اللاهوت العقيدي

ثانياً: الأواشي: الصلوات التوسلية



ثانياً: الأواشي: الصلوات التوسلية

ثانياً: الأواشي: الصلوات التوسلية

هنا نستخدم كلاً من
مخطوطة دير البلايزا (القرن السادس)، ومخطوطة برايتمان (القرن الثالث عشر)،
والمخطوطة التي استخدمها ليتزمان (وهي من القرن الثاني عشر).

ملاحظة: يستخدم
الكاتب في أبحاثه هنا وتحليله بعض الدراسات لكل من العلماء ليتزمان
ريتشاردسن دكس – سراولي – لوي بوييه – كوكان – جوزيف يونج – جون
ماسون نيل.

الأواشي: الصلوات
التوسلية:
Intercession
prayers

في
التقليد الإسكندري (المصري) القديم حتى القرن الثالث، كانت هذه الصلوات التوسلية
تابعة أصلاً وبطبيعة الحال ضمن الخدمة الصباحية([1])
العامة
Synaxis (الأواشي الثلاث للمؤمنين بعد
الإنجيل). لهذا فإن الليتورجيا أو على وجه الأصح
صلاة الإفخارستيا
التي كانت تُقام وقتئذ بدون “سيناكسيس” (في المساء غالباً)
في كل زمان ما قبل مجمع نيقيه، كانت خالية من هذه الصلوات التوسلية([2]).
غير أنه لا ينبغي أن يغيب عن البال أن صلاة تقديم الحمل كان يُتلى فيها هذه
الصلوات التوسلية وكانت تُتلى علناً ولكن كانت لحساب
أصحاب القرابين خاصة (وهذا الطقس مسائي أصلاً).

غير أنه في القرن
الثالث أيضاً انضمت ليتورجية الإفخارستيا بكاملها (تقديم الحمل زائد صلاة الإفخارستيا)
إلى الخدمة الصباحية، فجاءت صلاة الإفخارستيا بعد تلاوة الأواشي الثلاث التي
للمؤمنين التي في ختام خدمة الصباح (السيناكسيس)، وهكذا بدأت الكنيسة تعتبر أن
الأواشي الثلاث التي للمؤمنين جزءٌ تمهيديٌ للإفخارستيا([3]).

بل إن الليتورجيا
المصرية اعتبرت هذه الأواشي الثلاث التي للمؤمنين (التي في نهاية خدمة الصباح بعد
الإنجيل) أنها جزءٌ أصيل من تقديس الأسرار. وإليك شرح العالِم أبو البركات
بن كبر كاهن كنيسة المعلَّقة في كتابه “مصباح الظلمة” (1230م):

[ثم يبتدئ الكاهن
بتقديس “السرائر” ويقول أوشية السلامة وأوشية الآباء
ويرفع
البخور هنا
ويقول الجماعة (أوشية الاجتماعات)
ثم يبتدئ الشماس بالأمانة إذ يقول “بحكمة الله انصتوا” ويقول
الشعب “بالحقيقة نؤمن”].

لاحِظ هنا قول ابن كبر
“ثم يبتدئ الكاهن بتقديس السرائر ويقول أوشية السلامة … إلخ”، إذاً،
فصلاة الأواشي الثلاث هي تقديس للسرائر في عرف ابن كبر العالِم الطقسي القبطي
وليست بداية للقداس الوصفي بعدها.

وفي خولاجي القديس
سيرابيون نجده يضع أواشي المؤمنين هذه بمفردها منفصلة عن الجزء الخاص بالإفخارستيا([4]).
ولكن الكنيسة ظلت تشعر بمسيس الحاجة إلى إدخال بعض الصلوات التوسلية داخل جسم
الإفخارستيا ذاتها، ولكن الكنيسة اصطدمت بأن صلاة الإفخارستيا (المسمَّاه الآن
بالمقدِّمة
preface) عبارة عن صلاة واحدة متماسكة جداً تعبِّر عن الشكر والتسبيح
والتمجيد لاسم الله فقط وأوضح نموذج لذلك صلاة إفخارستيا القديس مرقس
(المقدمة). ولكن الكنيسة صممت على إدخال الصلوات التوسلية داخل هذه الصلاة مهما
أحدث ذلك من ارتباك في شكلها البدائي وفي هدفها البسيط([5]).

ونحن إذا فحصنا الأواشي
المسماه “الصلوات
التوسلية” التي في داخل
إفخارستيا القديس مرقس الرسول (القداس الكيرلسي)، نجد أن ضمن الستة عشر أوشية هناك
نفس الثلاث أواشي التي تُقال في نهاية خدمة الصباح
synaxis
بعد الإنجيل (أي: السلامة، والآباء والاجتماعات) وهذا دليل دامغ على محاولة
الكنيسة أن تجعل الإفخارستيا “خدمة”، أي ليتورجية كاملة، فهي لم

تكتف
بضم خدمة الأواشي الثلاث مع خدمة الصباح كلها لجسم الإفخارستيا (الذبيحة)
انظر قول “ابن كبر” أعلاه، بل وأدخلت هذه الأواشي عينها مرة أخرى داخل مقدمة صلاة
الإفخارستيا غير عابئة بالتكرار أي بالازدواج الذي لا بد أن يعبر عليه المصلي إذ
بعد أن يتلو الكاهن الثلاث أواشي الكبار في نهاية الإنجيل، يعود فيتلوها هي بذاتها
في بداية إفخارستيا مرقس الرسول.

على
أن كلاً من قداسي باسيليوس وغريغوريوس حاولا التخفيف من أثر هذا التكرار، أي
الازدواج الحتمي، فغيرا من منطوق وكلمات هذه الأواشي الثلاث، فضاعت بسبب ذلك الصلة
التي تربطها بأصلها الذي أخذت عنه، لولا قداس مار مرقس (الكيرلسي) الذي تمسَّك في
أصالة رائعة بنفس الأواشي دون تغيير (إلاَّ في مقطع واحد من مقاطع أوشية
الاجتماعات، وسوف نلاحقه بالدارسة في موضعه) فأبقى على الأصول الأُولى للطقس واضحة
حية.

ولكن
لا يمكن أن نعبر على مثل هذا الإجراء، أي إدخال هذه الأواشي عينها مرة أخرى في
إفخارستية مار مرقس، ببساطة. فالعمل يبدو في ظاهره غير مناسب بل مخلاًّ برزانة
الصلاة بل ومقلقاً. إذاً، فلا بد أن تكون هناك حقيقة خطيرة وراء هذا الإجراء تحمل
ضرورة جوهرية
أوقفتنا إزاء هذا الوضع الازدواجي، فما هي هذه الحقيقة؟ هذا
ما سنشرحه في الصفحات القادمة.

ولكن
سرعان ما شعر واضعو ومنقحو الليتورجيات في مصر منذ القرن الرابع بالحاجة إلى نقل
هذه الصلوات التوسلية من المقدِّمة (مثل قداس مار مرقس) إلى ما بعد تقديس القرابين
(مثل قداس سيرابيون) حتى يكون ذكر هذه الأمور الخاصة والعامة بحضرة الجسد والدم،
أي بحضرة المسيح!

وهذا بالطبع يكشف عن
بداية ضعف مفهوم الإجراء التقديسي الذي تم في طقس “تقديم الحمل” الذي بحسبه
تعتبر الأواشي التي في مقدمة ليتورجية مار مرقس أنها بعد التقديس!!!
وهذا
الاتجاه الجديد مسجَّل في عظات كيرلس الأورشليمي الذي حبَّذ هذا الوضع الجديد سنة
348م:

[أمَّا الصلوات التوسلية،
فإنها معونة عظمى لنفوس الذين من أجلهم جُعلت هذه التوسلات في حضرة الذبيحة
المقدَّسة الرهيبة.
]([6])

ولقد
جارى بعض الأساقفة في مصر هذا التطور الفكري الأُورشليمي ونقلوا بالفعل
الصلوات التوسلية إلى ما بعد تقديس الخبز والخمر كما هو حاصل في قداس سيرابيون.
وواضح جداً من سياق ترتيب الأواشي عند سيرابيون أن الصلاة من أجل الراقدين تحتل
مكانة غير مناسبة، فهي لا تتصل بما قبلها ولا بما بعدها، وكذلك مرد الشعب في
الختام يكشف عن تغيير حاصل في ترتيب الأواشي.

ولكن الطقس الإسكندري
بقي متمسكاً بتقليده الرسولي الأصيل، ممثلاً في ليتورجية القديس مرقس الرسول، ولم
ينقل الصلوات التوسلية من مكانها الذي احتلته منذ القرون الأُولى في داخل
المقدِّمة (صلاة مقدِّمة الإفخارستيا ذاتها). وهكذا بقيت الصلوات التوسلية في قداس
مرقس الرسول كجزء أساسي في داخل جسم المقدِّمة حيث تُتلى كلها قبل البدء في تقديس
الخبز والخمر (في القداس الكبير “بعد تقديم الحمل”).

والنموذج أسفله يوضِّح
ما تمَّ في مقدِّمة إفخارستية مار مرقس وكيف أُستوعبت الأواشي داخل صميم جسم صلاة
الإفخارستيا:

 

 

المقدِّمة أصلاً:

بدون أواشي

[مستحق وعادل أن
نسبِّحك … أنت الذي خلقت

(بواسطة) ربنا وإلهنا
يسوع المسيح …

هذا الذي مِنْ قِبَله
نشكر ونقرِّب لك … هذه الذبيحة … لأن اسمك عظيم … وفي كل مكان
يقدَّم بخور لاسمك القدوس وصعيدة طاهرة]،

[لأنك أنت هو الله
الذي فوق كل رياسة وكل سلطان وكل قوة وكل اسم يسمَّى ليس في هذا الدهر فقط بل
وفي الدهر الآتي].

 

المقدِّمة بعد إدخال
الأواشي

مستحق وعادل أن
نسبِّحك… أنت الذي خلقت…

(بواسطة) ربنا وإلهنا
يسوع المسيح… هذا الذي مِنْ قِبَله نشكر ونقرِّب لك… هذه الذبيحة… لأن
اسمك عظيم…
وفي كل مكان يقدَّم بخور لاسمك القدوس وصعيدة طاهرة

 

لأنك أنت هو الله …

الذي فوق كل رياسة
وكل سلطان وكل قوة وكل اسم يسمَّى ليس في هذا الدهر فقط بل وفي الدهر الآتي

 

إضافات تستغرق نحو نصف
ساعة

1 أوشية
السلامة([7]).

2 أواشي
المرضى.

3 أوشية
المسافرين.

4 أوشية
المياه والثمار.

5 أوشية
الملك.

6 أوشية
المنتقلين.

7 أوشية
القرابين.

8 أوشية
البطريرك([8]).

9 أوشية
الأساقفة.

10 أوشية
بقية الأرثوذكسيين.

11 أوشية
الموضع.

12 أوشية
الخديم.

13 أوشية
الكهنوت.

14 أوشية
الاجتماعات([9]).

15 أوشية
الطِلْبَة.

ملاحظات هامة:

يُلاحَظ أن جميع
الأواشي من نهاية المقدِّمة: [لأن اسمك عظيم في كل مكان يقدَّم بخور لاسمك وصعيدة
طاهرة … إلخ]، إلى بدء [لأنك أنت هو الله الذي فوق كل رئاسة]، أي أن جميع
الأواشي أدخلت بكاملها على الليتورجيا. وذلك بقصد أن تكون الليتورجيا نافعة لخدمة
كنسية عامة في خدمة الصباح.

يُلاحَظ في المخاطبة
الافتتاحية التي يُخَاطب بها الله في قداس القديس مرقس أنها مشغولة ومعدَّلة، لكي
توافق أن تكون قبل التقديس مع أنها أصلاً كانت بعد التقديس. لأنها كانت أصلاً صلاة
شكر ختامية، تنتهي بذكصولوجية ختامية وكانت كالآتي:

 

شكر على الكأس:

 

الوضع الأصيل قبل
التطوير

الوضع بعد التطوير

مستحق وعادل …

أن نسبِّحك ونرتِّل
لك …

ونعترف لك ليلاً
ونهاراً
(قداسات المساء والصباح)

أنت الذي خلق السموات

أنت هو الذي خلق
الإنسان، وخلقت كل الأشياء بحكمتك([10])

بواسطة ربنا وإلهنا
يسوع المسيح

 

 

 

هذا الذي نقدِّم لك
معه ومع الروح القدس المجد والإكرام والسجود

(ذكصا ختامية)

(انتهى)

هذا الذي من قِبَله
نقدِّم [الإفخارستيا ونقرِّب] لك معه مع الروح القدس الثالوث المقدَّس المساوي
غير المفترق هذه الذبيحة الناطقة وهذه الخدمة غير الدموية.

 

وهنا
كانت تبدأ الأواشي والتذكارات والتسابيح حسب طقس عشاء الرب الأصيل([11])

 

 

 

هذه التي تقدمها لك
جميع الأمم … إلخ. حيث التسبحة الشاروبيمية ثم التقديس.

ونُلاحِظ هنا في هذه
الصلاة التخاطبية
للآب بعد التطوير أنها
تنقطع فجأة من الوسط عند كلمة “وصعيدة طاهرة”، ليضاف عليها
جميع
الأواشي ولكن أصلاً هذه الصلاة في وضع مبكر تبدو أنها كانت متصلة بمقدِّمة التسبحة
الشاروبيمية مباشرة، كالآتي:

[لأن اسمك عظيم يا
رب
في جميع الأمم، وفي كل مكان يقدَّم بخور لاسمك القدوس وصعيدة طاهرة.
لأنك أنت هو الله الذي فوق كل رئاسة وكل سلطان وكل قوة وكل سيادة وكل اسم
يسمَّى
ليس في هذا الدهر فقط بل وفي الآتي. وأنت الذي يقوم أمامك ألوف
ألوف … إلخ. (وبقية التسبحة الشاروبيمية)].

هذا يكون مطابقاً
تماماً لأنافورا سيرابيون. أي أنها أي الأواشي زيدت
ونُقلت بعد القرن الرابع (على يدي القديس كيرلس الكبير).

والسؤال: أين كانت أو
أين تكون الأواشي إذاً؟

معروف أن هذه الصلاة
التخاطبية التي للشكر والتسبيح كانت تُقال بحسب طقس عشاء الرب الأصيل
في النهاية كتقديس أخير على الكأس المدعو “كأس البركة” عندما كانت
الإفخارستيا يسبقها الأغابي، حيث كان يلي هذه الصلاة جميع الأواشي والتذكارات. فلمَّا
انتقلت هذه الصلاة لتأتي في المقدِّمة لتكون قبل التقديس انتقلت ومعها كل الأواشي

التي كانت تُقال بعدها، فجاءت الأواشي قبل التقديس. وهذا بالطبع كان في المراحل
الأولى جداً التي أزيد فيها صياغة الليتورجيا لتصلح أن تقام بدون أغابي، وهذا يكشف
عن قدم ليتورجية مار مرقس جداً.

ولكن في المرحلة
المتأخرة في صياغة الليتورجيا، تعدَّلت الأواشي في كل القداديس الأخرى مثل
قُدَّاسَي باسيليوس وغريغوريوس، فاستخلصت صلاة الإفخارستيا هذه من الأواشي التي
بعدها، وجاءت هي في المقدمة، وأُعيدت الأواشي والتذكارات إلى موضعها الأصلي بعد
التقديس على كأس البركة (وحلول الروح القدس الآن)
([12]).

ولكن ليس طقس ليتورجية
مرقس الرسول وحده الآن هو الذي يضع الأواشي قبل التقديس والبركة، فعندنا تقديم
الحمل حيث نجد فيه أن جميع الأواشي أي الصلوات والتذكارات تأتي قبل تقديم الحمل: الأحياء
والأموات والمرضى والمتضايقين والمسافرين وسلام وبنيان الكنيسة والقرابين، كل هذا
قبل أن يبارك على الخبز ويشكر على الكأس. وهذا كان أصلاً في الحقيقة بمثابة خدمة
مسائية “العشية”، تقام قبل تقديم الحمل، خدمة صلاة وتوسلات وطلبات.

وهذا الطقس نراه تماماً
في إفخارستيا “يوستين” الصباحية. وقد انتقل قداس مار مرقس من الخدمة المسائية إلى
الصباحية، فأصبح هو نفسه طقس الخدمة الصباحية، أي أن قداس مار مرقس أو القديس
كيرلس أصبح يحتوي على نفس الخدمة، أي لا تأتي الإفخارستيا بعد خدمة صباحية ولكن
ليتورجيا الإفخارستيا هي نفسها خدمة صباحية كاملة. فبعد تقديم الحمل تبدأ
الليتورجيا شاملة القراءات، ثم يُبْدأ بأواشي الليتورجيا بعد المخاطبة، ولكن بقيت
أواشي الخدمة الصباحية كما هي، فصار التكرار واضحاً: أواشي خدمة الصباح ثم أواشي
الإفخارستيا مباشرة.

فلكي لا تصطدم الأواشي
بتكرار واضح رفعت الليتورجيات الأخرى أواشيها واختصرتها، وجعلتها بعد حلول الروح
القدس، ولكن في عصر متأخر عن ليتورجية مرقس الرسول التي احتفظت دون جميع
الليتورجيات بوضعها الفريد.

ونحن إذا قارنا بين طقس
الإسكندرية في إفخارستية مرقس الرسول وطقس روما نجد
تأثير طقس
الإسكندرية
على طقس روما واضحاً في أمر الصلوات التوسلية هذه، إذ أن هذه الصلوات تأتي في طقس
روما في البداية أيضاً وقبل التقديس على الخبز والخمر (في القداس الكبير)، ولكن
بعد التسبحة الشاروبيمية. أمَّا في القداسات الخاصة بالأموات في روما فقد وُضِعَت
أوشية للأموات بعد التقديس وذلك لكي يصيبهم أكبر قدر من قوة الأسرار (نظرية كيرلس
الأُورشليمي) وربما كان هذا هو أول دافع شجَّع على نقل كل الأواشي
إلى ما بعد التقديس كما حدث في أورشليم.

أمَّا
بالنسبة لطقس أفريقيا فيما يخص هذه الصلوات التوسلية،

ففي التاريخ تُذكَر حادثة وقعت في أفريقيا على يد القديس كبريانوس حينما أصدر
أمراً سنة 240م يمنع فيه ذكر اسم أحد الأساقفة
(كان قد خالف نصوص أحد
المجامع) وذلك من التقديم
at the
offertory
، وكذلك أيضاً يمنع أن تُقدَّم
الذبيحة
عن نياحته (أو من أجل نياحته) لأنه غير مستحق أن يُذكر اسمه في
أوشية الأساقفة
([13]).

وهذه الحادثة توضِّح أن
أوشية الأموات كانت تُذكر مرتين: مرة في “التقديم”
offertory
ومرة بعد التقديس داخل الإفخارستيا. وهكذا يُستدل أن في سنة 240م في أفريقيا كانت
العادة قد ترسَّخت بأن يُذكر أسماء المنتقلين في الصلوات داخل صلاة الإفخارستيا.
على أن ذكر الأحياء لم يُذكر عنه قط في كتابات القديس كبريانوس أنه كانت هناك صلاة
من أجلهم داخل القداس.

وفي الحقيقة أن اختلاف
الكنائس في أمر هذه الصلوات التوسلية هو اختلاف كامل حيث لا توجد كنيسة تشابه
الأخرى، فالبعض يضعها قبل التسبحة الشاروبيمية والبعض بعد التسبحة، وبعضها يضعها
في البداية والبعض يضعها في النهاية. هذا يثبت أن وضع الصلوات التوسلية إنما دخل
جسم الإفخارستيا في عصور متفاوتة([14]).

وكان من نتيجة انضمام
صلاة الإفخارستيا في القرن الثالث على الخدمة الصباحية
Synaxis،
أن حدث في الحال هذا الازدواج بين صلوات المؤمنين الثلاث المعروفة التي في ختام
الخدمة الصباحية بعد الإنجيل والصلوات التوسلية
التي أُدخلت داخل جسم الإفخارستيا، وهي صلوات من نفس النوع
تقريباً.

لذلك فسرعان ما بدأت
الكنائس تُهمل ثم تسقط شيئاً فشيئاً مُنذ القرن الخامس الأواشي الثلاث التي
للمؤمنين التي في ختام خدمة الصباح من صلواتها([15]).
وأخيراً تلاشت من كل الطقوس في كافة الكنائس كما هو حادث الآن في روما وسوريا
(قداس السريان ليعقوب الرسول يخلو منها). ولكنها ظلت في التقليد القبطي تتنازع
البقاء إزاء محاولة جادة من الكهنة المحدثين لإلغائها.

أمَّا في مصر في القرن
الرابع فنعرف من قداس سيرابيون أنه كان يذكر الدبتيخا
Diptychs،
أي منشور بأسماء المنتقلين، (وهو أصلاً منشور من لوحين أي وجهين متصلين: وجه
للأحياء ووجه للأموات، الذي أصبح من بعد القرن الرابع شيئاً ثابتاً رسمياً).

كذلك في عظات كيرلس
الأُورشليمي ينكشف لنا أن في طقس أُورشليم كانت أسماء المنتقلين تُذكر بعد التقديس
كما سبق وقلنا ولكن لا يذكر ذلك القديس كيرلس الأُورشليمي كأنه كان أمراً معتاداً
في أيامه، بل يظهر كأنه يدافع عن هذا الإجراء، ولهذا يبدو أنه كان إجراءً حديث
الممارسة آنئذ.

ذكر الأحياء: (سلامة
الكنيسة، كل الشعوب، سلامة هذا العمر أنزلها على قلوبنا …).

أمَّا بخصوص ذكر
الأحياء، فأول إشارة رسمية وردت لنا من الغرب باستخدام الصلاة من أجلهم داخل
القداس فكانت من أسبانيا، وبالتحديد في قوانين مجمع الفيرا
Elvira
سنة 305م في القانون التاسع والعشرين حينما يُذكر عرضاً أنه ممنوع ذكر أسماء الذين
عليهم أرواح نجسة “على المذبح وذلك أثناء صلاة الصعيدة”، وذلك يعني غالباً في صلاة
التقديم
offertory أي قبل الإفخارستيا. والقانون يكشف عن أن أسماء المؤمنين كانت
تُكتب في دَرْجٍ أو كشف
Roll-call وهم غالباً الذين قدَّموا القرابين والذين سيشتركون في التناول
منها([16]).

وفي الحقيقة يُعتبر ذكر
الراقدين في سجل خاص تحرص الكنيسة مع المؤمنين على ذكرهم في ذبيحة الإفخارستيا،
دليلاً يكشف عن عقيدة الكنيسة القوية الراسخة من جهة “شركة القديسين” ووحدة
جسم الكنيسة من الأحياء والأموات معاً.

لوحا (الدِبتيخا Diptychs) في الشرق:

وهما لوح للأحياء ولوح
للأموات يشمل أولاً أسماء القديسين الذين انتقلوا، المقيدين قانونياً في الكنيسة بأيام أعيادهم، وبعد ذلك أسماء الأشخاص
الذين يتقدَّم بهم المسئولون في الكنيسة
لتذكارهم.

وقد
ظهر ذكر هذه (الدِبتيخا
Diptychs)
فجأة في طقس القسطنطينية سنة 420م وذلك أثناء النزاع الذي قام من أجل ذكر اسم
يوحنا ذهبي الفم أو عدم ذكره، الذي كان قد رقد أثناء نفيه سنة 407م.

وفي هذه الحقبة الزمنية
يتضح لنا من الكتابات والرسائل المتبادلة أن الطقس كان كالآتي في القسطنطينية:

1 كانت
الأسماء للأحياء والأموات تُقدَّم في كشوفات منفصلة.

2 وكان كل
منشور يلتزم بالتسلسل الكنسي: الأساقفة أولاً ثم القسوس ثم الشمامسة ثم العلمانيين
أخيراً.

3 أن جميع
الأساقفة السابقين كان لهم منشور خاص، أمَّا الأباطرة المنتقلون فكانوا على رأس
قائمة العلمانيين.

ومن الخطابات المتبادلة
بين أتيكوس بطريرك القسطنطينية وكيرلس الكبير بابا الإسكندرية بخصوص محاولة أتيكوس
إقناع كيرلس الكبير بإدخال اسم يوحنا ذهبي الفم داخل الدِبتيخا أي (لوحي الأحياء
والأموات “المجمع الآن”)، يظهر أن طقس الإسكندرية كان يحتفظ بأسماء الأساقفة
منفردين وحدهم قبل بقية الإكليروس والعلمانيين([17]).

والمعروف في طقس
الإسكندرية أنه كان يماثل طقس القسطنطينية([18]).

وتوجد بعض أقوال من
أوائل القرن الثالث لأوريجانوس تشير إشارة واضحة إلى ذكر الأموات في الصلاة داخل
الكنيسة:

[وأنهم يصنعون تذكاراً
بخشوع للقديسين الذين رقدوا في الإيمان لكي ينالوا عزاء وسروراً طالبين أن يكون
لهم معهم أيضاً كمالٌ في الإيمان.
]([19])

وهذه الجملة التي
أوردها أوريجانوس تشير إشارة واضحة لنهاية أوشية الراقدين التي كانت مستخدمة آنئذ:
“وأمَّا نحن كلنا فهب لنا كمالنا المسيحي الذي يرضيك أمامك، وأعطهم وإيانا نصيباً
وميراثاً مع كافة قديسيك” (أوشية الراقدين)([20]).

كذلك يقول أوريجانوس في
موضع آخر:

[ويعتقدون أنه من
اللائق أن يذكروا القديسين في صلواتهم ويعزوا أنفسهم بذكراهم.]([21])

كذلك توجد بعض أقوال
للقديس أثناسيوس الرسولي تشير إلى وجود أوشية القديسين الذين رقدوا، حيث يذكر
الآباء القديسين الذين رقدوا بلهجة كنسية ليتورجية هكذا:

[ونحن نعلم أنه بمقتضى
اعتراف إيمانك أنك ترغب أن تمسك بالتقليد الرسولي وتعيش بحسب وصايا الناموس الإلهي،
حتى نوجد نحن أيضاً معك في الجماعة التي هي الآن تضم البطاركة والأنبياء والرسل
والشهداء في الابتهاج.
]([22])

كذلك يذكر القديس
أثناسيوس الرسولي أوشية للكنيسة وجزءاً من الطلبة الواردة في قداس القديس مرقس
الرسول هكذا:

[ونحن نسأل الرب في
الصلاة لكي برحمته يتراءف وينظر من علوه إلى الكنيسة الجامعة وينجِّي خدامه من
أيدي المضطهدين، ولكي كل الذين سقطوا بسبب الخوف الوقتي أن يقوموا
ويعودوا إلى طريق التقوى، ويردهم من طريق الضلالة.
]([23])

أمَّا أوشية (الدِبتيخا
Diptychs “ذكر الأحياء والأموات”) فكان موضعها التقليدي في مصر بحسب ما هو وارد في قداس
القديس مرقس الرسول بعد المقدِّمة مباشرة حيث تبدأ الأواشي أولاً
بسلامة الكنيسة وكل الشعوب.

وهذا الترتيب نجده في
طقس روما وإيطاليا عامة في القرن الرابع حيث توجد صلوات الأحياء يتبعها “سلامة
الكنيسة” بعد آخر فقرة من مقدِّمة صلاة الإفخارستيا. وهذا يُعتبر أحد النماذج
الهامة جداً التي تكشف عن مدى تطابق طقس روما منذ القدم على طقس الإسكندرية. وهذا
الأمر جدير جداً بالدراسة بأكثر مما أُعطي له سابقاً بسبب ما لهذا الموضوع من
أهمية([24])
خصوصاً ونحن نترجَّى الوحدة الكنائسية الآن.

وهذا التطابق يظهر أكثر
بوضوح في البردية التي اكتشفت([25])
في نواحي طيبة في صعيد مصر والتي قام العلاَّمة كرام بدراستها ونشرها والتي يوجد
فيها الدِبتيخا
Diptychs، حيث يذكر فيه أولاً بطريرك الإسكندرية ثم أسقف المدينة المحلي،
ثم يذكر أسماء المتناولين الأحياء ومقدمي القرابين:

[ومن أجل خلاص (ذوي
رتب) الكهنوت الكُلِّي الطهارة، الواقفين الآن والشعب المحب للمسيح وخلاص وعافية
فلان وفلان وفلانة وفلانة الذين قدَّموا القرابين هذا اليوم وكافة أصحاب التقدمات].

أمَّا
عادة ذكر البطريرك والأسقف المحلي هذه، فأول مَنْ استخدمها مصر، وأخذت عنها روما([26]).

على أن هذه الصلوات
التوسلية التي داخل الإفخارستيا
فيما قبل
مجمع نيقية يلزم أن ننتبه أنها كانت أكثر شخصية (أي فردية، أي تُتلى
بالأسماء) أكثر من أواشي المؤمنين التي للعامة، التي كانت تُتلى في الخدمة
الصباحية
Synaxis، ولا يُتلى فيها أسماء خاصة إلاَّ فيما يخص الأشخاص ذوي الصفة
المحددة العامة (كالملك والبطريرك)([27]). وواضح جداً
أن هذا يرجع إلى أن الإفخارستيا في القرون الأُولى كانت تُقام في البيوت بصفة
شخصية، فكان الأسقف أو الكاهن يركز في صلواته وأدعيته على أهل البيت والحاضرين.

وفي التقليد القديم في
مصر([28]) القرن الرابع (كما في أورشليم وأنطاكية وكل سوريا) كما
هو واضح من قداس سيرابيون، فإن الأسماء الخصوصية الفردية التي تتلى داخل
الإفخارستيا بعد التقديس كانت مقصورة على المنتقلين
فقط.

أمَّا في أورشليم([29])
فانتقلت أسماء المنتقلين من “التقدمة” مع أسماء الأحياء من السيناكسيس
synaxis، إلى الإفخارستيا في الموضع ما بعد التقديس مباشرة. وانتقل هذا
التقليد من أورشليم إلى كل الشرق.

في حين أنه منذ ما بعد
مجمع نيقية نرى في مصر بدء دخول أسماء الأحياء الشخصية كل شخص باسمه الخاص
خصوصاً مقدمي القرابين كما هو مذكور في بردية نواحي طيبة (القرن
السابع) التي قدمها وشرحها العالِم كرام السابق ذكرها (صفحة
552).
ولكن هذا الطقس ضعف وتلاشى على ممر العصور.

ويقول دكس:

[وتوجد أدلة تعتبر
أساساً حسناً للاعتقاد (ولكن الحقيقة أنه أمر مقطوع بكل تأكيد) أن الموضع الأصلي
لهذه الألواح أو الأدراج المسجل فيها الأسماء (ليس من الأحياء فقط كما يظن دكس، بل
ومن الأموات أيضاً) كان موضعها الأصلي هو “التقدمة” (أي صلوات “تقديم الحمل”
عندنا.]([30])

ولكن الأمر الذي أخطأ
فيه دكس([31])
هو اعتباره طقس سيرابيون في ذكر المنتقلين داخل الإفخارستيا بعد التقديس أقدم من
طقس قداس مرقس الرسول الذي فيه ذكر المنتقلين يقع في نهاية مقدمة الإفخارستيا.

كما يُخطئ دكس([32])
إذ يعتبر أن أسماء المنتقلين الفردية تُقال مرة واحدة، كما في قدَّاس مار مرقس وفي
قدَّاس سيرابيون، أثناء الليتورجيا، وأنها غير رسمية لأنها لم تكتب في المخطوطات.
والحقيقة أن أسماء المنتقلين الفردية تُقال مرتين: مرَّة في التقدمة أي “تقديم
الحمل” (الآن سراً) وهو جزء رسمي وأساسي في الليتورجيا المصرية الآن، ومرة أخرى
(الآن أيضاً سراً) بعد أسماء القديسين (المجمع)، حيث هذا “المجمع” يوجد في
سيرابيون بعد التقديس على الخبز والخمر. أمَّا في مار مرقس فيوجد (في القداس
الكبير) قبل التقديس على الخبز والخمر بعد المقدِّمة مع الصلوات التوسلية (أي
الأواشي). أمَّا كونها لم تكتب في المخطوطات فلأنها أسماء شخصية متغيرة. أمَّا
الأسماء الرسمية مثل أسماء البطاركة فهي مسجلة في جميع المخطوطات بلا استثناء.

غير أن عادة تلاوة
المنشور بأسماء جميع البطاركة الذين خدموا كرسي الإسكندرية فهي عادة يبدو أنها
بدأت أولاً في أورشليم وأول من ذكرها هو كيرلس الأُورشليمي سنة 348م.

وأمَّا تلاوة أسماء
الشهداء فبدأت أيضاً من أورشليم وأول مَنْ اقتبسها وأذاعها هو القديس أغسطينوس سنة
410م.

أمَّا عادة تلاوة أسماء
القديسين فقد اقتبستها روما من الشرق واستخدمتها أول مرة في أيام البابا جلاسيوس
سنة 492م حيث استمر إضافة الأسماء بلا أي نظام حتى القرن السادس حينما بدأ البابا
غريغوريوس الأول سنة 595م بترتيب هذه الأسماء. وبنوع من السماحة وحبه للأرثوذكسية
وللشرق عامة أضاف بعض شهداء أجانب مثل أغناطيوس الأنطاكي (استشهد في روما)
والشهيدات أجاثا ولوسي وأنستاسيا([33]).

وبينما ظلت روما تحتفظ
بأسماء أبنائها فقط في كل تلاواتها للأسماء من بطاركة وشهداء وقديسين بنوع من
التعصُّب العنصري الشديد (حتى مجيء غريغوريوس الأول)، نجد أورشليم تذكر أسماء
قديسي وشهداء الكنائس الأخرى في كل العالم. وهكذا أيضاً كانت بيزنطه بعض الشيء.
أمَّا كنيسة مصر فكانت أكثر كنائس بلاد العالم انفتاحاً على جميع البطاركة
والشهداء والقديسين من كل جنسيات العالم بلا أي إحساس منها أن هناك أي عنصرية أو
وطنية أرضية تفرِّق أو تميِّز بين بطريرك وبطريرك أو قديس وقديس

أو
شهيد وشهيد.

ففي “المجمع” الذي فيه
ذكر أسماء كل طغمات ودرجات الراقدين مُبْتَدِئاً بالبطاركة والأنبياء والرسل
والمبشرين والإنجيليين والشهداء والمعترفين وكل أرواح الذين كملوا في الإيمان،
وأولهم القديسة المملوءة مجداً دائمة البتولية القديسة مريم والدة الإله الكلمة،
لا نجد أيضاً أي ترتيب في ذكر الأسماء (وروما مثلنا في ذلك تماماً)، وإنما روعي في
اختيارها شتى الاعتبارات. غير أن ما يُلفت النظر هو شمول المجمع لجميع صنوف بني
البشر القديسين من فلسطين وبيزنطه وروما وأرمينيا والحبشة، بل وحتى العلمانيين
الذين بلا رتب كهنوتية على الإطلاق. وفي نهاية المجمع يذكر القارئون جميع الآباء
البطاركة الذين خدموا كرسي مار مرقس في مصر، وتوجد نسخ قديمة تذكر بطاركة الكنائس
الأخرى([34]).
وكانت تلاوة أسماء البطاركة مقصورة على كنيسة كاثيدرا البطريرك فقط في مدينته
العظمى الإسكندرية أو في موضع كرسيه في مصر. وحتى هذا توقف وبطل الآن ولم يعد له
وجود.

أمَّا ترتيب “المجمع”
الذي يذكر فيه هذه الأسماء فهو يختلف في الثلاثة قداسات الكيرلسي والباسيلي
والغريغوري في بعض الأسماء وترتيبها ووجود وغياب بعضها. ولكن المدهش أن نجد فيه
اسم البطريرك ساويرس الأنطاكي الذي حضر إلى مصر في زمان بطريركية أنبا تيموثاوس
الثاني والثلاثين (في عداد البطاركة) حيث يأتي في ترتيب الأسماء بعد القديس مرقس
الرسول مباشرة، وهذا أمر فيه مبالغة لا يمكن أن تؤخذ على محمل التكريم، فإن كان قد
تألم أو تشرَّد زماناً عن كرسيه فهو ليس أفضل من بطرس خاتم الشهداء أو أثناسيوس
الرسولي أو ديسقوروس حتى يأتي في الترتيب قبلهم. والأمر يحتاج حقاً إلى مراجعة!!
لأن هذا عمل دخيل بلا شك، فعندنا إشارة واردة في طقس أبو البركات ابن كبر كاهن
المعلَّقة وهو عالم طقسي بلا نزاع يقول فيها هكذا:

[ويُضاف اسم البطريرك
المتنيح إلى آخر أسماء الآباء البطاركة، وآخرهم جميعاً يذكر اسم القديس ساويرس
بطريرك أنطاكية].

أمَّا تطبيق ذلك فانظر
المخطوطة التي عثرنا عليها في أرضية مكتبة دير القديس أنبا مقار بالحصن القديم.
فإن كان مركز ساويرس الأنطاكي حسب التقليد القبطي الآبائي يأتي في نهاية أسماء
بابوات الإسكندرية المتنيحين، فكيف يوضع
اسمه في
“المجمع” بعد
مار مرقس الرسول
مباشرة؟

أصالة
موضع وترتيب الصلوات التوسلية
Intercessions

= الأواشي في قداس
مار مرقس حسب التقليد القديم:

يقول العالِم بوييه:

[في كافة ليتورجيات
الشرق كان هناك ميل دائم لتطوير وتوسيع هذه الصلوات بصورة متضخمة وبصفة مستمرة
ومتلاحقة. أمَّا في قداس مار مرقس فعندنا من البراهين ما يؤكد أن النص الحالي
للإفخارستيا فيه، بالرغم من حدوث بعض التوسعات في الصلوات فإنه بقي أميناً بصورة
أساسية وجوهرية لنموذجه العتيق جداً.]([35])

ففي المقدِّمة التي هي
بداية صلاة الإفخارستيا الكبرى بين تعظيم اسم الله في نهاية المقدِّمة وبين تعظيم
اسم الله في بداية تسبحة الشاروبيم، وضعت ليتورجية مرقس الرسول كافة الأواشي
التشفعية (صلوات التوسل) جميعاً بما فيها
تذكار الراقدين ومقدمي القرابين، أربعة عشر أوشية خلاف
الطِلْبَة!!

كما يُستطرد العالِم
بوييه في كتابه عن الإفخارستيا مدللاً على أصالة طقس قداس مرقس الرسول وقدمه
قائلاً:

[إنه لو ألقينا نظرة
على التقليد العبري القديم في صلوات التضرعات المسمَّاه “تفلاه”
Tefillah (سبق أن سجلناها من صفحة 139 إلى صفحة 142) فإننا نلاحظ الآتي:

كما أن صلوات التضرعات (طلبات)
الاثنتي عشرة المسمَّاه
tefillah في التقليد العبري تنحصر بين ثلاث بركات (تشكرات) في
البداية وفيها تمجيد وتعظيم اسم الله القدوس، وثلاث بركات (تشكرات) في
النهاية وفيها أيضاً تمجيد وتعظيم اسم الله القدوس أي أن الطلبات
التي هي صلوات التضرعات وضعت بإحكام بين شكر وتقديس وتعظيم اسم الله القدوس في
البداية وشكر وتعظيم اسم الله القدوس في النهاية، نجد أن هذا ما التزمت به
ليتورجية مرقس الرسول بدقة مذهلة إذ جعلت الأواشي (الطلبات) وهي كلها صلوات تضرعات
تقع بين جزء من مقدِّمة صلاة الشكر وفيها تقديس وتعظيم اسم الله القدوس في البداية
وجزء آخر من صلاة الشكر وفيها تقديس وتعظيم اسم الله في النهاية.

وهكذا احتفظت ليتورجية
مرقس الرسول بالروح العبادية وبنفس دقائق التقليد العبري القديم من جهة الصلوات
التضرعية، فلم تقلعها من تربتها العتيقة قلعاً جائراً منفرداً بدون حكمة بل حافظت
على نقلها كاملة بتربتها اللاهوتية في أعمق مفهوماتها، إذ يسبقها شكر وتعظيم اسم
الله ويختمها شكر وتعظيم اسم الله. وهذا مما يجعلنا نعتقد أن الذي أدخل الأواشي في
مقدِّمة ليتورجية مرقس الرسول إنسان تقليدي ملهم وحاذق يدري بأصول التقليد القديم
ودقائق الطقس العبراني.

ويلزم هنا أن ننبه أن
تأليف مقدِّمة ليتورجية مرقس الرسول أقدم من محاولة وضع الأواشي التي جاءت في وقت
لاحق بعد تأليف هذه المقدِّمة، لأن المقدِّمة يبدو واضحاً فيها أنها انفلقت
نصفين ثم حشرت الأواشي في داخلها حشراً وبقيت علامات هذا الإجراء الجريء الواثق
واضحة دون أي محاولة لإخفائها!
وهذا ما سبق أن أوضحناه
(في صفحة 586). وهذا واضح لأن النص الأصلي لمقدِّمة
الإفخارستيا لم يوضع في البدء ليكون مقدمة خدمة عامة تليه أو جزءاً أساسياً لتركيب
الأواشي بل كانت متصلة بموضوع الذبيحة ذاتها طقسياً ولاهوتياً في أضيق حدودها.

وبناءً على ذلك فإن
مقدِّمة كل من إفخارستيا باسيليوس وإفخارستيا غريغوريوس أو حتى إفخارستيا سيرابيون
فلأنها تخلو من هذه الأواشي قد تبدو لأول وهلة بناء على هذا أنها أقدم من قداس مار
مرقس (الكيرلسي). ولكن ينبغي أن لا يغيب عن ذهننا
أن كلاًّ من
قداسي باسيليوس وغريغوريوس مأخوذ ومقتبس ومتطور عن قداس مار مرقس([36])،
ولكن بأصالة أيضاً ودراية دقيقة بأصول الطقس العبري وتقاليده الدقيقة في كثير من
أوضاعه، لأن نقل الأواشي من مقدمة الإفخارستيا أي من وضع ما قبل التقديس على الخبز
والخمر كما جاء في إفخارستية مرقس الرسول (إذا أهملنا حقيقة التقديس الذي تمَّ في طقس
تقديم الحمل)، إلى ما بعد التقديس على الخبز والخمر في القداس الكبير (بعد تقديم
الحمل)، ولو أن هذا في الحقيقة هو عمل ثانوي أتى بعد العملية الجريئة التي تمت
أولاً بإدخال الأواشي نفسها داخل الإفخارستيا، إلاَّ أن محاولة إعادة وضع الأواشي
بعد التقديس على الخبز والخمر في القداس الكبير بعد تقديم الحمل هو درجة في العودة
إلى الوضع الأصيل جداً بحسب أصول العشاء الأخير وكل طقس الولائم

الرسمية
القديمة، حيث كانت كل التذكارات والصلوات والتضرعات تُقال بعد الشكر الأخير على
كأس الإفخارستيا
وهو مرفوع في يد رئيس المتكأ الأمر الذي مارسه الرب يسوع نفسه
(انظر صفحة 146).

ولكن بقاء ليتورجية
مرقس الرسول محتفظة بوضع الأواشي والتذكارات بعد الشكر في مقدِّمة الإفخارستيا في
القداس الكبير يوضح لنا مقدار عمق القدم الهائل الذي توقفت عنده إفخارستية مرقس
الرسول عند التطور، لأنها تكشف عن مدى اعتمادها الأصلي على التقديس الذي تم في طقس
تقديم الحمل الأول، إذ تكون الأواشي على هذا الأساس تأتي بعد التقديس أي البركة
على الخبز والشكر على الكأس، بل وبعد حلول كلمة الله الأزلي وظهور وجهه (حضرته)
على الخبز والخمر وتحويلهما إلى جسده المحيي ودمه الكريم.

لذلك، فالأواشي بوضعها
الحالي في أنافورا مرقس الرسول تؤكد قيمة طقس تقديم الحمل وتعتمد على تقديسه وتأتي بعده لتثبت وجوده وقيامه، حتى ولو كنَّا قد
أهملناه هذه المئات من السنين.

أمَّا قداسا باسيليوس
وغريغوريوس
فيمثلان الدرجة الأخرى اللاحقة في هذا التطور حيث أبقى كل منهما على صلوات الشكر
في بداية الطقس كمقدمة، ولكن رفع منها التذكارات والصلوات (الأواشي) لتعود إلى
موضعها التقليدي الأصيل هناك في النهاية بعد التقديس على كأس البركة في القداس
الكبير “بعد طقس الحمل”.

ولكن هل بذلك يكون
قدَّاس مرقس الرسول توقَّف عند مرحلة ناقصة؟

في الواقع أن موضوع
قداس مار مرقس وإن كان لا يزال يحمل أقدم البصمات الخاصة بالإفخارستيا وليتورجيتها،
فهو أيضاً لا يزال محسوباً أنه ليتورجية كاملة أصيلة تفتخر به الكنيسة القبطية
وتصلي به. ولكن لكي نكشف هذه الأعماق التي فيه، يلزمنا أن نعود إلى دراسات العالِم
دكس وأسئلته الحائرة التي لم يعرف لها جواباً (صفحة 541)، فالجواب حان أوانه لكي يعطيه قداس مار مرقس،
إنما أيضاً في عمق سري.

فمقدِّمة الإفخارستيا
لمار مرقس التي اشتبه دكس أنها ربما كانت أصلاً هي هي الإفخارستيا كلها (أو القداس
كله) بدون أواشي وأنها كانت متصلة مباشرة بالتسبحة الشاروبيمية حيث تنتهي
بذكصولوجية ختامية وبذلك ينتهي عندها القداس، هذا ما كان يتصوره دكس
أمَّا أين كان التقديس على الخبز والخمر وأين يبتدئ وأين ينتهي من هذه الإفخارستيا،
فهذا ما لم يستطع دكس أن يعطي عنه جواباً أو حتى تصوراً.

والحقيقة كما نوهنا
إليها في هامش صفحة 577 هي أن ما اشتبه
العالِم دكس فيه هو صحيح، أي أن إفخارستية مار مرقس كانت عبارة عن “صلاة
إفخارستية” مسيحية
صاغها القديس مار مرقس لتضاف على الإفخارستية التقليدية
القديمة التي مارسوها فيما سبق (العشاء الأخير، والتي هي الآن طقس تقديم الحمل
بكامله)، والذي سُمِّي في سفر الأعمال طقس “كسر الخبز”، وهو بحسب وضعه
التقليدي القديم لم يزد عن تلاوة البركة التقليدية أي مباركة اسم
الله على الخبز ثم كسره وتوزيعه، وكذلك الإفخارستيا أي الشكر على كأس البركة، ولم
يزد هو الآخر عن عدة جمل بسيطة فيها يُقدَّم على الكأس الشكر لله على عناية الله
وعلى اليوم المقدَّس (السبت).

ولكن الآن وبحسب
الأوضاع الجديدة في العهد الجديد، التزم الرسل بصبغ الطقس بالصبغة المسيحية. ولكن
لمَّا وقف الطقس القديم أمامهم مقفولاً، فالبركة على الخبز والبركة على الكأس
كما مارسها المسيح لا يمكن الإضافة إليها، لذلك لم يكن من وسيلة لصبغ
طقس كسر الخبز بالصبغة المسيحية إلاَّ بالاحتفاظ به هو كما هو في بساطته المتناهية،
ثم الالتجاء إلى الإضافة إليه، وذلك بتأليف صلاة شكر جديدة (أي إفخارستية جديدة)
مطولة وفيها اسم المسيح وكل العناصر المسيحية المتعلقة أساساً بالتجسُّد والفداء
والخلاص وربطها بموضوع الطقس أي بسر الشكر، على أن الرسل التزموا بأن تكون
الإفخارستية الجديدة (صلاة الشكر المضافة على الطقس) مطابقة لأصول التقليد القديم
أيضاً من جهة كيف تبدأ وكيف تنتهي وما هو جوهر مضمونها، وخاصة علاقتها باسم الله.
هذا كله كانت تتحكم فيه تقاليد غاية في الدقة والحساسية، وهذا ما استوفته تماماً
إفخارستية مار مرقس كما كشفناه بدقة سابقاً.

ومن ذلك يتبين أن نواة
كل إفخارستيا مسيحية جديدة لم يكن في البداية أكثر من “صلاة شكر جديدة” تضاف على
حدود الطقس القديم (عشاء الرب)، أي كسر الخبز. وكان القصد منها صبغ طقس كسر الخبز
بالصبغة المسيحية، أو على وجه الدقة كان لجعل الطقس القديم “لذكر المسيح” حسب وصية
الرب
» اصنعوا هذا … لذكري «

إذاً، فالإفخارستيات
المسيحية كلها وعلى وجه العموم هي إفخارستيات تذكارية.

والذي يحقق ويؤكد هذا
الوضع المحدود لحقيقة نواة الإفخارستيا الأُولى جداً هو شرح كيرلس الأُورشليمي
للإفخارستيا سنة 350م، وهو كما يذكر العالِم دكس إنما يصف إفخارستية يعقوب الرسول
في شكلها البدائي جداً الذي كان عبارة عن مجرد “صلاة شكر مسيحية” ليست أكثر مما
يسمَّى الآن ب“المقدِّمة” ويتبعها مباشرة تسبحة الشاروبيم. وبعد تسبحة الشاروبيم
مباشرة تأتي صلاة استدعاء الروح القدس. وهنا تنتهي الإفخارستيا من حيث جوهرها
التقديسي حيث لم تكن قد امتدت “صلاة الشكر” هذه لتستوعب الشكر على التجسُّد
والفداء ولا “وصف البركة على الخبز وعلى الكأس” التي تسمَّى الآن بالتأسيس ولا حتى
عبارات خاصة بالتذكار
anamnesis.

إنما بعد حلول الروح
القدس الذي يذكر فيه تحويل الخبز إلى جسد والخمر إلى دم الذي يحتسبه
دكس أنه بمثابة ارهاصة أُولى (أي بداية حركة) لتكوين شكل “التذكار”
anamnesis باعتبار تحويل الخبز إلى جسد المسيح والخمر إلى دم المسيح هو
إعادة الأفعال التي تمت ليلة العشاء واستمراراً لوجودها خصوصاً وأن
“الحلول” عند كيرلس هو عملية تقديس للقرابين حسب قوله: “لأن كل ما يتصل بالروح
القدس يتقدَّس ويتحوَّل”، وهذه هي الإشارة الأُولى التي انطلقت منها عقيدة
التحوُّل فيما بعد([37]).
ثم يبدأ كيرلس الأُورشليمي مباشرة في شرح الأواشي، وأخيراً يختم كيرلس شرحه
“للإفخارستيا” بصلاة
» أبانا الذي في السموات «

وفي نهاية التحقيق
التحليلي الذي يقدِّمه العالِم دكس في كتابه (من صفحة 196 صفحة 199)
ليؤكد القيمة التاريخية لليتورجية ما قبل نيقية في شرح كيرلس الأُورشليمي، ثم بعد
سرده للوقائع الواحدة بعد الأخرى ينتهي بهذه الحقيقة أن “إفخارستية ما قبل نيقية”
التي كان يمارسها ويشرحها كيرلس الأُورشليمي كانت بلا جدال لا تحتوي على أكثر من
المقدِّمة ثم تسبحة الشاروبيم ثم استدعاء الروح القدس ثم الأواشي ثم
» أبانا الذي
في السموات
«[38]).

ثم يعود دكس وبفحص دقيق
لتركيب إفخارستية القديس يعقوب التي اعتمد كيرلس الأُورشليمي على نصوصها الأُولى
(أي ما قبل القرن الثالث)، يبرهن دكس على أن رواية التأسيس فيها هي أيضاً مضافة
وفي القرن الرابع.

أمَّا تأليف هذه الإفخارستيات
المسيحية الجديدة فليس كما يعتقد ليتزمان من صنع بولس الرسول، بل إنها رُسمت بيد
الرسل جميعاً أو أُخذت وسُجِّلت عنهم، كلٍّ باسمه. وجاءت مبكراً جداً قبل البدء
بتأليف رسائل بولس الرسول والأناجيل ذاتها. وهذا نجده واضحاً جداً في مقدِّمة صلاة
إفخارستية سيرابيون حيث نجد كل الجمل المستخدمة والتعابير المسيحية فيها ليست
مأخوذة من نصوص إنجيلية. وهذا لا ينطبق على إفخارستية سيرابيون فحسب، بل وعلى
أجزاء كثيرة من معظم الإفخارستيات الأصيلة.

ولكن لم تتوقف
“الإفخارستية” المسيحية الجديدة في حدود مجرد “صلاة الإفخارستية” أي مجرد صلاة شكر
تذكارية للمسيح تقال بعد “البركة على كأس إفخارستية كسر الخبز”، بل امتدت لتشمل من
جديد كل طقس حركات كسر الخبز؛ فبدأت تصف ما عمله المسيح على الخبز وعلى الكأس
وإنما بصيغة “الماضي” كقصة ورواية تذكارية
» لأن في
الليلة التي أسلم فيها ذاته أخذ خبزاً… وبارك… وكسر… إلخ
« وهكذا بدأت “الإفخارستيا المسيحية الجديدة التذكارية” تزحف لتأخذ
كل شكل ومقومات “طقس كسر الخبز” خطوة خطوة حتى استوفت جميع حركاته ومراحله.
وهكذا أصبحت الإفخارستية المسيحية الجديدة عبارة عن طقس كسر الخبز بكل دقائقه
ومراحله وصلواته، إنما في صورة وصفية تذكارية مضافة إلى طقس “كسر الخبز” الأصيل
الذي انحصر وأخذ صورة “تقديم”
offertory. وشيئاً فشيئاً فقد طقس “كسر الخبز” الذي أصبح اسمه prothesis هيبته الأُولى وجلاله إلاَّ من بعض مظاهر التكريم
والعبادة المجهولة أسبابها في كنائس بيزنطة الروم وإرمينيا (انظر صفحة 580).

وهكذا أخذت
“الإفخارستيا” المسيحية الجديدة كل هيبة وجلال ومجد طقس “كسر الخبز” (الجزء السري
من العشاء الأخير). وضمناً واجهنا ازدواجاً في الإفخارستيا في كل حركة وكل جملة
وكل صلاة أولاً في طقس “التقديم” الذي اسمه عندنا “طقس تقديم الحمل”، وثانياً
في طقس الإفخارستيا الجديدة المسيحية التي تسمَّت بأسماء الرسل والأساقفة
مثل إفخارستية مرقس الرسول. والجدول المبيَّن في صفحة 628 وما بعده يشرح ذلك ويبرهن
عليه ويصفه في دقة بالغة مذهلة. غير أن طقس الإفخارستيا الجديدة المسيحية يمتاز
أيضاً بأنه يحمل وصية المسيح:
» اصنعوا هذا لذكري «كأمانة
عظمى!



اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى