علم

علم الباترولوجى



علم الباترولوجى

علم
الباترولوجى

كلمه
patrologia ماخوذه من الكلمة اللاتينية pater
إي أب.

وعلم
الباترولوجي هو العلم الذي يبحث في حياه الإباء الأولين وإعمالهم (أقوالهم
وكتاباتهم) وأفكارهم.

دراسة
سيره الإباء أو حياتهم أمر حيوي، يسندنا في تفهم شخصياتهم ومعرفه الظروف المحيطة
بهم، والتي من خلالها سجلوا لنا كتابتهم..

إما
أعمالهم سواء كانت أقوالهم او كتاباتهم أو رسائلهم، فهي جزء لا يتجزأ من تاريخ
حياتهم..

إما
الجانب الرئيسي في هذا العلم، فهو الكشف عن فكر الإباء وعقائدهم وتعاليمهم،
بالدخول إلي روح الإباء والتعرف علي النقاط التي ركز عليها كل أب، ودراسة أرائه
علي ضوء الصراعات المعاصرة له.

يلزم
دراسة تعاليم كل أب وشروحاته وتعليقاته علي ضوء صوت الكنيسة الجامعة، بكونه عضوا
في الجسد الواحد.

 

يلقب
إبراهيم واسحق ويعقوب بطاركة (آباء) إسرائيل، وكان اللقب الرسمي للكتبة في التقليد
اليهودي هو (آباء)

وفي
كنيسة العهد الجديد

نسمع
في استشهاد القديس بوليكاربوس جماعات من اليهود والوثنين يصرخون (هذا هو اب
المسيحين)

وحين
دافع القديس اثناسيوس عن استخدام تعبير (امونسيوس) ذكر إن الآباء استخدموها، قاصدا
بتعبير (الآباء) القديسين ديونيسيوس السكندري وديونيسيوس الروماني وغيرهما..

 


عندما يتعلم انسان من فم اخر يقال عنه انه ابن ذاك الذي علمه ويحسب الاخر اباه

القديس
ايريانوس

 


الكلام ابن النفس لهذا ندعو الذين يعلمونا اباء لنا….ويحسب الذي يتعلم في خضوع
الابن “

القديس
اكليميندس السكندري

 

في
علم الإباء لا يحصر تعبير (آباء) علي الاساقفه والكهنة والشمامسة الذين لهم تراث
أدبي وروحي أو لاهوتي وإنما يضم المدافعين عن الأيمان المسيحي في القرون الأولي
كما يضم الرهبان الذين هربوا من الكهنوت لكنهم تلمذوا كثيرين بفكر نسكي إنجيلي..

 

يشترط
في الأب الأتي:

1-
إن يكون له مقالات أو كتب أو رسائل أو أقوال سجلها له أبناؤه.

2-أن
يكون ارثوزكسي – مستقيم المعتقد – يعيش بروح الكنيسة هذا وتستفيد الكنيسة بتراث
بعض الشخصيات التي عرفت بخصوبة إنتاجها مع ارتباطهم بالكنيسة، وان كانوا قد سقطوا
في بعض الانحرافات مثل العلامة ترتليان وتاتيان واوريجينوس الخ

كما
يعطي علم الباترولوجي اهتماما بكتابات الهراطقه أيضا والكتب الابوكريفا (المزورة)
لنتفهم جو الكنيسة الأولي، ونعترف كيف شهدت الكنيسة الحق بالرغم من مقاومه
الهراطقه..

3-
قداسه الحياة: فنحن ندرس هذا العلم من اجل التمتع بالحياة الكنسية الانجيليه الاصيله.

4-
يضع بعض علماء الباترولوجي شرط (الزمن) بمعني إن يكون الأب منتميا إلي الكنيسة حتى
زمن معين، حددها البعض بالقرن السادس وآخرون بالقرن الثامن، ويري آخرون إن عصر
الإباء ممتد مادام روح الرب يرافق الكنيسة ويعمل فيها،لهذا لا ينقطع عنها أباء
قديسون معلمون.

5-
يضع الكاثوليك شرط القبول الكنسي للأب، لكننا بروح الكنيسة الارثوزكسية لا تقوم
الكنيسة بتقنين(اللاهوت الابائي) في كل كلمه، ولا تقدم فهرسا إلزاميا عن الإباء
وتراثهم، وإنما تكتفي في مجامعها بفرز الكتابات والآراء المنحرفة إيمانيا وتحذر
منها كما تحرم الهراطقه من شركتها حتى يرجعوا عن ضلالهم.

 

سلطان
الآباء:

يمثل
الآباء القديسون فكر الكنيسة الجامعة الذي تسلمته من الرسل بفعل الروح القدس الذي
يعمل بلا انقطاع في حياه الكنيسة

يتحدث
عنهم القديس اغسطينوس قائلا:

(تمسكوا
بما وجدوه في الكنيسة، عملوا بما تعلموه، وما تسلموه من الآباء واودعوه في أيدي
الأبناء)

(من
يحتقر الإباء القديسين ليعرف انه يحتقر الكنيسة كلها)

 

يقوم
هذا السلطان علي عاملين

عامل
طبيعي:

إذا
اتسم الآباء بالحياة القدسية والامانه في استلام وديعة الأيمان الحي من أيدي الرسل
لذلك فهم اقدر علي الشهادة للحياة الكنسية من كل جوانبها، خاصة وأنهم يحملون الفكر
الواحد، بالرغم من اختلاف الثقافات والمواهب والظروف، مع بعد المسافات بين الكراسي
الرسولية وصعوبة الاتصالات في ذلك الحين.

 

والعامل
الثاني الهي:

حيث
عاش الإباء منحصرين بالروح القدس، قائد الكنيسة ومرشدها إلي كل الحق، يحفظها داخل
دائرة صليب المسيح.

هذا
لا يعني عصمه الإباء كإفراد، وإنما تعيش الكنيسة الجامعة ككل محفوظة بروح الرب.

 

كيف
تستخدم كتاتبات الاباء:

1-
لا يقدر احد من الإباء بمفرده آن يتعرف علي (الحق) كله كما تعرف الكنيسة في كليتها،
لهذا لا يليق بنا آن نقبل رأي أب ما بطريقه مطلقه بغير تحفظ، إنما يجب آن يكون
رأيه أنجيليا يحمل روح الكتاب المقدس ومطابقا لفكر الكنيسة الجامعة.

2-
يلزمنا أن لا تبتر بعض فقرات من تراث الإباء لتأكيد فكره مسبقة في أذهاننا.

3-
دراسة معاني بعض التعبيرات التي يستخدمها الأب، إذ توجد عبارات أو كلمات كانت تحمل
مفاهيم فلسفيه أو شعبيه في ذلك الحين.

4-
يمكننا فهم بعض العبارات الصعبة الواردة في كتابات احد الإباء بمقارنتها بما ورد
في كتابات واعمال الإباء المعاصرين له

 

الالتجاء
الي تراث الاباء:

اعتمد
القديس اثناسيوس علي تراث الآباء في دفاعه، كما اعتمد القديس باسيليوس علي كثير من
التقاليد الكنسية خلال أقوال الإباء السابقين له.

تزايد
هذا الاتجاه، إي الالتجاء إلي أقوال الإباء السابقين، في القرن الرابع، ونما جدا
في القرن الخامس

فالقديس
كيرلس السكندري كمثال،، في كتاباته إلي الرهبان المصريين دفاعا عن لقب القديسة
مريم ثيؤطوكوس – لتاكيد أن المولود هو كلمه الله المتانس دون انفصال اللاهوت عن
الناسوت – أشار إليهم آن يقتفوا اثار القديسين وفي حديثه ضد نسطور التجأ الي تعليم
الكنيسة المقدسة الممتدة في كل العالم والي الآباء المكرمين أنفسهم، معلنا ان
الروح القدس تحدث فيه. ولتدعيم حديثه عن السيد المسيح استند إلي بعض مقتطفات
ابائيه في كتابتهم الجدلية، قدمها إلي مجمع افسس.

 

اهتمام
الأقباط منذ نشاه الكنيسة علي صله وثيقة بالفكر الابائي للكنيسة الجامعة،فقد قاموا
بترجمته إلي لغة الشعب حتى في صعيد مصر، والدليل علي ذلك وجود مخطوطات قبطية قديمة
لكتابات الإباء الرسوليين، بكر الكتابات الابائيه.

 

كتابات
الآباء الرسوليين

1.
القدّيس إكليمنضس الروماني.

2.
القدّيس أغناطيوس الروماني.

3.
القدّيس بوليكاربوس.

4.
رسالة برناباس.

5.
الراعي لهرماس.

6.
الرسالة إلى ديوجنيتوس.

7.
بابياس.

8.
دفاع كوادراتس.

9.
الديداكيّة.

 

الآباء
الرسوليّون

The Apostolic Fathers

مضى
الجيل الأول المعاصر للسيّد المسيح، الشهود العيان له، وتتلمذ كثيرون على أيدي
رسله وتلاميذه، ولم تعد الكنيسة محصورة في بقعة ما، بل انطلقت في العالم تخمره
بخميرة الحق وتلهبه بنيران الحب الإلهي، ووُجدت كنائس محليّة كثيرة في الشرق
والغرب، لها إيمان واحد، ورجاء واحد، وحب واحد، صلّوات واحدة ومفاهيم واحدة
ليتورچيّات وطقوس ذات هيكل واحد. حتى يحق لنا أن نقول إنّها ليست كنائس كثيرة بل
كنيسة المسيح الواحدة الرسوليّة.

 

إن
كانت هذه الكتابات الآباء الرسوليّين ليست إلاَّ براعم الربيع الصغيرة، لكنها حيّة
تحمل روح الكنيسة الواحدة، تكشف لنا ما تحمله من أوراق وزهور وثمار حملتها شجرة
الكنيسة عبر الأجيال[89]. لقد حملت إلينا صدى أصيلاً لكرازة الرسل، وإعلانًا حقًا
لبساطة إنجيل الخلاص، وصورة صادقّة للتقليد الكنسي في تلك الفترة الفريدة[90].
قدّمت لنا الإيمان الذي تقبّله هؤلاء الآباء الرسوليّون خلال اتصالهم المباشر
للرسل أو تسلّموه عن طريق تلاميذهم[91].

 

أما
تسميّتهم بالآباء الرسوليّين فترجع إلى الدارس الفرنسي
Jean B. Coterlier من رجال القرن السابع عشر، الذي قام بنشر مجلّديه تحت اسم Patres aevi apostolici عام ١٦٧٢، واللذين شملا مجموعة الكتابات
التالية:

1.
الرسالة المنسوبة لبرناباس.

2.
كتاب “الراعي” لهرماس.

3.
رسالتان: إحداهما لإكليمنضس الروماني والأخرى منسوبة له.

4.
رسائل أغناطيوس السبع.

5.
رسالة لبوليكاربوس، ومقال عن استشهاده.

في
عام ١٧٦٥ أضاف إليها
Andres Gallandi في مجموعتهVeterum
Patrum Bibliotheca

الأعمال التالية:

6.
رسالة إلى ديوجنيتس
Diognetius لا يُعرف كاتبها.

7.
مقتطفات لبابياس و
Quadratus.

8.
وفي عام ١٨٧٣ اكتشفت “الديداكيّة
Didache” أو “تعليم الرب للأمم كما نقله الإثنا عشر
رسولاً” أضيفت إلى الكتابات الرسوليّة.

وأخيرًا
فإن بعض الدارسين رأوا إضافة ما يسمى ب “قانون الإيمان للرسل
The Apostolic Creed” إلى الكتابات الرسوليّة، لكن الغالبيّة لم يقبلوا ذلك.

 

1.
كلمة “أب” في الحضارة المسيحية القديمة

في
العهد القديم

كان
إيمان شعب الله يقوم على إيمان “الآباء”، وكان الله يُدعى “إلهُ
الآباء” (خر3 / 15). في الديانة اليهودية كان الاعتراف بقيمة الآباء مهماً
وقد امتدح الشعب هذه الشخصيات الأساسية في تاريخ الخلاص واعتبرها مثالاً يحتذى في
الإيمان (راجع سي 44 50).

إلى
جانب هذا كانت كلمة أب تُطلَق على المعلِّمين، كالأنبياء مثلاً الذين كانوا
بمثابةِ آباء لتلاميذهم، فنجد تعبير “أبناء الأنبياء” (1مل 20 / 35).
نجد ذات الشيء في الأدب الحكمي، حيث توصف العلاقة معلم – تلميذ كعلاقة أب – ابن
(مثل 1 / 8؛ 3 / 1).

أيضاً
في العهد الجديد نجد استعمال مماثل لكلمة “أب” (لو 1 / 55. 72؛ عب 1 /
1). ومع أن يسوع يفضِّل استعمال هذه التسمية فقط بالنسبة للآب السماوي (مت 23 / 9)،
نجد أن بولس الرسول يستعملها للحديث عن علاقة الإيمان، حيث يدعو إبراهيم أبا
المؤمنين (رو4 / 16)، ويرى أن التبشير بالإنجيل يولد علاقة أبوية بين المبشِّر
والكنيسة (غل 4 / 9؛ 1كو 4 / 14 15؛ فيل 10). لذا علينا ألا نفسِّر وصية يسوع بشكل
حرفي بل بشكل روحي، إذ أنه في الحقيقة لنا أب واحد هو الله. ومما يؤكد هذا الاتجاه
استعمال العهد الجديد ذاته لكلمة آباء للدلالة على الجيل الأول من المسيحيين (2بط
3 / 4).

 

استمر
الآباء الرسوليون في استعمال هذه الكلمة للدلالة على بطاركة العهد القديم. لكن
استعمال كلمة أب للدلالة على الأسقف نجد منذ العضور الأولى للمسيحية. الشهادة
الأولى نجدها بشأن بوليكاربوس أسقف ازمير، فقد دعاهُ الوثنيون “معلم آسيا وأب
المسيحيين”. وفي عام 177 م يتوجّه مسيحيّو فيينّا وليون في غالية إلى أسقف
روما الِوْثيرُس داعينه “أباً”. هذه التسمية التي أُطلِقَت على أساقفة
الكراسي الرئيسية، تحولت منذ القرن السابع الميلادي إلى تسمية تخص أسقف روما.

 

2.
استعمال كلمة “أب” بالمعنى العقائدي

عندما
اشتدت حدة الخلافات العقائدية في القرنين الرابع والخامس الميلادي، أصبحت تسمية أب
تُطلَق على الأساقفة مستقيمي الإيمان. حدث ذلك خصوصاً في مجمع نيقيا (325 م)، حيث
دعيَ أساقفة المجمع آباءً، ومن ثمَّ أصبحت هذه التسمية تُميِّز الأساقفة المستقيمي
الإيمان عن الهراطقة.

 

يتكلَّم
القديس أغسطينوس عن المبادئ التي تسمح لنا بأن نميِّز السلطان التعليمي لأحد
الآباء: المبدأ الأساسي هو تطابق تعليمه مع الكتاب المقدس بحسب تأويل الكنيسة.
الكتاب المقدس – يقول أغسطينوس – هو كنزٌ مفتاحهُ قاعدة إيمان الكنيسة. فالآباء
يعلّمون الكنيسة ما تعلّموا في الكنيسة.

 

توضَّحت
هذه الأفكار عبر الزمن حتى ظهرت في القرن الخامس أربع ميِّزات لآباء الكنيسة: يُدعى
أباً للكنيسة من كان:


إيمانهُ مستقيماً؛


سالكاً بقداسة الحياة؛


حائزاً على مصادقة الكنيسة؛


منتمياً إلى جيل القدماء.

 

لغة
الآباء ونصوص كتاباتهم:

عند
انتشار المسيحية كانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة في منطقه البحر الأبيض
المتوسط، خلال القرون الأولي للإمبراطورية الرومانية.

فقد
غزت الثقافة الهيلينية العالم الروماني، حتى يصعب علينا آن نجد بلدا في الغرب لم
يستخدم اليونانية في التعامل اليومي. لهذا ننظر إلي اليونانية كلغة أساسيه في
كتابات الإباء.

لم
يستخدم الآباء اليونانية الفصحى (
Classical) التي كان الإغريق يستخدمونها في الكتابة والشعر وتدوين الحوادث
التاريخية، وإنما يستخدمون لغة دارجة (كويني
Koine)
والتي أصبحت من سنه 300 ق م حتى سنه 500م اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية،
ولغة الكتاب المقدس، ولغة آباء الكنيسة الأولي، وهي خليط بين الأدب الاثيني الفصيح
والعامية.

 

لكن
اليونانية أبطلت في الشرق وحلت القبطية والسريانية والأرمنية، كما أبطلت في الغرب
وحل محلها اللاتينية لغة أباء مصر

كان
بعض المصريون يفضلون الكتابة باليونانية بجانب المصرية (الديموطيقيه) لاسباب كثيرة
نذكر منها:

 

1-
سهوله اليونانية عن الديموطيقيه

2-
كانت اليونانية لغة الدولة الرسمية، هذا استلزم تدوين الوثائق بها، كان كاتبها
يعرف اليونانية فيكتبها بنفسه، أو يجهلها فيستخدم كاتبا لهذا الغرض.

3-
من الطبيعي كان الأهالي يقتبسون الكثير من لغة الحكام، حتى في تعاملهم اليومي.

4-
كانت اليونانية هي لغة المتعلمين في الدول الكبرى.

5-
كانت اليونانية هي لغة الكنيسة والمجامع الكنسية.

 

نبتت
فكره تدوين اللغة المصرية بحروف يونانية مع الاستعانة ببعض الحروف الديموطيقيه،
فخرجت اللغة القبطية كأخر تطورات اللغة المصرية (الفرعونية)، وفي القرن الثاني قام
العلامة بثينوس بترجمة الكتاب المقدس إلي القبطية بمساعده تلاميذه وعلي رأسهم
القديس اكليمنضس الاسكندري.

وترجمت
جميع المؤلفات المصرية إلي القبطية قبل القرن الخامس الميلادي.

ويلاحظ
إن الأقباط لحرصهم علي حفظ المعني اللاهوتي لبعض المصطلحات استبقوها باليونانية
حني عند كتابتهم بالقبطية.

 

ويقول
warrll أن القبطي يستنكف ترجمه المصطلحات اللاهوتية.

وإذ
جاءت اللغة العربية بدأت تحل محل اللغة القبطية فقضت عليها، ثم عادت القبطية في
الازدهار في القرن الثامن. وأخذت الكتابة القبطية منذ القرن الثاني عشر تظهر في
نهرين بالقبطية والعربية.

وفي
القرن السادس عشر انطفأ نور استعمالها كلغة للتكلم في الوجه البحري، وبقيت حتى
القرن السابع عشر لغة التكلم في الوجه القبطي.

في
القرن الثالث عشر صارت اللغة العربية هي اللغة السائدة في المؤلفات اللاهوتية
والكنسية القبطية.

يجدر
بنا أن نذكر في هذا المجال آن الآباء الرهبان القبط عرفوا بالتقوى وإنكار الذات،
فمالوا إلي الحياة أكثر من تدوينها، وجاء الكثير من أقوالهم الرهبانية عن طريق
الوافدين إليهم من الشرق والغرب بلغات متعددة كاليونانية واللاتينية والسريانية.

 

سمات
كتابات الآباء الرسوليّين

جاءت
أغلب هذه الكتابات أشبه برسائل، لكنها في الحقيقة لا تمثّل “وحدة في
الطبع”. لا نقدر أن نربط بين هذه الكتابات وبعضها البعض من جهة الطابع أو
الموضوع، لكننا بشيء من التجاوز يمكننا القول أن هذه الكتابات في مجملها تعالج
موضوعين:

ا.
وحدة الكنيسة الداخليّة وسلام بنيانها الداخلي.

ب.
الحفاظ على الإيمان الخالص حتى لا تشوبه وثنيات.

 

اتسمت
هذه الكتابات بالبساطة مع الغيرة الملتهبة، دون الاعتماد على الفسلفة اليونانيّة
أو البلاغة الهيلينيّة. فباستثناء الرسالة إلى ديوجنيتس لا تحمل هذه الكتابات
عملاً أدبيًا.

 

جاءت
هذه الكتابات وليدة احتياجات عمليّة رعويّة، وليس لغرض علمي دراسي؛ فلم تقدّم لنا
دراسات لاهوتيّة روحيّة. “الاهتمام الرعوي الأصيل” عامل مشترك في هذه
الكتابات، فالآباء الرسوليّون يقدّمون قلوبًا ملتهبة حبًا نحو خلاص البشريّة. لم
يكن هؤلاء الكتَّاب جبابرة عقليّين بل قدّيسين بسطاء، يحبّون التقوى، ويكرّسون
حياتهم وقلوبهم لمخلّص حيّ يحيا فيهم وهم يحيوا به وفيه ومن أجله.

 

اتسمت
كتاباته بالصبغة الاسخاتولوجيّة (الانقضائيّة)
eschatological character. كان المجيء الثاني للسيّد المسيح هو غاية “الحياة
المسيحيّة”، خلال علاقتهم المباشرة مع الرسل، إذ كانوا يذكرون شخص المسيح
بحماس. فقد كشفت كتاباتهم عن شوق عميق نحو السيّد المسيح المخلّص الصاعد، وهو لا
يزال حيًّا وقائمًا في وسطهم. ينتظرون مجيئه ليروه وجها لوجّه. هذا الشوق حمل
شكلاً قدسيًا في حياتهم وكتاباته وعبادتهم.

 

اتسمت
هذه الكتابات بالطابع الكنسي كما حملت روح الشركة، شركة الكنيسة في العالم كلّه في
الإيمان والتقليد والعبادة. رغم بُعد المسافات بين الكنائس وبعضها البعض مع اختلاف
الثقافات وتفاصيل التقاليد.

 

مكانة
الآباء في الكنيسة

في
تقليد الكنيسة الحي والمقدس، المُستمر منذ تأسيس الكنيسة حتى أيامنا هذه، يحتل
آباء الكنيسة مكانة خاصة، تجعلهم يتميَّزون عن أي شخصية أخرى في تاريخ الكنيسة.
فالآباء هم أول من وضع الخطوط العريضة لبنية الكنيسة، التنظيمية، العقائدية
والرعوية، وما قدَّموه يحتفظ بقيمتهِ بشكل دائم.

من
الآباء حصلنا على قانون الكتاب المقدس، قوانين الإيمان، قوانين الحياة الكنسيّة،
الليتورجيا، أوائل الخلاصات اللاهوتية والتعليمية، أضف إلى ذلك التأملات في الحياة
الروحية، الزهدية والصوفية. لهذا فإن سلطان تعليمهم في الأمور اللاهوتية يبقى
فريداً في تاريخ الكنيسة.

على
أننا يجب أن نبقى يقظين لئلا نجعل من “لاهوت الآباء” عبارة جامدة،
يمكنها أن تختصر كل الخبرات والآراء المتنوّعة في مسيرة واحدة، فالبحث اللاهوتي
كان لا يزال في بداياتهِ، كما أن المواقف الرسمية للكنيسة من بعض الأمور العقائدية
قد نضجت مع الزمن، لهذا ففي دراسة الآباء علينا أن نحذر تبسيط الأمور، وألا يكون
استشهادنا بأقوالهم عفوياً خالياً من الموضوعية والدراسة النقدية للمحيط الزمني
والمكاني الذي عاشوا فيهِ.

 

آباء
الكنيسة وحضارة زمنهم

الكنيسة
ومنذ بدايتها تعلَّمت أن تعلن رسالة المسيح بإستعمالها لغة العصر الذي وُجِدَت
فيهِ. وقد اجتهدت أن تترجم بلغة الفلسفة والحكمة، الحقيقة الإلهية الموحاة في شخص
يسوع المسيح، كيما تكون قريبة من لغة العقل والمنطق، واثقة بأن المنطق لا يخالف
الإيمان، حتى لو أن هذا الأخير يتجاوز حدود المنطق.

إن
آباء الكنيسة وبسبب وعيهم لقيمة الوحي الإلهي الشمولية، قد شرعوا بما ندعوه اليوم
بالإنثقاف، أي ترجمة الإيمان بلغة العصر. هذا التعبير قبل أن يكون “برنامج
عمل” هو حقيقة المسيحية ذاتها، التي نشأت بتجسُّد كلمة الله، فكان عليها هي
أيضاً أن “تتجسَّد” في حضارات الشعوب كي تجعل الله حاضراً فيها، عن طريق
بشارة الخلاص.

 

كانت
هذه قناعة المسيحيين منذ البداية: “… صِرتُ لِليَهودِ كاليَهودِيّ لأَربَحَ
اليَهود، ولِلَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعةِ كالَّذي في حُكْمِ الشَّريعة […]
لأَربَحَ الَّذينَ في حُكْمِ الشَّريعة، وصِرتُ لِلَّذينَ لَيسَ لَهم شَريعة
كالَّذي لَيسَ لَه شَريعة […] لأَربَحَ الَّذينَ لَيسَ لَهم شَريعة […]،
وصِرتُ لِلضُّعَفاءَ ضَعيفًا لأَربَحَ الضُّعَفاء، وصِرتُ لِلنَّاسِ كُلِّهِم
كُلَّ شَيء لأَُخَلِّصَ بَعضَهُم مَهْما يَكُنِ الأَمْر. وأَفعَلُ هذا كُلَّه في
سَبيلِ البِشارة.” (1كو 9 / 19 23).

ومع
أن هذا الأمر رافق كل تاريخ الكنيسة (بدرجات متفاوتة)، إلا أنه يُعتَبَر مرتبطاً
بشكل خاص بالآباء، الذين عاشوا في ظل الحضارة الهلّينية، فأيقنوا وجوب ترجمة
البشارة بحسب الأشكال الفكرية السائدة في ذاك الوقت. البعض سمّى هذه الظاهرة
“تهلُّن المسيحية”، إلا أن الحقيقة كانت “تمسحُن الهلّينية”، حيث
نجح الآباء في اختراق وتعميد العالم الوثني وفلسفتهِ، بالرغم من كل المحاولات التي
أرادت أن تحوِّل المسيحية إلى شكل من أشكال الفلسفة اليونانية، والتي ظهرت عن طريق
هرطقات، لم ينجح أصحابها في تبنّي أشكال فكرية جديدة مطابقة للوحي المسيحي بكل ما
فيهِ من تجديد.

 

لقد
برع الآباء في تمييز ماهو صالح وخادم لرسالة الإنجيل في العالم الوثني فاعتمدوه
واستخدموه (على سبيل المثال فكرة الله الواحد في الفلسفة الأفلاطونية)، عمّا هو
طالح ومتناقض مع الوحي، فشجبوه. بهذا كان الآباء ومازالوا مثالاً ومنارة للكنيسة،
في اللقاء المثمر بين الوحي الإلهي والحضارة، بين الإيمان والمنطق.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى