا الحكم بل جروا
وأسرعوا إلى كنيستهم فى وادى النطرون وقفلوا أبوابها فى وجه الأساقفة ورؤساء
الأديرة وأمسكوا فى ايديهم عصى من سعف النخل المغطى بالأشواك لكى يدافعوا عن
أنفسهم ض أى إعتداء عليهم .

 

وننقل
هنا ما كتبه الملكيين (الروم) حول هذا الموضوع (تعليق من الموقع: نقلنا كل ما
يقوله الروم مع أنه فيه بعض المبالغة فقد ذكروا أن الجنود قتلوا العديد من الرهبان
ولكن الذى مات من الحريق هو راهب واحد، ونرجوا من القارئ أن يكون حصيفاً ومدققاً
فى قرائة المقطع التالى ومع وجود المبالغة يوجد أيضا حقائق فيه: ” وفي يوم
ذهب ثيوفيلوس إلى برية مصر مصطحباً جنود معه. وراح يحرقون المناسك. وخرج الرهبان
مرعوبين. ولحق بهم الجند وباشروا بتقتيلهم. واستمرت المجزرة طيلة الليل. ونجا
الأخوة الطول ومعهم ثلاثمائة راهب. هؤلاء فقط الذين نجوا من مذبحة ثيوفيلوس. والذين
يقول فيهم الذهبي الفم: إن المناسك في برية مصر تلمع بفضيلة الرهبان أكثر من نجوم
السماء وإن سكان هذه القلالي هم ملائكة في صورة بشر. فاتفقوا على أن يقطعوا
الصحراء متفرقين على أن يلتقوا على الحدود الفلسطينية. وعاد ثيوفيلوس إلى
الإسكندرية وأصدر حرم عليهم جميعاً، على كل الذين نجوا من رجاله القتلة.”

 

هروب
الإخوة الطوال والرهبان إلى الآراضى المقدسة

هرب
أو نفى بالمعنى الصحيح أكثر من 300 راهب إتفقوا أن يتقابلوا فى أورشليم وكان قد
رقد منهم الكثير في مجاهل الصحراء. جوع وعطش ومرضاً… فصلوا على أرواحهم ودخلوا
الأراضى المقدسة.

 

أما
الثلاثة الأخوة الطوال الذين إختباوا فى الدير وبعد هروب أخيهم الرابع أتفقوا مع
الرهبان إلى الهروب إلى الأرض المقدسة بجانب أورشليم وكان في صحبتهم الأب إيسيذورس
وجماعة من الرهبان بلغوا حوالي الثمانين، فوجدوا في قلب الأسقف الأورشليمي يوحنا
الثانى المُعجب بأوريجينوس ملجأ لهم. وقضوا وقتا من الزمن فى سفح جبل جلبوع (جبل
جلبوع الصورة المقابلة صورة حديثة: وهو جبل مكسوا بالأشجار) وكانوا يمارسون عملهم
فى صناعة الأقفاص والأسبته من جريد النخل وهى الصناعة التى كان أغلب رهبان مصر
يمارسونها، وما لبث أن تبعهم كثيراً من الرهبان الفارين من وطنهم، وكان لزيادة
عددهم زيادة كبيرة فى هذه المنطقة أن أهل المنطقة من المسيحيين كانوا يرمقونهم
بعين الإحتقار لعلمهم أن باباهم ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 قد حرمهم ونفاهم .

 

ولكن
بعض أساقفة الشام أظهر نحوهم حناناً وإشفاقاً، فأرسل البابا ثاؤفيلس لهم رسائل
ووبخهم ورجاهم ألا يجلسوا مع هؤلاء الرهبان لئلا يعد عملهم سيئه، وكان ثاؤفيلس
البطريرك قد بعث رسالة مجمعية إلى 17 أسقفًا بفلسطين و15 أسقفًا بقبرص يعلن فيه
أخطاء أتباع أوريجينوس اللاهوتية، هذه الرسالة أثارت أتباع أوريجينوس بينما رطبت
قلب القديس جيروم وأيضًا القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص .

 

 إلا
أن أسقف أورشليم لم يستطع أن يبقيهم في أورشليم. فلم يبقَ لهم إلا القديس الذهبي
الفم فالتجأوا إلى القسطنطينية. وكان عدد الذين دخلوا القسطنطينية 50 فقط من هؤلاء
الثلمائة راهب الذين نفاهم ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 .

 

تعليق:
إستند البابا فى الخلاف مع الإخوة الطوال إلى علاقاته السياسية مع الأمبراطور
والحاشية كما إستند إلى علاقاته الوثيقة بالأساقفة وإستخدم مركزة كاسقف المدينة
العظمى الأسكندرية فى ترجيح كفته، كما إستند إلى وجود العديد من الأساقفة المصريين
فى أبروشيات بالعالم القديم منهم: الأسقف الأورشليمي يوحنا الثانى، القديس
أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص، سيرينوس أسقف مكدونية المصرى وقام البابا ثاؤفيلس
بإرسال رسائل مجمعية إلى اساقفة العالم القديم فى ذلك الوقت وأوعز إلى القديس
أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص أن يعقد مجمعاً على غرار مجمع المصرى وبحرم أوريجانوس
ويرفق رسالته بقرارات المجمع أى أن قرار حرمان أوريجانوس كان مقرراً قبل عقد
المجمع فى قبرص

 

الإخوة
الطوال وخمسين راهباً يرفعون شكواهم لذهبى الفم

ومن
الواضح أن يوحنا أسقف أورشليم قبل الأخوة الطوال وباقى الرهبان الذين هربوا من بطش
البابا ثاؤفيلس البطريرك، وعندما وصلته الرسالة من البابا كان موقفه حرجاً، فتحرك
حوالى خمسين (تذكر كتب بعض المؤرخين أن الذى وصل إلى أورشليم 80 راهباً من حوالى
300 راهباً كانوا فى نتريا) من هؤلاء الرهبان عندما ضاق بهم الحال ورفعوا دعواهم إلى
يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية والذى يعد بحسب المجمع الكنسى الأخير أعلى فى
المنزلة من البابا المصرى .

 

وفى
أواخر سنة 401 م مثل أولئك الرهبان السياح امام يوحنا ذهبى الفم بطريرك
القسطنطينية بعد أن أضناهم التعب من طول السفر ومراره موقفهم وعظم بلائهم، فلما
رآهم يوحنا ذهبى الفم فاضت عيناه بالدموع الغزيرة رثاء لحالهم وتوجع لآلامهم وما
لاقوه من باباهم، وقال لهم: ” ماذا أفعل لكم وبأى طريقة يمكن بها أن أخفف ما
حدث لكم، فطلبوا منه أن ينصفهم من بطريركهم الذى قسى عليهم وإعتدى عليهم ومات منهم
فى الحريق الذى أشعله الجنود ومات منهم فى الطريق كثيرين ووقف من هؤلاء الرهبان
وخاطب ذهبى الفم قائلاً: ” إذا كنت تراعى خاطره ولا تعمل على مساندتنا فسنضطر
حينئذ أن نرفع دعوانا إلى الإمبراطور نفسه وكل الذى نطلبه منك أن تسترضى البابا
ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 حتى يسمح لنا بالعودة إلى أوطاننا (يفهم من هذه العبارة
أن البابا نفاهم) فإننا لن نفعل أى شئ ضده ولم نرتكب معصية حتى يستمطر غضب الإله
علينا)

 

 وكان
الذهبي الفم متتبع لأخبار الأخوة الطوال منذ زمن بعيد ومعجباً بهم، فوعدهم
البطريرك يوحنا ذهبى الفم أن سيبذل كل جهده فى مساعدتهم وكانت شروطه: ألا يقدموا
شكواهم إلى الإمبراطور (السلطة المدنية)، ولا أن يحدثوا هياجاً وإضطراباً فى
المدينة ثم ختم كلامه بقوله: ” حيث أننى كتبت لأخى ثاؤفيلس البطريرك فى هذا
الأمر فعليكم الصبر حتى يحضر يرد بالجواب”

 

وكان
الذهبي الفم يعلم بأمر حرم ثيوفيلوس لهم. فناقشهم في اللاهوت والعقيدة ليتأكد إذا
كانوا في الهرطقة أم لا. ولم يلاحظ أي أثر للهرطقة في روحانيتهم. فقال للأخوة
الطوال: “أنا أخذ قضيتكم على عاتقي. فإما أن يحلكم مجمع آخر ينعقد لهذه
الغاية، وإما أن يرفع أسقفكم بتلقاء إرادته الحرم عنكم. اعتمدوا علي”. فسمح
لهم أن ينزلوا في بيت قريب من إحدى الكنائس وسمح لهم بالصلاة مع سائر المؤمنين
ولكنه منعهم عن الإشتراك في ممارسة الأسرار المقدسة، حتى يحل الحرم عنهم.

 

وقد
اظهر يوحنا ذهبى الفم لهم العطف واللطف أسكنهم فى مخادع كنيسة القيامة، وكان فى
ذلك الوقت يبحث الأمر ويستشير مع مجموعة من الإكليروس الإسكندريين كانوا قد أرسلوا
إلى ديوان الإمبراطور لطلبات خاصة بوظائفهم، وأدلى هؤلاء القسوس برأيهم: أن رفع
هذه الدعوى إلى بطريرك القسطنطينية لا ينتج عنه نتائج حسنة ولا يأتى بالفائدة
المرجوة، ثم طلبوا من البطريرك ألا يتسرع ويقبل هؤلاء الرهبان على مائدة العشاء
الربان (قبولهم فى الشركة) لئلا يغضب هذا البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23، ولكنه
إذا أراد أن يظهر الشفقة والعطف فليظهرها بطرق أخرى مختلفه ولكن ليست بطريقة
المناولة ”

 

فكتب
إلى ثيوفيلوس يناشده برابط “المحبة الأخوية الجامعة” أن يصفح عن الأخوة
الطوال، وقال له أنه تأكد من عقيدتهم ولا يوجد فيها ما يخالف الإيمان القويم. وقال
له بشجاعة أن الحرم الذي أنزله ظالم. وأنه سيدعو مجمعاً مقدساً يعيد الحق لنصابه.
إذا رفض ثيوفيلوس أن يفك الحرم.

 

السحر
تهمة جديدة ضد الرهبان المنفيين

وقبل
يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية نصيحة كهنة الإسكندرية وكتب إلى ثاؤفيلس
البطريرك رقم 23 خطاباً يرجوه أن يجد السلام والهدوء طريقة لكنيسة الأسكندرية،
وعندما وصل الخطاب إلى ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية وعرف أن الإخوة الطوال والرهبان
المنفيين ذهبوا إلى القسطنطينية فعل نالفعل الذى فعله مع أساقفة الشام حيث أرسل
رسالة لوم وتوبيخ شديدة اللهجة إلى ذهبى الفم وطلب منه عمد الإختلاط مع هؤلاء
الرهبان، ولكنه لم يكتفى بذلك هذه المرة بل إتهمهم بتهمة جديدة هى أنهم ليسوا فقط
أهل بدعة وهرطقة وخلاف بل أنهم سحرة يخاطبون الجن ويستخدمون الشياطين بأعمالهم،
وأثرت هذه التهمة الفضيعة على أهل القسطنطينية ضد هؤلاء الرهبان المساكين الذين لم
يجدوا لهم نصيراً ولم يقبلهم احد فكانوا يزجرونهم ويستهزأون بهم عندما يسيرون فى
طرق مدينة القسطنطينية، وحزن أكثر الرهبان هناك لإتهامهم بهذه التهمة التى يعرفون
أنها سيئة النتائج فلذلك ترجوا بعض الوسطاء لكى يترجوا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23
للصفح والمغفرة، ولكن الأربعة الطوال لم يهمهم هذه التهمة الملفقة وإزدروا بها
وإحتقروا من قال بإتهامهم بها وأعدوا تهمة قانونية ضد بطريركهم ورفعوها لبطريرك
القسطنطينية .

 

فكتب
يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية مرة أخرى ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية، وأظهر
أسفه الشديد من أن خصومه إتبعوا نفس أسلوبه الذى إتبعه معهم، وقال: “أنه طلب
منهم مراراً مغادرة القسطنطينية ولكنهم لم يقبلوا طلبه” فأجابه ثاؤفيلس
بطريرك الإسكندرية بخطاب مملوءاً من الغضب والحنق قال فيه: ” إذا لم تعرف
الدستور (القوانين) الذى وضعه المجمع النيقاوى بعدم تداخل أسقف أو بطريرك فى
المسائل التى لا تنحصر ضمن دائرة سلطته فأرجوك أن تطلع على هذه القوانين وتدرسها
حتى لا تتعب نفسك من التعرض لى، وتكف عن الوقوف ضدى والجدال معى، أما إذا قضى على
الزمان بالمحاكمة فسوف يحاكمنى أساقفة مصر، فلا أنت ولا غيرك ممن هم بعيدون عنا
يقتضى لوصولنا إليهم أو لوصولهم إلينا سفر 75 يوماً كاملة يحاكموننا “

 

فقرأ
يوحنا ذهبى الفم هذا الخطاب ورضى بما فيه ووافق عليه، وذهب ليقنع الإخوة الطوال
والرهبان الذين معهم على فض هذه المشكلة بالتراضى، وعدم رفع الدعاوى التى لا يأتى
من ورائها إلا زيادة الحقد والبغضاء فى النفوس .

 

ولكن
هؤلاء الرهبان المنفيين وومعهم الإخوة الطوال لم يرضخوا لطلب ذهبى الفم وإستأنفوا
قضيتهم إلى الأمبراطورة إيدوكسيا وتوسلوا إليها أن تأمر بسماع دعواهم فمازالت تتحايل
على زوجها أركاديوس إمبراطور الشرق حتى جعلته يصدر أمراً بإستدعاء ثاؤفيلس بطريرك
الإسكندرية إلى القسطنطينية حتى يمكن لبطريرك القسطنطينية يوحنا ذهبى الفم أن يفحص
مشكلة الإخوة الطوال والإتهامات المتبادلة بينهما بنفسه ويبت فيها ويحكم حكماً
فاصلاً فى هذه المشكلة .

 

ولكن
يقول المؤرخون الملكيين (الروم) أن الإمبراطورة هى التى تدخلت فى موضوع الإخوة
الطوال كما يلى أن: ” افدوكسيا أظهرت نوعاً من الشفقة عليهم وأجبرتهم على
إمضاء عريضة يطلبون فيها حمايتها. فوافقوا بعد أن تعهدت الأمبراطورة التي تعهدت
لهم بدعوة مجمع إلى الانعقاد ليمنحهم العفو ويرفع الحرم عنهم. وهنا انسحب الذهبي
الفم، لأن القضايا الكنسية ليس من حق أحد خارج الكنيسة أن يعالجها. وليس من حق
افدوكسيا أن تدعو إلى مجمع وأن تقرر إذا كان الحرم عادلاً أم لا. إلا أن
الامبراطورة أرادت بهذه العملية أن تظهر أن الذهبي الفم مقصراً في حمايتهم. إذ أن
الشعب دائماً إلى جانب المظلومين.”

 

وبالنسبة
للوضع القانونى لمسألة مناقشة يوحنا ذهبى الفم مشكلة الإخوة الطوال والحكم فيها
تقول المؤرخة مسز بتشر: ومعروف أن هذا العمل يعد تعدى على حقوق ثاؤفيلس بطريرك
الإسكندرية وإستعلاء على مكانته وسحب لسلطته لأنه بصفته بابا الإسكندرية كان
مساويا فى الدرجة والمكانة ليوحنا ذهبى الفم، كما أن الأمة المصرية يعتبرون بطريركهم
ملكاً متوجاً يعادل مكانة الإمبراطور أركاديوس .

 

ولما
صدر الأمر إلى ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية بالذهاب إلى القسطنطينية لم يرفض الطلب
رفضاً باتاً ولكنه لم يذهب بل تأخر فترة من الزمن إلى أن رفعت الدعوى ضده غيابياً
ونوقشت الإتهامات فى مجمع وفتحت الجلسة بفحص الإتهامات الموجهة ضد رهبان وادى
النطرون، فإتضح عدم صحتها ثم انتهى المجمع بسجن الخمسة رهبان الذين أرسلهم ثاؤفيلس
بطريرك الإسكندرية ليشتكوا ضد رهبان وادى النطرون، وظلوا فى السجن إلى أن توفى
بعضهم،

 

وكان
ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية قد ارسل خطاباً إلى أبيفانيوس أسقف سلاميس يرجوه فيه
الذهاب إلى القسطنطينية وعرض قرار المجمع الإقليمى الخاص بحرم أوريجانوس والحكم
عليه كهرطوقى على يوحنا ذهبى الفم ليصدق عليه (أى يوافق على حرم أوريجانوس ويوقع
على الحرم الذى أصدرة المجمع المحلى / الإقليمى لمصر) ولكن بطريرط القسطنطينية رفض
ذلك قائلاً: ” هذه المسألة يجب أن تعرض على مجمع عام فهو يحكم فيها حسب
القانون ” وكان القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس فى بساطته الزائدة متحمسا لكل
ما يقوله البابا المصرى وسافر إلى القسطنطينية بناء على طلبه وكان قد ناهز 85 من
عمره ليفند الاراء الأوريجانية ويقاوم رهبان نتريا الذين حملوا فى رأية الهرطقة
الأوريجانية، ويقاومون البابا المصرى

 

تعليق:
بدأ هذا الخلاف المصرى المصرى بين رهبان نتريا بزعامة الأخوة الطوال بسبب تحيز
البابا ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية للرهبان هرطقة تجسيم شكل الإله
Anthropomorphism (الأنثروبومورفيزم) ووعوده لهم التى نفذها حرفياً وزج بذهبى الفم
فى هذا الخلاف المصرى المصرى وكان البابا المصرى أداه فى يد الإمبراطورة كما سيقرأ
القارئ فيما بعد.

 

ثاؤفيلس
بطريرك الإسكندرية يذهب للقسطنطينية

وفى
سنة 403م لم يجد ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية مناصاً إلا ان يسافر إلى القسطنطينية،
وأشاع قبل سفره أنه ذاهب إليها ليحرم يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية ويقصيه
عن كرسيه ويحرمه من وظيفته من أجل الوقوف ضده فى مشكلة الإخوة الطوال .

 

وبعد
أن جهزت الأمبراطورة كل شيء دعت إلى عقد مجمع في القسطنطينية. إلا أن ظاهر المجمع
كان شيء والخفي شيء أخر، فكان الهدف من المجمع هو أن تتم محاكمة الذهبي الفم. أما
الذهبي الفم فكان يعتقد أن المجمع سينعقد ليحاكم ثيوفيلوس، ونتائج هذا المجمع قد
أكدت الإشاعة التى سبق واطلقها ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية.

 

في
ربيع 403 أرسل ثيوفيلوس بطريرك الإسكندرية أحد أساقفته. القديس ابيفانيوس، اختصاصه
كشف الهرطقات. ووصل إلى القسطنطينية. وكان تصرفة واضحا منذ بداية فمنذ لحظة وصوله
كان يتصرف وكأن الذهبي الفم هو الهرطوقي، لأنه دافع عن الأخوة الطوال وهم هراطقة.
وكان ابيفانيوس مخدوعاً، فعمل على تدبير حيلة تنهي قصة الأخوة الطوال وتعطي الفرصة
للمجمع أن ينعقد ليحاكم الذهبي الفم. وبعد أن قدم حيلته للأمبراطورة. ذهب لعنده
امونيوس أحد الأخوة الطوال (صاحب الأذن الواحدة) وكلمه ثم سيرابيون فعرف أنه وقع
في حفرة نصبها له ثيوفيلوس وأفدوكسيا فقرر العودة قبل أن يصل أعضاء المجمع. ورقد
وهو في طريق عودته.

 

فأبحر
ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية إلى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية على سفية خاصة فى
أبهة الملوك والأباطرة والسلاطين وحوله حاشية من أساقفة مصر والحبشة وتحيط به زمرة
من الكهنة والقساوسة، وما أن ألقت السفينة مرساها فى مياه البوسفور التى كانت تنعكس
اشعة شمس شهر يونيو على مياهها، حتى حياه البحارة المصريين الذين يعملون على
المراكب التى كانت تنقل جزية الحنطة (القمح) للقسطنطينية،وأدوا لباباهم واجب
التبجيل والإحترام وهم فرحوا برؤية بطريركهم المصى بالقسطنطينية، ولكن لم يذهب
لأستقباله كان واحد من كهنة العاصمة .

 فلم
يرغب فى الإقامة فى العاصمة فذهب إلى مكدونية، وما أن وصل إلى هناك حتى قام
بإستقباله سيرينوس أسقفها المصرى الجنس بكل إحترام وتعظيم وجميع أساقفته وأقام في
خلقيدونية أياماً ثم جاء القسطنطينية . ومرّ أمام كنيسة الرسل ولم يدخل إليها.
وعلى الرغم من هذا فإن الذهبي الفم ذهب لاستقباله في القصر الذي أعد له ودعاه
للإقامة عنده. وكان بيت افغرافية مركز المشاغبة والمؤامرة على الذهبي الفم.

 

قضاة
مجمع السنديانة: (البلوطة)

ثاؤفيلس
بطريرك الإسكندرية يتهم القديس يوحنا ذهبى الفم بتهم تافهة

عقدوا
اجتماعاتهم في العاصمة لأن الذهبي الفم كان محبوباً موقوراً. فاستحسنوا بلدة
خليقيدونية ونزلوا عند أسقفها المصري كيرينوس وعقدوا اجتماعهم في قصر السنديانة.
وانضم إليهم أكاكيوس وسفيريانوسو أسقف جبلة وأنطوخيوس أسقف عكة وماروطة أسقف
ميافارقين ومكاريوس مغنيسية. وكان هذا في منتصف تموز. وابتدأت المحاكمة. بينما كان
يوحنا مع أصدقائه في غرفة الطعام يتحدثون. وكان يكلمهم كما لو أنه يودعهم.

وأصغى
المجتمعون في السنديانة إلى جميع الاتهامات الواردة في الذهبي الفم. فبلغت شكايات
الارشدياكون يوحنا تسعاً وعشرين. وادعى الأسقف اسحق على الذهبي الفم أنه قبل في
كنفه رهبان قالوا قول اوريجانس. وأنه تدخل في شؤون أبرشيات لا يتبعون إلى أسقفيته.
ومن ثم الراهب اسحق قدم ثماني عشر شكوى منها “حنو القديس على الخطأة”!.

 

وأعد
مجمعاً وأرسل يستدعى يوحنا ذهبى الفم وطلب منه الحضور إلى المجمع ليدافع عن نفسه
عن عدة إتهامات طويلة وعريضة طالما إتهموه أعداؤه بها ولم يستطيعوا إثباتها عليه،
ولكنها وجدت طريقها بسبب ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية للكيل بكيلين لذهبى الفم بسبب
موقفه بجانب الإخوة الطوال فى شكواهم، وكانت أكثر هذه التهم تافهة وعديمة الأهمية،
وكان قصد ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية أن يزعج يوحنا ومضايقته ووضعه فى موضع إتهام،
وإختار ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية تهمتين من هذه التهم العديدة ورتبها ترتيباً
تنازلياً، واعد الأسئلة بحيث يعسر نقضها ودحضها أو إنكارها:

 

التهمة
الأولى: إتهام يوحنا ذهبى الفم أنه لقب الإمبراطورة بلقب ” إيزابل” (وهى
إمرأة آخاب ملك إسرائيل الشريرة: إقرأ 1ملوك 19)

التهمة
الثانية: انه تكلم ضدها كلام غير لائق ويدل على إحتقاره لها .

 

(ملاحظة:
لا يملك مجمع ان يحرم أسقفاً للتهم السابقة لأنها لا تدخل فى موضوع الإيمان
الإرثوذكسى)

 

ولم
ينكر يوحنا ذهبى الفم بأنه دعى هذه الإمبراطورة بإسم إيزابل فى عظة ألقاها فى شعب
الكنيسة .

واتخذوا
قراراً بخلعه وبعثوا به إلى البلاط ونشروه في جميع كنائس العاصمة. ولم يُبنَ الحكم
فيه إلا على أن المجمع دعاه أربع مرات فلم يحضر. وقد ضاعت أعمال هذا المجمع إلا ما
نقله فوطيوس العظيم عنها.

وهذه
هي التهم التي وجهت للقديس:

**
إن الذهبي الفم رقّى إلى درجة الكهنوت عبداً سابقاً متحرراً هو تيفريوس

**
الذهبي الفم يأخذ حمامه اليومي وحيداً

**
يأكل
Bonbon Au Miel

**
يأكل على إنفراد خضاراً مسلوقة

**
في أيام الحر الشديد يضع بعض النقاط من النبيذ في الماء

**
لا يرتب ثيابه الكهنوتية بعد الانتهاء من الخدم الإلهية

**
وأكثر ما يضحك من بين التهم أن القديس الذهبي الفم ينام مع امرأة!!! وهذه التهمة
التي حزت بنفسه فكتب إلى صديقه الأسقف سيرياكوس “يزعمون أيضاً أني أنام مع
امرأة. ألا فليجردوا جسدي وينظروا الحالة المزرية التي فيها أعضائي”.

 

التهمة
الثالثة: أن يوحنا ذهبى الفم عمل على التعدى على سلطة الأساقفة وتحريض الآخرين على
عصيان رؤسائهم الروحيين (وكان ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية بلا شك يقصد رهبان وادى
النطرون ومن معهم الذين نفاهم هو) وكانت هذه المشكلة قد طويت وإنزوت فى زوايا
الإهمال لولا أن حرك ساكنها وطلب شهود الإثبات وهو الأسقف ديسقوروس (من الأخوة
الطوال) الذى كان قد تنيح ولم يبقى سوى امونيوس أخيه فقد أحضروه غلى خلقيدونية وهو
يحتضر فلما رآه ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية فى حالة الموت ذرفت عيناه بالدموع من
شدة التأثر وهكذا تم الصلح بين الخصمين اللدودين فى أقل من لمح البصر بدون وساطة
ولا شفاعة أحد سوى وقع العين وتأثير النفس النقية بعيدة عن شر الشرير، وقبلا
بعضهما بعضاً بقبلة مقسة وهكذا سرت مياة الروح فى أرض نفسيهما الجدباء كما تروى
الأرض المشققة بالماء فأرتوت النفوس وهدأت القلوب .

 

خطابا
لثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية يامرة بالحكم على يوحنا ذهبى الفم

بينما
كان الفرعون الإسكندري وأصحابه يفتلون الشر فتلاً ويحكمونه احكاماً قام غيرهم
أربعون أسقفاً من القسطنطينية وغيرها ينظرون في ملافاة الخطر. أما الذهبي الفم
فإنه طلب منهم أن لا يدع أحد منهم كنيسته لأجله. ثم كتب أعضاء السنديانة إلى
الذهبي الفم أن يبرر نفسه أمامهم. فرد الأساقفة المجتمعون في القسطنطينية أن في
هذا الطلب خروجاً على القوانين الموضوعة في نيقية. وأن أقلية مثلهم عليها أن تخضع
لأكثرية مؤلفة من أربعين أسقفاً برئاسة سبعة مطارنة. ولكن الذهبي الفم وافق شريطة
أن يترك المجمع أعدائه. فكان ثيوفيلوس قد قال في ليقية “إني منطلق لعزل
الأسقف يوحنا”. فأبوا وأبى

 

ويقول
الملكيين (الروم): ” تعاقد ثاؤفيلس مع إيدوكسيا (11)
Eudoxia
على مهاجمة الذهبي الفم. وكان جديراً بهذا. فهو خبير في التهديم والتخريب والتدمير
وتصفية الإنسان! ولا بد من مناسبة لمباشرة العمل. فكان “الأخوة الطوال”
الحجة التي تذرع بها للانقضاض على الذهبي الفم.” وقد استغلت الإمبراطورة عداء
ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية ليوحنا ليقوم بنفي ذهبي الفم ولم يتذكر البابا المصرى
كلمات يوحنا عنها أن إيزابل الشريرة ونسى مكرها فإنصاع لمشورتها الخبيثة، حيث
انعقد مجمع السنديان تحت رئاسة البابا ونٌفيّ القديس ذهبي الفم. فصار ذلك يمثل
كارثة أفسدت تاريخ البابا ثاوفيلس تمامًا، وفى هذه الأثناء أرسلت الأمبراطورة
إيدوكسيا
Eudoxia خطاباً صادراً من ديوان الإمبراطور إلى مجمع خلقيدونية فى جلسته
الثانية عشر وفيه أمراً للمجمع بإصدار حكمه فى موضوع يوحنا ذهبى الفم بأقصى سرعة
وكان الدافع وراء هذا الأمر حقد الأمبراطورة إيدوكسيا على بطريرك القسطنطينية لأنه
أهانها وبناء على هذا الأمر أو هذا الخطاب الصادر من الديوان، وحتى ولو طلباً ولم
يكن أمراً فقد كان الأمر فى يد ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية الذى رآها فرصة سانحة
لكى يبعد يوحنا فهو يعمل على ترسيخ مبدأ المجمع السابق بأن بطريرك القسطنطينية
يعلوا فى كرسية بطريرك الإسكندرية فأمر: بخلع يوحنا ذهبى الفم وحرمه ولإقصاؤه عن
كرسيه ونفيه حالاً إلى خارج القسطنطينية .

 

ولم
يكن ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية درجة محبة شعب القسطنطينية ليوحنا ذهبى الفم فقد
حدث أنه بعد ثلاثة ايام على صدور الحكم بالنفى كان من الصعب إلقاء القبض عليه
لتنفيذ أمر النفى وإبعاده لأن تجع جمهور كبير من أهل القسطنطينية واحاطوا بمنزله
وأعدوا العدة لحراسته وحمايته وكانوا يتناوبون الدفاع عنه بطريقة منظمة كأنهم حرس
عسكرى حتى لا يتم القبض عليه، وصار الجميع يخافون من حرب أهلية فى داخل العاصمة بل
أن الحرب أصبحت وشيكة الإندلاع فعلاً لولا أن القديس يوحنا ذهبى الفم كان يرتقى
منابر الكنائس وينصح شعبه بالهدوء والسكينة .

 

واستغاث
الذهبي الفم بالكنيسة الجامعة وسأل عقد مجمع مسكوني ولم يخضع فوراً لحكم قضاة
السنديانة بل ظل يواصل أعماله الرعائية يومين كاملين.

 

ولما
كان منتصف اليوم الثالث فى وقت الظهيرة وذهب بعض من الحراس فى النوم أن يوحنا ذهبى
الفم تسلل من باب خاص دون أن يشعر به أحد، وذهب إلى موظفى الحكومة وسلم نفسه لهم
بكل رضى وهدوء فأخذوه حينئذ إلى سفينة وأرسلوه إلى بيت عنيا (8).

 

وخلا
الطريق لثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية ودخل إلى المدينة فى اليوم التالى لإبحار
القديس يوحنا ذهبى الفم، وتوجه للكنيسة الكبرى وبدأ فى مراسيم سيامة بطريرك خلفاً
ليوحنا ذهبى الفم على كرسى القسطنطينية، ولكن لما سار الواعظ الذى كان مكلفاً
بالوعظ من ثاؤفيلس إلى المنبر ووقف ليتكلم واخذ يطعن فى يوحنا ذهبى الفم بكلام
شديد هاج الشعب هياجاً شديداً ولم يتمكن احد من فرض الهدوء عليهم وصاحوا وهتفوا
للقديس يوحنا ذهبى الفم حتى إرتجت الكنيسة وإهتزت من أساساتها وتدخلت قوة عسكرية
فطردت الشعب الثائر بالعصى والمعاول، وإمتلأت الشوارع من العامة الثائرين وهم
يملأون الدنيا بصياحهم طالبين إرجاع يطريركهم استيقظ الشعب عند الصباح ولم يجد
أسقفه فغضب. واكتظت الشوارع بالناس وأحاط بعضهم بالقصر من كل جانب وصرخوا طالبين
إرجاع أبيهم المنفي. وظلوا على هذا الحال حتى المساء، وهجموا على ثاؤفيلس بطريرك
الإسكندرية وكادوا يفتكون به لتعضيده الإمبراطورة إيدوكسيا
Eudoxia،
ووفي هذا الوقت كان مؤمني القسطنطينية عازمون على إلقاء ثيوفيلوس إلى البحر، لأنه
عدا عن تآمره على قديسهم. كان يريد تنصيب أسقفاً عليهم يكون موالٍ له. وقد حاول أن
يقمع أصوات المؤمنين المطالبين بعودة القديس بالقوة وسفك الدماء. فهرب في الليل
إلى مصر. مسطحباً اسحق السوري، شريكه في المؤامرة. ومقسماً ألا يعود إلى
القسطنطينية .

 

زلزال
فى الهزيع الأول من الليل

 توترت
أعصاب الناس وإنتشر الغضب بينهم لاولا رحمة الإله وفي أواسط الليل أرجفت الأرض
وتزلزلت أركان القصر الإمبراطوري وهز المدينة هزاً شديداً وحدث زلزالاً شديداً فى
الهزيع الأول من الليل رج المدينة حتى أن الإمبراطورة إيدوكسيا
Eudoxia قامت مزعورة من نومها وذهبت إلى مخدع زوجها وترجته أن يعيد القديس
يوحنا ذهبى الفم مادامنا نرى غضب السماوات لأجله وكادت تصب غضبها على الأرض حزنا
عما فعلوه معه، فلم يجيب الإمبراطور أركاديوس لطلبها إلا بعد ان سمع ما فعله الشعب
مع ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية بالكنيسة وأنه سيكون مكروها منهم وينقلب ضده

 

.
فاشتد خوف الإمبراطورة ورأت في ذلك انتقاماً ربانياً. فقالت لاركاديوس إن لم يعد
الأسقف فليس لنا تاج ولا سلطات. فوكل اركاديوس إليها أن تفعل ما تشاء، فكتبت بخط
يدها تبدي عذرها وأوفدت أحد رجالها ليرجو العودة. فلما عبر البوسفور أبى العودة
إلى كرسيه تواً لئلا يخترق حرمة القانون الكنسي فإن خروجه كان بحكم مجمعي فكان لا
بد من حكم مجمعي لعودته. فطلب من افدوكسيا دعوة إلى عقد مجمع صالح للنظر في
الاتهامات المنسوبة إليه من مجمع اللصوص مجمع السنديانة.

 

وفى
الحال تقرر إنعقاد مجمع إجتمع فيه 60 أسقفاً وفيه تم إلغاء قرارات المجمع السابق
وقرر أن القديس يوحنا ذهبى الفم ما زال بطريركاً على القسطنطينية .

 

ولكن
الشعب لم يقبل له عذراً فسار بموكب عظيم إلى كنيسة الرسل وأوجز في الكلام فبارك
أسم الرب إلى الأبد: “أجل تبارك الله الذي يحيط الكايد ويقضي برجوع الراعي.
تبارك الذي يثير العواصف. تبارك الذي يحلّ جليد الشتاء ويقمع هيجان الريح ليقوم
مقامها الهدوء والصحو والسلام”. والتفت في كنيسة الحكمة الإلهية (أجيا صوفية)
إلى كنيسته فتراءت له متوجة بإكليل سموي فهي العروس ساره العفيفة الطاهرة . .

 

موقف
أسقف روما بين أسقف القسطنطينية وأسقف الأسكندرية

أما
ثاؤفيلس بطريرك الإسكندرية فكتب خطاباً إلى بطريرك روما يخبره فيه أنه جرد القديس
يوحنا ذهبى الفم من وظيفته فرد عليه البابا يسأله عن اسباب هذا التجريد، وقال له:
أنه على تمام الصداقة والشركة والأخاء معه ومع القديس يوحنا ذهبى الفم أيضاً

 

كيف
نفى القديس يوحنا ذهبى الفم للمرة الثانية؟

وأعتقدت
الإمبراطورة إيدوكسيا
Eudoxia أن الرسالة التى أرسلتها إلى يوحنا (أعنى نفيه) قد فهمها وأنه لن
يتعرض لها مرة أخرى، وحدث أن الأمبراطورة إيدوكسيا
Eudoxia
أرادت أن يكون لها تمثالاً أسوة بالأباطرة. ونفذت رغبتها. ووضع التمثال في أكبر
ساحة في العاصمة، أمام كنيسة الحكمة الإلهية. وتحاشى القديس يوحنا ذهبى الفم أن
يصطدم معها ويوبخها على هذه العادة الوثنية.

 

وكان
حاكم المدينة كان مانوياً يكره الذهبي الفم. فأقام لمناسبة الاحتفال بالتمثال
ملعباً للرقص والشرب والمصارعة في الساحة المقابلة لأبواب الكنيسة. فلم يستطع
الذهبي الفم صبراً. فذكّر المؤمنين أن هذه الملذات من شأنها أن تجدد قبائح
الديانات الوثنية. ولا يجوز الاشتراك بها. وطلب من الحاكم أن يكف عن هذه الأعمال،
المصاحبة لتدشين التمثال. فإستغل الفرصة للوقيعة بينه وبين الأمبراطورة فقال لها:
” أن الذهبي الفم غير راضٍ عن مظاهر الاحترام لشخصها “.

 

كما
أن الذهبي الفم ألقى عظة ذكر فيها الأمبراطورة إيدوكسيا
Eudoxia
وكانت الأمبراطورة تترصد الذهبي الفم. ورأت في معارضته لهذه الاحتفالات تحقير لها
كإمبراطورة ولا شك أن خلافها القديم معه لم يكن قد إنتهى فقد كان كالنار تحت
الرماد الذى أحدثه الزلزال توقفت النار ولكنها ما زالت تتأجج.

 

وقامت
إيدوكسيا
Eudoxia بتوجيه رسائل إلى الأساقفة المصريين الذين سبق لهم وحكموا على
الذهبي الفم. وكتبت رسالة طويلة إلى، ثيوفيلوس البطريرك الإسكندري. تحثه على
القدوم إلى العاصمة. إلا أنه كان عارفاً أن ظهوره في شوارع القسطنطينية يعني موته
وجعله طعام لأسماك البحر. فقام بإرسال مندوبين عنه بعد أن لقنهم دروساً في كيفية
تجديد الحكم على القديس. وأرسل الإمبراطور اركاديوس دعوة لأساقفة آسيا وأنطاكية.
فلبى الدعوة بعضهم وأبى البعض الآخر خشية من اتساع الشقاق في الكنيسة. وحضر جميع
أخصام الذهبي الفم والمتآمرين عليه.

 

وتقول
مسز بتشر: أما البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 فلم يكف عن بث أسباب الخلاف والخصام
والتفرقة ولم يهدئ من مناصبة يوحنا ذهبى الفم العداء، فأرسل وفد من الأسكندرية
ليقوم بمهمة طرد ونفى وإقصاء ذهبى الفم من أبروشيته، ولم يذهب ثاؤفيلس البطريرك
بنفسه معتذراً بكثرة أشغالع والواجبات الضرورية الموكولة إليه فأناب عنه الوفد
الذى قام بالخطة التى وضعها له ثاؤفيلس البطريرك ونجحوا فى إصدار أمر من
الإمبراطور أركاديوس والإمبراطورة معاً .

 

وحضر
الأمبراطور إيدوكسيا
Eudoxia وإستمع إلى عشرة أساقفة من كلا الطرفين -الأعداء والأصدقاء-. وقبل
دعوة الذهبي الفم، وقف أسقف مصري وسأل المجتمعين: ماذا جئنا نفعل؟ وأجاب الأساقفة
أعداء الذهبي الفم: نحن مجتمعون لنحاكم الذهبي الفم ونحكم عليه، ثم قال لهم أن
الذهبي الفم غير موجود بالنسبة لهم وللقوانين. فكيف يمكن استدعاء شخص غير موجود
للمثول أمام القضاة. وتكلم المصري عن مجمع التكريس الأنطاكي سنة 341. وأن بعض
قوانين ذلك المجمع تدين الذهبي الفم وتحكم عليه . وقرأ عليهم القانون الرابع من
المجمع وينص: “كل أسقف مخلوع من قبل مجمع، بعدل وبغير عدل. يسمح لنفسه
بالرجوع إلى منصبه بمجرد سلطان وبدون أن ينال عفواً عن إدانته من المجمع نفسه ومن
مجمع آخر. وبدون أن يدعوه القضاة أنفسهم إلى ممارسة حقوقه الكهنوتية – بدون أن يسمح
له بالدفاع عن نفسه – هذا الأسقف وكل من يشترك معه يحرمون من شركة الكنيسة”.
وتابع المصري استناداً إلى هذه المادة فإن المجمع الحالي ليس أمامه شكوى للنظر
فيها. فمجمع السنديانة المنعقد برئاسة (الكلي التقوى) ثيوفيلوس قد خلع يوحنا
الذهبي الفم.

 

فهو
إذن محروم ولا يحق له المثول أمام مجمع لأن الذهبي الفم ليس أسقفاً بل محروم. ادعى
أنه كان مظلوماً. هذا لا يبرره. فقانون أنطاكية يقول صراحةً أبعدل أم بظلم، لا يحق
للمحكوم أن يمارس حقوقه. ولا يحق له أن يستأنف ويدافع عن نفسه!! وطلب المصري ألا
ينعقد المجمع. وهنا جاء دور البيذس أسقف لاذقية سورية. وطلب إلى أخصامه أن يوقعوا
قانون أنطاكية (مجمع أريوسى) كأنه عمل أرثوذكسي قبل تطبيقه على يوحنا الذهبي الفم.
فاحتاروا في أمرهم لأنهم إن قبلوه تلطخوا بالآريوسية وإن أبو سقطت حجتهم. فلاذوا
بالكذب ووعدوا بالتوقيع ثم أخلفوا. وبحسب نفس المجمع والقانون الخامس منه:
“كل كاهن وأسقف طرد من الكنيسة واستمر في إثارة القلاقل والاضطرابات، فليحاكم
من السلطة الخارجية كمشاغب”.

وأشار
المجمع المنعقد على الأمبراطور أركاديوس بأن يحكم على الذهبي الفم

 

 فأرسل
الأمبراطور اركاديوس يسأل الذهبي الفم في الحكم. فأجاب أن كل أحكام المجمع المصري
خاطئة.

أولاً:
إن قوانين المجمع الأنطاكي هرطوقية آريوسية. لا تعترف بها الكنيسة الأرثوذكسية.

ثانياً:
إن مجمعاً اكليريكياً – كنسياً لم يحكم عليه مطلقاً. وفي الواقع أن مجمع السنديانة
لم يبلغ الذهبي الفم الحكم الصادر بحقه. وإنما ضابطاً امبراطورياً جاءه وقال له أن
يتهيأ للرحيل. فبما أن لم يبلغه مجمع السنديانة الحكم الصادر عليه فهذا يعني أن
الحكم غير واقع.

ثالثاً:
الذهبي الفم لا يطلب من المجمع أن يعيد له حقوقه. فحقوق القديس لم يسلبه إياها
أحد. بل طلب من المجمع إظهار براءته من الاتهامات، ووضع حد للنميمة.

 

كيف
نفذ أمر نفى القديس يوحنا ذهبى الفم؟

وفى
عيد الفصح لسنة 404 م أى بعد عشرة أشهر من الحكم كانت القسطنطينية في قلق واضطراب
والقديس لا يتزعزع. فحاولت القوة العسكرية بتوجيه من خصوم القديس يوحنا أن يوقفوا
الإجتماعات وأماكن الاضطراب والإخلال بالنظام وحاولوا منع انعقادها. ولما لم
يستطيعوا طلبوا طرد الذهبي الفم قبل عيد القيامة (17 نيسان) لأنه محروم من المجمع.

 

فأمر
الإمبراطور القديس يوحنا ذهبى الفم الخروج من كنيسته. فقال الأسقف القديس ذهبى
الفم: لقد استلمت الكنيسة من يسوع المسيح ولا أستطيع أن أترك خدمتها. فإن أردت أن
أترك هذه الحظيرة المقدسة فاطردني قهراً.

 

 بينما
كان القديس يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية يؤدى خدمة عيد الفصح فى الكنيسة
الكبرى أرسلت كتيبة مدججة بالسلاح وهاجمت الكنيسة فقام الإمبراطور بطرده يوم سبت
النور من الكنيسة وحذر عليه الخروج من قلايته. ولم يكتفى بطرده من الكنائس بل طرد
أيضاً جميع الكهنة الذين كانوا في شركة الأسقف القديس. وكانت العادة حينئذ تقضي
بأن يبقى المسيحيون ساهرين بالصلوات حتى صياح الديك معدين طالبي المعمودية
-الموعوظين- إلى قبول هذه النعمة (وقيل أنه بالكنيسة كان يوجد أكثر من ثلاثة ألاف
نفس مستعدة للعماد فطرد الجنود كل من فى الكنيسة بما فيهم طالبى العماد بأسنة
الرماح)، ثم طردوا الشعب خارج الكنيسة بالقوة.

 

 فلم
بستطع الكهنة ترك الذين جاءوا للمسيح بدون عماد فجمعوا طالبى العماد من الشوارع
ولجأوا جميعهم إلى الحمام الكبير الذي شيّده قسطنطين وحولوه إلى كنيسة، وصلوا على
الماء الذى فى الحمامات وباركوها وعمدوهم بكل نظام تام وسرعة، وما أن تم العماد
حتى سمع الجنود بتجمعهم فهجموا على الكهنة وطردوهم من هناك أيضاً . فسعى المتآمرون
في فض هذا الاجتماع. فدخل الجند الحمام والسيوف بأيديهم مصلتة واخترقوا الحشد حتى
وصلوا إلى جرن المعمودية فضربوا الكهنة والشيوخ والنساء واختلسوا الآنية المقدسة.
وخرج المؤمنون خارج الأسوار واحتفلوا بالتعميد وأقاموا الذبيحة في ميدان قسطنطين.
إلا أن الأمبراطور لم يكن صاحب فكرة سفك الدماء وإنما الأسقفان انطوخيوس وأكاكيوس
اللذين كان من ضمن الفريق الذي حكم على الذهبي الفم.

 

وبعد
العنصرة بخمسة أيام أي في التاسع من حزيران سنة 404. سار اكاكيوس وأعوانه إلى
الأمبراطور أركاديوس وقالوا: إن اإلإله لم يجعل في الأرض سلطاناً فوق سلطانك. وليس
لك أن تتظاهر بأنك أكثر وداعة من الكهنة وأعظم قداسة من الأساقفة. وقد حملنا على
رؤوسنا وزر عزل الأسقف يوحنا. فحذار مما ينجم عن إهمال التنفيذ. فأوفد أركاديوس
أحد كبراء البلاط إلى الذهبي الفم، يسأله أن يهجر كنيسته ورعيته بلا إزهاق
للأرواح. فأصغى القديس وقام إلى المنفى، وصلّى وودع “ملاك الكنيسة” ثم
ذهب إلى مصلى المعمودية ليودع الماسات الفاضلات اولمبياذة الأرملة القديسة وبناذية
وبروكلة وسلفينة وقال لهن: لا تدعن شيئاً يخمد حرارة محبتكن للكنيسة.

 

وخرج
القديس خفية. وقبض عليه رجال الشرطة وعبروا به البحر إلى نيقية حيث ألقوه في
السجن. واستبطأ الشعب خروج راعيهم فارتفعت جلبتهم في كنيسة الحكمة. وفيما هم على
هذه الحال اتقدت نار تحت المنبر وحولته رماداً. ثم امتد لهيبها إلى السقف وسرى
خارج الكنيسة. ثم دفعته ريح شمالية إلى الجنوب فبلغ قصر الشيوخ فقوضه. وأمست
الكنيسة الكبرى خالية مهدمة ولم يسلم منها إلا آنية الافخارستية!.

 

وأقام
القديس في نيقية أربعين يوم وأكثر. وعلى الرغم مما كان عليه من مضايق السجن وغلاظة
الجنود. فإن نفسه ظلت تتوقد غيرة على خلاص النفوس في سورية وفينيقية وتحطيم
الوثنية. وكان صديقه قسطنديوس البار لا يزال يعمل في حقل الرب في تلال فينيقية
وسهولها متكبداً أشد المصاعب من الوثنيني ومن “الأخوة الكذبة” فقيض الله
الذهب الفم راهباً زاهداً في نيقية فاستقدمه الأسقف القديس إليه واستمال قلبه إلى
التبشير في فينيقية وأرسله إلى صديقه قسطنديوس.

 

===

المراجع

(1)
تاريخ الكنيسة القبطية القس منسى يوحنا طبع مكتبة المحبة سنة 1983 م

(2)
الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة ج1 و ج2 للأسقف الأنبا أيسذورس ج1 ص 403

القديس
يوحنا الذهبي الفم، 1980، ص 64 – 94 (لنفس المؤلف).

(3)
هرطقة تجسيم (1) شكل الإله
Anthropomorphism: وهى هرطقة وثنية بتصوير الإله فى صورة جسدية، أو إطلاق المشاعر
الحسية والإنسانية أو حتى الحيوانية على الإله، وهرطقة تجسيم شكل الإله أتت أصلاً
من الوثنية، وهى مشهورة فى العبادات الوثنية اليونانية وآلهتهم
The Greek gods such as Zeus and Apollo often
were depicted in anthropomorphic forms
. وكذلك فى العبادة الهندوسية الوثنية التى تعتبر آلهتهم فى صورة
بشرية وله شعور بشرى
The avatars
of the Hindu god Vishnu possessed human forms and qualities
ونحيط علم القارئ أن تفسيرات الكتاب المقدس يفسر الكلمات التى
تطلق على الإله بصورة مجازية وكان هذا هو الخلاف بين رهبان الإسقيط ورهبان نتريا

(4)
كتاب تاريخ ألأمة القبطية – أ . ل . بتشر صدر فى 1889م – الجزء الأول الفصل
العشرون ص 319 تقول مسز بتشر الحاشية ” يظهر أن جيروم هذا الذى كان فى ذلك
الوقت رئيساً لدير فى بيت لحم كان ميال ميلاً طبيعياً إلى الشقاق والخلاف، فقد سبق
له أن غضب مع صديقه القديم روفينوس الذى كان ساكنا مع ميلانيا فى جبل الزيتون
عندما ترك مصر حتى سنة 397م عندما ذهب إلى روما، وكذلك تنافر جيروم مع البابا
ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 بسبب أسقف مصرى كان قد حرمع وطرده فقبله جيروم عنده
بإكرام وتبجيل .

(5)
كتاب تاريخ ألأمة القبطية – أ . ل . بتشر صدر فى 1889م – الجزء الأول الفصل
العشرون حاشية أسفل ص 323 قالت مسز بتشر: ” فإن راهباً من أكثر الرهبان جهلاً
كان بعبد الإله كأنه إنسان بحصر اللفظ (بالتفسير الحرفى وهو تفسير ضد التفسير
المجازى الذى كان يلجأ إليه أوريجانوس) وكان هذا الراهب وأسمه سيرابيون كان كبير
السن جداً وكان معلما وشيخاً مبجلاً فى دير برية شيهيت، وقد ظل على إعتقادة هذا
مدة من الزمن إلى أن وقعت بينه وبين رئيس الدير وشماس كبدوى عالم فى المباحثة
والجدال أقتنع منهما فى خطأه فى فهم الكتاب وأخذه بمعناه الحرفى بل يجب تفسيره
روحياً لأن الحرف يقتل أما الروح فيحيى.

(6)
كتاب تاريخ ألأمة القبطية – أ . ل . بتشر صدر فى 1889م – الجزء الأول الفصل
العشرون ص 324 كتبت مسز بتشر عن الخلاف فقالت: ” أما فيما يختص بمال الكنائس
فكانت العادة أن جميع العطايا والهدايا التى يهبها الشعب لكنيسة الإسكندرية تبقى
فى حوزة البطريرك وتحت تصرفة أما فى الإبروشيات الأخرى فكان الأساقفة يتصرفون فى
نقود الكنائس بالإتفاق مع لجان تعيين لهذا الغرض، وقد إمتاز البابا ثاؤفيلس
البطريرك رقم 23 بميلة الشديد فى بناء الأبنية وتشييد الكنائس، وحدث أن سيدة من
مدينة الإسكندرية غنية تبرعت بألف قطعة من الذهب لشراء ملابس وتوزع للنساء
الفقيرات، ولكنه خافت أن يسمع البطريرك بخبرها فيأخذ منها المال ويبنى به كنيسة
بدل ملابس توزع على النساء الفقيرات، ولذلك ذهبت إلى امين الصندوق إيسودورس
(إيزودورس) وذكرت له رغبتها فى السر وجعلته يوعدها بأن يفعل هذا الأمر سراً وأن لا
يقول للبطريرك شيئاً عن هذا المال وعن هذه العطية، ولكن الأمر لم يظل مكتوماً فإن
بعض النمامين والوشاة أخبروا البابا، فترك الأمر ولم يقل كلمه له تدل على غيظه
منه، ولكن عندما بدأ الخلاف بينهما إنتهز الفرصة وإتهم امين الصندوق إيسودورس
(إيزودورس) بغتهامات كثيرة ومنها إهماله فى وظيفته وعدم مقدرته على القيام بها
وقال البعض أن البابا رماة بتهم قديمة لم يستطع إثبات واحدة منها .

 

أما
فى موضوع الملابس فإن امين الصندوق إيسودورسدافع عن نفسه دفاعاً مميتاً وقال
للبابا كلاماً قاسياً مؤداه أنه: خير له أن يصرف المال فى شفاء المرضى وكساء
الأجسام العارية التى تعتبير هيكلاً للإله بدلاً من بناء حوائط لا تدعوا الضرورة
الشديدة إليها .

 

(7)
قام أثناسيوس بابا روما أيضاً بإصدار حرم ضد اوريجانوس الذى كان قد مات وشبع موتاً
فى ذات الوقت الذى حرمه البابا ثاؤفيلس البطريرك رقم 23 فى مصر، ولكنه إعترف فيما
بعد أنه لم يكن يعرف شيئاً عن أوريجانوس وما هى تعاليم التى قام بها هذا العلامة
المصرى الفاضل الذى لم ينصفه أخوته المصريين حتى هذا اليوم .

 

(8)
كانت تهمة إستعمال السحر خطيرة فى ذلك العصر وما بعده حيث قتلت الكنيسة فى أوربا الألاف
بتهمة السحر، وبلا شك كان هذا الإتهام الذى بلا أساس من الصحة كان يحنوى على عدة
إتجاهات منها التأثير على يوحنا لكى يبتعد عنهم وتخويفه منهم أو القبض عليهم أو
الحكم عليهم .. إلى آخره

 

(9)
بيت عنيا إسمها العربي الحالي العيزرية: تقع بلدة العيزرية الحالية على طريق القدس
أريحا. ويقوم في وسط الأكثرية الإسلامية في البلدة كنيستان للآباء الفرنسيسكان
والروم الأرثوذكس، كشفت الأبحاث الأثرية التي قامت في موقع الكنيسة الفرنسيسكانية
وقبر أليعازر عن آثار ثلاث كنائس بنيت إحداها فوق الأخرى في فترات مختلفة، وحول
الكنيسة عديد من القبور المحفورة في الصخر، وقد عثر أيضا على بقايا القرية القديمة
مع معاصرها وآبارها ومخازن الحبوب وكمية من الرخام من العصر الهيرودي. تقع القرية
القديمة فوق القرية الحالية أما قبر أليعازر فيقع خارج القرية مثله مثل باقي
القبور .

 

قبر
العازر: دى خروجنا من الكنيسة الفرنسيسكانية على بعد 50 مترا في الطريق الصاعدة
نحو جبل الزيتون نجد مكان قبر أليعازر. حول القبر الحالي، كشفت الحفريات عن مقابر
القرية

 

 ويعود
التقليد الذي يكرم المكان إلى القرن الرابع حيث يذكر أوسيپيوس القيصري الموقع نحو
عام 330م. (المصدر الدليل السياحى والكتابى للأرض المقدسة)

 

(10)
القديس يوحنا ذهبى الفم (سيرته، منهجه وأفكاره، كتاباته) – القمص تادرس يعقوب ملطى
– أقوال الآباء (علم الباترولوجى) – سنة 1980م

 

(11)
عملة ذهبية للأمبراطورة إيدوكسيا
AELIA
EUDOXIA
الإمبراطور أركاديوس Arcadius على الشرق وكان الأمبراطور ضعيف الشخصية واقعاً تحت تأثيرها وقد
حبلت سبعة مرات وولدت خمسة اطفال وأسقطت مرة وتوفت أسقطت جنينها فى المرة السابعة
وكانت وفاتها فى 6 أكتوبر 304م

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى