علم المسيح

قلب الله



قلب الله

قلب الله

. من
المتعذر أن نتصوّر”إنسانا أبعد من يسوع عن أولئك النظريين المتحجرّين الذين
بات اعتدادهم بيقينهم بمقدار تشبثهم بحقوقهم؛ الذين يهبطون على الناس، بأحكامهم،
من علَُ، ويمسخون تعليم المسيح – وهو أحبّ ما أخرج للناس – مقصلةً صارمة، ومجموعةً
من الفرائض الضارية

 

. إن
الإنجيل حافل بالشواهد التي يبدو المسيح، من خلالها، إنسانا خاضعا للعواطف
الإنسانية، في وسعه أن يخبر ما يخبره الناس من نزوع إلى الصداقة والحنان الرقيق،
بل من ذاك الجاذب السرّي الذيُ يهيب بنا، – من حيث لا ندري – إلى توثيق معرفتنا
بكائن آخر، والشعور بدفء محبته. فهكذا كان البشير يوحنا، ” التلميذ الذي اتكأ
على صدر يسوع “، واحداً من أولئك الذين خصّهم المسيح بمحبتّه؛ كما أنه خصّ
بمودّته، في بيت عنيا، تلك الأسرة التي أكرمها بمعجزة كانت آخر معجزاته، ومن أعظم
خوارقه؛ وقد أثبت ذلك ما جاء في الإنجيل الرابع من أن يسوع ” كان يحب مرثا
ومريم أختها، ولعازر” (يوحنا 11: 5). وهناك حادثة قلّما في الإنجيل ما
يضاهيها حياةً وبراعةً في أداء واقعية الأشخاص: فلقد دنا من المسيح شابّ غنيّ، كاد
أن يعقد النيّة على اتباعه، وسأله قائلاً: ” أيها المعلّم الصالح، ماذا عليّ
أن أعمل، لأرث الحياة الأبدية؟ “. فقال له يسوع: ” أنت تعرف الوصايا: لا
تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، ولاتتعدّ على أحد، أكرم أباك وأمك “.
فقال له: للم يا معلّم، كل هذا قد حفظته منذ صباي! “. فحدّق إليه يسوع
وأحبّه! “.. ما أروعها طبيعيةّ! فالإنسان، في المسيح، نباغته في تلك النظرة؛
كما أننا نفهم كل الفهم عواطف الشاب الغنيّ، إذ أجابه المسيح: ” واحدة تنقصك!
إمض وبع مالك، وأعطه للفقراء.. “. لقد انقبض لهذا الكلام، ومضى حزيناً، لأنه
كان ذا مال كثير. ” (مرقس 10: 17-22؛ متى 19: 16 -12؛ لوقا 18: 18 -23)

 

بيد
أن المسيح – ذاك الذي أشاد بحبّه القديس برنردُ س، والذي نوّه في كتاب ”
الاقتداء بالمسيح “، في إحدى فقراته الرائعة، ” بصداقته الأليفة ”
– هو أعظم من أن يحصر صادق مودّته، ورقيق شعوره، في بعض الأفراد المحظوظين. أجل،
إننا نجد في ميول قلبه ما يقرّبه منا، ويقع في نفسنا. بيد أن هناك ما هو أعظم.
فالمسيح قد شمل بعطفه الفائض جميع الذين جاوروه والتمسوا إزره. وإن ما ذكرناه من
صفات الحزم والنفوذ نراه دوما مشفوعاً ومُعادلاً بما يوازيه من مناقب الوداعة
والحفاوة. فالمسيح ينتسب إلى تلك الفئة التي هو – في الحقيقة – مثالها، فئة الذين
يبذلون حبهم لجميع المرتقبين، وحنانهم لجميع البائسين، وصفحهم لجميع العاثرين.. من
استنجده فقد كفل نجدته: ولكم نراه، في الإنجيل، وقد أعياه التعب، واشتدت عليه حاجة
الخلوة والراحة، يستجيب لمستجير ثقيل؛ فما ظهر يوماً أنه عيل صبراً، بل كان أبداً
حاضر الأهبة للجميع، بلا استثناء..

 

. ولا
يعي ذلك أنه لم يكن يؤثر فئةً من الناس على غيرها. فقد كان للبؤساء والمحرومين، من
قلبه، حق الصدارة.” طوبن للمساكين! “: صرخةٌ تردّدت أصداؤها في جميع في
صفحات الإنجيل! إلاّ أن ذلك لا يسوّغ لأحد أن يتوسّم في يسوع شبه زعيم شعبي يدعو
إلى احتجاج وثورة الفقر على الغنيّ. فإن موقفه من الأغنياء واضح كل الوضوح. فعندما
انصرف عنه الشاب الغنيّ لم يزد على قوله، مُعلقّاً: ” يا بيَّ، ما أعسر على
ذوي الأموال، أن يدخلوا ملكوت اللّه!.. إنه لأسهل أن يمرّ جمل في ثقب الإبرة، من
أن يدخل غنيّ ملكوت الله “. لقد تعُنُّتَ كثيراً، ما بين الأوساط اللاهوتية،
في التلطيف من معنى هذه العبارة التونيبية. فأن تكون الصورة من أساليب الإطناب
الشرقي، وأن يوجد مثلها في القران (سورة 7: 26)، أو في بعض النصوص الهندية، كل ذلك
لا يمنع أن يبقى للعبارة فحواها. فلماّ كان البلوغ إلى ملكوت الله – في نظر المسيح
– هو الأرب الوحيد، فالغني يبدو له امرْأً ” تاعسا “، أحق بالشفقة من
سواه، لأنه غافل عن شقائه، ولأن عوائق المال تصدّه صدّ اً مخيفا عن الدخول ”
من الباب الضيق “! فليس في هذا الشعور أي نقمة ولا أي عنف! لا بل فيه، من وجه
آخر، ملامح الشفقة. وعلى كل، فإذ سأله التلاميذ قائلين: ” من يستطيع إذن أن
يخلص! “، أجابهم: ” كل شيء، عند الله، مستطاع! ”

 

.
فليس اقتناءُ الأموال يندّد به المسيح، بل الغرور باقتنائها! والذين يعافهم إنما
هم الصَلفون، والبطرون، والذين يموّهون بأقنعة فضائلهم المتُرْفة، دمامة نفوسهمَ
الخسيسة. وهو، البراءة المتجسّمة، والذي لم يراود نفسه ظلّ خطيئة – نراه يفرغ على
الخطأة حناناً ما بعده حنان، ويفتح لهم قلبه، على شرط أن ينُيبوا إلى اللّه بقلب
صادق. إن شكوى الفريسيين قامت على أساس، يوم قالوا: ” هذا الإنسان يقبل
الخطأة ويأكل معهم! ” (لوقا 15: 2). بل يخيّل أن المسيح قد آثر الخطأة على
غيرهم إيثاراً ملحوظاً. ولا بدَعْ، فالأم أكثر عزاء بتماثل ابنها المريض، منها
بصحة سائر أفراد الأسرة؛ والراعي أكبر غبطة بالعثور على الخروف الضال، منه ببقاء
التسعة والتسعين خروفاً داخل المرابض. هكذا تفرح المرأة أيضاً، عندما تعثر على
الدرهم الضائع في إحدى زوايا البيت. وهكذا من حقه أن يقيم العيد، ذاك الوالد الذي
ألفى ابنه الشاطر، وقد آب إلى المنزل، بعد غيبة طويلة قضاها في مغامرات رعناء إ..
لقد جاء المسيح ” ليخلّص ما قد هلك “. فإن بات للخطيئة، في حياة الإنسان،
معنى وفائدة، فذلك بأن تذهب به شطر التواضع الفادي، وتحطّم فيه الكبرياء، وتُشْرع
على الحبّ فؤاده

 

.
ولقد ذهب المسيح إلى أبعد من ذلك. فالكلمات التي نطق بها فوق الهضبة، في مطلع
رسالته، انطوت على فريضة أشدّ وعورة: ” سمعتم أنه قيل: ” أحبب قريبك،
وأبغض عدوّك! “، أمّا أنا فأقول لكم: ” أحبوّا أعداءكم، وصلّوا لأجل
الذين يضطهدونكم.. فإنه، إن أحببتم من يحبّكم، فأي أجر لكم؟ ” (متى5: 43؛
لوقا 6: 32 –33). فالمحبة، هنا، تعبث بالممكنات: فهي تجتاز حدود المودّات البشرية،
وتتخطىّ ذاك العطف الذي يشْمل به القلبُ النبيل مصائب الآخرين وأخطاءهم؛ بل هي
تعدو نطاق الصفح عن المساءة – والصفع كثيراً ما يأتي عن طريق النسيان ومرِّ
الزمان! فالمحبة التي نادى بها المسيح إنما تقضي على الإنسان بانقلاب جذري، يسمو
طاقات البشر، وبإذلال الطبيعة وكراماتها الشرعية، وتقبيل اليد التي ضرَبت

 

. وأماّ
أن يكون تطبيق مثل هذا التعليم على جانب فريد من الوعورة، فذلك ما لم يموّههْ
الإنجيل. فالمسيح، إذ غادر الجليل يوماً وهمّ أن يجتاز بالسامرة، سيّر قدامه رشلاً
يمهّدون له الطريق. وحدث أن قرية من قرى السامرة أبت استقباله: وقد كان بغض
السامريين لليهود متوثباً بين ضلوعهم. فلما رأى ذلك التلميذان، يعقوب ويوحنا، قالا:
” يارب، أتريد ان نستنزل النار من السماء فتحرقهم؟ “. فالتفت يسوع،
وزجرهما قائلاً: ” إنكما لا تعلمان من أي روح أنتما! فإن ابن البشر لم يأت
ليهلك نفوس الناس، بل ليخلّصها ” (لوقا 9: 51-56)

 

. ولا
بدّ من القول، تعقيباً على هذه الملاحظات، أن محبة يسوع قد انسجمت مع جملة من
الفضائل، قد تفتقر إليها أحياناً المحبّات البشرية. فهناك من التلطّف ما هو ضرب
صميم من ضروب اللامبالا؛ ومن الموادعة ما ينجم عن التعامي. إن ما رأيناه، في
تصرّفات المسيح، من مظاهر الشدة أحياناً، يكسب وداعته قيمة فريدة. فنحن لا نرى أن
يسوع بات، يوماً، ضحية ختل أو. خداع، كما يتّفق للسيّدات المحسنات أن يمكر بهنّ
محترفو التسوّل. فلقد كان له، في الناس، بصيرة نافذة. وقد خبر بطرس من ذلك بعض
الشيء، يوم أنبأه معلّمه بأنه سوف يخور، ساعة الخطر، ويجحد ذاك الذي زعم أنه
بالمهجة يفديه! إلاّ أن ذاك النفاذ، في بصيرته، كانت توازيه رقّة مثُلى. إن من أهل
البرّ من يطغى عليهم تعوّد ما يقفون عليه من بؤس الناس، والمفاسد التي يجرّ إليها
البؤس جرّاً طبيعياً، فينضب، في قلوبهم، ماء الشفقة، ويداخل عطفهم شيء من آفات
العنف والاليّة و” الإدارية “. فلقد أمسى الفقير، في نظرهم، رقماً تنقضي
حقوقه بكسرة خبزٍ أو بحذاء!.. أمّا يسوع فما كان أبعده عن مثل ذاك الشذوذ! أيّ رقة
في موقفه من تلك السامرية التي استشفّ له سرّها، ومن تلك النساء الساقطات، وتلك
المرأة الزانية التي سوف نراه يواجهها بالصمت! – والصمت أسمى أشكال المحبة! لكم
كان يرفق بما يحتفظ به أحطّ الناس، من حشُاشات أخيرة تؤهّلهم للتوبة والاصطلاح،
إذا شعروا أنهم، وإنُ سعفوا، محَوّطون بالتقدير

 

! إن
الشواهد التي أتينا على ذكرها تُلمح كلها إلى أحداث تجلىّ فيها عطف المسيح على
المرأة. وإننا نجد في هذه الظاهرة من مسلكه ما يسترعي الانتباه. لقد كان العرف
اليهودي – ولا شك – يقُرّ للمرأة، عمليّاً، مكانة عظيمةً في إدارة شؤون البيت. هذا
وقد ورد في الكتاب المقدّس ذكر الكثير من النساء الرائعات. ومع ذلك، فقد كان كره
المرأة، في إسرائيل، من مجانح الرأي العام، يسومها لوناً من التعيير المبطن
والاحتقار. وإننا نوجس في الشريعة الموسوية، وفي طائفة من النصوص التلمودية.
نفوراَ يكاد أن يكون صريحا، من المرأة – الخليقة النجسة – واحترازاَ عظيمأ من تلك
التي تستغوي الرجل، وتستدرجه إلى المعصية. وكانت الشريعة الإسرائيلية من كثرة
العناية بالرجال، بحيث كانوا وحدهم – من دون النساء- ملتزمين بمراسيم الناموس،
كالصلاة اليومية، والشعائر الفصحية. وكانت الشريعة تقضي أن يفُقّه البنون في الدين،
وأما البنات فكنُّ يصبُن، من التعاليم الدينية، طرفا زهيداً جدّ اً، إذا رضي الأب
بذلك

 

. مثل
ذاك الاحتقار كان أيضاً ظاهرة من ظاهرات المدنيّة الرومانية. أجل، لم يكن كل الناس
على رأي سينيكا[فيلسوف روماني (2 – 66)، ولد في قرطبة (الأندلس)، وولي مهمة تأديب
الإمبراطور نيرون، في حداثته. استوحى مبادئه الفلسفية من المذهب الرواقي]، في كره
المرأة، ونعتها بالحيوان العاهر.. ومع ذلك فقد كانت المرأة معزولة عن الحياة
الرسمية. فإذا كانت ربةّ بيت، فهي محصورة في نطاق مهامّها المنزلية؛ وإذا كانت
فتاةً أو مطلّقة فهي ضحيةّ ما كان قد بدأ يشيع، إذ ذاك، من عادات التحرّر
والانفلات. فالمرأة الرومانية كانت إذن بعيدة كل البعد عن أن تحتل المكانة
الأساسية التي رفعتها إليها الحضارة المسيحيّة، في غضون ألفي سنة

 

.
فالمسيح، في هذه القضية أيضا – كما قي غيرها من القضايا- قد بدّل الأوضاعَ
المقرّرة. فنحن نراه – من خلال رواية لوقا- يجول في المدن والقرى، ومعه ” بضع
نساء كنّ قد برئن من أرواح شرّيرة، ومن أمراض. وهنّ مريم التي تدعى المجدية، التي
خرج منها سبعة شياطين، وحنّة امرأة كوزى، قيّم هيرودس، وسوسنة، وأخَر سواهن..
“. هكذا قام أيضاً – عبر التاريخ – نخبةٌ من النساء الساميات.. ولا شك،
فالنفس الأنثويةّ قريبة إلى الحب: إنه قُوتهُا اليومي، به ثغتذي وتعيش. ولكم من
تلك النفوس، على ممرّ التاريخ، استجابت لمثل الدعاء الذي وجّهه يسوع إلى السامرية
والمجدلية. ولكم من نساءٍ وجدن، في الحبّ السماوي اللاهب ضمن الأديرة، ذاك الفرح
الإنساني الذي تصبو إليه كل امرأة، ولا تصيبه إلاّ في غمرة التضحية والبذل

 

. هذا،
ولا بدّ من الإشارة إلى أن يسوع، في موقفه الجديد والجريء من المرأة، لا يترك أي
مجال للريبة في صفاء علاقاته وتصرّفاته: فدموع الخاطئات وأطيابهنّ لم تكن لتعكّر
عليه نقاء شعوره. إن عناية الرجل بالمرأة قلّما ثخلو من شبهة؛ والمرشدون الروحيون
يعلمون ذلك، ولا بدّ أنهم يحثاطون له حيطة دائبة: ” طوبى لأنقياء القلوب!
“. وأمّا نقاوة المسيح فهي البلوّر صفاء وسلامة

 

! بيد
أن شخصيّة المسيح، مهما تبينّ لنا صفاؤها وسموها، ومهما أشرقت جوانبها الإنسانية،
فيَ خضوعها الشامل لمقتضيات الحبّ، فإن لها، في الإنجيل، ملمحاً آخر. أجل، لقد كان
يسوع ذاك الرجل الذي امتاز بروعة تفهّمه وعطفه – والذي نودّ لو كناّ قد عرفناه
وأحببناه! ويسوغ القول إن قوّة تلك الصورة النفسيّة هي من أثبت الأدلّة على نزاهة
الأناجيل، إذ يبدو من المتعذّر على رجال بمنزلة متى ومرقس ولوقا ويوحنّا أن يكونوا
قد ابتدعوا تلك الشخصيةّ البليغة من غير أن تتطرّق إليها شوائبهم البشرية. لقد كان
الإنجيليون من الكتُّاب الذين فاتتهم صناعة الإنشاء؛ بيد أنهّم، بهدي الروح، قد
وُفّقوا إلى وصف الكمال من غير إسفاف، وذروة المحبّة من غير ابتذال.. بيد أن تلك
الشخصية، الخفيةّ الجليّة معاً، تستشفّ عن شئ آخر: إن محبةّ يسوع هي، بالمعنى
الحرفي، فوق حدود الطبيعَة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى