علم

لزوم الجهاد الروحى



لزوم الجهاد الروحى

لزوم
الجهاد الروحى

+
قال بعض الشيوخ:


ينبغى للمجاهد أن يبغض كل المفرحات التى للعالم، ويقاتل الأوجاع واللذات، ويقضي
حياته كلها بالتحفظ، ويطلب محبة الله ورضاه، ويكون دائماً كل حين حذرا من عاداته
القديمة، مبتعدا منها، لاسيما الأفعال الرديئة، وكل الاهتمامات الجدسية والكلام
والسمع، وليبتعد أيضاً من الشبع، وليس الشبع من الأطعمة اللذيذة والشراب فقط، بل
ومن الخبز والماء، ومن كل أمتلاء، وليكن أكله بقدر، وفي وقت الصلاة يجمع عقله كمن
هو قائم بين يدى الله، لأنه في ذلك الوقت يحتاج إلى أن يجمع فكره لله بلا طياشة،
ويتمم خدمته وذبيحته الروحية، ولا يغفل عن ذكر الرب وتلاوة المزامير في كل حين،
لأنه بهذا تعتق النفس من الأفكار السيئة، وليكن مبتعداً عن كل حديث، ونظر، وعمل
ليس فيه ربح، وكل ما يعمله، ويتكلم به يكون لتسبيح الله لا ليرائى الناس، ولا يفرح
بفرح الناس، ولا يسر بكثرة المقتنيات “.

+
وقال شيخ:


كما أن الفارس إذا خرج للقتال لا يهتم بأحد من الناس، ولا يفكر أن كان هذا قد طعن
أم ذاك، أو أن كان هذا قد خلص أو ذاك، وانما الهدف الأول الذي يضعه نصب عينيه هو
كيف ينتصر، هكذا ينبغي أن يكون الراهب “.

+
وقيل أيضاً:


إذا لم تتحرك الأوجاع على الإنسان، فلن يكون مجرباً”.

+
وحدث مرة أن سأل أنبا يوسف الآب سيصوى قائلاً:


كم من الزمان يحتاج الإنسان لقطع الآلام؟ “.

أجابه
الشيخ: ” في أية ساعة تتحرك الآلام، ففي الحال أقطعها”.

+
سأل أنبا موسى الأنبا سلوانس: ” هل يمكن للإنسان أن يبدأ كل يوم؟”.

أجابه:
أن كان مجاهداً فإن في استطاعته أن يبدأ كل يوم “.

+
ومرة سمع أنبا اسحق صياح ديك فقال لأنبا بيمين: هل يوجد دواجن هنا يا أبي؟ “.

أجابه
قائلاً: ” لماذا تجبرنى أن أتحدث إليك يا أسحق؟ الذين يشهبونك فقط هم الذين
يسمعون مثل هذه الأصوات، أما المجاهد فلا يشغل نفسه بمثل هذه الأمور”.

أ-
الحرارة في العبادة


حارين في الروح – عابدين الرب “

+
قال القديس يوحنا القصير:

أن
أحد الرهبان رأى بالنظر المعقول ثلاثة رهبان وقوفا على شاطئ البحر، فجاءهم صوت من
الشاطئ الآخر قائلاً: ” خذوا لكم أجنحة من نار وتعالوا إلينا” فأثنان
منهم أخذوا أجنحة نارية وطارا بها إلى الجانب الآخر، أما الثالث فصار يبكى ويصرخ
نائحاً، وفي آخر الوقت أعطى أجنحة لكنها عديمة القوة وبصعوبة كان يطير ثم يعود
فيسقط، وينهض ثم يعود فيغرق وهكذا حتى وصل إلى الجانب الآخر بعد تعب عظيم، هكذا
يكون عمل خذا الجيل، فأن كان قد أخذ أجنحة لكن نار الروح ليست فيها، وبذلط تجدها
قد عدمت قوة روح الله.

+
وقيل أيضاً:


جيد للراهب أن يعيش مثلما عاش أنبا أرسانيوس فاحترسوا أيها الأخوة لكى تقفوا أمام
الله بلا لوم وأن تقتربوا إليه بالدموع مثل المرأة الخاطئة وتضرعوت للرب الإله
باعتباره واقف أمامكم لأنه قريب ويراعانا بأهتمام”.

+
كان رجل راهب رومى في دير ثيؤدوسيوس قرب الأردن. أسمه “اخرسطوفورس” فصنع
أحد الرهبان مطانية وقال له: أصنع محبة يا أبي وأخبرنى بعملك وإنت شاب. فعلم الشيخ
إنه يطلب ذلك لمنفعة نفسه. فقال له: أخبرك يا أبنى أننى كنت في حرارة أول ما ترهبت
وكنت أذهب في الليل إلى مغارة الأب القديس ثيودوسيوس لأصلى وكان لها 18 درجة فكنت
أعمل على كل درجة مائة مطانية. فإذا بلغت إلى أسفل المغارة صنعت أيضاً مطانيات
كثيرة وأصلى إلى ضرب الناقوس. وبعد ذلك كنت أعمل القانون مع الآباء. فبقيت على هذا
مدة عشرين سنة في صوم وتعب ومسكنة وطاعة.

وفي
بعض الليالي وقد أتممت المطانيات، فبلغت الى أسفل المغارة كأنني قد سبى عقلي.
ونظرت إلى أسفل المغارة، وإذا قناديل بعضها مضئ وبعضها مطفأ ورجلان لباسهما أبيض
يسرجان تلك القناديل.. فسألتهما عن خبر تلك القناديل. فقالا: في هذه القناديل
الآباء فقلت ولم بعضها منطفئ وبعضهم مضئ. فقالا: كل من أحب أخاه فقنديله يسرج.

فقلت
لهم: أصنعوا محبة من أجل الله وأخبروني أيهما قنديلي، وهل يسرج أم لا. فقالا لى: أصل
وأحب ونحن نسرجه.

فقلت
لهم وأيضاً أنا احتاج أن أصلي فأي شئ عملي إلى هذه الغاية.

وبعد
ذلك تنبهت ورجعت إلى نفسى. ولم أر أحداً. فقلت لنفسي. أخرسطوفورس: أن كنت تريد
الخلاص فأنت محتاج إلى نقاوة وتعب. ولما أصبحت توجهت إلى طورسينا وليسر معى الا
الثياب التى على. فأقمت هناك خمسين سنة. فجاءنى صوت يقول: عد إلى ديرك حيث جاهدت
لتكون مع آبائك.

ببعد
أن أخبر بهذا أقام أياماً قلائل وتنيح.

ب-
تكوين العادة

+
قال مار اسحق:

+
” رباطات النفس هي العادات التى يعتادها الإنسان أن كانت بالجيد أو
بالردئ”.

+
” تخوف من العادات أكثر من الأعداء، أن من يربى عنده عادة، هو كإنسان يشعل
نارا بكثرة الوقود، وذلك لأن قوة الإنسان تتقوم بالمادة، أما العادة فإنها إذا ما
طالبت مرة ولم تجبها إلى طلبها، فأنك تجدها في وقت آخر ضعيفة أما أن صنعت لها ما
طلبته فإنها تتقوى في الثانية أكثر مما سلف “.

+
” لا تثبت مع أي فكر كان حتى ولو كان حقيراً، لئلا تتأسس فيك عاداك، واضطرار
العادة يجعلك عبداً لذاك الألم “.

+
” المتوحد الذي يخدم الآلام هو تلميذ الآلام، واضطرار عادة معلمه تغصبه ليكون
كمثل معلمه بغير أرادته حسب الكلمة السيدية، كل ملك ولو كان حقيراً، لكنه جبار في
بلده وقوى، وكل ألم ولو أنه حقير، ولكن في بلد يظهر سلطانه “.

+
” العادات تشجع الآلام، والأعمال تؤسس الفضيلة “.

+
” سلاح الألام والفضائل هو تغيير العوائد والخاصيات، فالعوائد تطلب ما يقدم
لها وهي زباطات بالنفس، وبالسهولة تقتنيا وبصعوبة تنحل منها “.

+
” أن الآلام والفضائل التى لم تؤسس بالاعتياد مدة من الزمن فهي كالشجاع
العارى من سلاحه “.


لا تترك عادة تتأسس فيك وتزيد الأفكار بغير قيام، لئلا تتجدد فيك الآلام التى قد
هدأت قليلاً “.

+
” الأنواع والعوائد التى عتقت في الإنسان، تكمل له موضع الطبع”.

+
كل عادة إذا سلمت لها بأهتيارك، تصبح لك في النهاية سيداً، تسير قداكه مضطراً بغير
أختيارك “.

+
قال شيخ:


لا يوجد شئ أصعب من العادة الرديئة، إذ يحتاج صاحبها في سبيل قطعها إلى زمان وتعب
كثير، أما التعب فهو في متناول الكثيرين، ولكن الزمان الذي يحتاج إليه فما أثل من
قضاه حتى النهاية، لأن أكثر أصجابها أختطفهم الموت قبل تمام قطعها، والله وحده هو
الذي يعلم كيف يدينهم “.

ج-
اقتناء الفضيلة

+
سئل شيخ: ” كيف يقتنى الراهب الفضيلة؟ ” فأجاب: ” أن شاء أحد أن
يقتنى فضيلة ما، فأن لم يمقت أولا الرذيلة التى تضادها فلن يستطيع أن يقتنيها، فإن
شئت أن يحصل لك الحزن فأمقت الضحك، وأن آثرت أن تقتني التواضع فابغض الكبرياء. وأن
أحببت أن تضبط ارادتك فامقت الشر والتحريف في الأشياء. وأن شئت أن تكون عفيفا أمقت
الفسق. وأن شئت أن تكون زاهداً في المقتنيات فامقت حب الفضة. ومن يريد أن يسكن في
البرية فليمقت المدن. ومن يشتهى أن يكون له سكوت فليمقت الدالة، ومن أراد أن يكون
غريباً من عاداته فليبغض التخليط ومن يريد أن يضبط غضبه فيبغض مشيئاته ومن يريد أن
يضبط بطنه فليبغض اللذات والمقام مع أهل العالم. ومن أراد عدم الحقد فيبغض المثالب.
ومن لا يقدر أن يكابد الهموم فليسكن وحده منفرداً، ومن يريد أن يضبط لسانه فليسد
أذنيه لئلا يسمع كثيراً. ومن يريد أن يحصل على خوف الله فليمقت راحة الجسد ويحب
الضيقة والحزن. فعلى هذه الصفة يمكنك أن تعبد الله باخلاص “.

+
وسأل أحد الأخوة شيخاً ” كيف تقتنى النفس الفضيلة؟ “.

فقال:
” إذا هى أهتمت بزلاتها وحدها “.

+
قال قديس: ” أن الفضيلة تريد منا أن نريدها لا غير “.

من
أقوال الأنبا أوغريس:


من يقول أنه أفتنى فضيلة بغير جهاد، فهو إلى الأن ممسوك في الآلام، لأن شر الأعداء
هو قبالة أتعاب الفضيلة، والقلب الذي ليس فيه قتال، ليست فيه فضيلة ولا شجاعة،
وكما أن الإنسان البراني يعمل شغل اليد كي لا يحتاج، هكذا الجوانى يعمل لئلا يثقل
العقل، لأن الأفكار إذا وجدت النفس بطالة من تذكار الله، حينئذ تذكرها بالأفعال
الردية “.

+
وقال مار اسحق:

+
” لا تظن في نفسك أنك تنال مسيرة فاضلة أو صلاحا لنفسك بغير تعب”.

+
” إن حد كل تدبير للسيرة يكون بهذه الثلاثة “:

التوبة،
والنقاوة، والكمال.

ما
هي التوبة؟.. هي ترك الأمور المتقدمة، والحزن من أجلها.

ما
هي النقاوة؟.. هي قلب رحيم على جميع طبائع الخليقة.

وما
هو الكمال؟.. هو عمق الاتضاع ورفض كل ما يرى وما لا يرى، أي ما يرى بالحواس، وما
لا يرى بالهذيذ عليه “.

+
وقال أيضاً:


خمس فضائل يدونها جميع طبقات الناس لا يمكنهم أن يكونوا بلا لوم، وإذا حفظها
الإنسان، يخلص من كل مضرة، ويصير محبوباً عند الله والناس أيضاً وهي: –


جسد عفيف، لسان محترس، زهد في الرغبة والشره، كتمان الشر في سائر الأشياء بغرض
مستقيم إلهي، وأكرام كل طبقات ومراتب الناس، فوق ما يستحق ذلك الوجه، لأن الذي
يكرم الناس يكرم هو ايضاً منهم، كما يأخذ المجازاة من الله، لأن الكرامة توجب
الكرامة، والازدراء يجلب أزدراء، والذي يكرم الله يكرم هو أيضاً منه “.

+
وقال آخر:


من أجل هذا لسنا نفلح لأننا لا نعرف مقدرتنا، وليس لنا صبر في عمل نبدأ به، ولكننا
نريد أن نقتني الفضائل بلا تعب “.

+
وقيل أيضاً:


سمع أخ بأخبار القديسين فظن أن في أمكانه أن يقتني فضائلهم بلا تعب فسأل شيخاً
كبيراً، فقال له: ” أن أردت أن تقتني فضائل القديسين، فصير نفسك مثل صبى يكتب
كل يوم آية من معلمه، فإذا حفظها كتب غيرها، فافعل أنت كذلك هكذا: قاتل بطنك في
هذه السنة بالجوع، فإذا أحكمت ذلك قاتل حينئذ السبح الباطل لتبغضه كالعدو. وإذا
قومت هذيت فاحرص على أن تزهد في أمور الدنيا وتضع أتكالك على الله، فأن تيقنت أنك
قد قومت هذه الثلاث خصال، فستلقى المسيح بدالة كثيرة “.

+
وطلب أخوة الى شيخ أن يترفق بنفسه في كثرة الجهاد فقال: ” حقا أقول لكم يا
أخوتي، أن مصير إبراهيم خليل الله أن يندم إذا رأى كثرة مواهب، ولم يجاهد ويتعب
أكثر مما فعل “.

+
وقالت القديسة سفرنيكي: –


أن الذين يجمعون غنى الدنيا من العتاد في البحار والأسفار الشديدة، كلما ربحوا
وجمعوا أزدادوا في ذلك اشتغالاً، أما ما في أيديهم فلا يلتفتون إليه، وما ليس في
أيديهم من الغنى يشتهونه ويطلبونه، ويحرصون على جمعه. وأما نحن فقد صرنا في سيرتنا
في الرهبنة بخلاف ذلك، لأن الأمر الذي خرجنا لنطلبه وليس في أيدينا شئ منه، لا
نريد أن نقتنيه من أجل خوف الله “.

+
ومرة قال الطوباوي أو غريس للقديس أرسانيوس:


كيف ونحن ليس لنا معرفة وحكمت بشرية ليس لنا فضائل، وهؤلاء القرويون المصريون
أغنياء جداً بها “.

أجابه
أنبا أرسانيوس: ” نحن ليس لنا معرفة عالمية ولكن هؤلاء المصريون القرويون أكتسبوا
الفضائل بجهادهم “.

+
لماذا نحب الفضائل:

*
لنحب المسكنة لتخلص من محبة الفضة.

*
لنحب السلامة اننجو من البغضة.

*
لنقتن الصبر وطول الروح، لأن ذلك يحفظنا من صغر النفس.

*
من له معرفة وهمة فقد هزم الشر لأنه مكتوب ان الاهتمام ملازم للرجل الحكيم والضعيف
الهمة لم يعرف بعد ما هو لخلاصه، أما الذي يقهر لأأعداءه فإنه يكلل بحضرة الملك.

*
لو لم نكن حرب وقتال ما كانت فضيلة ومن يجاهد بمعرفة فقد نجا من الدينونة لأن هذا
هو السور الحصين.

د-
الجهاد ضد الشياطين

+
أخبر بعض الآباء: ” أنه كان ساكنا بالقرب من أخ عمال مع الله، فاعتراه توان
وكسل، وبعد مدة أنتبه من توانيه ولام نفسه قائلاً: ” يا نفسى، التى متى
تتوانين عن خلاصك، أما تخافين من دينونية الله يا شقية وأنت في مثل هذا التوانى،
فتسلمين للعذاب الدائم؟” فلما تفكر في مثل هذا انهض نفسه في عمل الله. ففي
بعض الأيام وهو واقف يصلى، أحاطت به الشياطين وعذبته فقال لهم: ” الى متى
تؤذونني؟ أما كفى ما قاسيته في زمانى من التوانى؟ ” فقالت له الشياطين: “لما
كنا نراك متوانيا، كنا متوانين عنك، ولما رأيناك قمت وتجردت لنا، قمنا نحن أيضاً
عليك، فتلق ما يأتيك”. فعندما سمع ذلك، أخذته الغيرة، وأزداد نشاطاً وحرارة
في عمل الله، وبنعمة الله حصل على الغلبة.

سأل
أخ الأب صيصوى: ” يا ترى، هل كان الشيطان يضطهد القدماء هكذا؟” أجال
الشيخ: ” بل اليوم يضطهد أكثر لأن زمانه قد قرب، فهو لذلك قلق”.

قال
أنبا مطايوس: ” أن الشيطان لا يعرف في أي الأوجاع تنهزم النفس، ولكنه يزرع،
ولا يعلم هل سيحصد أم لا، أنه يزرع زنى، ودينونة، ووقيعة، وقتل، وجميع الأوجاع،
والشر، فأي وجع يرى النفس مائلة إليه، ففيه يشغلها”.

سئل
شيخ: ” لماذا تقاتلنا الشياطين جدا؟ ” فقال ” لأننا طرحنا سلاحنا
أعنى الطاعة والاتضاغ والمسكنة “.

+
أخبر بعض الشيوخ: ” أنه في بعض الليالى، في ابتداء صلاته وهو في البرية
الجوانية، سمع صوت بوق يضرب ضربا عاليا كمثل ما تضرب أبواق الحرب فتعجبت متفكراً
بأن البرية مقفرة ليس فيها أدمى، فمن أين صوت البوق في هذه البرية: أترى حرب هنا؟.
وإذا الشيطان قد وقف مقابلة وقال بصوت عال: ” نعم يا راهب، حرب هى، أن شئت
فحارب، والا سلم لأعدائك “.

وسأل
أحد الأباء أنبا بيمين قائلاً:


لماذا تقاتلنا الشياطين يا أبى؟ ” أجاب الشيخ قائلاً: الحقيقة أن الشياطين لا
تحاربنا إلا عندما نتمم ميولنا الرديئة الى هى في الحقيقة شياطننا التى تحاربنا
فنهزم امامها برضانا. اما أن شئت أن تعرف مع من كانت الشياطين تصارع قلت لك ”
مع أنبا موسى وأصحابه “.

+
وكان أحد الرهبان المجاهدين إذا قالت له الشياطين في فكرة ” ها قد ارتفعت
وصرت كبيراً ” كان يتذكر ذنوبة قائلاً: ” ماذا أصنع من أجل خطاياي
الكثيرة! “، وإذا قالوا له: ” لقد فعلت ذنوباً كثيرة وما بقى لك
خلاص”، يقول: “وأين هى رحمة الله الكثيرة”، فانهزمت عنه الشياطين
قائلة: “لقد قهرتنا، أن رفعناك أتضعت، وأن وضعناك ارتفعت “.

+
ظن رهبان كثيرون امكانية شفاء شهواتهم، والحصول على راحة النفس بجهادهم وقوتهم. فتخلت
عنهم النعمة وسقطوا من الحق، فمنا أن المريض جسديا لا يمكن شفاؤه بدون طبيب بشرى
ودواء، بالرغم من كثرة سهره وصومه، في المدة التى يتعاطى فيها الدواء، هكذا أيضا
المريض روحيا من قبل انفعالات الخطية، بدون يسوع طبيب الأرواح والقوة الكامنة في
وصاياه والتواضع الذي يماثل تواضعه، لا يمكن أن يبرأ من خطاياه، ولا يمكن أن ينال
شفاء كاملاً.

من
أجل ذلك فكل من يحارب ضد الشهوات والشياطين بوصايا سيدنا يشفى من مرض الشهوات
وينال شفاء النفس، ويعتق من فخ ابليس.

+
أخبر القديس أنبا دانيال الاسقيطى عن أحد الأخوة: أنه كان مقيما في مصر وأثناء
سيره في الطريق أدركه المساء، فدخل الى طافوس لينام فيه بسبب البرد. ولما رآه
الشياطين، قال أحدهم لصاحبه: أرأيت أي جسارة لهذا الراهب، أنه قد نام في مقبرة،
اسرعوا وتعالوا حتى نزعجه. فاجابة الأخر وقال: ما فائدتنا من إزعاجنا له أنه من
أصحابنا ويعمل ما نواه – يأكل ويشرب ويقع في الناس ويتوانى في الصلاة – فبدلا من
أن نتعب مع هذا سر بنا نحزن من يحزننا ليلاً ونهاراً ففتح الرب اسماع الآخ، فلما
سمع ذلك تعجيب وندم على أفعاله وتاب أخيراً.

+
قال الأخوة:

لماذا
منع القديس ايسيذورس أنبا موسى الأسود من الجهاد ومن القتال مع الشياطين بالرغم من
أن الأباء القديسين كانوا يحفزوننا دائماً على النمو في الفضيلة وعلى القتال ضد
الشهوات؟ لماذا قال له: استرح يا موسى وكف عن محاربة الشياطين لأن الإنسان له حد
في كل شئ، فهل ينطبق هذا على الجهاد وأعمال الحياة النسكية؟ “.

+
قال الشيخ:

أن
القديس موسى كان يجهل في الابتداء قواعد الحياة النسكية، ولأنه كان ممتلئا صحة كان
يعمل أعمالاً كثيرة وكان يساعده على ذلك قوة جسده، وكان يظن أنه بكثرة أعماله
وحدها يستطيع قهر الشياطين اذليت إذ عرفوا غرضه كانوا يهجمون عليه بأكثر قوة بحروب
متتالية سرا وجهراً، ولكن أبا ايسيذورس أراد أن يعرفه الطريق السليم ونحصه كمرشد
مختبرا أن يتضع وقال له:

بدون
قوة الروح القدس الذي أعطانا الله أياه لإتمام وصاياه والتى تقوى فينا كل يوم
بالتناول من جسده ودمه، لن نتخلص من الخطايا ولن نستطيع أن نقهر الشياطين،
وبالتالي لن نستطيع أن ننمو في الفضيلة. عندئذ تعلم موسى هذه الأمور، واتضعت
أفكاره وتناول من الأسرار المقدسة، وهزمت الشياطين وحولوا حربهم عنه، ومن ذلك
الوقت فضاعدا عاش في سلام وراحة وإزداد معرفة وحكمة.

ه
العمل والمثابرة

(غير
متكاملين في الاجتهاد)

قال
القديس باخوميوس:

+
هذه هي الأعمال الفاضلة: أن قاتلك فكر ضجر من نحو أخيك فعليك أحتماله بطول روح حتى
ينجيك الله منه. صبر مع صوم دائم، صلاة بغير فتور في مخادع قلبك بينك وبين الله،
وأحساس صالح تجاة أخيك، بتوليه محفوظة في أعضائك، طهارة وقدس في قلبك، عنق منحن،
وضرب مطانية فمع قولك: ” أغفر لى “، دعة في أوان الغضب “.

+
أن كنت بائسا (متضجرا) فداوم على العمل بدون ملل، كن عمالا ولا تكسل وتمم نذرك
الذى قررته مع الله خالقك وربك “.

+
” أجتهد في شبابك لتفرح في كبرك “.

+
” يا أبنى في كل شئ أطلب الله بطول روح مثل الزارع والحاصد فإنك تملأ أهراءك
من نعم الله “.

+
” لن تشارك القديسين في مواهبهم، ما لم تتعب جسدك أولا في مشاركة أعمالك،
كذلك لن تدخل الحياة، أن لم تضيق على نفسك أولا حتى الموت”.


جميع المواهب بطول الروح وثبات القلب تعطي، وجميع القديسين لما ثبتوا قلوبهم نالت
أيديهم المواعيد. فخر القديسين هو طول الروح في كل شئ، وبهذا حسبوا قديسين.


قال أنبا باخوميوس”

+
” لا تقض أيامك بالتوانى. كما مر العام الماضي كذلك هذا العام ” وكما مر
أمس كذلك اليوم. فالى متى تكسل؟ استيقظ وأيقظ قلبك قبل أن يوقفك مكرها في يوم
الحكم لتعطي الجواب عن جميع ما صنعت. أن صرت في حرب الموت لا تجزع فإن روح الله
ينقذك. لأنه مكتوب: إنى لا أخشى شرا لأنك معى فكن رجلاً قوياً جبارا في جميع
تدابيرك ولا تفسد يوماً واحداً من عملك وتحقق مما تقدمه لله الحقيقي كل يوم.


وقال أنبا يوحنا القصير ”

+
لابد للإنسان من الإيمان الخاص الحقيقي، فالايمان العام هو لكل الناس ومن نعمة
ربنا علينا أنه ولدنا. فأما الإيمان الخاص الذي يقربنا من الله فهو بأن تسأل ونطلب
منه العظائم التى ولا التصديق بوجودها يقدر عليه آخرون. وأن نعتصم به فهو أقوى من
كل شئ، ثم أن الثبات في الجهاد والصبر على البلايا هو ايضاً أفضل كل الأمور.

وقال
أنبا أغاثون:

+
” أن السيرة الفاضلة بدون كلام نافعة، أما الكلام بغير عمل فهو باطل لأن
أحدهما بسكوته ينفع والآخر بكثرة كلامه يقلق. فإذا استقام القول مع العمل كملت
فلسفته.

وقال
أيضاً:

+
” أن الشر أزاغ الناس عن معرفة الله، وفرق الناس بعضهم عن بعض فلنبغض إذا
الشر ولنطلب السلام لبعضنا البعض وبذلك تكمل فلسفة الفضيلة.

و-
المعرفة الاختبارية

قال
مار اسحق:

+
مثل المصور الذي يصور الماء في الحائط ولا يقدر ذلك الماء المرسوم أن يبرد عطشه،
وكمثل المرء الذي ينظر الأحلام كذلك الإنسان الذي يتظلم من غير عمل، أما الذي من
أختباراته يتكلم عن الفضائل فيكون مثل ذلك الذي من بضاعة تجارته يلقى كلمته
لسامعيه ومن الشئ الذي أقتناه في نفسه يزرع التعليم في آذان السامعين ويفتح فمه
بدالة مع بنيه اللروحانيين، وذلك كموقف يعقوب الشيخ مع يوسف العفيف إذ قال له: هو
ذا قد أعطيتك نصيباً فاضلاً عن اخوتك وهو ما أكتسبته من الأموريين بسيفي وقوسى.

كما
قال أيضاً:

+
” أبله يصنع صناعة البحرية من ذاته، أفضل من عارف يتعلم سيرة الروح من أسطر
الكتب، وبالتسليم من آخرين من غير تجربة محكمة بذاته”.

ز
– إكليل الجهاد والثمار

1-
الجهاد

قال
القديس موسى الأسود:

+
” من يحتمل ظلما من أجل الرب يعتبر شهيداً. ومن يتمسكن من أجل الرب يعوله
الرب. ومن يصير جاهلاً من أجل الرب يحكمه الرب “.

وقد
وضح هذا القول في خطاب أرسله إلى أنبا نومين قال فيه:

أنى
أفضل خلاصك بخوف الله قبل كل شئ طالبا أن يجعلك كاملاً بمرضاته حتى لا يكون تعبك
باطلاً يكون مقبولا من الله لتفرح.. لأننا نجد أن التاجر إذا ربحت تجارته كثر
سروره وكذلك الذي يتعلم صناعة إذا ما أتقنها كما ينبغي إزداد فرحه متناسيا التعب
الذي أصابه، وذلك لأنه قد أتقن الصنعة التى رغب فيها. ومن تزوج أمرأة وكانت عفيفة
صائنة لنفسها فمن شأنه أن يفرح قلبه. ومن نال شرف الجندية فمن شأنه أن يستهين
بالموت في حربه ضد أعداء ملكه وذلك في سبيل مرضاة سيده. وكل واحد من أولئك الناس
يفرح إذا ما أدرك الهدف الذي تعب من أجله فإذا كان الأمر هكذا من شئون هذا العالم
فكم وكم يكون فرح النفس التى قد بدأت في خدمة الله عندما تتم خدمتها حسب مرضاة
الله؟.

الحلف
أقول لك أن سرورها يكون عظيما، لأنه في ساعة خروجها من الدنيا تلقاها أعمالها
وتفرح لها الملائكة إذا أبصروها وقد أقبلت سالمة من سلاطين الظلمة لأن النفس إذا
خرجت من جسدها رأفتها الملائكة وحينئذ يلتقى بها أصحاب الظلمة كلهم ويمنعونها عن
المسير ملتمسين شيئاً لهم فيها. والملائكة وقتئذ ليس من شانهم أن يحاربوا عنها،
لكن أعمالها التى عملتها هي التى تحفظها وتستر عليها منهم. فإذا تمت غلبتها تفرح
الملائكة حينئذ ويسبحون الله معها حتى تلاقى الرب بسرور، وفي تلك الساعة تنسى جميع
ما أنتابها من أتعاب في هذا العالم.

فسبيلنا
أيها الحبيب أن نبذل قصارى جهدها ونحرص بكل قوتنا في هذا الزمان القصير على أن
نصلح أعمالنا وننقيها من كل الشرور عسانا نخلص بنعمة الله من أيدي الشياطين
المتحفزين للقائنا إذ أنهم يترصدون لنا ويفتشون أعمالنا أن كان لهم فينا شئ من
أعمالهم لأنهم أشرار وليس فيهم رحمة، فطوبى لكل نفس لا يكون لهم فيها مكان فإنها
تفرح فرحاً عظيماً.

+
وقال أيضاً:

+
” أن كانت الأتعاب لا تقود إلى الصلاة فعمل المصلى باطل “.

+
وسأله أخ: ” ما هى المقارنة بين الجهاد والصلاة؟ ” قال له الشيخ:


من يصلى طالبا العتق من الخطية لا يجوز أن يكون مهملا، لأن من أخضع مشيئته يقبله
الرب “.

2-
الثمار

قال
القديس مقاريوس الكبير:


كما أن عصا هرون أزهرت وأثمرت في ليلة واحدة، كذلك الراهب إذ حل فيه الرب فإن نفسه
تزهر وتثمر أثمار الروح القدس بمعونة خالفها السيد المسيح له المجد “.

وقال
شيخ:


كل من يسكن في موضع ولا يعمل فيه ثمرة صالحة فالموضع نفسه يطرده ”

سأل
أحد الأخوة شيخاً وقال له ”


ما هي فلاحة النفس؟ ” فقال الشيخ: أن فلاحة النفس هي السكوت، وضبط الهوى،
وشفاء الجسد، والصلاة الكثيرة والامتناع عن معاتبة زلات الناس، وتأمل الإنسان في
هفواته وحده، فمتى تثبت الإنسان في هذه الفضائل، فإن نفسه لا تبطئ في النجاح
والنمو حتى تثمر “.

وقال
مار اسحق:


أن الهواء يسمن الأثمار والاهتمام بامور الله عز وجل يسمن اثمار النفس، أن أثمار
الشجرة تكون فجة ومرة، ولن تصلح للأكل حتى تقع فيها الحلاوة من الشمس، كذلك أعمال
التوبة الأولى فجة ومرة جداً، ولا تفيد الراهب حتى تقع فيها حلاوة الثاؤريا، فتنقل
القلب من الأرضيات.

وقال
شيخ:


كما أن الأرض لا تثبت وحدها من غير بذار وفلاحة ومطر سمائي وحراسة مما يمكن
حراستها من البهائم والطيور، وسلامة من الله مما لا يقدر الإنسان على دفعه، كالدود
والجراد وريح السموم. فإن كانت الأرض لا تثبت بغير تلك الأمور، فكم بالحرى النفس،
فإنها لا تثمر الفضائل بدون تعليم وتعب كثير ومعونة الهية واحتراس من الأعداء بقدر
استطاعة الإنسان، ثم تضرع الى الله في طلب تعضيده أزاء ما تعجز قدرته عنه “.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى