اللاهوت العقيدي

رابعاً: الاستدعاء الصغير



رابعاً: الاستدعاء الصغير

رابعاً: الاستدعاء الصغير

Epiclesis – Invocation

‘Ep…klhsij

الاستدعاء epiclesis يعني الدعاء بالاسم (باسم الله) على الشيء ™pikalšw. وبحسب المفهوم التقليدي العبري القديم يكون
هذا هو البركة
([1]) تماماً أو
التقديس أو الشكر (الآية
» كل مَنْ يدعو باسم الرب
يخلص
«أع 21: 2، أي كل مَنْ يبارك الله يتبارك).

وهنا يتضح لنا أكثر
معنى قول القديس إيرينيئوس: [إن الخبز الذي يتقبَّل الدعاء باسم الله
epiclesis لا يعود بعد خبزاً عادياً بل إفخارستياً]([2]) هذا
يجعلنا نفهم أن “الدعاء بالاسم” كان هو صميم “عملية التقديس” منذ بدء الإفخارستيا.

ولكن هذا الدعاء بالاسم
نجده على أوضح وأوقع صورة في تقديم الحمل حينما يبارك الكاهن اسم الثالوث المقدَّس
كل أقنوم بمفرده وباسمه الخاص: الآب “ضابط الكل”، والابن “المونوجينيس”، والروح
“الباراكليت” على الخبز (والكأس). ولكن نعود في نفس طقس “تقديم الحمل” ونجد أيضاً
استدعاءً آخر بالاسم
epiclesis ينادي فيه باسم الأقنوم الثاني فقط وبصفاته الشخصية: “كلمة الآب”
“الخبز الحي” “الحمل” الذي بلا عيب، مع الطلب “بالظهور الشخصي” [اظهر وجهك على
الخبز والخمر (اقنومك)]. ويتجدد هنا الطلب لصيرورة الخبز جسداً
للمسيح والخمر دماً للمسيح.
ثم نعود في قداس مار مرقس لنجد بعد التسبحة
الشاروبيمية استدعاءً آخر على نمط استدعاء “تقديم الحمل”
ولكن موجهاً للآب،
ويتحدد الطلب فيه بملء الصعيدة بالبركة بحلول الروح القدس عليها للبركة والتقديس (فقط) أي بدون إعادة المطالبة لجعل
الخبز جسداً أو الخمر
دماً.

وهنا يتضح أمامنا أن منطوق
هذا الاستدعاء الذي يأتي بعد التسبحة
الشاروبيمية كان على
دراية تامة بما تم في طقس تقديم الحمل

أي التقديس وصيرورة الخبز جسداً والخمر دماً، وهو لا يغفل أن يذكر ذلك أيضاً إذ
يقول: [قرابينك هذه المكرَّمة التي بدئ بوضعها أمامك]. ولاحظ التشديد على كلمة “قرابينك هذه المكرَّمة
كذلك جملة “بدئ بوضعها” إشارة إلى طقس تقديم
الحمل.

إذاً، فهذا الاستدعاء
له صلة جوهرية بتقديم الحمل، فهو أقدم مما تصوره العلماء الذين فحصوا ليتورجية
مرقس الرسول. وقد استرعى انتباه الأسقف العالِم و. ه. فرير
W. H. Frere وعلَّق على ذلك تعليقاً حكيماً وذكياً، ولكن للأسف تركه معلَّقاً
دون أي فحص. يقول فرير:

[هذا الاستدعاء الأولي
يستحق مزيداً من الانتباه أكثر مما أُعطي له حتى الآن. ويمكن اعتباره أنه ذو
ملامح عتيقة حُفِظَ في مكانه العتيق
قبل تلاوة التقديس (على الخبز والخمر) وبقي
على حاله العتيق
من البساطة بلا أي تغيير حتى بعد أن اقتبست الإسكندرية
“الاستدعاء” المتطور (من سوريا) ووضعته
كما وضعه الآخرون بعد تلاوة التقديس (على الخبز والخمر).

لذلك فإن هذا الاستدعاء
الأول (قبل التقديس) يعتبر ذخيرة أثرية لاستدعاءٍ تخلف عن التطور بعدما
احتل الاستدعاء الجديد بثقله الكامل مكانه بعد تلاوة التقديس]([3])
أه.

هذه اللفتة الكريمة من
هذا الأسقف العالِم جعلتنا أكثر اشتياقاً لمزيد من الدرس والفحص لهذا “الاستدعاء”
الأثري فعلاً، ولكن بحسب ما انتهى إليه العلماء قاطبة أنه لم يدخل استدعاءٍ قط
داخل الإفخارستيا لمباشرة تحويل الخبز والخمر صراحة قبل القرن الرابع، وعلى
وجه الخصوص جداً (مصر)!([4])

هذا يجعلنا نزداد
يقيناً من أن الاستدعاء الذي أمامنا (قبل تلاوة التقديس) هو عتيق فعلاً بسبب
عدم تحديده لفعل التحوُّل،
بل يكتفي بأن يكون حلول الروح القدس للبركة
والتقديس
فقط [بالبركة بارك وبالتقديس قدِّس].

كما نعتقد أن الاستدعاء
“لملء الصعيدة” في هذا المكان لم يجيء ليحل محل الاستدعاء الموجود في طقس
تقديم الحمل وهو الاستدعاء التقليدي حسب تقليد الإسكندرية الأصيل “استدعاء اللوغس”،
بل ليكمله. فالأول استدعاء الكلمة “اللوغس” لجعل الخبز جسداً له والخمر
دماً له (كما جاء في سيرابيون)، والثاني توسُّل إلى الآب لاستدعاء الروح القدس
“على هذه الصعيدة التي لك” التي هي هي “ذبيحة المسيح” للبركة والتقديس. فهي
عملية تكميل بالروح القدس لما تممه المسيح “اللوغس” كما تم في الأُردن وكما تم في
يوم الخمسين.

وكون حلول الروح القدس
هنا كان يُفهم في الكنيسة دائماً أنه “لتكميل” الصعيدة (الذبيحة) فقط يتضح
من قداس القديس مرقس الرسول حيث يقول في هذا الموضع:

[بالحقيقة السماء
والأرض مملوءتان من مجدك المقدَّس، كمِّل الذبيحة لك بالبركة التي من قبلك
بحلول روحك القدوس عليها، وبالبركة بارك، وبالتطهير طهِّر هذه القرابين المكرَّمة
الموضوعة قدامك، هذا الخبز وهذه الكأس].

وهنا يلزمنا أن نتذكر
أن فعل “الملء” أو “التكميل” لذبيحة الإفخارستيا هو فعل إفخارستي أصيل أشار
إليه الرب ليلة العشاء الأخير أنه ناقص ووعد بتكميله، وكمَّله بالفعل بحلول الروح
القدس يوم الخمسين والكنيسة تمارسه هنا بصورة رائعة حقا:
» أشربه معكم
جديداً في ملكوت أبي
«!

لذلك فإن الاستدعاء
الذي يأتي بعد التقديس يُعتبر تكراراً مزاداً وموسعاً جداً للاستدعاء الذي قبل
التقديس. وهذا يزداد وضوحاً للغاية إذا قارنا بين نص الاستدعاء الثاني مع نص
الاستدعاء الأول بعد اختزال الأوصاف التي جاءت مزادة على الروح القدس
كما جاءت في الاستدعاء الثاني فيتبين لنا أنه فعلاً تكرار (انظر
الجدول):

الاستدعاء الأول

في قداس ق. مرقس

 قبل التقديس

الاستدعاء الثاني

في قداس ق. مرقس

بعد التقديس

1 بحلول
روحك القدوس عليها

 

2 بالبركة بارك وبالتقديس قدِّس

 

3 قرابينك
هذه “المكرَّمة” المبدوء بوضعها أمامك.

1 وأرسل
إلى أسفل … روحك القدوس
علينا وعلى …

2
القرابين التي لك “المكرَّمة” السابق وضعها أمامك

3 لكي
يتطهرا وينقلا.

وواضح أن كل الأوصاف
المزادة التي للروح القدس التي جاءت في الاستدعاء الثاني هي أوصاف لاهوتية عقائدية
صرف، زيدت في القرن الرابع لتخدم قضية الإيمان بوحدة
الجوهر للآب والابن والروح القدس، تلك القضية التي انفجرت فعلاً قبل القرن الرابع
وانتهت بحسمها في المجمع المسكوني القسطنطيني سنة 381م. أمَّا تحديد عمل الروح
القدس في الاستدعاء الثاني ليجعل الخبز جسداً والخمر دماً فهذا الاقتباس في الواقع
أُخذ كما هو من الليتورجيا السوريانية. لذلك يجيء هنا متكرراً حيث سبق تلاوته
في موضعه الإفخارستي الأصيل الذي في “تقديم الحمل”.

أمَّا كون الاستدعاء
كان موضعه الأصلي القديم بعد التسبحة الشاروبيمية مباشرة في إفخارستية مرقس الرسول،
فهذا يتضح من مصدر آخر هو عظات كيرلس الأُورشليمي على إفخارستيا أورشليم (قدَّاس
يعقوب الرسول قبل تطويره) التي يشرح فيها مراحل الإفخارستيا هناك بتدقيق، حيث يذكر
أن الاستدعاء الوحيد يأتي بعد التسبحة الشاروبيمية مباشرة!

وإليك شرح القديس كيرلس
الأُورشليمي مع تعليق العالم دكس:

[وبعد التسبحة
الشاروبيمية يأتي اللغز الأعظم في شرح القديس كيرلس لصلاة الإفخارستيا كما كانت في
أيامه، يقول القديس كيرلس (وبعد أن نكون قد قدسنا ذواتنا بهذه التسبحة الروحانية
“التسبحة الشاروبيمية
Sanctus” نتوسل إلى الله ليرسل الروح القدس …). هل حقاً يمكن أن يأتي في
طقس أورشليم استدعاء الروح بعد التسبحة الشاروبيمية بدون شكر على الخليقة وعلى
التجسُّد والآلام وبدون تلاوة التأسيس “كلمات الرب للتقديس على الخبز والخمر”
وبدون تذكار حيث لا يتوسط بين التسبحة الشاروبيمية والاستدعاء أي شيء آخر؟ هذا هو
ما يريد أن يقوله القديس كيرلس، ولكن هذه الحقيقة بدت غير محتملة لمعلقين كثيرين
وشرَّاح الليتورجيا حتى أنهم حاولوا جاهدين ليقوّلوه غير ما قال … ولكني أعترف
أني أشك فيما حاوله هؤلاء الشرَّاح، لأن هذا الكاتب القديس كيرلس
الأُورشليمي يُعتبر حجة أمينة في التعليق والتلخيص].

(وهنا يبتدئ العالِم
دكس في أن يثبت أصالة شرح كيرلس ودقة سرده للحوادث على التوالي حتى يقنع القارئ باستحالة حدوث أي منفذ يؤدي إلى غير ما قاله وأثبته القديس كيرلس الأُورشليمي
أن الاستدعاء في الليتورجيا في أُورشليم يجيء بعد التسبحة مباشرة).. ثم
يستطرد دكس:

[وعلى
كل حال أنه يبدو لي على أحسن وجه أن كيرلس يعني ما يقوله وأن الاستدعاء في القرن
الرابع في أُورشليم كان يتبع التسبحة الشاروبيمية مباشرة (ويُلاحظ أن
أُورشليم

أخذت عن مصر بالذات وبالدرجة الأُولى التسبحة الشاروبيمية ومقدمتها)، هذه هي
الحقيقة مهما بدا هذا الترتيب غير متوقع لدينا بمفهومنا الحديث عن الترتيب العادي
لصلاة التقديس.]([5])

ويعلِّق دكس أيضاً على
ذلك بقوله: [إن بعد هذا الاستدعاء تكون الذبيحة قد تكاملت تماماً]([6])
بحسب طقس كيرلس الأُورشليمي.

ونحن لا نستطيع أن نعبر
على شرح القديس كيرلس الأُورشليمي لإفخارستية يعقوب الرسول في أيامه سنة 348م قبل
أن تتطور دون أن ننتبه إلى أن ما يقوله إنما ينطبق تماماً على
إفخارستية مرقس الرسول، خصوصاً وأنه من الأمور المؤكدة أن أورشليم أخذت عن مصر
التسبحة الشاروبيمية بمقدمتها.

ومن شرح القديس كيرلس
يتأكد لدينا أن طقس “الإفخارستيا” المسيحية في بدايته كان لا يخرج عن وضعه
التقليدي القديم “صلاة شكر وتسبيح” على كأس البركة الأخير كما مارسه الرب في
العشاء الأخير، إنما مضافاً إليه أولاً التعبيرات المسيحية اللازمة
للإفخارستيا الجديدة، وثانياً “التكميل” أو “الملء الجديد” الذي وعد
به الرب
» لا آكل منه حتى “يكمل” في ملكوت الله «(لو 16: 22)، » وأقول لكم إني من الآن
لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم، “جديداً” في
ملكوت أبي. ثم سبحوا وخرجوا.
«(مت 29: 26)

ونحن لا نرى في الطقس
الذي يشرحه القديس كيرلس الأُورشليمي (طقس أورشليم = إفخارستيا القديس يعقوب) أكثر من هذا، فهو يكشف عن أن الإفخارستيا([7])
كانت بالفعل عبارة
عن:

1مقدمة:
(حوار الكاهن مع الشعب، ثم “مستحق وعادل”، ثم شكر على خلقة ما في السموات وما
على الأرض وفي البحر وما يُرى وما لا يُرى).

2التسبحة
الشاروبيمية:
بوضعها الإسكندري المعروف لدينا تماماً.

3استدعاء
الروح القدس:
“لتحويل” الخبز إلى جسد الرب والخمر إلى دم الرب (هنا بداية دخول
عقيدة التحوُّل).

4الصلوات
التوسلية (الأواشي):
منقولة من مكانها في أيام القديس كيرلس الأُورشليمي لتكون بعد التقديس بالروح القدس بحسب شرحه، حيث يعلل
ذلك أنه طلباً لمزيد من
التقديس.

ولكن لا يمكن فهم طقس
كيرلس الأُورشليمي (الإفخارستيا المسيحية) بل ويستحيل قبوله أو تصوره على الإطلاق
إلاَّ إذا وضعنا في الاعتبار قدسية طقس “تقديم الحمل” وهو طقس تقديسي
كامل
صامت يتم على الخبز والكأس ويجري في البداية على نمط ما تمَّ في العشاء الأخير.

بهذا الوضع تصير
إفخارستية يعقوب الرسول التي شرحها كيرلس صحيحة وسليمة ومقبولة مائة في المائة،
لأنها تأتي كصلاة شكر ختامية بعد التقديس على الخبز والخمر
وتنتهي بالتسبيح وطلب ملء الروح القدس.

إذاً، فإهمال طقس تقديم
الحمل وعدم ضمّه للأنافورا رسمياً هو الذي أنشأ القصور في فهم الليتورجيات الأُولى،
والذي بدونه يستحيل فهم الإفخارستيا المسيحية بأي حال من الأحوال.

وطبعاً الذي زاد من
صعوبة فهم إفخارستية القديس كيرلس الأُورشليمي هو التطور الذي تمَّ لها بعد هذا
التاريخ سنة 348م. حيث دخلتها كل عناصر التقديس على الخبز والكأس من جديد حتى غطت
على طقس “تقديم الحمل” الذي انكمش وانحصر في مفهوم الليتورجيا الحديثة في حيز ضيق
لا يزيد عن كونه “وضع الخبز والكأس على المذبح” وحسب، وهكذا بدت إفخارستية
القديس كيرلس وهي فاقدة التقديس ناقصة ومبتورة مع أنها
كاملة وصحيحة إذا أدركنا أنها الجزء الأخير من طقس “التقديم التقديسي”.

على هذا القياس ينحل
أمامنا لغز “الإفخارستيا” على وجه العموم وبالأخص جداً إفخارستية مرقس الرسول
التي تعتبر أم الإفخارستيات في العالم،
لأنه إذا أخذنا بحسب تقرير كل علماء
الليتورجيات أن مصر هي المسئولة عن التسبحة الشاروبيمية بمقدمتها وهي التي
صدرتها إلى أُورشليم وإيطاليا
([8])،
ثم وبحسب شرح القديس كيرلس الأُورشليمي لم تكن إفخارستية أورشليم في أيامه (التي
للقديس يعقوب الرسول) أكثر من هذا، أي من المقدمة ثم التسبحة الشاروبيمية ثم
استدعاء الروح القدس، إذاً، فبالتالي تكون مصر هي “أم الإفخارستيا المسيحية”
بلا نزاع!

كذلك فإن الإفخارستيا
أية إفخارستيا لم تكن في نواتها الأُولى أكثر مما شرح كيرلس
الأورشليمي: شكر وتسبيح واستدعاء “الروح القدس” للملء (أو للتكميل). ومن
هنا يلزم أن تبدأ كل دراسة لليتورجيا.

وهكذا
فكل استقراءات العالِم دكس تبدو الآن صحيحة تاريخياً وذات أسباب وأصول: مثل قوله:

[هل من الممكن أن نتصور
عينة أولية للإفخارستيا لا تتكون إلاَّ من “ذكر اسم الله”، يتبعه عدة
تشكرات
من أجل العهد الجديد، وتنتهي “بتمجيد اسم الله” ولا يكون فيها
هذه الإضافات الكثيرة التي تبدو الآن هامة وضرورية للإفخارستيا؟ ولكن على كل حال
يمكن (لمثل هذه العينة الأولية) بالحق تسميتها “إفخارستيا”.

ونحن إذا درسنا كل
أهداف الإفخارستيات الآن كما هي لدينا الآن في كل التقاليد، فنحن سوف نجد
أنه يمكن اعتبارها “تذكارات”
anamnesis تُتلى أمام الله ويُذكر فيها أعمال شخص يسوع المسيح!

أمَّا من جهتي فإنني في
ختام هذا كله أرى أن مثل هذه الإفخارستية بمقدمتها ذات الحوار التقليدي يمكن
اعتبارها مأخوذة من طقس “البيراخوت اليهودي” الذي استُعمل في العشاء الأخير وفي
العصر الرسولي في الكنيسة الأُولى التي كانت ذات صلة جوهرية بالطقس
اليهودي ولكن لو أردنا الرجوع في ذلك إلى النصوص الأُولى، فلا نجد
أمامنا أقدم من نص “هيبوليتس” و“أدّاي وماري” اللذين يمكن إرجاعهما إلى
بداية القرن الثالث. أمَّا أقدم من ذلك فليس أمامنا إلاَّ طقس الإسكندرية في
ليتورجية القديس مرقس الرسول.

فهي تبدأ هكذا:

1 ذكر اسم
الله.

2 الشكر من
أجل “الخليقة”.

3 مقدِّمة
وتسبحة الشاروبيم.

ونحن لو لاحظنا ما
تقوله المقدمة بعد الشكر على الخليقة، نجده هكذا “هذا الذي من قبله نشكر
(نقدِّم هذه الإفخارستيا)
= ونقرِّب لك معه ومع الروح القدس”. نلاحِظ
أن هذه في الحقيقة بداية الذكصولوجية الختامية لتمجيد الاسم (حسب التقليد العبري
القديم). وبالفعل تستمر إفخارستية القديس مرقس (في هذا التمجيد) هكذا: “لأن
اسمك عظيم يا رب في جميع الأمم وفي كل مكان يُقدَّم بخور لاسمك القدوس وصعيدة
طاهرة”.
فلو اسقطنا الأواشي كلها، وهي مضافة هنا، يستمر التمجيد هكذا: “لأنك
أنت فوق كل رئاسة … وكل اسم يسمَّى …” ثم يستمر التمجيد حتى يبلغ أوجه
مع الشاروبيم وهم يصيحون ويصرخون في تقديس وتمجيد اسم الله “قدوس قدوس قدوس رب
الصباؤوت، السماء والأرض مملوءتان من مجدك”. وهنا تبلغ ذكصولوجية الختام
أوجها، وتنتهي الإفخارستيا. فيرد الشعب بمرد الختام “كما كان كذلك يكون من جيل
إلى جيل وإلى دهر الدهور آمين”، وهو المرد الذي يأتي حسب التقليد الأصيل القديم في
نهاية الليتورجيا كلها،
كما هو حادث في ليتورجية سيرابيون، (مما يكشف ضمناً أن
كل الصلوات التي اعترضت بين نهاية تسبحة الشاروبيم في إفخارستية سيرابيون ومرد
الشعب “كما كان هكذا يكون…” هي مضافة أو منقولة من موضع سابق. ودليلنا على ذلك
أن هذا المرد “كما كان هكذا يكون” لا ينسجم الآن مع الصلاة الأخيرة التي تسبقه في
هذه الإفخارستية).]([9])
أه.

ونحن لم نشأ أن نعلِّق
هنا على أقوال العالم دكس بخصوص أن “الشكر من أجل الخليقة” في المقدمة كان يتبعه
شكر من أجل التجسُّد والفداء. لأننا نرى في إفخارستية مرقس الرسول نموذجاً
لإفخارستية أقدم من الإفخارستيات التي ذكر فيها التجسُّد والفداء بصورته اللاهوتية
المتقدمة التي هي من صنع القرن الثاني والقرن الثالث مثل إفخارستية هيبوليتس، لأن
إفخارستية مرقس الرسول تحوي بكل أمانة نواة إفخارستية مارسها الرسول مرقس نفسه
أي في القرن الأول بحسب تقليد العشاء الأخير تماماً مكتفياً بذكر اسم
الرب يسوع وألقابه في الصلوات، كما هو حادث في “الديداخي” وكما هو مسجَّل بكل
أمانة ودقة في مقدمة إفخارستيته الحالية. وقد أخذ قداس القديس باسيليوس نفس هذا
التركيب.

على أن كل الإضافات
التي زيدت على نواة الإفخارستيا الأُولى والتي تظهر من إغفال شرح كيرلس
الأُورشليمي، والتي بلغت صورتها النهائية بعد القرن الرابع لم تكن عبثاً ولا كانت
عبئاً على الإفخارستيا، بل كانت ضرورة قصوى لأن طقس سر العشاء الأخير “تقديم
الحمل” هو حتى الآن طقس صامت يتم فيه التقديس بمفهومه العبري بلا شرح وبلا توضيح
وبلا أي تعبير مسيحي يشرح واقع التدبير الإلهي الذي تمَّ بالفداء.
إذاً، فكان
من اللائق بل ومن الضروري أن تغطِّى “الإفخارستيا” المسيحية الجديدة كل
الطقس القديم شرحاً وتعليقاً.

وللعالم دكس تعليق على
طقس “التقدمة” في غاية الأهمية في نظرنا، لأن على أساسه يمكن فهم سبب أو غاية قيام
وتطور الإفخارستيا المسيحية الجديدة نفسها. غير أن دكس لم يضع يده على الحقيقة
تماماً، لأنه اعتقد أن طقس “التقدمة” (عند البيزنطيين) هو من استحداث القرن الخامس
حيث بدأ منذ ذلك الزمان يأخذ جمله التعبيريه وشرحه من طقس أقدم كان يتمم في صمت
(تقديم الحمل الآن في طقس الكنيسة القبطية).

يقول دكس عن طقس
التقديم هكذا:

[هذا (الطقس) بدأت
الكنيسة تضع له الكلمات التي تشرح المعنى المقصود من التقديم الذي كانت الكنيسة
فيما قبل “مجمع نيقيه” مقتنعة بتكميله في صمت بالفعل أو
بالحركة المجرَّدة من الكلام، كذلك فإنه توجد صلوات أخرى منفصلة أُضيفت (إلى
الليتورجيا) حتى في عصر أقدم تشرح بالكلمات معنى
“القسمة” ومعنى “الشركة” التي كانت الكنيسة فيما سبق جداً
مقتنعة بترك هذه الحركات تعبر عن نفسها بدون كلام.]([10])

هذا الكلام الذي يقوله
دكس هو في الواقع لا يخص “التقدمة” أي طقس تقديم الحمل في الكنيسة
القبطية بأي حال من الأحوال كما يظن، لأن “التقدمة” باقية كما هي
كنموذج رائع للتعليم السري منذ العشاء الأخير، وخصوصاً في كنيستنا القبطية، حتى
اليوم.
فهو مجرد حركات طقسية دقيقة جداً ومنطوق صلوات قصيرة وقليلة جداً تخلو
تماماً من أي شرح أو تعليق، كما يخلو تماماً من أي عقيدة لاهوتية أياً كانت، ظل
يتداول بالتسليم السرّي من كاهن إلى كاهن حتى اليوم، لذلك خلت كل المخطوطات من أي
شرح أو تعليق أو حتى ذكر له لأنه هو هو الجزء السري من العشاء الرباني الأخير.

ولكن كلام دكس يكون
صحيحاً مائة بالمائة فيما يخص الإفخارستيا المسيحية الجديدة كلها، فهي عبارة عن
محاولة عظمى ذات تاريخ طويل لشرح التقدمة التي هي نواة سر العشاء
الأخير العملية وتوضيح دقيق له على المستوى التاريخي
» في الليلة التي أسلم
فيها ذاته
« وطقسي » أخذ خبزاً على يديه ونظر
إلى فوق
« ولاهوتي » هذا هو دمي الذي للعهد الجديد يُعطى لمغفرة
الخطايا
«… إلخ إلخ …
وسيأتي الكلام على ذلك بالتفصيل في مكانه.

التأسيس: وهو كلمات
الرب يسوع التي قالها على الخبز والكأس

 

إفخارستية سيرابيون

القرن الرابع

بردية دير البلايزه

منسوخة في القرن
السادس

وتمثل طقس

200300م

رقوق مانشستر

ج. رايلاند

القرن السادس

قدَّاس مار مرقس

المطبوع

القرن الثالث عشر

وذلك بناء على أن
الرب عندما تهيأ

لأن الرب

يسوع المسيح

لأن ربنا

يسوع المسيح

لأن ربنا نفسه

يسوع المسيح إلهنا
ومخلِّصنا وملكنا كلنا

لأن ابنك
الوحيد ربنا وإلهنا ومخلِّصنا وملكنا كلنا يسوع المسيح

ليُسلم

في الليلة التي أُسلم
فيها

في الليلة التي أُسلم
فيها

في الليلة التي أسلم
فيها ذاته عن خطايانا

والموت الذي احتمله
عن الكل

في الليلة التي أسلم
ذاته فيها ليتألم عن خطايانا

والموت الذي قبله
بذاته بإرادته وحده عنَّا كلنا

أخذ خبزاً

أخذ خبزاً

أخذ خبزاً
على يديه المقدستين

أخذ خبزاً على يديه
المقدستين الطاهرتين اللتين بلا دنس ونظر إلى فوق نحو السماء إليك يا الله أباه

أخذ خبزاً على يديه
المقدستين اللتين بلا عيب ولا دنس الطوباويتين المحييتين ونظر إلى فوق إلى
السماء نحوك يا الله أباه وسيد كل أحد

وشكر عليه وباركه

 

وشكر وباركه وقدَّسه

وشكر وبارك وقدس

وشكر وباركه وقدسه

وقسَّمه وأعطاه

لتلاميذه قائلاً

خذوا كلوا

لأن هذا هو جسدي

وكسر وأعطى لتلاميذه

قائلاً

خذوا وكلوا

هذا هو جسدي

وقسَّمه وأعطاه

لتلاميذه ورسله
قائلاً

خذوا كلوا منه كلكم

هذا هو جسدي

وكسر وأعطاه
لتلاميذه

ورسله القديسين قائلاً

خذوا كلوا منه كلكم

هذا هو جسدي الذي
للعهد الجديد

وقسَّمه وأعطاه
لتلاميذه

الكرام القديسين ورسله الأطهار قائلاً خذوا كلوا منه كلكم

لأن هذا هو جسدي

المبذول عنكم

الذي يكسر عنكم

الذي يبذل عنكم

المكسور عنكم وعن
كثيرين

الذي يُقسم عنكم
وعن كثيرين

 

لمغفرة الخطايا

لمغفرة الخطايا

يُعطى لمغفرة
الخطايا

يُعطى لمغفرة
الخطايا

 

نصنع مثال موته

 

هذا اصنعوه لذكري

هذا اصنعوه لذكري

 

وأخذ كأساً بعد
العشاء

وهكذا أيضاً بعد
العشاء أخذ كأساً

وهكذا أيضاً بعد
العشاء أخذ كأساً

هكذا الكأس أيضاً بعد
العشاء مزجها من خمر وماء

 

 

وبارك

وشكر

وشكر
وباركها وقدسها

 

وقال لتلاميذه
الأخصاء

وشرب منه وأعطاه لهم قائلاً:

وشرب وأعطاه لتلاميذه
ورسله قائلاً:

وذاق
وأعطاها أيضاً لتلاميذه الكرام ورسله الأطهار قائلاً:

 

خذوا اشربوا

هذا هو العهد الجديد

خذوا اشربوا منه كلكم
هذا هو دمي

اشربوا
منها كلكم

هذا
هو دمي
الذي للعهد الجديد

خذوا اشربوا منها
كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد

 

هذا هو دمي الذي يُسفك
عنكم

المسفوك عنكم

الذي يُسفك عنكم وعن
كثيرين

الذي يُسفك عنكم وعن
كثيرين

 

لمغفرة الخطايا

لمغفرة الخطايا

ويُعطى لمغفرة
الخطايا

يُعطى لمغفرة
الخطايا

التذكار

تقدم قبل الدم

 

كل مرة تأكلون من هذا
الخبز

وتشربون من هذه الكأس

تبشرون بموتي
تذكرونني

هذا اصنعوه لذكري

كل مرة تأكلون من هذا
الخبز

وتشربون من هذه الكأس

تبشرون بموتي
وتعترفون بقيامتي

هذا اصنعوه لذكري،

لأن كل مرة تأكلون من
هذا الخبز

 

وتشربون من هذه الكأس

تبشرون بموتي
وتعترفون بقيامتي وتذكرونني إلى أن أجيء

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى