بدع وهرطقات

شركاء الطبيعة الإلهية



شركاء الطبيعة الإلهية

شركاء
الطبيعة الإلهية

الأنبا
بيشوى

 

الرد على جورج حبيب بباوى ورهبان دير أبو
مقار بخصوص تأليه الإنسان

فى تفسير عبارة بطرس الرسول “شركاء
الطبيعة الإلهية
” (بطرس الثانية 1: 4)

 

قال
السيد المسيح: “أنا هو القيامة والحياة” (يو11: 25)، فما معنى هذه
الكلمات الإلهية؟.

إن
الحياة الأبدية هى فى المسيح؛ الخلاص من الخطية الأصلية، وصلب الإنسان العتيق هو
فى المعمودية التى نتحد فيها مع المسيح بشبه موته، لكى نصير أيضاً بقيامته (انظر
رو6).

مغفرة
الخطايا الفعلية هو بدم المسيح فى سر المعمودية ومن بعدها فى سرى التوبة والتناول
(الافخارستيا).

يقول
الأب الكاهن فى القداس الإلهى فى الاعتراف الأخير عن جسد الرب ودمه {يعطى عنا
خلاصاً، وغفراناً للخطايا، وحياة أبدية لمن يتناول منه}.

التناول
من جسد الرب ودمه هو عربون للحياة الأبدية، نستعد له بالتوبة والاعتراف لأن
القدسات للقديسين، والقداسة “بدونها لن يرى أحد الرب” كقول الكتاب فى
(عب12: 14).

فى
القداس الإلهى نقيم تذكار موت السيد المسيح وقيامته وصعوده، وكذلك نتذكر مجيئه
الثانى الآتى من السماوات المخوف المملوء مجداً.

إن
الاشتراك مع الله فى الحياة الأبدية هو العطية الثمينة والعظمى التى طلب السيد
المسيح من أجلها قبل صلبه حينما خاطب الله الآب قائلاً بشأن تلاميذه “أيها
الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا لينظروا مجدى الذى
أعطيتنى
لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم” (يو17: 24).

إن
اشتراكنا مع الله فى الخلود وفى الحياة الأبدية هو العطية التى ننالها فى المسيح
وبالمسيح، بقوة دم صليبه المحيى الذى نقلنا من الموت إلى الحياة “لأنه هكذا
أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له
الحياة الأبدية
” (يو3: 16).

وقد
شرح معلمنا بطرس الرسول إن اشتراكنا فى الحياة الأبدية يستلزم أن نهرب من الفساد
الذى فى العالم بالشهوة مقدرين قيمة الخلاص الثمين، ومتمسكين بالمواعيد الإلهية
فقال “سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله، إلى الذين نالوا معنا إيماناً
مساوياً لنا، ببر إلهنا والمخلّص يسوع المسيح؛ لتكثر لكم النعمة والسلام بمعرفة
الله ويسوع ربنا. كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى، بمعرفة
الذى دعانا بالمجد والفضيلة، الذين بهما قد وهب لنا المواعيد العُظمى، والثمينة،
لكى تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة

(2بط1: 1-4).

إن
معلمنا بطرس الرسول يقصد أن حياة القداسة ضرورية لننال الوعد بميراث ملكوت الله.
وهذا يقتضى الهروب من الفساد الذى فى العالم بالشهوة، والسلوك فى حياة المجد
والفضائل الروحية.

وقد
أكّد الرسول بطرس نفسه هذا المعنى فى رسالته الأولى بقوله “فألقوا رجاءكم
بالتمام على النعمة التى يؤتى بها إليكم عند استعلان يسوع المسيح كأولاد الطاعة.
لا تشاكلوا شهواتكم السابقة فى جهالتكم، بل نظير القدوس الذى دعاكم، كونوا أنتم
أيضاً قديسين فى كل سيرة، لأنه مكتوب: كونوا قديسين لأنى أنا قدوس” (1بط1: 13-16).

 

الخروج على النص الكتابى:

هذه
العبارة وردت فى النص اليونانى الذى كتبت به رسالة بطرس الثانية أصلاً “ثياس
كينونى فيسيوس”
qeiaV koinwnoi fusewV وفى الترجمة الإنجليزية: partakers of the divine nature (N.K.J) وفى الترجمة العربية “شركاء الطبيعة الإلهية”. ولم يرد
إطلاقاً فى أى لغة سواء اللغة الأصلية أو الترجمة حرف “فى” وهو
en (إن)
باليونانى و
in بالإنجليزى.

ولكن
للأسف فإن البعض مثل الدكتور جورج حبيب بباوى ورهبان دير أبى مقار يحرّفون هذه
الآية عند تعرّضهم لها، ويقولون “شركاء فى الطبيعة
الإلهية”.. هذا لم يقله الرسول بطرس لأنه لا يمكن إطلاقاً أن يشترك أى مخلوق
فى طبيعة الله، أو فى كينونته، أو فى جوهره. ومن يدّعى ذلك يكون قد دخل فى خطأ
لاهوتى خطير ضد الإيمان بالله، وبسمو جوهره وطبيعته فوق كل الخليقة. كما أن هذا
الإدعاء هو لون من الكبرياء سقط فيه الشيطان من قبل حينما قال “أصير مثل
العلى”.. الرب يحمينا من هذا الكبرياء المهلك.

أما
قول معلمنا بطرس الرسول “لكى تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية” فهو
بمنتهى البساطة يقصد أن نشترك مع الله فى ملكوته الأبدى من خلال اشتراكنا فى
قداسته حسب الوصية “كونوا قديسين لأنى أنا قدوس” وحتى الاشتراك فى قداسة
الله هو مسألة نسبية، ليست مطلقة. فكمال الخليقة هو كمال نسبى، أما كمال الله فهو
كمال مطلق. وقداسة الله قداسة طبيعية غير مكتسبة، أما قداسة القديسين فهى قداسة
مكتسبة.

وقد
كتب القديس باسيليوس الكبير ما يلى:

We say that we know the
greatness of God, His power, His wisdom, His goodness, His providence over us,
and the justness of His judgment, but not His very essence… The energies are
diversified, and the essence simple, but we say that we know our God from His
energies, but do not undertake to approach near to His essence. His energies
come down to us, but His essence remains beyond our reach… So knowledge of the
divine essence involves perception of His incomprehensibility, and the object
of our worship is not that of which we comprehend the essence, but of which we
comprehend that the essence exists.
” [Letter 234, to Amphilochius par. 1,2
N.&P.N. Fathers, 2nd series, Vol. VIII p. 274.]

وترجمته
كما يلى:

“نحن
نقول أننا نعرف عظمة الله، وسلطانه، وحكمته، وصلاحه، وعنايته بنا، وعدالة حكمه،
لكن ليس جوهره ذاته… إن الطاقات تتنوع أما الجوهر فبسيط، لكننا نقول أننا نعرف
الله من طاقاته، على أننا لا نشرع فى الاقتراب من جوهره… إن طاقاته تأتى إلينا
أما جوهره فيظل بعيداً عن منالنا.. إذن معرفة الجوهر الإهى تتضمن إرداك أنه لا
يسبر غوره، وموضوع عبادتنا ليس هو أن نفهم الجوهر لكن أن نفهم أن هذا الجوهر كائن
(موجود).” (الرسالة إلى أمفيلوخيوس الفقرة 1 و2 مجموعة آباء ما بعد نيقية
المجلد الثامن).

إن
الرسول بطرس يتكلم عن الاشتراك فى الحياة الأبدية مثل ميراث القديسين فى الحياة
الأبدية. فقال “بمعرفة الذى دعانا بالمجد والفضيلة، اللذين بهما قد
وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة، لكى تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين
من الفساد الذى فى العالم بالشهوة” (2بط1: 1-4).

إننا
نشترك مع الله فى العمل مثلما قال معلمنا بولس الرسول عن نفسه وعن أبلوس “نحن
عاملان مع الله” (1كو3: 9) نشترك مع الله فى الحياة الروحية مثل البركة
الرسولية التى يُقال فيها {شركة وموهبة وعطية الروح القدس تكون مع جميعكم}.

“شركاء
الطبيعة الإلهية” فى العمل، فى الإ
رادة، فى الخلود، فى
القداسة، فى الملكوت، فى السعادة الأبدية، فى الحب الذى قال عنه السيد المسيح للآب
“أيها الآب البار إن العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتك. وهؤلاء قد عرفوا أنك
أنت أرسلتنى. وقد عرفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به وأكون
أنا فيهم
” (يو17: 26).

إن
السيد المسيح يقول للآب إن الحب الذى بينهما؛ من الممكن أن يكون فى التلاميذ.
والمقصود نوع الحب وليس مقداره. لأن الآب غير محدود والابن غير محدود،
فالحب الذى بينهما غير محدود. أما نحن فمحدودين، وننال من الحب الإلهى على قدر
استطاعتنا. وبهذا توجد شركة المحبة بيننا وبين الله. ونصير شركاء الطبيعة الإلهية..
ولكن ليس شركاء فى الطبيعة الإلهية كما يتجاسر البعض ويقولون.

فليرحمنا
الرب لكى نشعر بضعفاتنا وخطايانا فلا نسقط فى الكبرياء.

 

تفسير
عبارة القديس اثناسيوس

“لكن
(الرب) لم ينتقص بحجاب الجسد، لكنه بالأولى صيره إلهياً وجعله خالداً”

يقول
القديس أثناسيوس الرسولى: “لكن كما أننا بقبول الروح لا نفقد طبيعتنا
الحقيقية، هكذا الرب حينما صار إنساناً من أجلنا، حاملاً جسداً، لم يقِّل عن كونه
الله، لأنه لم ينتقص بحجاب الجسد، لكنه بالأولى “صيّره إلهياً” وجعله
خالداً
“.

 

شرح
العبارة بالتفصيل:

إن
معنى عبارة ” صيّره إلهياً وجعله خالداً” عن جسد الله الكلمة هو أنه
جعله مملوكاً للكلمة الإلهى ملكية خاصة، ومتحداً بلاهوته إتحاداً طبيعياُ خالداً
لا ينفصل.

وعلى
العموم فإننا نؤكد أن ما يخص السيد المسيح من عبارات
تُعبّر عن ألوهيته
باعتباره الله الكلمة المتجسد فإن ذلك لا يخص بأى حال البشر العاديين.

 

وإليكم
الشرح لإبطال حجج محبى الجدال واختراع البدع الحديثة:

U    
إن جسد السيد المسيح يلقب بالجسد الإلهى
لأنه جسد الله الكلمة الخاص به جداً
His very own[1] (رسالة القديس كيرلس إلى فاليريان أسقف إيقونية –الرسالة رقم
50 الفقرة 3).

 

U    
جسد المسيح لسبب إتحاده باللاهوت لم يتطرق إليه
الفساد. وقد كتب القديس أثناسيوس فى كتاب “تجسد الكلمة الفصل العشرين الفقرة
4” ما يلى عن جسد الله الكلمة: “فكان لابد أن يموت أيضاً كسائر البشر
نظرائه لأنه كان جسداً قابلاً للموت. ولكنه بفضل إتحاده بالكلمة لم يعد خاضعاً
للفساد بمقتضى طبيعته،
بل خرج من دائرة الفساد بسبب الكلمة الذى أتى ليحل
فيه”. كما قال الكتاب المقدس عن جسد الله الكلمة “لن تدع قدوسك يرى
فساداً” (مز 16: 10، أع 2: 27).

 

U    
جسد المسيح لسبب إتحاده باللاهوت إتحاداً طبيعياً
وأقنومياً حقيقياً وكاملاً فإنه قد تمجّد بمجد اللاهوت بعد أن خرج السيد المسيح من
دائرة الإخلاء ودخل إلى مجده إذ “رُفع فى المجد” (1تى 13: 16).
لذلك قال فى ليلة آلامه للآب “والآن مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك
بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم”
(يو 17: 5). فالاستحقاقات
الأدبيّة للاهوت قد صارت للناسوت الإلهى
بسبب الاتحاد؛ دون أن يتحول الناسوت
إلى لاهوت. ودون أن يتعارض ذلك مع عبارة “مجدى لا أعطيه لآخر
(اش 42: 8) لأن مجد الآب هو نفسه مجد الابن والروح القدس. وما يتمجّد به ناسوت
الابن ليس لآخر غير الله الكلمة؛ لأن السيد المسيح هو شخص واحد فريد. لذلك
قال:

1-         
“متى
جاء ابن الإنسان فى مجده” (مت 25: 31)

2-         
“ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه
(مت 16: 27)

أى
مجد ابن الإنسان فى مجيئه للدينونة هو نفسه مجد ابن الله، وهو مجد الآب السماوى
بلا تقسيم.

وعلى
نفس القياس فإن ذبيحة الصليب هى ذبيحة لها قيمة غير محدودة فى خلاص العالم وتكفّر
عن خطايا البشرية لكل من يؤمن. وهذه هى الاستحقاقات الأدبية للاهوت التى صارت بكل
التأكيد للناسوت المتحد به.

 

لذلك
فإن صيرورة الناسوت “إلهياً” عند القديس أثناسيوس وعند الآباء هو
أن يتمجد الناسوت بمجد اللاهوت، وأن تكون له الاستحقاقات الأدبية التى للاهوت.
وهذا قاصر على ناسوت السيد المسيح وحده دون جميع المؤمنين من البشر.

 

U    
وما نرفضه فى “تأليه الناسوت
كعبارة حساسة هو أن يفهمها البعض خطأ بأن الناسوت قد تحول إلى لاهوت لأن هذه هى
هرطقة أوطاخى.

ولمزيد
من الإيضاح فإننا حينما نقول مثلاً “يوحنا اللاهوتى” هل نقصد أن يوحنا
مساو للسيد المسيح الذى نقول عنه أنه هو “الكلمة الإلهى”؟ أو حينما نقول
“لاهوت طقسى” فى العلوم الدينية فهل يعنى ذلك أن الجوهر الإلهى هو طقسى؟
أم أن معناها “علم حول أمور طقسية” مرتبطة بالعبادة المتجهة نحو
الإلهيات؟! فليس كل كلمة “لاهوتى” أو “لاهوت” أو
“إلهى” تستخدم بنفس المعنى.

 

إننا
نحذر من التلاعب بالألفاظ والعبارات حيث أن شرح الآباء لموضوع التألُّه كما
أوردناه من قبل قد نفى تماماً المساواة بالنسبة للمؤمنين مع السيد المسيح، وكذلك
ينفى أى نوع من الاتحاد الطبيعى والأقنومى باللاهوت بالنسبة للبشر، وهى البدعة
التى قاومها قداسة البابا فى كتابه “بدع حديثة”.



[1] The Fathers of the Church, St. Cyril of Alexandria letters 1-50, Vol. 76, C.U.A. Press, Washington D.C. 1978, letter
50, to Valerian of Iconium p. 213.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى