دراسة في الذبائح

تابع دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس – الوجه الثاني من أوجه الصليب: ذبيحة الخطية – الخطية والناموس الإلهي، ملخص مفهوم الخطية (12)

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת
  الخطية والناموس الإلهي؛ ملخص مفهوم الخطية

 

[ثالثاً] الخطية والناموس الإلهي، ومفهوم الخطية في الفكر اليهودي الصحيح :

1 – أننا نلاحظ أن إدراك الخطية ومعرفة خطورتها – بالنسبة للعهد القديم والفكر اليهودي الأصيل – متجه بأكثر قوة نحو الناموس، لأن جوهر الخطية كان قبل كل شيء انتهاك لنواميس الله ووصاياه، لأن إدراك الخطية مستحيل أن يكون بغير ناموس يظهرها ويفضحها لأن بدون الناموس لم تكن هناك معرفة للخطية الدفينة في داخل القلب، [ لم أعرف الخطية إلا بالناموس فإنني لم أعرف الشهوة (أنها كامنه في قلبي) لو لم يقل الناموس لا تشته ] (رو7: 7)، لأن الناموس مرآة النفس الذي يظهر مدى وسخ الإنسان من الداخل ومدى تورطه في الخطية، ومدى عمل الخطية وسلطانها في داخل الإنسان ليحيا في الموت ويقع تحت الدينونة: [ فإننا نعلم أن الناموس روحي و أما أنا فجسدي مبيع تحت (سلطان) الخطية. لأني لست اعرف ما أنا افعله إذ لست افعل ما أريده بل ما ابغضه فإياه أفعل. فان كنت أفعل ما لست أريده [ كعبد ] فاني أصادق الناموس انه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في . فاني أعلم انه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن افعل الحسنى فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أُريده، بل الشر الذي لست أُريده فإياه أفعل [ كعبد للخطية ]. فان كنت ما لست أُريده إياه افعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فيَّ. [ ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه إما للخطية للموت او للطاعة للبرّ (رو 6 : 16) ] إذاً أجد الناموس لي حينما أريد أن افعل الحسنى أن الشر حاضر عندي (الشرّ في إمكاني، هذه إمكانياتي). فاني أُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. و لكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. ] (رو7: 14 – 24)
وبالطبع، بما أن الأمم الذين ليسوا من شعب إسرائيل ولا يعرفون وصايا الله، فهم جميعاً خطاة، لأن ليس معنى أنهم بلا ناموس أصبحوا مبررون لأنهم لا يعلمون وصايا الله، لأن لهم الناموس الطبيعي: [ لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم ] (رو 2 : 14)، فالإنسان على كل وضع ليس له ما يبرر موقفه: [ لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر ] (رو 1 : 20)

2 – فالخطية – في مفهومها الصحيح – هي فعل يقوم به الإنسان، بل هي موقف الإنسان تجاه الله. والخطية تتمحور حول العهد، فقد دخل الله بمبادرة خاصة منه في علاقة مع البشر، وحدد لهم بنفسه الشروط التي يجب أن ينفذوها. فكانت كلمات الشريعة هي بنود عهده الخاص وشعائر طقس العهد، ومن رفض العهد هو الذي لم ينفذ شروطه، وهذه تُسمى خطية ضد العهد، وهنا يتم فسخ هذا العهد بين الإنسان والله فيُطرح بعيداً في الموت، لأن عهد الله عهد حياة وبركة وارتباط، وخارجه الظلمة والموت، وهذه هي الخطية التي فيها حدد الإنسان موقفه تجاه الله برفضه لعهده الذي أقامه بنفسه مع الإنسان !!!
وبلا شك في أن هذا المدلول للخطية يخص بالدرجة الأولى شعب إسرائيل الذي نال العهد والشريعة [ وطبعاً الكلام موجه لنا في العهد الجديد أيضاً كما سنوضحه ]. إذن فكل عمل بشري يُعارض شريعة الله هو خطية، والألفاظ العبرية التي تدل على هذا العمل تُظهر نشاط الإنسان الخاطئ وخطورة وضعه:

+ فالكلمة [ חטא – ح ط أ ] تُترجم في العربية [ خطئ أو إثم ]، وتُستعمل أيضاً لكي تصف العلاقة بين البشر، وتُستعمل للتعبير عن تعدٍ وإهمال وخيانة بالنسبة لله ( خيانة عهد ) وإلى القاعدة السلوكية التي وضعها .
+ والكلمة [ עון – ع و ن ] تُشير إلى الضلال الذي به ينحرف الإنسان عن الطريق المستقيم .
+ والكلمة [ פשע – ف ش ع ] تُشير إلى أن الإنسان يترفع ضد الله ويخونه كما يفعل العبد أمام سيده .
وبالإجمال، الخاطي هو الإنسان الذي فشل في علاقته مع الله بإهماله للقواعد السلوكية وخيانته للعهد الذي أقامه معه الله، باقتراف الشر والإثم، ومن ثمَّ أصبح عبداً للخطية وواقع تحت سلطانها الذي يعمل فيه وبالتالي واقع تحت حكمها أي الموت.

عموماً نقدر أن نقول أن الخطية ليست حدثاً يقع مصادفة، وكأن الإنسان صالح بطبيعته وموجه بشرائع مجتمع صالح، وبذلك يكون ضل بدون علم منه، ولكن – في الواقع العملي المُعاش – الخطية تولد من ” قلبه الشرير “: فالفرعون الذي قاوم الله [ قسى قلبه ] لئلا يخضع لما طلبه موسى ويطلق الشعب ليعبد الله في البرية !!، وأيضاً نجد هذه القساوة لشعب إسرائيل نفسه في رحلته في البرية وأظهر أنه [ شعب قاسي الرقاب ]، ونجد قصة الطوفان التي جعلت الله يقول: [ لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ] !!!
فالشر نجده حاضر في التاريخ الإنساني كله ومتعلق بكل مجتمع بشري وفي كل فرد من أفراد المجتمع مهما كان وضعه أو مقامه، فالخطية تنتشر مثل الخمير في العجين كله، وطبيعة فعلها المرّ هو تذوق ثمرها من حزن واكتآب يُمرر النفس ويجعل الإنسان في حالة موت عن الحياة، أي انفصال عن الله القائم فيه وعليه وجوده الحقيقي … وهذا نجده عملياً في الحزن المصاحب للخطية عند اقترافها أو تتميمها، الذي يصل لحد الكآبة الشديدة، والتي أن استمرت تفقد الإنسان الحس أو توصله لحالة اليأس الكامل المدمر للنفس، والبعض يصل أحياناً لحد الانتحار !!! ومن هنا ندرك أن الخطية خاطئة جداً وخطيرة جداً على حياة الإنسان الذي يعيش بها وفيها !!!

[رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهد القديم :

باختصار نستطيع أن نفهم المعنى الشامل للخطية ونستوعب خطورتها وشناعتها، عموماً في العهد القديم تأتي الخطية بعدة معاني هامة كما رأينا سابقاً وهي: ضلال، يضل [ كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه ] (إشعياء 53: 6)، إخفاق، يخسر نفسه، يُذنب، يتعدى الحدود، يغلط (عن جهل أو عن قصد )، وعموماً توصف الخطية بوجه عام كتحول عن الله وانتهاك العهد، والنتيجة الطبيعية للخطية هو الهروب من محضر الله كما فعل آدم وحواء حينما أخفوا أنفسهم لكي لا يراهم الله [ تك3: 9 ]، ونفس ذات الهروب يحدث لكل خاطي اليوم في هروبة من الصلاة والإنجيل والاجتماع الذي تنبني فيه حياته الروحية، ربما يذهب لاجتماعات أخرى سطحية ليس فيها بناء روحي سليم لنفسه، وذلك لكي يرضي ضميرة ويتحجج أمام الناس أنه مشغول، ويصنع ما عليه، وينخرط في الخدمة وأعمالها وشكلها ونظامها، مع أنه في الأصل بيهرب من الله والحياة الجادة معه في سر التقوى وحياة البرّ…

وبسبب الخطية تغرب الإنسان عن الله الذي هو الحياة واختطف لنفسه قضية الموت، لأن أجرة الخطية هي موت، فالموت ملازم حتمي للخطية وأثاره تظهر في كآبة الإنسان وحزنه بعد ارتكاب الخطية التي تُسيطر عليه وتقيده وتفسد طبيعته: [ الشرير تأخذه آثامه وبحبال خطيتة يُمسك ] (أمثال 5: 22)، والخطية تجعل الإنسان يدخل في حالة تيه وتغرب عن الله وعن نفسه، مثلما تاه شعب إسرائيل في البرية بسبب التمرد وعدم طاعة وصية الله وتخطيها [ لماذا لا تطيعون وصية الرب ] (عدد14: 41)، وقد صارت الخطية خطيرة للغاية لأنها تفصل بين الخطاة وبين الله [ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] (إشعياء 59: 2)، فالخطية باختصار هي عصيان وتمرد وكسر عهد، وإعلان خصومة…

عموماً نجد ونلاحظ في العهد القديم أنه بالرغم من أنه ركز بشدة على مشكلة الخطية وفظاعتها وإظهار عواقبها الوخيمة وعلى الأخص أنها تجلب الموت لفاعلها، وبالرغم من أنه لم يستطع أن يُقدم علاج فعال للخطية، ولكنه يضع روح الرجاء الحي بالتوبة وتقديم ذبيحة للتكفير عن الخطية والتي تظهر وعد الله بالخلاص عن طريق الذبيحة الكاملة التي بابنه الوحيد الجنس الواحد معه في الجوهر، لأن منذ أول يوم ارتكب فيه الإنسان المعصية ودخل في شرك الموت التي نصبه له إبليس بالخطية نجد أن الله يعطي الوعد [ نسل المرأة يسحق رأس الحية ]، كما سوف نرى كيف قدم المسيح الرب نفسه ذبيحة خطية عن حياة العالم …

[خامساً] الخطية في العهد الجديد :

يستخدم العهد الجديد الاستخدام السائد [ άμαρτάνω – hamartano ]، (قد تم شرح هذه الألفاظ والمعاني في أجزاء سابقة) وتصريف أفعالها في الترجمة السبعينية للعهد القديم كتعبير شامل عن كل شيء يُعارض الله، ويجد المفهوم الإنجيلي عن الخطية أشمل تعبيراته عند القديس بولس والقديس يوحنا، فقد وردت كلمة [ άμαρτία – hamartia ] حوالي 173 مرة، وكلمة [ άμαρτάνω – hamartano ] حوالي 42 مرة، وترد كلمة [ άμαρτημα – hamartema ] أربعة مرات فقط ويُشير إلى ارتكاب الفرد للخطية: [ اهربوا من الزنا كل خطية άμαρτημα يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده ] (1كورنثوس6: 18)، ويستخدم اللفظة أيضاً في سياق الغفران: [ الحق أقول لكم أن جميع الخطايا άμαρτηματα تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها ] (مرقس 3: 28)، [ الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية3: 25)، أو تظهر كصفة توضح أنه لا يوجد من ليس له خطية [ وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر ] (يوحنا8: 7)، عموماً نجد في العهد الجديد أن لفظة [ άμαρτωλός، – hamartolos ] التي تعني خاطئ، هي الصفة المعتاد استخدامها …

ومن الملاحظ أن هناك مزج ما بين لفظتين في العهد الجديد [ الجيل الفاسق والخاطئ ]، [ لأن من استحى بي و بكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين ] (مرقس8: 38)، وهذا يوضح أن الخطية هي رفض المسيح الرب ووصاياه وعدم الحياة بها والشهادة الحسنة بالتقوى لله الحي، لذلك فالخطية تفصل الإنسان فصلاً تاماً عن الله ويتم رفضه في اليوم الأخير، لذلك فأن التوبة أمر حتمي وضروري لينال الإنسان الغفران ويأخذ قوة الله وينال النعمة…

ونجد أن الرب يسوع تخطى المفهوم اليهودي للخطية ويوضح أبعادها ومشكلتها الحقيقية، لأنه أوضح أن الممارسات الشكلية ليس لها اعتباراً عند الله، بل الاعتبار عنده هو أن يحيا الإنسان بالوصية ما عدا ذلك فهو خطية واضحة [ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم ] (مت7: 21 – 23)، فواضح هنا أن التركيز على أن الخطية هي عدم عمل إرادة الله وهي الحياة بحسب وصاياه المُحيية وهي تُسمى حسب الكتاب المقدس : الطاعة ( أنظر شرح ذبيحة المحرقة )
وسوف نوضح المفهوم الشامل في العهد الجديد بعد أن نشرح ذبيحة الخطية والتي يقصد بها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا الغير متعمدة أو بسبب حالة نجاسة كما سوف نرى بالتفصيل …

[سادساً] خلاصة مفهوم الخطية من العهدين :

عموماً وباختصار شديد: الخطية هي أي موقف من مواقف عدم المبالاة (اللا مبالاة) أو عدم الإيمان والثقة في محبة الله، أو العصيان لإرادة الله المعلنة في الضمير أو الناموس أو في الإنجيل، سواء ظهر هذا الموقف في الفكر أو في القول أو في الفعل أو في الاتجاه، أو السلوك أو النية …
والخطية هي في الأساس قطع الصلة بالله ورفض مقاصد محبته من نحو خليقته، كما هي أيضاً علاقة خاطئة مع الآخرين أي ضد المحبة، وهي مقاومة الناموس الإلهي الذي أعطاه الله لخليقته، وانحراف لقوى الإنسان الشخصية مما يؤدي إلى الموت الروحي والأدبي …
وتعتبر الخطية قناعة طائشة بمستوى أخلاقي هابط من الانغماس في اللذات المنطوي في أعماقه على تأليه الذات دون اعتبار لله أو لأخيه الإنسان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى