علم المسيح

الميلاد العذراوي



الميلاد العذراوي

الميلاد
العذراوي

في
الفصول الأولى من الإنجيل بحسب متى ولوقا ترد بيانات مفصّلة عن ولادة يسوع المسيح
من العذراء مريم. وهي توضح لنا كيف أن الإله الرحيم المحب يتدخَّل لأجل خلاص شعبه
تحقيقاً لمواعيده وتتميماً لنبوّات وحيه الطاهر. أما التدخل الإلهي الخلاصي فقد حمل
طابعاً معجزياً. ولم يكن حدوث المعجزات التي ارتبطت بمجيء المسيح إلى عالم البشر
(بما فيها ميلاده العذراوي) لمجرد سدّ حاجات فردية مختلفة ومتشعّبة، ولم يكن مجرد
أحداث متفرِّقة، بل كانت المعجزات كلها مرتبطة معاً ضمن نطاق تتميم المخطط الإلهي
للفداء، والسيد المسيح هو مركزه.

 

لم
تكن المعجزات المدوَّنة في الوحي الإلهي – سواء كانت في العهد القديم أو الجديد من
الكتاب المقدس (خاصة تلك التي تختص بتجسّد المسيح وقيامته من الموت) – لم تكن من
صنع ظروف تاريخية أو اجتماعية عارضة، لأننا لو وضعنا نصب أعيننا أن المسيح شخصية غير
اعتيادية، فإنه يسهل علينا إدراك ضرورة ارتباط تاريخية دخوله وخروجه من عالم البشر
بمظاهر تاريخية معجزية غير اعتيادية. لذلك، ونحن نتعرّض لموضوع ولادته المعجزية من
عذراء، لا بد لنا أن نضع في اعتبارنا الظروف الإجتماعية والتاريخية التي رافقت
عملية مجيئه إلى عالم البشر. في لوقا 1: 26 – 38، يسجل لنا الوحي الإلهي أن يوسف
خطيب مريم كان نجاراً ذا وضع اجتماعي متواضع. واختار اللّه أن يكون حبل مريم
بالمخلّص معجزياً بواسطة الروح القدس، وأعلنت بشارة الملاك لمريم أن المسيا
المولود منها سيكون له عرش داود بالذات. سمع يوسف عن الأمر وقرر حل خطبته من مريم
بهدوء، دون أن يسيء إلى سمعتها. لكن ملاك الرب منعه حتى من تنفيذ الأمر بمثل هذا
اللطف، وعرّفه ببراءة مريم وبضرورة عدم تخليه عنها، وأن المولود منها سيكون من
الجهة القانونية ابناً له، مع أنّه لم يكن له به أي علاقة جسدية. تقبل يوسف مشيئة
اللّه بإيمان، وحلّت الطمأنينة في قلبه، وزال الإنزعاج. وهكذا تأمَّن مولد المسيا
من عذراء، في الوقت الذي كانت له عبر يوسف تغطية أبوية قانونية، مثل باقي أقرانه.

 

ينسجم
سجلّ ولادة المسيح هذا مع مكانته العظيمة ورسالته العظيمة ورسالته السامية بين
البشر. لقد كان مولده ضمن العائلة الروحية والجسدية لشعب اللّه، وخاصة في المحيط
الذي تمسّك بتعاليم التوراة والأنبياء. جاء متواضعاً، ومن نسل داود الذي كان مثال
العظمة الدينية والروحية والملكية بين اليهود. لكن أسلوب مجيئه المعجزي هذا يعكس
أمراً هاماً للغاية. فمن جهة كان يجب أن يكون إلهاً حقّاً، وهذا تمّ عبر أسلوب حبل
أمّه به. ومن جهة أخرى كان من المفروض أن يتمتع بطبيعة بشرية حقيقية، وهذا تمّ
بولادته من امرأة كما هو الحال مع باقي البشر. لعل تلك الحقيقة المزدوجة هي جوهر
ولبّ عملية التجسّد نفسها. فلو أنّ المسيح جاء بدون أحد هذين العنصرين، الإلهي
والإِنساني، لما انطبقت عليه أوصاف المسيا المنتظر، ولما تمّت النبوّات التي أشارت
إلى مجيئه من عذراء (راجع نبوة إشعياء 7: 14) كما أشارت إلى وجوده الأزلي السابق،
وإلى كونه الرب الآتي للبشر بالذات (راجع نبوة إشعياء 9: 6 – 7 ونبوة ميخا 5: 1 –
4). ثم أنه لو لم يتوفر فيه هذان العنصران، الإلهي والبشري، لما كان صالحاً لأن
يكون فادي البشر والوسيط بينهم وبين اللّه. أما وأن ملامح كل من ألوهيته وبشريته
قد تجلّت في ولادته العذراوية، واستمرت في الوضوح عبر حياته الأرضية وحتى قيامته
من الأموات بعد صَلْبه، فإنه لم يعُدْ هناك مجال للشك في كونه هو ابن العذراء،
الإله المتجسد، الذي توقَّعت قدومه أجيال المؤمنين.

 

لكن
أهمّ جوانب ولادة المسيح العذراوية هو الجانب التاريخي لها. لم تكن الولادة
العذراوية مجرد ادّعاء تمسكت به مريم أو أقاربها للتأكُّد من تطبيق نبوّات
الأنبياء عن الوليد المنتظر، أو لستر فضيحة صدمت العائلة. صحيح أن مريم كانت أول
من عرف بالأمر، لكن معرفتها جاءت قبل إتمامه. لقد أخبرها الملاك بمشيئة اللّه
الطاهرة لها قبل أن يتم شيء. ثم أن اللّه كشف عن تلك الحقيقة ليوسف خطيبها،
وللرعاة في البرية، وحكماء المشرق الذين ساروا وراء النجم غير المعتاد الذي دلّهم
على مكان ولادة الصبي. أمّا أليصابات أمّ يوحنا المعمدان فقد أوحى لها اللّه بتلك
الحقيقة وهي في شهرها السادس من الحمل، ولم يتبقَّ على ولادة ابنها سوى ثلاثة
أشهر، إذ أنه بمجرد لقاء مريم شعرت بتحرُّك غير طبيعي للجنين الذي تحمله، وقد
تفهّمت فوراً، بإرشاد إلهي، أن مريم هي العذراء الموعودة التي كانت ستحمل الملك
المنتظر الذي يأتي ابنها ليجهّز الطريق لمجيئه. (راجع الإنجيل حسب لوقا 1: 23 –
55).

 

لا
يخفى على بال أحد أن ولادة يوحنا المعمدان نفسه وحبل أمّه به لم تكن خالية من عنصر
تدخُّل المشيئة الإلهية المعجزي، لكن مع أن حبل أليصابات بابنها يوحنا جاء في مثل
هذا العمر المتأخر، بتدخُّل إلهي لإصلاح عقمها هي وزوجها، فقد كان مولد يوحنا
طبيعياً واعتيادياً، وليس بطريقة معجزية غير معتادة، كما هو الحال مع المسيح.
(راجع لوقا 1: 5 – 23) أمّا عنصر عدم التشابه الجوهري بين مولد يوحنا المعمدان
ومولد المسيح، فقد ارتكز في ولادة المسيح العذراوية. فمع تدخّل الإرادة والقوة
البشرية في عملية مجيء يوحنا المعمدان إلى العالم، بقي مجيئه إلى عالم الأحياء نتيجة
حبل طبيعي، اشترك فيه زكريا وأليصابات. أما ولادة يسوع فجاءت نتيجة لحبل معجزي من
عمل اللّه المباشر لم يكن لرجل أي دور فيه على الإطلاق. فيما عدا ذلك الأمر فإن
المسيح، كيوحنا وغيره من البشر، حملته أمه في بطنها تسعة أشهر، كما وأن عملية
خروجه من بطن أمّه جاءت على نحو طبيعي معتاد. من هنا جاء تركيز المشيئة الإلهية في
توضيح فرادة مجيء المسيح إلى عالم البشر على ولادته العذراوية بالذات، وذلك
تشديداً، ليس على انفراده بالدور الخلاصي الذي جاء لتنفيذه فحسب، بل أيضاً
لتمتُّعه بطبيعتيه الإلهية والبشرية. صحيح أنه كان في استطاعة اللّه أن يأتي إلى
عالم البشر بأسلوب مختلف، لو كانت تلك مشيئته. لكن اختياره لوسيلة الولادة من
عذراء حقق ما أراده هو بأسلوب واضح وملفت لانتباه البشر.

 

وقد
دلَّ ميلاد المسيح من العذراء مريم على أمرين هامين بالنسبة لهويته. أولاً: إن
طبيعته الإلهية لم يكن لها أم، وثانياً: إن طبيعته البشرية لم يكن لها أب. ابن
الإِنسان لم يكن ابن أي إنسان. ثم أن هذين الأمرين فصلا المسيح عن الطبيعة الساقطة
الموروثة عن آدم التي أصابت باقي البشر. فلولا ميلاده العذراوي لما صَلُح لتنفيذ
عملية الخلاص كإنسان، لأنه بدون ذلك يكون قد وُلد في الخطية كباقي البشر. ولولا
ميلاده العذراوي ما كان قد حمل تلك الهوية والطبيعة الإلهية غير المحدودة، التي هي
وحدها تخوّله حمْل خطايا عدد لا يُحصى من البشر الهالكين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى