علم

النسك والسجود والدموع فى حياة آباء البرية



النسك والسجود والدموع فى حياة آباء البرية

النسك
والسجود والدموع فى حياة آباء البرية

الأنبا
ياكوبوس

أسقف الزقازيق ومنيا القمح

الفهرس

مقدمة

الباب الأول: النسك

الفصل الأول: النسك فى التفسير
اللاهوتى.

الفصل الثانى: المفهوم الروحى
للنسك فى الانجيل.

الفصل الثالث: المفهوم الكنسى
لمعنى النسك فى الأرثوذكسية.

الفصل الرابع: اعمال النسك عند
الآباء وأقوالهم.

الفصل الخامس: سير بعض الآباء
النساك.

الباب الثانى: السجود

الفصل الأول: السجود فى الطقس
الكنسى.

الفصل الثانى: آقوال الآباء فى
السجود.

الفصل الثالث: السجود والمطانيات
فى حياة سير بعض الآباء.

الباب الثالث: الدموع

الفصل الأول: المفهوم الروحى
الآبائى للدموع.

الفصل الثانى: أقوال الأباء فى
الدموع.

الفصل الثالث: آباء البرية
والدموع.

 

مقدمة

الله القدوس، الكائن قبل الدهور والدائم الى
الأبد الساكن فى الأعالى والناظر الى المتواضعين، شاء فخلقنا بكلمة قدرته، وأوجدنا
لأعمال صالحة سبق أن أعدها لنا لنسلك فيها.

 ومن فائق محبته لنا تنازل وتجسد لأجل خلاصنا.
آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كانسان وضع ذاته وأطاع حتى
الموت موت الصليب.

 فدانا بدمه الذكى الثمين على الصليب ليعتقنا من
حكم الموت ويهبنا الخلاص، وغفران خطايانا معطياً إيانا نعمة البنوة، وميراث الحياة
الأبدية. ويحضرنا قديسين وبلا لوم قدامه فى المحبة… وضع لنا وصايا مقدسة تنير
أمامنا طريق التوبة والملكوت والحياة الأبدية مسطرة بوحى الروح القدس فى انجيله
المقدس. وقال رب المجد فى انجيله المقدس:

 ” الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة.
” (يو6: 63).

كلمة الله الحية والفعالة والتى هى أمضى من كل
سيف ذى حدين ألهبت قلوب الآباء فاشتعلت بنار الحب الالهى فلم يطيقوا السكنى وسط
ضجيج العالم. وإغراءاته وسرابه الخادع فانطلقوا الى البرية ليعيشوا فى حياة
الوحدة، والسكون والتأمل. انحلوا عن الكل ليرتبطوا بالواحد. هذه الحياة التى تجسد
الوصية واقعاً عملياً. عاشوا انجيلاً مقرؤاً وبشارة حية تبين قوة النعمة المعطاة
لكسب الجهاد ضد الشر، وتوضح قيمة الخلاص المجانى لانسان يحفظ الوصايا ويستميت فى
تنفيذها. وتجسيد الحياة الانجيلية المعاشة فى الواقع العملى من حيث الفقر
الاختيارى، والنسك، والصوم والصلاة والدموع والسهر والتسبيح.

 تشبهوا بالملائكة بمشاركتهم فى التسبيح
الروحانى. والسهر والاستعداد بمصابيح مضيئة مليئة بالزيت استعداداً لملاقاة العريس
السمائى فى مجيئه الثانى المملوء مجداً. وفى نسكهم ليس إذلال للجسد، أو قمع
للشهوات الجسدية فقط، وإنما ارتقاء بالطبيعة البشرية، فتتحد الارادة البشرية
بالمشيئة الإلهية، وتعضيد النعمة ومؤازرتها للجهاد النسكى، لأن الجهاد النسكى بدون
عمل النعمة، يفقد هدفه الروحى والالهى. الذى هو الحياة الأبدية.

 وإذا سعى الأب الراهب، أو الشيخ فى حياته
النسكية معتمداً على العمل الجسدى لتتزكى الذات ويسعى نحو التأله والكرامة والمديح
والتمجيد من الناس، ينهار عمله وجهاده النسكى أمام الله، ويبدأ فى الانزلاق
والسقوط الذى نهايته الهلاك. ولكن الآباء الرهبان فى افرازهم والحكمة الموهوبة لهم
من الله وتحت ارشاد الآباء الشيوخ الروحيين وفى طاعة كاملة يسعون فى جهادهم فى
انسحاق واتضاع كاملين وفى عمل خفى وفق وصايا الانجيل. وقول الرب ” وأبوك
الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية ” (مت6: 6).
ولا يتوقف
عمل الآباء عند حد الصوم، أو التجرد أوالعوز والمسكنة وعدم القنية فقط. بل صار لهم
السجود ملازماً للنسك تشبهاً بالشاروبيم الذين يقدمون السجود الدائم لله. وفى
سجودهم عبادة نقية كاملة ملازمة للتسبيح، الذى هو عمل السيرافيم

 وفى ميطانيات كقانون يومى مع تلاوة المزامير من
أعماق قلوبهم. ليقتنوا الانسحاق. وعمل المطانيات هى توبة يومية يحياها الراهب
ليطرق بها على باب الملكوت، فيفتح له الرب وينال الرحمة والغفران.

 والآباء لم يكتفوا بالنسك والسجود، بل اقتنوا
الدموع، فيسكبون دموعهم أثناء صلواتهم، لا عن حزن أو يأس بل دموع هى ذبيحة شكر.
وتعبير عن الحب الالهى الذى غمر قلوبهم وأيضاً دموع توبة يغسلوا بها قدمى الرب مثل
المرأة الخاطئة التى بللت قدمى المخلص بدموعها. فنالت الخلاص، وغفران خطاياها
لأنها أحبت كثيراً فغفرت خطاياها الكثيرة.

 هذه الحياة التى عاشها آباء البرية ترسم لنا
صورة حقيقية لأناس عاشوا الانجيل كواقع حى ملموس. فصاروا بذلك علامة بارزة على
الطريق ومثال يُقتدى به فى الحياة الروحية.

 اننا نشتم عبيق هذه الحياة عبر الاجيال وستظل
حياة آباء البرية مضيئة بحروف من نور فى تاريخ الرهبنة وعلامة بارزة فى تاريخ
الكنيسة.

 آباء البرية اظهروا لنا بخبرتهم المملوءة حكمة
وحياتهم الملائكية وعبادتهم الروحية القوية، أن وصايا الانجيل ليست ثقيلة، بل هى
نير هين وحمل خفيف كما قال الرب فى انجيله المقدس: ” احملوا نيرى عليكم
وتعلموا منى. لأنى وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيرى هين وحملى
خفيف ” (مت11: 29، 30)

 ان وصايا الرب تمارس بالحب، وبعمل النعمة التى
تؤازر الجهاد، وأن الحياة النسكية بمختلف أوجهها سواء فى الصوم، الصلاة والتسبيح
أو التجرد والفقر الاختيارى والتقشف، وبغض العالم والمسكنة والاتضاع والسهر
والتسبيح، والدموع المسكوبة، واحتمال اهانات الآخرين بشكر. وقبول الآلام بفرح
واحتمال التجارب دون تزمر.

 كل هذا يعتبر ذبائح مقدمة للرب يشتمها الرب
رائحة رضى.

 ان حياة الآباء النساك هى حياة ملائكية ترفعنا
الى السماء وتقربنا من الأبدية، لكى نشتاق الى هذه الحياة. لكى نحيا فى هذا العالم
الملكوت على الأرض، اذا صار قبولنا للعمل النسكى الآبائى بحب وفرح كاملين، طالبين
معونة الرب وعمل نعمته فى جهادنا.

ويتقدس هذا العمل بالروح القدس الذى يظل يرافقنا
فى رحلة جهادنا يعطينا المعونة فى التجربة والضيق، ويهبنا السلام القلبى العميق
وقت الشدة. والفرح بالرب فى كل حين، الى أن نستوطن عند الرب لنحيا فى ملكوت
السموات.

 بين يديك أيها القارئ العزيز: كتاب “النسك
والسجود والدموع فى حياة آباء البرية”.

الرب القادرعلى كل شئ يجعل هذا الكتاب سبب بركة
لحياة الكثيرين لكى يسيروا على طريق الآباء فى حياتهم النسكية وفق وصايا الانجيل،
لكى يحيوا الملكوت على الأرض ويتأهلوا للحياة الأبدية.

 بشفاعة والدة الإله القديسة مريم، وكافة
الملائكة وسائر الشهداء الأبرار، والقديسون الذين عاشوا حياة النسك والسهر
والتسبيح.

وبصلوات صاحب القداسة: البابا شنودة الثالث

بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية
وافريقيا والخمس المدن الغربية وسائر بلاد المهجر.

لإلهنا كل مجد واكرام وسجود فى كنيسته المقدسة

آمين.

مايو 2003 ميلادية

بنعمة الرب

الأنبا ياكوبوس

اسقف الزقازيق ومنيا القمح

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى