علم

حياة إغريغوريوس النزينزى الناطق بالإلهيات



حياة إغريغوريوس النزينزى الناطق بالإلهيات

حياة
إغريغوريوس النزينزى الناطق بالإلهيات

 

مقدمة

القديس
إغريغوريوس هو أحد آباء الكنيسة الكبار، معلمو العقيدة الذين تعتمدهم الكنيسة
الأرثوذكسية فى كل العالم كشهود أمناء للإيمان المستقيم. وهو وُلِد من عائلة
مسيحية أرستقراطية، وكان مولعاً بالدراسة، فغادر إلى الإسكندرية وإلى أثينا لطلب
العلم. ونال سر المعمودية من والده أسقف مدينة نازيانزي آنذاك. إغريغوريوس كان
معلم بلاغة في مدينتهِ، وكان يتردَّدُ أحياناً إلى إحدى المناسك حيث كان يعيش
رفيقُ مرحلة دراستهِ في أثينا، باسيليوس القيصري (الكبير)، وقد قضى معه بعض الزمن
في حياة التصوُّف. وجمع هذان القدّيسان مختارات من كتابات أوريجانوس وهي المسمّاة
فيلوكالِيّا
filokalia (باليونانية تعني “محبة الجمال”).

وتظهر
قيمة القديس إغريغوريوس فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من أمرين أساسيين على
الأقل. الأمر الأول: أن القديس إغريغوريوس هو صاحب القداس الغريغورى المعروف باسمه
فى الكنيسة القبطية، والذى يجد فى نفوس المُصلين محبة خاصة لأنه يُناجى المسيح ابن
الله الوحيد مناجاة طويلة فى قداسه تأسر قلوبهم وترتفع بهم إلى مشاركة السمائيين.
والأمر الثانى: أن القديس إغريغوريوس هو أحد الآباء القليلين الذين تأخذ الكنيسة
فى تحليل الخدام منهم الحِل، مع الرسل القديسين والقديس مارمرقس. والقديس
إغريغوريوس هو الوحيد الذى أطلقت عليه الكنيسة الأرثوذكسية لقب “الناطق
بالإلهيات” بعد القديس يوحنا الإنجيلى الرسول، وذلك بسبب عظاته وخطبه
اللاهوتية الشهيرة عن ألوهية المسيح وعن الثالوث القدوس، التى ألقاها فى
القسطنطينية فى السنوات القليلة التى قضاها هناك. وهو أحد ثلاثى آباء كبادوكية
بآسيا الصغرى مع القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية والقديس إغريغوريوس أسقف نيصص.
وقد حمل معهما شعلة إيمان مجمع نيقية ومواصلة الدفاع عنها بعد نياحة القديس
أثناسيوس.

 

نشأته
ودراسته:

وُلد
القديس إغريغوريوس حوالى سنة 330 فى بلدة نزينز بمقاطعة كبادوكية بآسيا الصغرى
التى كان والده إغريغوريوس أسقفًا لها. وكانت أمه (نونة) امرأة مسيحية حقيقية من
انبل النساء المسيحيات فى القرون الأولى للمسيحية مثلها مثل أم ذهبى الفم وأم
أغسطينوس. كان لنونة تأثير قوى جدًا فى نشأة إغريغوريوس على الإيمان ومحبة الله
ومحبة القداسة. هذه المرأة استطاعت بصلواتها وقداستها أن تحوّل زوجها إغريغوريوس
الأب من اعتناقه لبدعة الهبيسيستاريا
Hypsistaria (التى تجمع خليطًا من أفكار وثنية ويهودية ومسيحية وترفض الإيمان
بالثالوث القدوس) إلى الإيمان المستقيم. هذه الأم القديسة كرّست ابنها وهو فى
بطنها لخدمة الله. ويقول عنها القديس إغريغوريوس ابنها ” كانت زوجة بحسب فكر
سليمان، خاضعة لزوجها بحسب ناموس الزواج. وفى نفس الوقت كانت معلّمة لزوجها وقائدة
له إلى الإيمان الحقيقى… فعندما تنشغل بالله وعبادته، كانت تبدو كانها لا تعرف
شيئًا بالمرة عن أى مهام أرضية أو منزلية. وعندما تكون عاملة فى بيتها كانت تبدو
كأنها لا تعرف شيئًا عن الممارسات الدينية: كانت كاملة فى كل شئ. لقد غرست
الاختبارات فى قلبها ثقة لا حدود لها فى فاعلية الصلاة المؤمنة؛ لذلك كانت مجتهدة
للغاية فى الصلوات والتضرعات، وبالصلاة انتصرت على مشاعر الحزن العميقة فى آلامها
وآلام الآخرين. وفى كل حزن تعرضت له لم تنطق بأى كلمة حزينة قبل أن تشكر
الرب”[52]. وبعد أن عاشت حتى سن متقدمة جدًا تنيحت فى الكنيسة التى كان زوجها
أسقفًا عليها فى سوط بكاء الأرامل والأيتام الذين كانت تخدمهم طوال السنين، وقال
ابنها القديس إغريغوريوس عنها فى أحد أشعاره: ” ولولوا أيها الأموات، أيها
الجنس المائت؛ ولكن حينما يموت شخص مثل نونة وهى تصلى فأنا لا أبكى”.

 ومنذ
نعومة أظافره ربته أمه بتعاليم الكتاب المقدس وتسابيح الكنيسة وصلواتها. درس أولاً
فى نزينزا، وعندما بدأ يشب قرر بتشجيع أمه وبتأثير حلم رآه أن يكرّس حياته متبتلاً
للمسيح. ثم أكمل تعليمه فى قيصرية كبادوكية حيث تعرّف هناك على باسيليوس فى صباهما.
ثم ذهب إلى قيصرية فلسطين ومنها إلى الأسكندرية حيث كان القديس أثناسيوس أسقفًا
دون أن تتاح له فرصة لقائه. لم يمكث إغريغوريوس كثيرًا هناك بل سافر بحرًا قاصدًا
أثينا ليكمل درساته. أثناء سفره حاصرت السفينة عاصفة رهيبة وكاد ركابها بمن فيهم
إغريغوريوس يغرقون. ولأن إغريغوريوس لم يكن قد اعتمد بعد، فقد انزعج بشدة خوفًا من
الموت بدون معمودية، وفى صلاة حارة جدد عهد تكريسه ناذرًا نفسه من جديد لخدمة الله
إذا أعطاه الله الفرصة للنجاة من الغرق. وفى أثينا توثقت علاقته بباسيليوس الذى
كان يدرس أيضًا هناك. ووصف إغريغوريوس عمق المحبة والصداقة التى جمعت بينه وبين
باسيليوس بقوله كنا روحًا واحدة فى جسدين. ورغم محاولة كثيرين إقناعه بالإقامة
الدائمة معهم فى أثينا ليعمل مدرسًا للبلاغة، فإنها غادرها وهو فى الثلاثين من
عمره تقريبًا ورجع إلى نزينز، حيث كان لا يزال والده غريغويورس أسقفًا. وبعد عودته
نال سر المعمودية وله من العمر ثلاثون سنة تقريبًا.

ورجع
إلى نزينز مستعيدًا أخاه قيصاريوس معه من القسطنطينية إلى نزينز، حيث كان لا يزال
والده غريغويورس أسقفًا. وبعد عودته نال سر المعمودية وله من العمر ثلاثون سنة
تقريبًا. وبعد ذلك ألقى إغريغوريوس نفسه بكل قواه ليحيا الحياة النُسكية بأشد
صرامة، ولكنه فى نفس الوقت استمر يعيش فى نزينز ممارسًا الحياة النُسكية فى
المدينة ومساعدصا لوالده فى أعمال الأسقفية.

 

إغريغوريوس
الناسك:

بعد
ذلك ألقى إغريغوريوس نفسه بكل قواه ليحيا الحياة النُسكية بأشد صرامة، ولكنه فى
نفس الوقت استمر يعيش فى نزينز ممارسًا الحياة النُسكية فى المدينة ومساعدًا
لوالده فى أعمال الأسقفية. ولشدة شوقه لحياة التأمل والخلوة لم يبق فى المدينة
كثيرًا، بل انطلق إلى جبال البنطس حيث قضى فترة فى العبادة والتأمل مع صديقه
باسيليوس. وهناك تفرغا تمامًا لدراسة الكتب المقدسة والصلوات والتسابيح. وفى
دراستهما للكتاب المقدس كان المبدأ الأساسى عندهما أن يفسرا الكتب المقدسة ليس حسب
آراءهما الشخصية بل على أساس الخطوط التى وضعها الآباء والمعلمون السابقون عليهما
فى التفسير. وقرأ كلاهما تفاسير أوريجينوس للكتاب وانتفعا بها مع تحاشى أى أفكار
قد تكون غريبة عن المألوف. ومن تفسيرات أوريجينوس للكتاب والاقتباسات التى أخذاها
منها وضعا الناسكان الصديقان إغريغوريوس وباسيليوس كتابًا مكونًا من سبعة وعشرين
جزءً أعطوه اسم “فيلوكاليا”
Philocalia
أى “محبة الصلاح”. وهذا الكتاب لا يزال موجودًا إلى الآن بلغات عديدة
بالإضافة إلى الأصل اليونانى. وقال عنه القديس إغريغوريوس فى إهدائه الكتاب لأحد
أصدقائه أن الكتاب قُصد به ليكون عونًا للدارسين فى تأملاتهم الروحية.

ولكن
إغريغوريوس لم يبق لفترة طويلة فى المرة الأولى التى ذهب فيها للخلوة مع باسيليوس،
فبعد حوالى ثلاث سنوات عاد إلى نزينز، ربما بسبب مشاكل فى إيبارشية والده استدعت
رجوعه.

 

إغريغوريوس
الكاهن:

 بعد
عودته وبقاءه لبعض الوقت يعاون والده الأسقف فى خدمة الإيبارشية الذى كان قد بلغ
حوالى تسعون عامًا، وبإلحاح من شعب نزينز قام والده الأسقف بسيامته كاهنًا رغمًا
عنه فى احتفال كبير فى عيد الميلاد عام 361م. ولم يكن إغريغوريوس مستريحًا أو
راضيًا بالمرة عن السيامة، إذ قال عن الطريقة القهرية التى تمت بها، بعد سنوات
طويلة، إنها “عمل استبدادى” وأنه يلتمس الغفران من الروح القدس عن قوله
هذا (انظر
Carm, de vita, I, 345).

 وبعد
سيامته مباشرة هرب إلى بنطس ليستأنف الحياة التأملية مع صديقه باسيليوس ولكنه لم
يبق هناك سوى ثلاثة أشهر تقريبًا عاد بعدها إلى نزينز لشعوره باحتياج والديه
المسنين واحتياجات كنيسة نزينز. وألقى عظة عيد الفصح فى كنيسة نزينز فى عام 362م،
وفى هذه العظة دافع عن هروبه قائلاً إنه من النافع أن يخاف الإنسان فى البداية من
دعوة الله العظيمة كما فعل موسى وإرميا، كما أن استجابة الإنسان لصوت الله حينما
يدعوه مثلما حدث مع هارون وإشعياء لها فائدة، وفى الحالتين ينبغى أن يكون الهروب
أو الموافقة بروح خاشعة: بسبب ضعف الإنسان فى حالة الهروب أو بسبب اعتماده على قوة
الله فى حالة قبول الدعوة. وانتهز إغريغوريوس الفرصة ليكتب رسالة طويلة عن هروبه
يوضح فيها باستفاضة فهمه لطبيعة ومسئوليات الخدمة الكهنوتية وأسباب هروبه بعد
السيامة ورجوعه السريع، صارت مرجعًا لكل الآباء الذين كتبوا عن الكهنوت بعده.

 وعندما
صار يوليانوس إمبراطورًا سنة 361، حاول عن طريق حاكم المنطقة أن يرسل فرقة مسلحة
للاستيلاء على كنيسة نزينز. ولكن الأسقف المُسن بمساعدة ابنه إغريغوريوس وشعب
الكنيسة رفضوا بجرأة تنفيذ أوامر الإمبراطور، ولما شعر الوالى بوجود مقاومة شديدة
أُضطر لسحب القوة المُسلحة. ولم تتكرر هذه المحاولة من الدولة بعد ذلك. وكان لموقف
إغريغوريوس الأب وغريغوريوس الابن فى مقاومة يوليانوس الجاحد دفاعًا عن الإيمان
المستقيم دور كبير لتحويل نظر الإمبراطور عن مهاجمة الإيمان وممتلكات الكنيسة فى
مقاطعة كبادوكية كلها. وبعد أن تولى الإمبراطور فالنس الآريوسى عرش الإمبراطورية
كان يوسابيوس أسقف قيصرية هو رئيس أساقفة كبادوكية؛ فأرسل إلى إغريغوريوس يدعوه
إلى قيصرية لمساعدته فى مقاومة الآريوسية فاعتذر إغريغوريوس لأنه كان يعلم بوجود
خلاف بين المطران يوسابيوس والكاهن باسيليوس. وكتب إغريغوريوس خطابات إلى يوسابيوس
وباسيليوس واستطاع أن يصالح بينهما سنة 365م، فذهب باسيليوس إلى قيصرية لمساعدة
يوسابيوس.

 

إغريغوريوس
الأسقف:

 بسبب
وجود صراع بين أنثيموس أسقف “تايانا” الذى اعطاه الإمبراطور فالنس فرصة
أن يسيطر على مقاطعة كبادوكية كلها بجعل تايانا مقر رئاسة الأساقفة بدلاً من
قيصرية فلكى يقوّى القديس باسيليوس الذى كان أسقفًا لقيصرية مركزه فى مواجهة الخطة
الإمبراطورية قام بإقامة أسقفيات عديدة فى المنطقة المتنازع عليها بينه وبين
أنثيموس. ومن بين هذه الأسقفيات “سازيما”، قرية فقيرة وصغيرة جدًا وجميع
سكانها من الأجانب واللصوص، قام بسيامة صديقه إغريغوريوس أسقفًا لها بعد ضغط شديد
من باسيليوس ووالد إغريغوريوس المُسن سنة 372م. ولكنه لم يذهب لاستلام هذه
الإيبارشية تحاشيًا للصدام واستعمال العنف مع الأسقف أنثيموس. وتسبب هذا الموقف مع
باسيليوس فى تأزم العلاقات بينهما لدرجة كادت تؤثر على الصداقة العميقة التى كانت
تجمعهما.

 عاد
إغريغوريوس إلى خلوته مفضلاً حياة الهدوء والتأمل. وبعد ذلك استجاب إغريغوريوس مرة
أخرى لتوسلات أبيه أن يظل فى نزينز ويخدم فيها كأسقف معاون له، فاستمر فترة فى نزينز
يعظ ويرعى الشعب. وألقى عظة سنة 372م فى حضور والده حدّث فيها الشعب بكل صراحة عن
مشدود بين الحياة التأملية وبين الاستجابة لداعى العمل الرعوى بدعوة الروح القدس.
وهكذا وقف مساعدًا أمينًا بجوار والده الوقور الذى كان قد وصل إلى سن المائة وكان
له فى الأسقفية 45 عامًا.

 وفى
سنة 374م انتقل والده فألقى عظة مؤثرة جدًا فى جنازة والده التى حضرها القديس
باسيليوس (
Orat. XVIII). قال فيها موجهًا الحديث لوالدته التى كانت ما تزال تعيش: “هناك
حياة واحدة فقط هى أن نرى الله، ويوجد موت واحد فقط الخطية؛ لأن هذه هى هلاك النفس.
وكل ما هو غير ذلك الذى لأجله يجهد الكثيرون أنفسهم، هو حلم يحجب عنا الحق، إنه
وهم خادع للنفس. فحينما نفكر هكذا، يا أمى، فلن نفتخر بالحياة ولن نخاف
الموت” وفى نفس السنة انتقلت أمه.

 وبعد
أن ظل حوالى سنة يرعى كنيسة نزينز، اعتزل مرة أخرى فى خلوته المحببة سنة 375م حيث
ذهب إلى “سلوكية” فى “إشوريا” وقضى هناك حوالى أربع سنوات
بالقرب من كنيسة القديسة “تِكلا”. وبينما هو هناك فى خلوته وصله خبر
وفاة القديس باسيليوس سنة 379م فأرسل رسالة إلى إغريغوريوس أسقف نيصصا شقيق القديس
باسيليوس يعبّر فيها عن حزنه الشديد وفقدانه وخسارته العظيمة بانتقال باسيليوس.

 

إغريغوريوس
رئيس أساقفة القسطنطينية:

 فى
عام 379م دُعى القديس إغريغوريوس ليذهب لإنقاذ كنيسة القسطنطينية من الحالة
المزرية التى وصلت إليها طوال أربعين عامًا تحت رئاسة أساقفة آريوسيين. لذلك لجأ
إليه أرثوذكس العاصمة المتبقين لكى يأتى لمساعدتهم بعد أن صاروا عددًا قليلاً
وأيدهم فى إلحاحهم عدد من الأساقفة الأرثوذكس يحثونه على قبول الدعوة. وأيدهم
الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير وبعد أن قاوم الدعوة لمدة من الوقت فإنه أخيرًا شعر
أن إرادة الله أن يذهب إلى القسطنطينية لكى يملأ الفراغ الإيمانى إلى أن يتمكن
أرثوذكس العاصمة من اختيار رئيس أساقفة لهم. ورغم أن المرض كان قد أحناه، وثيابه
البسيطة وببساطة حياته كناسك إلاّ أنه لم يعجب شعب العاصمة المحبون للمظاهر، بل أن
البعض هزءوا به واحتقروه. ولكنه رغم كل هذا نجح بقوة وعظه ومقدرته اللاهوتية
وجهاده المخلص هناك أن يجعل من القطيع الصغير المتبقى هناك كنيسة مزدهرة وقوية فى
الإيمان والحياة المسيحية، وحقق انتصار إيمان نيقية مرة أخرى. ولكى يخلد ذكرى نصرة
الإيمان هذه فإنه أعطى للكنيسة الصغيرة التى كانت جزءً من منزل أحد أقربائه فى
المدينة اسم “أناستاسيا” التى تعنى القيامة، وفيها قدم عظاته مع خدماته
الليتورجية للشعب. وتجمعت حوله كل جماهير القسطنطينية لتسمع عظاته التى تركزت
معظمها حول ألوهية المسيح وعقيدة الثالوث القدوس مع الدعوة إلى حياة تقوية تليق
بالإيمان المستقيم. وبسبب نجاحه الباهر فى الانتصار على البدعة الآريوسية فى
المدينة حاول الآريوسيون أن يستأجروا قاتلاً لاغتياله. وهذا دليل ساطع على انتصاره
عليهم فى ضمائر شعب المدينة. ويخبرنا القديس جيروم أنه جاء من سوريا إلى
القسطنطينية ليستمع إلى خطب إغريغوريوس اللاهوتية. وأنه تعلّم شخصيًا من
إغريغوريوس فى تفسيره للكتاب المقدس. وقد توّج الإمبراطور ثيؤدوسيوس انتصار إيمان
نيقية الذى حققه إغريغوريوس فى نفوس الشعب حينما دخل القسطنطينية فى عام 380م،
وأسقط الأسقف الآريوسى ديموفيلوس وكهنته وسلّم “كاتدرائية الرسل” للقديس
إغريغوريوس قائلاً: “نسلّم هيكل الله هذا لك بأيدينا كمكافأة لأتعابك”.
وعندئذٍ طلب الشعب أن يصير إغريغوريوس رئيسًا لأساقفة القسطنطينية، فرفض بإصرار.
وعندما اجتمع المجمع المسكونى فى القسطنطينية سنة 381م اُختير إغريغوريوس من آباء
المجمع بطريركًا. ورأس اجتماع المجمع لفترة كبطريرك للقسطنطينية. ولكن حينما اعترض
أساقفة مصر ومقدونية الذين وصلوا متأخرين على قانونية انتخابه لأنه أسقفًا
ل”سازيما” فلايجوز نقله إلى أسقفية أخرى بحسب قرارات مجمع نيقية. فإنه
قَبِل هذا الاعتراض رغم ان مجمع القسطنطينية كان بقراره قد ألغى ارتباطه بسازميا
التى لم يستلمها أصلاً، ولكنه كان زاهدًا فى المناصب.

 

سنواته
الأخيرة:

رجع
إلى نزينز واستمر يقوم بأعمال الكنيسة هناك لفترة إلى أن تمكن من ترتيب اختيار
أسقفًا للمدينة، ثم اعتزل هو فى ضيعة أسرته فى أريانز حيث قضى السنوات الأخيرة من
حياته فى خلوة وهدوء دون أن يقطع اتصالاته مع قادة الكنيسة فى ذلك الوقت بواسطة
الرسائل فكان يهتم اهتمامًا شديدًا برعاية الفقراء والأسر التى فى منطقة إقامته،
صارفًا وقته بين الصلاة والتأمل وقراءة الكتب المقدسة إلى أن انطلق لرؤية الإله
الذى كان يهيم بحبه سنة 390م. وتعيد له الكنيسة يوم 25 يناير.

(مراجع
السيرة:
N.P.N. Fathers, Vol. 7, p.
187-200

Philip Schaff, History
of The Church, Vol. 3, p908-920
).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى