علم

رسالة القديس أثناسيوس إلى سرابيون



رسالة القديس أثناسيوس إلى سرابيون

 

رسالة القديس أثناسيوس إلى سرابيون

مقدمة

 كتب القديس
أثناسيوس عدة رسائل إلى الأسقف سرابيون أسقف تيميس (شمال الدلتا) الذى كان معاصراً
للقديس أثناسيوس وصديقاً له. ومعظم رسائله المشهورة إلى سرابيون كانت عن الروح
القدس. أما هذه الرسالة فهى خاصة بالدفاع عن ألوهية المسيح ضد القائلين إن الابن
مخلوق، أى الآريوسيين.

 ويظهر من بداية هذه الرسالة أنها كانت جزءً من إحدى الرسائل المرسلة
إلى سرابيون عن الروح القدس، ثم فُصلت بمفردها لتكون رسالة مستقلة. ففى بعض
المخطوطات الأصلية باليونانية وُجدت هذه الرسالة كجزء من رسالة أثناسيوس الثانية
عن الروح القدس للأسقف سرابيون، وفى مخطوطات أخرى وُجدت الرسالة مستقلة بذاتها.

 ويرجع تاريخ كتابة هذه الرسالة إلى سنة 359 أو 360م.

 ويبين القديس أثناسيوس فى هذه الرسالة ببراهين متعددة استحالة أن
يكون الابن مخلوق، بل هو من ” نفس جوهر الآب، أو ” واحد مع الآب فى
الجوهر ”
Homoousios، وهى الكلمة التى استعملها قانون إيمان مجمع
نيقية سنة 325 لتأكيد ألوهية المسيح ابن الله المتجسد.

 

رسالة
أبينا القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون

ضد
القائلين بخلقة الابن

 1 كنت أظن أن ما سبق أن كتبته ليس إلاّ كلمات قليلة، وهذا سَبّب لى
إحساساً بالوهن الشديد لكونى عاجزاً عن الكتابة بمثل ما يليق بالإنسان أن يقوله عن
الروح القدس وضد الذين يكفرون بالروح القدس. وبما أن بعض الاخوة كما تقول استحقوا
أن يقوموا أيضاً باجتثاث هذه الأمور، لهذ، فقد قمت بالكتابة لكى يكون عندهم
الاستعداد أيضاً أن يجاوبوا بواسطة هذه الكلمات القليلة، أولئك الذين يسألون عن
الإيمان الذى فينا وأن يدحضوا الكافرين (عديمى التقوى) بجراءة. ولقد قمت بالكتابة
إليك، وأثق أنه إذا كان فيها أى نقص فإنك ستكمله.

 إن الآريوسيين تحولوا هم أنفسهم، وفكروا بنفس طريقة تفكير الصدوقيين،
بأنه ليس شئ أعظم منهم أو خارجاً عنهم إنهم أخذوا كتابات الوحى الإلهى وفهموها
بمفاهيم وظنون بشرية (جسدية). وحينما يسمعون (الكتب المقدسة تقول) إن ابن الآب هو
الحكمة والبهاء والكلمة، فإنهم اعتادوا أن يقولوا: كيف يمكن أن يكون هذا؟ كأنه
يمكن أن يكون غير ذلك، وهذا هو الأمر الذى لا يستطيعون أن يفهموه. فهل حان الوقت
لكى يفهموا هذا الأمر فيما يخص وجود كل الأشياء.

 فكيف تستطيع الخليقة وهى غير كائنة البتة أن تكون (وتوجد)؟، أو كيف
يتسنى لتراب الأرض أن يصيغ إنساناً عاقلاً؟ أو كيف يستطيع الفانى أن يكون غير
فانٍ؟، أو كيف وضع الله أساسات الأرض على البحار، وثبتها على مجارى الأنهار
)أنظر مز2: 24)؟. وكذلك ينطبق عليهم القول القائل
” لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت ” (1كو32: 15) لكى يهلك معهم أيضاً جنون
آريوسيتهم عندما يهلكون.

 2 إن تفكير الآريوسيين فانٍ وفاسدٍ، وأما كلمة الحق التى كان يليق
أن تكون فى فكرهم فهى هكذا: إن كان المصدر (المنبع) والنور، والآب هو الله، فليس
من العدل أن يُقل إن المصدر (الينبوع) بلا ماء ولا أن يكون النور بلا إشراق، ولا
الله بغير كلمة، حتى لا يكون الله غير حكيم أو غير ناطق أو بغير نور. ولهذا السبب
نفسه، فكما أن الآب أزلى يلزم أيضاً أن يكون الابن أزلياً كذلك. لأن كل ما نفكر به
من جهة الآب فهو بلا شك للابن أيض، كما يقول الرب نفسه ” كل ما هو للآب فهو
لى ” (يو15: 16) وكل ما هو لى فهو للآب. لذلك فإن الآب أزلى، والابن أزلى أيض،
لأنه بواسطته قد تكونت الدهور(قارن عبرانيين 2: 1) فكما أن الآب كائن كذلك فمن
الضرورى أن يكون الابن أيضاً كائن، ” الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى
الأبد آمين “(رو5: 9) كما قال الرسول بولس. وكما أنه لم يجرِ العرف على أن
يُقال عن الآب إنه جاء إلى الوجود على اعتبار أنه لم يكن موجود، هكذا ليس من
اللائق أن يُقال عن الابن إنه جاء إلى الوجود لأنه لم يكن موجوداً فالآب قادر على
كل شئ، والابن قادر على كل شئ، كما يقول يوحنا ” الكائن والذى كان والذى
سيكون القادر على كل شئ “(رؤ8: 1). الآب نور، والابن شعاع ونور حقيقى. الآب
إله حقيقى والابن إله حقيقى. لأنه هكذا كتب يوحنا ” ونحن فى الحق، فى ابنه
يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية “(1يو20: 5) فليس هناك شئ
على الإطلاق يخص الآب دون أن يخص الابن أيضاً. ولأجل ذلك فإن الابن هو فى الاب،
والآب هو فى الابن. وحيث إن أمور الآب هذه هى فى الابن، فإن هذه الأمور نفسها
أيضاً تُدرك فى الآب وهكذا يُفهم القول ” أنا والآب واحد “(يو9: 14) حيث
إنه ليس فيه (فى الآب) أشياء وفى الابن أشياء غيره، بل إن ما فى الآب هو فى الابن.
وحيث إنك ترى فى الابن ما تراه فى الآب، لذلك فلتفكر جيداً فى قول الرب ” من
رآنى فقد رأى الآب ” (يو9: 14).

 3 وهكذا إذ قد برهنا على هذه الأشياء، فإنه من عدم التقوى أن يُقال
إن الابن مخلوق. لأنه فى تلك الحالة سيكون هناك اضطرار للقول بأن الينبوع المتدفق
مخلوق، وأن الحكمة مخلوقة، وأن الكلمة مخلوق فى حين أن كل الأشياء هى خاصة بالآب.
ومن هذه الأشياء يمكن للواحد منا أن يتبين عدم صحة ما فهمه مجانين الآريوسية. ولو
كنا نحن متشابهين، ولنا شخصيتن، ونحن من جوهر واحد، لذا فالبشر متشابهون إذ لهم
شخصيتهم، ولنا جوهر واحد بعضنا مع بعض. إذ للجميع نفس الجوهر، المائت الفاسد،
المتغير، المخلوق من العدم. والملائكة أيضاً لهم نفس الطبيعة فيما بينهم وبين
انفسهم وكذلك أيضاً جميع الخلائق الأخرى بالمثل. وإذا صح هذا الأمر فكيف يبحث
المتشككون إن كان هناك أى تشابه بين الابن والمخلوقات، أو كانت الأشياء التى تخص
الابن يمكن أن توجد بين الأشياء المخلوقة، فكيف تجرؤ الخليقة أن تنطق كلمة الله.
ولكن ليت الساقطين والضالين لا يمسون إطلاقاً ما يخص التقوى فإنه ليس بين
المخلوقات من هو ضابط للكل، وليس هناك (ضابط للكل) يضبط ويحفظ ضد ضابط آخر، لأن كل
واحد منهما يكون خاصاً بالله. لأن ” السموات تتحدث بمجد الله ” (مز2: 18)
أما ” الأرض وملؤها فهى للرب ” (مز1: 23) و ” البحر رآه فهرب
” (مز3: 113) وكل خدامه المختصون بالعمل: “عاملون كلمته ” (قارن
مز20: 102)، وطائعون أمره. فالابن ضابط الكل، مثل الآب. وهذا هو ما كُتب وأُثبت.
ومرة أخرى أيض، فإنه لا يوجد بين المخلوقات ما هو غير متغير بطبيعته. لأن بعض
الملائكة لم يحفظوا رتبتهم الخاصة بهم، فحتى “الكواكب غير طاهرة أمامه
“(أيوب 5: 25). وقد سقط الشيطان من السماء، وحذا آدم حذوه، وكذلك أيضاً كل
الذين يعصون الله. أما الابن فهو غير متغير وغير قابل للتحول كالآب تماماً. وها هو
بولس يرجع بذاكرته إلى ما جاء فى المزمور 101 فيقول ” وأنت يارب فى البدء
أسست الأرض، والسموات هى عمل يديك. هى تزول وأنت تدوم، وكلها كثوب ستبلى. وكرداء
تطويها فتتغير أما أنت فكما أنت وسنوك لن تفنى ” (عب10: 112). ومرة أخرى يقول
” يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد ” (عب8: 13).

 4 وأيضاً فإن الأشياء التى وُجدت، لم تكن موجودة ثم بعد ذلك وُجدت.
لأنه صنع الأرض من العدم. وهو ” الذى يدعو الأشياء غير الكائنة كأنها كائنة
” (رو17: 4) وهى مصنوعة ومخلوقة ولذلك كانت هناك بداية لوجود هذه الأشياء.
لأنه ” فى البدء خلق الله السموات والأرض ” (تك1: 1) وكل ما فيها. إذ
يقول أيضاً ” يدى صنعت هذه الأشياء ” (إش2: 66) والابن أيضاً هو إله
كائن على الدوام كالآب أيضاً. وهكذا فإن هذا هو التعليم الذى قبلناه وتسلمناه،
فإنه ليس مخلوقاً بل خالقاً. وهو ليس البيت المبنى بل هو بانيه، وصانع أعمال الآب.
لأنه به صارت الدهور (العالمين) (عب2: 1) وبغيره لم يتكون أى شئ (يوحنا3: 1). كما
علّم الرسول بما جاء فى المزمور، لإنه ” من البدء أسس الأرض والسموات هى عمل
يديه ” (10: 1، مز26: 101). وأيضاً فليس شئ من المخلوقات هو بالطبيعة إله. بل
إن كل الأشياء المخلوقة تكونت، وهذه الأشياء سُميت: الواحدة سماء، والأخرى أرضاً
والبعض أنوار فى السماء وأخرى نجوماً، والبعض بحراً وأغواراً عميقة ودواباً
وأخيراً الإنسان. وقبل كل هذه المخلوقات، خلق ملائكة ورؤساء ملائكة، وشاروبيم،
وقوات، ورئاسات وسلاطين، وأرباب، وفردوساً. وهكذا ظل كل واحد من المخلوقات موجوداً.
فحتى إذ دُعيت آلهة فهى ليست آلهة بالطبيعة، بل عن طريق اشتراكها فى الابن. لأنه
هكذا قال أيضاً ” إن كان قد قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة
الله” (يو35: 10) وعلى هذا الأساس فلكونهم ليسوا آلهة بالطبيعة، فإنهم عندما
يلتقون، يسمعونه قائلاً ” أنا قلت أنكم آلهة، وبنو العلى كلكم، ولكنكم كأناس
تموتون ” (مز6،7: 81). بعد أن استمع لقولهم ” أنت إنسان ولت إلهاً
“. أما الابن فهو إله حقيقى كالآب لأنه كائن فى الآب والآب كائن فيه. وهذا
ماكتبه يوحنا بحسب ما قد أُعلن له. كما يرتل داود ” كرسيك يا الله إلى دهر
الدهور، صولجان استقامة، صولجان ملكك ” (مز7: 44) وإشعياء النبى يصرخ قائلاً:
” تعب مصر وتجارة الأثيوبيين، والسبئيون الرجال ذوو القامة إليك سيعبرون
ويسيرون خلفك وهم مقيدون بالأغلال، وسيسجدون لك لأن الله فيك. لأنك أنت هو إله
إسرائيل ولم نكن نعرف ” (إش15،14: 45) فمن هو إذن الإله الذى يكون الله فيه
إن لم يكن هو الابن القائل ” أنا فى الاب والآب فىّ ” (يو10: 14).

 5 فبما أن هذه الأشياء قد حدثت وكُتبت، فمن يجهل أن كل ما هو للآب
فهو للابن، حيث إن الابن ليس شبيه بين المخلوقات، لأن الابن هو من نفس جوهر الآب؟.
فإنه إن كان هناك شبه بين مخلوق وآخر فإنه يكون بينهما قرابة أيضاً إذ هما من نفس
الجوهر، هكذا يكون الغريب أيضاً بالنسبة لجوهر الأشياء المخلوقة. وبالمثل أيضاً
فإن كلمة الآب لا يكون مختلفاً عن الآب. وطالما أن له كل ما هو للآب فمن المعقول
أن يكون من نفس جوهر الآب، لأن الجوهر المخلوق لا يستطيع أبداً أن يقول ” كل
ما للآب هو لى” (يو15: 16). لأن الجوهر المخلوق إذ له بداية تكوين، ليس
كائناً بذاته، أما الله فهو كائن منذ الأزل. ولهذا فحيث إن الابن له كل هذه الصفات،
وكل ما قيل عن الآب قبل ذلك، هو عن الابن أيضاً فمن الضرورى أن يكون جوهر الابن
غير مخلوق، بل هو واحد مع الآب فى الجوهر. وبالإضافة إلى ذلك فإنه بحسب هذا الأمر
لا يجوز أن تُنسب لأى جوهر مخلوق الخصائص الخاصة بالله. فمن بين تلك الخصائص
المتعلقة به، والتى يُعرّف بها الله: أنه ضابط الكل، وأنه الكائن، وأنه غير
المتغير، والصفات الأخرى التى سبق أن أخبرنا به، حتى لا يبدو الله ذاته من نفس
جوهر المخلوقات، كما يقول الجهلاء أنه يمتلك ما يستطيع أن يحصل عليه مثله مثل
المخلوقات.

 6 وهكذا يمكن للإنسان أن يكشف ويفضح ويدحض تجديف الذين يقولون بأن
كلمة الله مخلوق. إن إيماننا بالآب والابن والروح القدس، نابع من قول الابن نفسه
للرسل: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس
” (مت19: 28) لقد تكلم هكذا حتى نعرف وندرك، تلك الأمور التى سبق الإخبار بها.
لذا فمثلما قلنا إن الآباء هم مصدر الأبناء، ومع ذلك فهم والدون ولم يقل أحد إننا
نحن أنفسنا خِلقة آبائنا بل أبناء لهم بالطبيعة، ومن نفس جوهر آبائنا. وهكذا فإن
كان الله أب، فمما لا شك فيه أنه أب لابن بالطبيعة وهذا الابن الابن هو من نفس
جوهره. فإبراهيم إذن لم يخلق اسحق بل وَلَده، أما بصلئيل وأليآب فلم يَلِدَا كل
الأعمال التى فى الخيمة بل صنعاها (خر1: 36).
وصانع
السفن، والبنّاء لا يلدان ما يصنعان بل كل واحد منهما يعمل: فالأول منهما يصنع
السفينة والثانى يبنى المنزل. ومع ذلك فإن اسحق لم يصنع يعقوب بل وَلَده بالطبيعة
ومن جوهره. وهكذا كان يعقوب أباً ليهوذا واخوته. فكما أن أى شخص يُعتبر مجنوناً
إذا قال إن المنزل من نفس جوهر البانى الذى بناه، وإن السفينة هكذا أيضاً بالنسبة
لصانعه، فإنه يكون من اللائق والمناسب أن يُقال إن كل ابن هو من نفس جوهر أبيه
نفسه. فلو كان الآب هكذا مع الابن أيضاً، فمن الضرورى أن يكون الابن، ابناً
بالطبيعة، وبالحقيقة، وهذا هو الجوهر الواحد مع الآب كما يتضح من أمور كثيرة.
ففيما يختص بالمخلوقات يقول ” لأنه تكلم فصارو، لأنه أمر فخُلقوا ” (مز5:
148) أما عن الابن فيقول ” فاض قلبى بكلام صالح ” (مز1: 45). ودانيال
عرف ابن الله، وعرف أعمال الله، ورأى الابن يُطفئ الأتون، وقال عن هذه الأعمال
” باركى الرب يا جميع أعمال الرب”
[1] وقد أحصى جميع المخلوقات ولكنه لم يحصِ الابن بينه، عارفاً
أنه (أي الابن) ليس من بين أعمال الرب بل أن هذه الأعمال قد صارت بواسطته، وهو فى
الاب مُمجد ومُعظم ومُكرّم غاية التكريم. إذن كما أن الله ظهر وأُعلن بواسطته
للعارفين، هكذا أيضاً فإن البركة والتسبيح والمجد والقدرة يُعترف بها للآب بواسطته
وفيه، كى يصير مثل هذا الاعتراف مقبولاً أيض، كما تقول الكتب. إذاً يتضح ويتبين من
هذا كله أن من يقول إن كلمة الله مخلوق، فهو مُجدف وعديم التقوى.

 7 ولكن بما أنهم يتعللون بالمكتوب فى الأمثال ” الرب خلقنى
بداية طرقه لأجل أعماله ” (أم22: 8) ويرددون مع أنفسهم قائلين ها قد خلق، وها
هو المخلوق. لذلك فمن الضرورى أيضاً أن نوضح من هذا أنهم يضلون كثيراً غير عالمين
هدف الكتاب الإلهى. إذن فإن كان هو الابن فحاشا أن يُقال إنه مخلوق. وإن كان
مخلوقاً فحاشا أن يُقال إنه ابن. لأننا قد برهنا فيما سبق على أنه يوجد اختلاف
كبير بين المخلوق والابن. وحيث إن معنى الكمال لا يشمل الخالق والمخلوق بل الآب
والابن، فالضرورة تمنع أن يُقال إنه مخلوق، بل بالحرى أن يُقال إن الرب ابن. وقد
يقول البعض، ألم يكن هذا مكتوباً إذن؟. نعم قد كُتب، ولكن من الضرورى أن يُقال إن
الهراطقة، يفكرون تفكيراً سيئاً فى الأقوال الحسنة. لأنهم لو فهموا وعرفوا خاصية
المسيحية لَما قالوا إن رب المجد مخلوق، ولَما تعثروا فى الكلام الصالح المكتوب.
لذلك فأولئك ” لم يعرفوا ولم يفهموا ” (مز5: 81) كما هو مكتوب ”
يسيرون فى الظلام ” (يو35: 12) ومع ذلك فمن الضرورى أن نتكلم لكى يظهر أن
أولئك أغبياء فى هذ، ولا نسكت عن إقامة الدليل ضد كفرهم حتى وإن تراجعوا عنه.
فالخاصية التى تميز الإيمان بالمسيح هى هذه: أن ابن الله هو كلمة الله لأن ”
فى البدء كان الكلمة.. وكان الكلمة الله ” (يو1: 1) وهو حكمة الآب وقوته
” لأن المسيح هو قوة الله وحكمة الله “(1كو24: 1) هذا الذى صار إنساناً
فى آخر الدهور لأجل خلاصن، لأن يوحنا نفسه الذى قال ” فى البدء كان الكلمة
” ما لبث بعد قليل أن قال ” والكلمة صار جسداً ” (يو14: 1)، هذا
القول يعنى أنه قد صار إنساناً. والرب أيضاً يقول عن نفسه ” لماذا تطلبون أن
تقتلونى وأنا الإنسان الذى قد كلمكم بالحق ” (يو40: 8) وبولس الذى تعلم منه
اعتاد أن يقول ” إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان المسيح يسوع
” (1تيمو5: 2) فالإنسان الذى كوّنَ الأجناس البشرية ودبره، وطرد الموت وأبطله
عن، يجلس الآن عن يمين الآب وهو كائن فى الآب والآب كائن فيه، كما كان دائماً
وسيكون إلى الأبد.

 8 إن هذه الخاصية قد وصلتنا من الرسل بواسطة الآباء، لذلك يجب أن
نختبر ونميز ما جاء بالكتاب، فإنه أحياناً يتكلم عن ألوهية الكلمة وأحياناً أخرى
عن إنسانيته، لدرجة أن الإنسان يمكن أن يضل إذا لم يفهم الخاصيتين (ألوهيته
وإنسانيته)، مثلما حدث للآريوسيين. ومن أجل ذلك، كما أننا نعرف الكلمة نفسه، ونعرف
أن ” به كان كل شئ وبغيره لم يكن شئ واحد مما كان ” (يو2: 1) وأيضاً
” بكلمة الرب تأسست السموات ” (مز6: 32) وأيضاً “أرسل كلمته وشفى
الكل ” (أنظر مز20: 106) ولأننا نعرف أنه هو الحكمة، نعلم أن الله “أسس
الأرض بالحكمة ” (أم19: 3) وصنع الآب كل شئ بحكمته (مز24: 103). ولأننا نعرف
أنه إله قد آمنا أنه هو المسيح، لأن ” عرشك، يا الله ” كما يرتل داود،
“إلى دهر الدهور، صولجان استقامة صولجان ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل
ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابنتهاج أكثر من شركائك ” (مز8،7: 44). وفى إشعياء
يقول عن نفسه ” روح الرب علىَّ لأنه مسحنى ” (إش1: 61) أما بطرس فقد
اعترف قائلاً: ” أنت هو المسيح ابن الله الحى ” (مت16: 16). وهكذا لأننا
نعرف أنه صار إنسان، فإننا لا ننكر الأقوال المتعلقة بإنسانيته ألاّ وهى الجوع
والعطش والضرب والبكاء والنوم وفى النهاية قبول الموت من أجلنا على الصليب. لأن كل
هذه الأشياء قد كُتبت عنه.

 وهكذا أيضاً فإن الكتاب لم يُخفِ، بل قال إن كلمة ” خُلِقَ
” تناسب البشر (ما هو بشرى) لأننا نحن البشر مخلوقون ومصنوعون. ورغم أننا
سمعنا أنه جاع ونام وضًرب إلاّ أننا لا ننكر ألوهيته، نحن الذين نسمع كلمة ”
خُلِقَ “، بل نتبع ما يتفق مع تذكرنا لله لأن الله كائن أما الإنسان فقد
خُلِقَ. لأن الخلقة تخص الناس مثلما قيل من قبل عن الجوع وما شابهه.

 9 ولأن ذلك الذى يُقال عنه إنه صالح وجميل يعتبر لديهم قبيحاً ورديئ،
أقول بالتأكيد إنه حسن أنه أخذ فى اعتباره عندما قال ” أما ذلك اليوم وتلك
الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة ولا الابن ” (مر32: 13) لأن أولئك
الذين يفكرون فى القول ” ولا الابن “، يعنون به أن الابن مخلوق. وحاشا
أن يكون هكذا. لأنه عندما يقول ” خلقنى ” فإنه يتكلم بشري، وعندما يقول
” ولا الابن ” فإنه يتكلم عن المعرفة البشرية. وهناك سبب معقول يجعله
يقول مثل هذا القول، إذ بما أنه قد صار إنسان، كما هو مكتوب، فإنه يكون مشابهاً
للبشرية تماماً فى عدم المعرفة، كما فى الجوع وغيره من الصفات (البشرية) (لأنهم لا
يعرفون إن لم يسمعوا ويتعلموا).

 من أجل هذا أيضاً، فإنه إذ قد صار إنساناً فقد أظهر جهل البشر فى
نفسه، أولاً لكى يُظهر أن له جسداً بشرياً حقاً، وثاني، لكى عندما يكون له فى جسده
جهل البشر، يقدم للآب جنساً بشرياً مُفتدى من بين الجميع، وطاهراً وكاملاً ومقدساً.

 فهل لا يزال يوجد لدى الآريوسيين أى إدعاء يدّعون به. فلماذا إذن
يتهامسون ويدمدمون عندما يفكرون فى هذا الأمر. لقد أُدينوا لأنهم لا يعرفون ”
الرب خلقنى.. لأجل أعماله ” وظهروا بأنهم لا يفهمون ” أما ذلك اليوم فلا
يعلم به أحد ولا الملائكة ولا الابن “.

 لأن ذلك مثل من يقول إن ” خلق ” الإنسان تعنى، أن الإنسان
قد تكوّنَ وخُلِقَ. أما ذلك الذى يقول ” أنا والآب واحد ” (يو30: 10)
وأيضاً ” من رآنى فقد رأى الآب ” (يو9: 14) و ” أنا فى الآب والآب
فىّ ” (يو10: 14) فهذه الأقوال تعنى الأزلية والوحدة مع الآب فى الجوهر.

 ولذلك فإن من يقول ” لا أحد يعرف ولا الابن ” فإنه يقول
هذا كإنسان صار مشابهاً للبشر تماماً فى عدم المعرفة. أما من يقول ” لا أحد
يعرف الآب إلاّ الابن، ولا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ” (مت27: 11) فإنه
بالأحرى يعرف الأشياء المخلوقة أكثر بكثير، فإن التلاميذ قالوا للرب فى إنجيل
يوحنا “الآن نعرف أنك تعلم كل الأشياء ” (يو30: 16) إذن فمن الواضح أنه
لا يوجد شئ لا يعرفه ذلك الذى هو الكلمة الذى به صار كل شئ. وذلك اليوم ” هو
حتماً من بين تلك الأشياء التى تصير به، وهكذا فإن الآريوسيين يتمزقون أرباً ربوات
المرات بسبب جهالتهم.

===

33 دانيال (تسبحة الثلاث فتية).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى