علم

تقليد الإيمان الرسولى



تقليد الإيمان الرسولى

تقليد
الإيمان الرسولى

إيريناؤس
أسقف ليون

 

رغم
أن الكنيسة منتشرة فى كل العالم، منتشرة فى كل المسكونة من أقاصيها إلى أقاصيها،
فقد استلمت من الرسل وتلاميذهم الإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، خالق السماء
والأرض والبحار وكل ما فيها؛ والإيمان بالمسيح يسوع الواحد، الذى هو ابن الله،
الذى تجسد لأجل خلاصنا؛ والإيمان بالروح القدس الذى أعلن التدبير بواسطة الأنبياء،
أى بمجيء المسيح وميلاده العذراوى وآلامه وقيامته من بين الأموات، وصعود ربنا
المحبوب المسيح يسوع إلى السماء جسديًا، وظهوره ثانيةً من السماء فى مجد الآب لكى
يجمع كل الأشياء فى نفسه ولكى يقيم أجساد كل البشر إلى الحياة، لكى تجثو للمسيح
يسوع ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كل ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكى
يعترف كل لسان له، ولكى يجرى دينونة عادلة للجميع ولكى يطرد أرواح الشر والملائكة
الذين تعدوا وصاروا مضادين وكذلك الأثمة والأشرار ومخالفى الناموس والدنسين، ويطرح
الجميع فى النار الأبدية؛ ولكن فى نعمته سوف يهب الحياة ومكافأة عدم الفساد والمجد
الأبدى لأولئك الذين حفظوا وصاياه وثبتوا فى محبته سواء منذ بداية حياتهم أو منذ
وقت توبتهم. هذه الكرازة وهذا الإيمان تحفظه الكنيسة باجتهاد رغم أنها مُشتتة فى
كل العالم، تحفظه بكل اجتهاد كما لو كانت كلها تسكن فى بيت واحد، وهى تؤمن بهذا
وكأن لها عقل واحد وتكرز وتعلّم وكأن لها فم واحد، ورغم أن هناك لغات كثيرة فى
العالم، إلاّ أن معنى التقليد واحد، وهو هو نفسه. لأن نفس الإيمان تتمسك به
وتسلّمه الكنائس المؤسسة فى ألمانيا، وأسبانيا، وقبائل قوط، وفى الشرق، وفى ليبيا،
وفى مصر، وفى المناطق الوسطى من العالم. ولكن كما أن الشمس وهى مخلوقة من الله، هى
واحدة، وهى هى نفسها فى كل المسكونة، هكذا أيضًا نور كرازة الحق، الذى يضيء على كل
الذين يرغبون أن يحصلوا على معرفة الحق. ولن يستطيع أى واحد من القادة فى الكنائس،
مهما كان له موهبة فائقة فى الفصاحة أن يعلّم تعاليم مختلفة عن هذه (لأنه ليس أحد
أعظم من الرب والسيد)؛ ومن الجهة الأخرى، فإن مَنْ عنده نقص فى قوة التعبير لن
يسبب ضررًا للتقليد. لأن الإيمان هو نفسه على الدوام واحد لا يتغيّر بل يظل هو
نفسه كما هو، فلا يستطيع ذلك الشخص الذي يمكنه أن يتحدث عن التقليد حديثًا طويلاً
أن يعمل أية إضافة عليه، كما أن الشخص الذى لا يستطيع أن يتكلّم سوى القليل، لا
يمكن أن يُنقض منه شيئًا

 

استودع
الرسل فى يدى الكنيسة بفيض كبير جدًا كل الأمور المتصلة “بالحق”، حتى
يستطيع كل من يرغب أن يستقى منها “ماء الحياة”. فالكنيسة هى الباب
المؤدى إلى الحياة… لذلك ينبغى أن نمسك بكل ما يتصل بالكنيسة بكل اجتهاد، وهكذا
نمسك “بتقليد الحق”.

 

فلو
افترضنا أنه أُثير جدال بخصوص مسألة هامة عندنا، ألا ينبغى أن نلجأ إلى أقدم
الكنائس التى أسسها الرسل، ونعرف منهم، ما هو يقينى وواضح من جهة هذه المسألة التى
أمامنا؟ لأنه كيف كان ينبغى أن يكون الحال لو أن الرسل أنفسهم لم يتركوا لنا
كتابات. ألا يكون ضروريًا فى هذه الحالة أن نتبع “التقليد” الذى سلّموه
لأولئك الذين ائتمنوهم على الكنائس؟

 

وهذا
هو المنهج الذى قبلته شعوب كثيرة من بين البرابرة الذين يؤمنون بالمسيح، فهؤلاء إذ
كانوا حاصلين على الخلاص مكتوبًا فى قلوبهم بواسطة الروح بدون ورق أو حبر، وهم
يحتفظون بالتقليد القديم مؤمنين بالإله الواحد خالق السماء والأرض وكل ما فيها،
بالمسيح يسوع، ابن الله، الذى بسبب محبته الفائقة جدًا نحو الخليقة، تنازل ليُولد
من العذراء. وبعد أن وحّد الإنسان بالله من خلال نفسه، وبعد أن صُلِب على عهد
بيلاطس البنطى، فإنه قام ثانية ورُفع فى المجد، وسوف يأتى ثانيةً بمجد عظيم.

 

وهو
مخلِّص الذين خَلِصوا، كما أنه هو ديَّان الذين يُدانون؛ والذين يغيّرون الحق
ويحتقرون الاب ومجيء المخلص هؤلاء سيرسلهم إلى النار الأبدية. والذين آمنوا بهذا
الإيمان دون أن يقرأوا أية وثائق مكتوبة، هؤلاء من جهة لغتنا هم برابرة، ولكن من
جهة العقيدة، والأخلاق، ومعنى الحياة، هم حكماء جدًا فى الحقيقة. وذلك بسبب
الإيمان؛ وهم يُرضون الله مدبرين كل سلوكهم بكل بر، وتعفف وحكمة. فلو أن أحدًا
حاول أن يكرز لهؤلاء الناس بمبتدعات الهراطقة، مستعملاً لغتهم الخاصة، فإنهم
يصمّون آذانهم فى الحال، ويهربون بعيدًا، غير محتملين حتى أن ينصتوا إلى حديث
المجدّفين. وهكذا بواسطة تقليد الرسل القديم هذا، فإنه ذهنهم لا يحتمل أن يتصور أى
تعليم من التعاليم التى ينادى بها هؤلاء الهراطقة الذين لم تنشأ فى وسطهم لا كنيسة
ولا تعليم عقيدى فى أى وقت أبدًا

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى