علم الكتاب المقدس

المقدسات المسيحية فى القدس



المقدسات المسيحية فى القدس

المقدسات
المسيحية فى القدس

المقدسات المسيحية التي يحج إليها المؤمنون في الضفة الشرقية لنهر
الأردن

The
sanctuaries Visited by the Pilgrims on the East BANK OF JORDAN

المقدمة: طريق الحج إلى بلاد العرب

Introduction:
The Pilgrimage road in
Arabia

كانت أرض عبر النهر بالنسبة للمسيحيين الموجودين في المنطقة،
وللقادمين من أماكن بعيدة، تمثّل المكان المثالي لأحياء المراحل والحقب المختلفة
في الكتاب المقدس من خلال الصلوات والتأمل. وبالأخص تلك المراحل التي تتحدث عن
الآباء: إبراهيم ولوط واسحق ويعقوب والأنبياء، بٍدأًَ بموسى. ولأن الحجاج اعتبروا
أنفسهم ورثة الإيمان، كانوا يطوفون في انحاء هذه الصحراء.

 

المخطوط الأكثر أهمية بالنسبة للحجاج المسيحيين في بلاد العرب هو
الذي كتبته الحاجة ايجيريا، التي قدمت البلاد حاجة من الغرب في النصف الثاني من
القرن الرابع للميلاد، لزيارة الأماكن المقدسة المذكورة في الكتاب المقدس في كل من
فلسطين ومصر وشبه صحراء سيناء. وقد أرادت هذه الحاجة التقية الورعة إكمال رحلتها
بزيارة قبر النبي موسى في بلاد العرب في جبل نيبو (الصياغة).

 

وومع الانحدار إلى أريحا، فأخدود البحر الميت، يقطع الحجاج نهر
الأردن متجهين إلى ليفياس (
Livias) سالكين الطريق الذي يربط ليفياس باسبوس (Esbus)، بقيادة أحد الرهبان المحليين.

 

قرّرت ايجيريا أن تصعد السهل كي تصل إلى جبل نيبو. وفي الٍميل السادس
إقترح عليهم الراهب أن يتحوّلوا إلى طريق آخر ليتمكّنوا من زيارة عيون موسى
الموجودة في الوادي إلى الشمال من جبل نيبو.

 

عرف يوسيبوس القيصري(Eusebius of Caesarea) هذا الطريق وقد ذكره في معجمه (Onomasticon) كمرجع للتعريف بأسماء المواقع الجغرافية المذكورة في الكتاب
المقدس، خصوصاً تلك التي بين الميل السادس والسابع. كما سلك بطرس الأبييري نفس
الطريق في القرن الخامس، وكذلك الكثير من الحجاج في القرون اللاحقة.

 

يبدأ الحجاج المسيحيون زيارتهم لضفة النهر التي شهدت عماد السيد
المسيح وآخر مراحل سفر الخروج حيث عبرت القبائل الإسرائيلية نهر الأردن إلى ارض
الميعاد. ويوجد في النهر عامود رفع عليه صليب يبيّن المكان الفعلي لعماد المسيح.

 

شيّد الإمبراطور أناستاسيوس في النصف الثاني من القرن الخامس كنيسة
لذكرى هذا الحدث الجلل، ويصل الحجاج سيراً الأقدام إلى النهر المقدس ويسبَحون فيه
تعبيراً عن إيمانهم ويأخذون من مائه في قوارير كذكرى مقدسة.

 

وبالقرب من كنيسة القديس يوحنا وباتجاه الشرق تنفتح الطريق نحو وادي
طوله من اثنين إلى ثلاث كيلومترات، ما بين الهضاب الكلسية والمنخفضة نسبياً.
وبالقرب من الينابيع التي تمنح بمياهها الحياة لهذا الوادي، يصعد الحجاج إلى دير
سفسافس
Laura of
Saphsaphas
حيث يزور
الحجاج مغارة القديس يوحنا المعمدان ويتذكرون بيت عنيا(بيثيني) عبر النهر حيث قدم
يسوع لمقابلة المعمدان.

 

وبالرجوع إلى الطريق يصل الحجاج إلى ليفاس وهي واحدة من أبرشيات
فلسطين، وذلك لوجود كرسي أسقفي فيها. وفي هذا المكان كانوا يقرأون من الكتاب
المقدس سفر تثنية الاشتراع الذي تُذكر فيه الرحلة إلى موآب من أسفل حبل نيبو مقابل
أريحا.

 

هنا يبدأ الجزء الصعب من الطريق حيث عليهم التسلق بجهد إلى الأعلى
للوصول إلى حجر الميل السادس والذي كان لا بد من الوصول إليه حيث يستطيع المرء من
هناك التحوّل تجاه الجنوب، حيث أن لهذه التحويلة في الطريق منفعة مضاعفة: أولاً
تقصير مسافة الرحلة، وثانياً فتح المجال لزيارة عيون موسى في الوادي في الجزء
الشمالي، للنصب التذكاري، فقد كتبت ايجيريا. ” الآن علينا أن نسرع للوصول إلى
غايتنا في جبل نيبو، وفيما نحن في الطريق التقينا راهباً من السكان المحليين من
ليفايس وقد طلبنا منه مرافقتنا لمعرفته الجيدة بالأماكن والطرق. وقد قال لنا: ”
إذا أردتم أن تروا الماء الذي يتدفق من الصخر والذي أعطاه موسى لأبناء إسرائيل
عندما كانوا عطشى، عليكم أن تتحملوا مشقة تغيير الطرق عند حجر الميل السادس، عند
هذه المرحلة كنا متشوقين للذهاب وتحولنا عن الطريق في الحال وقد كان معنا الراهب
المحلي كمرشد لنا.”

 

تعطلت طريق الحجاج التي تؤدي إلى بلاد العرب ونهر الأردن نتيجة
للصراع العربي- الإسرائيلي بعد عام 1967، حيث أصبحت منطقة حدود عسكرية يُمنع
دخولها، ولكن روح المصالحة أخذت بالانتشار في المنطقة، ثم بحلول قرب الاحتفالات
ببدء الألفية الثالثة للميلاد، ازداد الإحساس بضرورة تنشيط عملية توحيد ضفتي النهر
أمام الحجاج من كلا الطرفين وبالتالي توفير رحلة حج آمنة لهم.

 

وفي الوقت الحاضر العمل جار على إعادة فتح الأماكن المقدسة في الضفة
الشرقية للنهر حيث أن هذا الموضوع أُهمل لفترة طويلة، وذلك بسبب أحداث الحرب،
واختارت الحكومة الأردنية نهر الأردن بمقدساته كرمز لمشاركة الأردنيين في
الاحتفالات بالألفية الثالثة: الأردن: الأرض ونهر المعمودية، هذا ما جاء في مرسوم
الاحتفالات الخاص بالأردن.

وفي المرسوم الصادر عن جلالة الملك الحسين في العاشر من أيلول عام
1997 تم تأسيس اللجنة الملكية من أجل تطوير منطقة معمودية المسيح عليه السلام في
وادي الأردن، وقد تشكلت اللجنة بأشراف الأمير الحسن بن طلال وعضوية عشرة أعضاء.
وربط عمل اللجنة مع الأمير غازي بن محمد (ابن أخ الملك حسين) الذي يرأس مكتب
المحافظة على الموروث الديني للمملكة، وبالتعاون أيضاً مع الوزراء المعنيين: وزير
الأوقاف، وزير السياحة، وزير المياة المسئول عن منطقة وادي الأردن ورئيس هيئة
الأركان المسلحة الأردنية ومندوب عن البطريركية الأرثوذكسية في القدس وممثل عن
حراسة الأراضي المقدسة الفرنسيسكانية بصفتهم المبادرين إلى المشروع.

 

اجتمعت اللجنة لأول مرة في الحادي عشر من تشرين الثاني عام 1997 في
جو مريح من أجل وضع الاقتراحات، وعقد الاجتماع في خيمة نُصبت لهذا الغرض في الضفة
الشرقية لنهر الأردن من أجل إقرار أقصر الطرق لتحقيق تطوير المنطقة تحت مظلة
الاهتمام المشترك للديانات الثلاثة في هذه المنطقة المقدسة لما لها من ذكريات
إيمانية مشتركة.

 

الأحداث الإنجيلية الخاصة بأماكن الحج في منطقة نهر الأردن

 Biblical
events at the origin of the pilgrimage of the
Jordan River

 

ترتبط رحلات الحج المسيحية بشكل كبير بالكتاب المقدس. وقام الحجاج
المسيحيون برحلاتهم من اجل إعادة إحياء الذكريات الإيمانية التي يقرأونها في العهد
القديم والجديد. ومن أهم المراجع التعليمية لهذا الموضوع أوريجين
Origen (القرن الثالث). فقد كتب بإخلاص صفحات عديدة مخصصة للمقدسات في
منطقة نهرالأردن، مما أعطى هذه المنطقة قيمة في رحلات الحج، أسوة بأماكن أخرى.
ومما كتبه: ” انه زار مناطق متتبعاً آثار المسيح وتلاميذه والأنبياء”.

 

ونقرأ بالاهتمام نفسه كتابات الحاجة إيجيريا حيث اعتمدت على الكتاب
المقدس في ترحالها في جميع مناطق الشرق الأوسط على خطى أبناء الله والأحداث الإنجيلية.
الأحداث الإنجيلية الخاصة بحياة السيد المسيح العلنية التي ابتدأت بدعوة يوحنا
المعمدان للتوبة في منطقة نهر الأردن حيث قدم إليه الناس من القدس واليهودية وجميع
أقاليم الأردن، وحيث قام بتعميدهم بعد الاعتراف بخطاياهم، وقد ذكر الانجيليون هذا
الأمر بوضوح في العهد الجديد (متى 3: 1-6/ مرقس1: 4-5/ لوقا3: 2-3): ” وقد
قدم يسوع أيضاً من الناصرة عبر الجليل من اجل أن يعتمد في نهر الأردن على يد
يوحنا” (مرقس 1: 9-12).

 

أما في إنجيل يوحنا فقد تم ذكر موقعين في نهر الأردن حيث تواجد فيهما
المسيح والمعمدان من أجل التبشير والمعمودية: أولاً بيت عنيا (بيثني) عبر
النهر(يوحنا 1: 28) والثاني آنون
AINON قرب ساليم الواقعة على الضفة الغربية من النهر قرب أراضي بيسان
(يوحنا 3: 22-23)
Onomasticon
40, 1
.

وعندما كان يوحنا المعمدان في بيت عنيا (بيثني) عبر نهر الأردن أرسل
له وفد من القدس من قبل زعماء اليهود ليسألوه إذا كان المسيح أو إيليا النبي
الموعود، وقد كان هذا الوقت الذي تحدث فيه يوحنا عن المسيح كحمل الله أمام الجمهور
وأمام تلاميذه، وقد اصبح اثنان منهم تلاميذ ليسوع نفسه، وأحدهم أندراوس والذي سماه
يسوع بدوره بطرس (الصخرة) (يوحنا 1).

 

وجود يسوع في بيثني (بيت عنيا) عبر النهر أيضاً أشير له خلال النقاش
الذي قام بين تلاميذ يوحنا المعمدان الذي كان يعمد في آنون وبعض اليهود حيث كتب
يوحنا الإنجيلي” وهكذا كتبوا إلى يوحنا وقالوا له: يا معلم هوذا الذي كان معك
في عبر الأردن الذي أنت قد شهدت له هو يعمد والجميع يأتون إليه (يوحنا 3: 26).
ويخبرنا الإنجيلي أن يسوع أقفل عائداً إلى عبر الأردن لتجنب خطر الاعتقال نتيجة
زيارته للقدس: ” ومضى أيضاً إلى عبر الأردن إلى المكان الذي كان يوحنا يعمد
فيه أولاً ومكث هناك.. فآمن كثيرون به هناك”. (يوحنا 10: 40-42).

 

المعلومات القليلة ولكن المثبته من القرون الأولى للمسيحية والتي
تسمح لنا بتأكيد الحماس الجغرافي والطبوغرافي الذي أظهره الإنجيليون عند سرد الحقب
المختلفة لحياة المسيح، والتي شاركتهم فيه أيضاً الجماعات المسيحية الأولى في
الأراضي المقدسة، فقد ثمنوا هذه الذكريات وأطلعوا عليها إخوانهم في الإيمان
والقادمين من أماكن بعيدة. ومن خلال هذه الرؤيا فإن شهادة
Melton مطران سرديسSardis في القرن الثاني للميلاد لها أهمية كبيرة،ففي رسالة حفظت عند
يوسيبيوس القيصري كتب: ” عندما توجهت إلى الشرق، ورأيت الأماكن المذكورة في
الكتاب المقدس، أصبح كل شيء ذا معنى أوضح.”
Historia Ecclesiastica IV.26.14 وأيضاً يوسيبس يستشهد بالإسكندر مطران
كابودوسيا، ولاحقاً مطران القدس في القرن الثاني حيث قال: ” إبتدأ الرحلة من
كابودوسيا إلى القدس من أجل زيارة الأماكن المقدسة والصلاة فيها” (
Historia Ecclesiastica IV.11.2) وفي القرن الثالث ابتدأ الاهتمام بالأماكن
المقدسة على أساس علمي حيث قدم إلى الأراضي المقدسة أوريجين، وهو من أشهر الدارسين،
ومكث فيها يرأس مدرسة القيصرية، وكان ينوي دراسة ومتابعة خطى المسيح والأنبياء كما
ذكر هو بنفسه
Commentarium
of Joannem 1.28
..

 

بالإضافة إلى ما ذكر فإن عمل يوسيبوس القيصري يجب النظراليه كشهادة
لاستمرارية ودقة وثبات الأبحاث الجغرافية الخاصة يالكتاب المقدس، كما كتب في
القاموس الخاص (
Onomasticon) بالمواقع الإنجيلية قبل النصر القسطنطيني،
وبالتالي فإن الباحثين الأكاديميين والمؤمنين وكتاباتهم كانت على اتفاق حول رغبة
الجماعات الفلسطينية في حفظ الموروث الإيماني، بُغية إطلاع إخوانهم المؤمنين عليها،
القادمين من بعيد.

 

ومن هذا المنظور فإن المصطلحات المستخدمة من قبل المؤلف كانت محددة
ومعرفة، ومن هنا فإن المصطلحات المستخدمة للدلالة على المواقع جيرجيسا(
Gergesa) على بحيرة الجليل (وآنون في السامرة وفورد(Ford) والموضع الذي يمكن الخوض فيه في بيثابرا عند نهر الأردن وبئر
يعقوب في شكيم (نابلس)(
Sichem)، وفي القدس بركة بيت ايسدا(Bethesda) والجلجثة والجسمانية وحقل داما(hakeldama) وبيثني وقبر العازر. وفي زمن الإمبراطور قسطنطين حيث لا يمكن
نسيان العمل الدؤوب الذي قامت به هيلانه والدته تجاه الأرض المقدسة حيث يقدم
يوسيبيوس هذه السيدة المهيبة كحاجة ويقول: ترجمة للأيمان والعبادة في الأماكن التي
توجد فيها خطوات السيد المسيح مخلصنا (انسجاماً مع ما ذكره الأنبياء)” دعونا
نسجد في الأماكن التي وضع فيها أقدامه” وقد أرادت على الفور أن تترك ثمار
إيمانها وتمسكها بالدين المسيحي للأجيال القادمة فقد عملت على بناء كنيستي القيامة
والمهد(
Vita
Costantini III,41-43
).

 

ورغماً الإخلاص والاهتمام الذي أبداه المسيحيون الأوائل بالحفاظ على
الذكريات الخاصة بالمواقع المقدسة يجب أن لا نغفل عن إمكانية وجود بعض الشكوك
المبرره بخصوص الدقة التاريخية الخاصة بالمواقع والأحداث الإنجيلية.

 

ومن المؤكد أنه من الصعب تتبع الحجاج عندما يذكرون ذاك الموقع على
ضفاف النهر حيث وقعت بعض الأحداث في العهد القديم. وفي مثل هذه الحالة فأن الكثير
من مناحي الدقة الجغرافية بالنسبة لتحديد الموقع قابل للنقاش في ضوء حقيقة أن النص
الكتابي غامض وغير واضح بالنسبة للمواقع الني تُروى حولها الأحداث. ولكن الشيء
الواضح والذي يتمسك به فيما يتعلق بهذا الموضوع هو الإيمان الذي يرى وحده العهدين
كرسالة واحدة من أجل الخلاص.

 

وبالنسبة للحجاج المسيحيين فإن إحياء ذكرى معمودية المسيح وجميع
الأحداث المتعلقة بنهر الأردن، هو إعادة للتأمل والعبادة من خلال مواكبة الحقب
المختلفة لقصة الخلاص والتي حدثت في الأراضي المقدسة.

 

أما عبور الأردن من قبل القبائل المذكورة في الكتاب المقدس القادمة
من الصحراء والتي نصبت خيامها في سهول مؤاب مقابل أريحا في أسفل جبل نيبو (عدد 22:
1) فإن النص الكتابي لا يوضح الموقع بالضبط ولكنه يذكر فقط: ” عندما تأتون
إلى ضفة مياه الأردن تقفون في الأردن (النهر)”(يشوع 3: 8)، والذي كان في ذلك
الوقت في حالة فيضان”. والأردن ممتلئ إلى شطوطه كل أيام الحصاد”(يشوع 3:
15) ولكن بعد العبور يبدأ النص يتحدث عن سهول أريحا (يشوع 4: 13، 5: 10) وعن جلجال
في تُخُم أريحا الشرقي حيث أقام الشعب خيامه (يشوع 4: 19) وبنفس الغموض الطبوغرافي
فإن هذه المنطقة تعتبر المرجع للأحداث التي وقعت على ضفة نهر الأردن مقابل أريحا
والتي تتحدث عن ايليا النبي واليشع حيث كتب” ووقف كلاهما في اليبس”(ملوك
الثاني 2: 7-8) وفي الضفة الأخرى وكما يذكر الراوي” وفيما هما يسيران
ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار فصلت بينهما فصعد ايليا في العاصفة إلى
السماء ورفع رداء ايليا الذي سقط عنه ورجع ووقف على شاطئ الأردن”. الذي عبره
بنفس الطريقة التي عبرها فيه معلمه (ملوك الثاني 2: 11) وبالرجوع إلى ما كتبه
الحجاج فإن ذكرى إحياء صعود ايليا إلى السماء كانت تقام أما على ضفاف النهر أو
بالقرب من العيون في داخل الوادي بالقرب من دير سفسافس.

 

وبدءأً من إيجيريا كان الحجاج يشاهدون موقع المذبح الذي أقامته
القبائل التي عبرت الأردن على ضفة النهر، وهو بنو راؤبين وبنو جاد ونصف سبط منسى
(يشوع 22: 10). وبالرغم من التحفظات المذكورة سابقاً والاحتدام الشديد للمواقع
الجغرافية الخاصة بالعهد القديم فإن هذا يعتبر من التذكارات الكتابية البسيطه
المرتبطه بزيارة النهر من منظور رحلة الحج المسيحي التاريخي والجغرافي والإيماني.

 

الكتابات الخاصة بضفاف نهر الأردن

The
Memories on the bank of the river
Jordan

 

كانت كتابات الحجاج المرشد المعتمد في كثير من الأوقات في البحث عن
النصب التذكارية والأماكن المقدسة في وادي الأردن المذكورة في الإنجيل. وبالرجوع
إلى كتابات إيجيريا (نهاية القرن الرابع) نجد أنفسنا مجبرين على التأكيد أن
الشهادات الأولى لرحلات الحج المسيحية لنهر الأردن أعطت الأسبقية لأحداث العهد
القديم على معمودية المسيح.

ففي الوصول إلى النهر تقول الحاجة: ” وصلنا إلى الموقع على
النهر حيث عبر أبناء إسرائيل بنى بنو راؤبين وبنو جاد ونصف بني منسى المذبح”.
ثم من النهر، وبدون أي ذكر لبيثيني ذهبت مباشرة إلى ليفايس التي ذُكرت في حدث آخر
في أسفار الكتاب المقدس (سفر الخروج)”: وعند عبور النهر وصلنا إلى ليفايس
والتي تقع في السهول حيث نصب أبناء إسرائيل خيامهم”.

 

وفي الحقيقة يُعتبر صمت ايجيريا تجاه المواقع غريباً وغير مبرر لأنه
توجد لدينا شهادات أخرى مهمة تتعلق بذكرى معمودية المسيح والنصب التذكارية
المتعلقة بهذا الموضوع الموجوده على ضفاف النهر قبل وخلال زيارتها إلى المنطقة.

 

ومن الكتابات والشهادات الخاصة بهذا الموضوع، أولاً: تلك الخاصة
باوريجين
Origen والتي ترجع إلى منتصف القرن الثالث والتي
يتحدث فيها عن الأماكن في موقع العبور (بيثابرا) وموضع معمودية المسيح. والباحث
هنا يفضل استخدام بيثابرا
betabara بدلاً من بيثيني والتي كانت مجهولة بالنسبة له ولتلاميذة حيث قال:
” لا يمكن أن نتجاهل الحقيقة بأن جميع هذه الأحداث الإنجيلية حدثت في بثنيي
وهذا على ما يبدو هو ما حدث في القديم حتى أن هيراكيولين
HERACLION يذكر بيثيني. وقد كنّا في هذه المناطق قد اقتفينا آثار السيد
المسيح وتلاميذه والأنبياء ونحن مقتنعون باستخدام لفظة بيثابرا بدل بيثيني. لأن
بثيني هي قرية العازر ومرثا ومريم وكما يؤكد ذلك الإنجيل فإنها تبعد 15 غلوة
stadia عن القدس ولكن نهر الأردن يبعد 180 غلوة stadia عن القدس ومن هنا فأنه لا يوجد على نهر الأردن موقع باسم بيثيني
ولكن توجد بيثابرا عن أعالي نهر الأردن، وهذا مؤكّد، حيث عمد يوحنا”.

ثانياً: شهادة يوسيبوس القيصري في ال Onomasticon في المقدمة وتحت إسهبيثابرا (عبر النهر حيث عمد يوحنا من اجل
التوبة) يأخذ النص الذي ذكره أوريجين ولكنه يضيف عليه أن المكان كان معروفا حيث
يقول: “العديد من الإخوة المؤمنين والذين يرغبون في الولادة الثانية تعمدوا
هنا في المجرى الحي”. وهذه الأمنية التي عبر عنها يوسيبوس عبر عنها أيضاَ
الإمبراطور قسطنطين أمام مجمع الأساقفة في نيقوميديا
Nicomedia حيث قال” وأخيراً حان الوقت من أجل قبول المعمودية والتي
ظننت في وقت ما أن أحصل عليها في مياه الأردن حيث تعمد مخلصنا كمثال يحتذى به من
قبلنا” (
Vita
Costantini IV, 62, 1-2
).

 

ثالثاُ: شهادة وكتابات الحاج المعروف من بوردو Bordeaux الذي عرف ووضّح موقع عماد الرب من قِبل يوحنا على بعد خمس أميال
من البحر الميت وقد ذكر أيضاً حادثة صعود إيليا إلى السماء حيث يقول: من البحر
الميت إلى الأردن حيث تم عماد الرب على يد يوحنا المعمدان كانت المسافة خمسة أميال
وهناك أيضاً مكان على النهر، تلّة صغيرة على الضفة التالية، والتي صعد منها ايليا
إلى السماء.

 

والشهادة الأخيرة في القرن الرابع وصلت الينا من ايرونيموس Jerome الذي كان معاصراً لإجيريا والذي عرفنا منه أن زيارة النهر نقطة
وقف اعتيادية للحجاج المسيحيين في الأراضي المقدسة، حيث كتب مذكراً بإحداث رحلة
الحج لصديقته باولا، والتي كان يرافقها وقال: ” وقفت على ضفة النهر في الفجر..
وتذكرت شمس العدل (المسيح)..”

 

وخلاصة القول يمكن القول أنه ومن القرن الثالث الميلادي أي من
البدايات، كان يتم إحياء ذكرى العبور لبني إسرائيل والمذكورة في العهد القديم
وذكرى معمودية المسيح على ضفة نهر الأردن، وفي نهاية القرن الثالث وبداية القرن
الرابع كتب يوسيبوس عن الممارسة الشائعة بين المسيحيين الذين يعتمدون أو يغطسون في
النهر تقليداً للمسيح الذي تعمد في نفس المكان.

 

في القرن الخامس بالإضافة إلى الممارسات العامة من أجل تمجيد المواقع
المقدسة والأحداث والقبر المقدس في جبل الزيتون وفي بيت لحم في مغارة الميلاد، أمر
الإمبراطور أناستاسيوس ببناء كنيسة على ضفة نهر الأردن وأول حاج ذكر هذه الكنيسة
هو ثيوديوس(
CA 530). والشهادة التي قدمها الحاج المعروف من
بياشنزا
Piacenza ويوحنا موشاس (القرن السادس) أيضاً ذات أهمية
بالغة بالنسبة لنا، وبفضلهما استطعنا تحديد ومعرفة أماكن إحياء الأحداث الإنجيلية.

 

وأهم خلاصة يمكن إستنتاجها من شهاداتهم وكتاباتهم خي التمييز بين
الأحداث المختلفة التي تم أحيائها على ضفاف النهر وتلك التي تم إحيائها في منطقة
عين الخرار والتي سمي الوادي بإسمها إلى الشرق منطقة أراضي مدينة ليفايس (الرامة
حالياً).

 

موقع المعمودية على نهر الأردن

The site of
the Baptism on the
Jordan

 

كُلا الحاجين من بوردو(333م) وثيوديوس(530) وضحوا وكانوا على إتفاق
بخصوص تحديد موقع محدد على ضفة النهر حيث تمت المعمودية. كلاهما أشار الى الموقع
على بعد خمسة أميال من شاطئ البحر الميت فقد كتب ثيوديوس: ” من موقع معمودية
الرب الى موقع مصب النهر من البحر الميت مسافة خمسة أميال، أما الحاج من بياشنزا
Piacenza (570م)
فهو أول من أشار الى أن موقع المعمودية كان أمام دير القديس يوحنا حيث قال: ”
يوجد دير القديس يوحنا على مقربة من موقع معمودية الرب في نهر الأردن وهو كبير
يوجد فيه نُزلان لإقامة الحجاج”.(
Itinerarum).

 

التوضيح الطبوغرافي أيضاً تم الأشارة اليه من خلال سيرة حياة القديسة
مريم المصرية. فمريم التائبة وخلال ملاحقتها للصوت الذي دعاها الى عبور النهر من
أجل البحث عن السلام والفرح تركت القدس من خلال البوابة الشرقية وذهبت الى النهر
وقد قالت: ” سمعت صوتاً يصرخ من بعيد ويقول: أذا عبرت نهر الأردن المقدس سوف
تجدين السلام..” وعندما شارفت الشمس على الغروب،(كما تقول للكاهن زوزيموس
Zosimus) رأيت كنيسة يوحنا المعمدان والتي تقع قرب نهر الأردن وعندما دخلت
هذا المكان المقدس من أجل الصلاة ذهبت مباشرة الى النهر وبذاك الماء المقدس غسلت
وجهي ويدي. وعندها نذرت حياتي وتناولت القربان المقدس في الكنيسة (كنيسة يوحنا
المعمدان المبشر). بعدها أكلت نصف رغيف وشربت من ماء النهر وتمددت على الأرض ونمت
الليل وعندما بزغ نور الفجر في اليوم التالي عبرت للجانب الآخر من النهر”.

 

يتفق الحجاج على ذكر العمود المنذور والذي تُوِّج يصليب معدني مثبت
في السماء في وسط النهر وأكثر الحجاج توضيحاً لذلك هو ثيوديوس(530م) حيث كتب: ”
في المكان الذي تعمد فيه الرب يوجد عمود من الرخام وفي أعلاه صليب من الحديد.(
ca 530).

 

ومن ناحية أخرى فإن الحاج من بياشنزا piacenza كتب أنه رأى مسلة رخامية محاطه بدرابزين وصليب خشبي مثبت في الماء
ومجموعة من العتبات أو الدرجات المعلقة في كلا الجانبين للعمود الرخامي الذي تؤدي
من وإلى الماء. ثم كتب ما يلي: ” هناك مسلة محاطة بدرابزين في الموقع الذي
تتدفق المياة، وصليب خشبي على رخامية مثبتة في الماء.

فقد أتى الحاج من بياشنزا الى نهر الأردن في ذكرى عيد الغطاس. وقد
شهد مباركة الماء من قبل الكاهن والغطس في الماء من قبل الجمهور وقد كتب: ”
الجميع غطسوا في الماء من أجل أخذ البركة مرتدين ملابس الكفن وجميع الأشياء التي
يحفظونها ليوم موتهم ودفنهم”.

وبالرجوع الى شهادة ثيوديوس فإن هناك كنيسة ببثيني بأمر من
الإمبراطور أناستاسيوس تقع عبر الأردن (وراء النهر). وقد وصفها الحاج بأنها بناء
عال شيد على قناطر وذلك لتجنّب فيضان ماء النهر في حال فيضان العيون، وقد قام على
خدمة هذا المكان المقدس رهبان كانوا يحصلون على الأموال (مسكوكات ذهبية) من
الخزينة الإمبراطورية من أجل إعالتهم.

وبالرجوع الى هذه الشهادة وحسب التقويم الغريغوري المتبع في القدس: هناك
ثلاث لقاءات ليتورجية على ضفة النهر في مناسبة عيد الغطاس: في الرابع من كانون
الثاني وفي ليلة عيد الغطاس (المعمودية) حيث يعقد المجمع على الضفة الأخرى للنهر،
في الخامس من كانون الثاني وفي عشية عيد الغطاس على ضفاف نهر الأردن، وفي السادس
من كانون الثاني يكون هناك تجمع ديني من أجل إحياء ذكرى المعمودية في كنيسة القديس
يوحنا المعدان المبنية داخل الدير.

 

دير القديس يوحنا عرف من قبل الرهبان اليونانProdromos ومن قبل العرب بدير مار يوحنا أو قصر اليهود. ومنذ القرن السادس
ولاحقاً ما زال الدير قائماً أو بقاياه وأصبح الموقع الطبوغرافي المرجعي من أجل
تحديد الموقع المقدس للمعمودية بالنسبة لضفة النهر.

 

ومنذ العصور الوسطى تم ذكر الدير من قِبل جميع الحجاج الذين نجحوا في
زيارة النهر.وفي عام 1933 بنى الرهبان الفرنسيسكان كنيسة صغيرة على الضفة الغربية
للنهر والى الشمال من العبور في منطقة الحجله(
Hajlah)، وهو الموقع الذي أختير لأحياء الذكرى والذي يعتبر مناسباً بشكل
أفضل للحجاج من أجل الغوص والأستحمام في النهر. وقد أخذ الرهبان بعين الأعتبار
الدير الأصلي الذي رمم من قبل الرهبان اليونان عام 1882 للدلالة على الموقع الأصلي
للمكان المقدس، وقد تعرض الدير الى الإنهيار عام 1927 نتيجة الزلزال، والذي على
أثره تمت عمليات الترميم الثانية عام 1955. هُجر المكان في عام 1967 لأنه أصبح ما
بين النهر والسياج الخاص بخط بارليف.

 

الكنيسة الحجرية الصغيرة الرباعية الزوايا والتي تعلوها قبة تقوم عند
النهر هي الموقع للحج السنوي للرهبان الفرنسيسكان. فقد بُنيت من قِبل حراسة
الأراضي المقدسة عام 1958 بناء على خطة تبناها الأب فرجيليو كاربو (
Fr. VIRGILIO CARBO).

 

الخلاصة:

تلخيصاً البيانات والمعلومات الطبوغرافيه التي وصلت الينا من خلال
الموروث الكتابي للحجاج خلال الحقب البيزنطية المتعاقبة، يمكن القول أنه يوجد
لدينا بعض المعلومات الأكيدة كنتيجة لتنظيم وترتيب مصادرنا.

 

فمنذ القرن الثالث ولاحقاً أحيى الحجاج ذكرى معمودية المسيح في
الموقع الذي ارتبط أيضا بعبور شعب الله المختار المذكور في سفر يشوع في العهد
القديم. ثم بُني دير القديس يوحنا في زمن الإمبراطور اناستاسيوس على التلال
المشرفة على الضفة الغربية للنهر. يقع الموقع الخاص بالعبور الذي ربط الضفة
الشرقية والغربية بالنهر في منطقة مقابل وادي الخرّار. ذكرى معمودية الرب تم
إحياؤه في مياه النهر حيث غطس واستحم الحجاج أو تعمدوا. وفي الواقع فقد صلوا عن
طريق درج وُجد بجانب المسلة في نهاية الجسر الذي يمتد الى النهر، وفي النهر يوجد
عمود تُوِّج بصليب.

الكنيسة التي بناها الإمبراطور اناستاسيوس على الضفة الشرقية للنهر
بقيت موضع خلاف بعدما ذكرها رئيس الشمامسة ثيوديوس الذي يُسهب في وصف الكنيسة المبنية
على القناطر، ولا يذكرها أي حاج آخر مرة أخرى، إلا اذا تم تعريفها كما هو الحال مع
المكتشفين المعاصرين بخصوص الكنيسة الصغيرة المربعة الشكل، التي تم وصفها من قبل
الحاج (
Arculfus) حيث يقول: ” في نهاية الوادي وفي موقع
فيضان النهر. لكنه من الصعب الشك بوجود هذه الكنيسة وذلك بالرجوع الى الوصف الدقيق
والمفصل الذي كتبه ثيوديوس والذي بالتأكيد لا يقصد به الكنيسة الموجودة في الدير،
دير القديس يوحنا (والتي تبعد مسافة ميل عن النهر). وبالرجوع أيضاً الى التقويم
الغريغوري الذي يذكر الكنيسة وراء النهر كموقع التجمع الليتورجي في ليلة عيد
الغطاس.

 

الأكتشافات الأثرية الحديثة التي قام بها باحثون مختلفون تحمل الى
الإعتقاد بوجود الكنيسة على الضفة الشرقية للنهر، ومن أوائل العاملين في هذا
الموقع هو الأب فدريلين(
Fr.Federlin) في نهاية القرن الماضي.

 

في عام 1899 وعند المصب في وادي الخرار أشار وصوّر أحد الأباء البيض
من القدس اساسات كنيسة بُنيت على قناطر والتي يعتقد أنها نفس الكنيسة التي ذكرها
آركفيلس(
Arculfus) حيث قال: ” خلال وجودي مرتين في منطقة
نهر الأردن في مناسبة عيد الغطاس سعيت لانتهاز الفرصة لأخذ القارب للوصول الى دير
القديس يوحنا المعمدان، وقد وافق صاحب القارب بعد أن أعطيته بعض المال أن يعبر بي
النهر للوصول الى بقايا الكنيسة الي يذكرها آركفيلس والمبنية على ضفة أحد الفروع
الصغير القديمة للنهر..(خلال عام 1899 في عطلة عيد الفصح.. الذهاب الى ما وراء النهر
الى الغرب حيث بقايا سفاسفس).. وعلى بعد 150 متر وصلنا الى ما يشبه القناة أو
الفرع الصغير للنهر.. وهناك وجدنا بقايا الكنيسة التي وصفها آركفيلس.. وما زال
الجزء السفلي منها قائماً بأكمله”.

 

وقد زار م. دالمان (M.Dalman) هذه البقايا الأثرية للكنيسة عام 1913 وكتب: “على هضبة تشرف
على الوادي في الجانب الجنوبي، يوجد بقايا آثار لمبنى، ولا شك في أن هذا المبنى
كان في القديم كنيسة”.

 

زار أيضاً المنطقة الاب د. بوزي(D.Buzy) في الخامس من تشرين الأول عام 1930 وأقر بوجود علاقة ما بين
البقايا الأثرية والكنيسة التي بناها الأمبراطور اناستاسيوس حيث كتب قائلاً: ”
على مسافة تبعد خمسين خطوة من الشاطئ يستطيع المرء أن يرى بقايا المعبد الرباعي ذا
الجوانب التي طولها أربعة أمتار وقائم على قناطر، وهذه يمكن أن تكون الكنيسة التي
أمر ببنائها الأمبراطور اناستاسيوس(491-518) والتي رآها أيضاً ادمانيوس. ونأمل في
المستقبل القريب أن تتاح لنا الفرصة بالحفر والتنقيب ودراسة هذه البقايا الأثرية
ذات المكانة الروحية الكبيرة. والتي باعتقادنا تستحق هذا الجهد”.

في عام 1932 زار الأب ف.م. ابيل (F.M.Abel) دلتا وادي الخرار والذي رأى أيضاً القناطر التي ما زالت واضحة
وكتب: ” ويصل المرء الى قمم تلاقي القناطر، والتي هي بقايا البنية التحتية
لبناء يقع في محاذاة فرع من فروع نهر الأردن الجاف حالياً والذي تعاد المياه اليه
بحسب مواسم فيضان النهر”.

 

من أجل مصداقية التعريف بالبقايا الأثرية، إن كانت الكنيسة التي امر
الأمبراطور اناستاسيوس ببنائها او الكنيسة المربعة الزوايا التي وصفها (
Arculfus)، يدعونا المكتشفون الى أن نأخذ بعين الأعتبار مستوى المياه في
النهر والذي يختلف باختلاف المواسم وأيضاً امكانيات تحول مجرى النهر بعد كل فيضان
له. وهذا قد يؤدي الى وجود الكنيسة على المياه (مثلما وصفها (
Arculfus)). وفي أحيان أخرى تكون معزولة على أرض يابسة (في وقت زيارة ويلي
بالدس
Willibaldus) أو الأختفاء كلياً في قاع النهر بفعل التآكل
بسبب المياة. في عام 1485 كتب الأخ فرنسيسكو سورينو
Brother Francesco Suriano: “كنيسة صغيرة بُنيت حيث عمد المسيح،
اليوم حوّلها النهر الى جزيرة تقع في مركز النهر، في المكان الذي اعتقد انه مكان
المعمودية في النهر، في الوقت الحالي قد تغير موقع قاع النهر بمقدار ميل واحد.

 

ممارسة المعمودية او الأستحمام في النهر

The
practice of baptism/bathing in the river

 

يذكر يوسيببيوس في معجم ال Onomasiticon الخاص بألقاب المواقع في الكتاب المقدس الخاص، أول شهادة لممارسة
مسيحية تخص المعمودية او الإستحمام في نهر معمودية المسيح، نهر الأردن. ويذكر النص
الآتي: ” العديد من الأخوة المؤمنين والذين يرغبون في اعادة ولادتهم بالروح
أي المعمودية عمدوا هناك في الماء الحي: ” وأيضاً ذُكرت هذه الممارسات من
قِبل الحاجة ايجيريا حيث تمت في آنون في السامرة وكتبت كالتالي: ” العديد من
الأخوة والرهبان اتوا الى هذه المنطقة من مناطق مختلفة من اجل الأستحمام”.

 

وخلال القرن السادس أصبحت ممارسة هذا السر تدلّ على التعبد والصلاة،
وتجديد مواعيد الأيمان من خلال المعمودية، من قبل المسيحيين الذين يشاركون في
الليتورجية السنوية الوحيدة التي يبارك فيها الماء في عيد الغطاس والتي شاهدها
الحاج من
Piacenza.

 

ذكر جورج موشاس John Moschus هذه الممارسة في Pratum حين تكلم عن الناسك جورج الذي قدم الى الأراضي المقدسة من الجبال
في الشمال
Seleucia مع تلميذه تيليوسTaleleus وهو بحار سابقا. فقد كتب: “بجلال وعظمة الوجود في الأماكن
المقدسة، ذهبا الى نهر الأردن وهناك إغتسلا. وبعد ثلاثة ايام توفي تيليوس وقد قام
الناسك بدفنه في دير كوبراثا
Copratha. وبعد فترة من الزمن توفي الناسك وقد قام رهبان الدير (دير
كوبراثا) بدفنه في كنيستهم.

في العصور الوسطى وبعد معركة اليرموك 636 حيث كانت المنطقة تحت
السيادة العربية الأسلامية، اصبحت ممارسة الأغتسال في النهر من أكثر الممارسات
شيوعاً بين الحجاج الذين يزورون المنطقة والنهر.

 

وقدم آركيفلس Arculfus الى المنطقة عام 670م (القرن الأول الهجري). اغتسل في النهر وقطعه
سباحة وبالتالي استطاع ان يصل الى الكنيسة في الجانب الآخر للنهر والذي يصفها
ذاكراً التفاصيل كعادته حيث يسرد هذه الأحداث لرئيس دير الرهبان
Adamnanus والذي كتب ذكريات آركيفلس وكيف شاهد الكنيسة في وسط الماء، في ذات
الموقع المقدس والموقر الذي تعمد فيه المسيح على يد يوحنا المعمدان.” في أقصى
النهر توجد كنيسة صغيرة مربعة الشكل مبنية حسب التقليد، في الموقع الذي وضعت عليه
ثياب المسيح اثناء المعمودية. هذه الكنيسة تجثم على أربعة صخور للدعامة. وكون هذه
الكنيسة في الماء فهي غير مسكونه لأن الماء يجري من تحتها ولها سقف قرميدي وأيضاً،
كما ذُكر، فهي تقع على دعامات صخرية وقناطر. وجدت هذه الكنيسة في الوادي حيث يحدث
فيضان النهر في الوقت الذي يوجد فيه دير كبير للرهبان يحتل المناطق المرتفعة والذي
يدير شؤون هذه الكنيسة التي وصفها. وبالجوار يوجد صليب خشبي مثبت في الماء. في
العادة، يصل الماء في هذه المنطقة الى رقبة رجل طويل جداً. ويقل إرتفاع الماء الى
الصدر في مواسم الجفاف. ويختفي الصليب تحت الماء في موسم الفيضان السنوي. هنالك
اتصال ما بين الكنيسة والصليب من جهة وضفة النهر من جهه أخرى بواسطة جسر مبني على
القناطر. وتبعد الضفة الأخرى مقدار رمية حجر بمقلاع يرميه رجل قوي.

 

يذكر المطران ويليبالديس Willibaldus (723-726) انه في النهر، حيث تعمد الرب، توجد كنيسة مبنية على أعمدة ليست
في الماء وإنما على ضفة النهر (
est nunc arida terra) وقد ثبت صليب من خشب في الماء في موقع المعمودية. ويوجد حبل متين
مثبت في كلا الضفتين لمساعدة أولئك الذين يرغبون في الأغتسال في ماء النهر وخصوصاً
المرضى، إحتذاءً بالمثال الذي نعبده، حتى المطران غطس نفسه في الماء.

 

وجد رئيس الرهبان الروسي دانيالAbbot Danial (1106) البقايا الأثرية لدير القديس يوحنا. وعلى رابية صغيرة توجد كنيسة
صغيرة بمذبحها إحياء لذكرى المعمودية وكانت هذه حجارة رمى بها النهر، وعند عبور
النهر شاهد المكان الذي كان المسيحيون يغتسلون فيه ويشربون من ماء النهر وقد كتب: ”
في نهر الأردن هناك مكان للتغطيس حيث اغتسل المسيحيون الذين زاروا النهر وهناك
ايضاً يستطيع ان يخوض في الماء لعبور الأردن باتجاه العربا.. المياه هناك داكنة
وحلوة يمكن شربها والذي يشرب من هذا الماء المقدس يرتوي، ولا تسبب له أي مرض ولا
تسبب أي ضرر لأمعاء الأنسان”.

 

كتب الحاج تيدوركيسTeodoricus 1172 عن حضوره قداس الهي عظيم حيث قال: ” من أجل تطهير نفوسنا نحن
والآخرين في نهر الأردن، نزلنا بعد غروب الشمس عند الغسق ونظرنا من الأعلى (من جبل
القرنطل). رأينا من ذلك المكان المنبسط وبناء على تقديرنا، أكثر من ستة الآف شخص
أغلبهم يحملون الشموع المضاءة بأيديهم والتي باستطاعة الوثنيين
Pagans القاطنين في عبر الأردن ان يروهم من الجبال في العربا.

 

بقيت هذه الممارسة تقليداً حتى الحملات الصليبية ولغاية أيامنا هذه
في مناسبة عيد الغطاس، حيث كان الإغتسال في النهر ملحقاً في الإحتفال وكانت تدعى
هذه الممارسة (معمودية الصليب). يتضمّن الإحتفال تغطيس الصليب المقدس في ماء النهر،
ويذكر أودوريكس
Odoricus
from Udine
عام 1320: ”
الحجاج والسكان المحليون اعتادوا على الأغتسال وغسل ثيابهم في نهر الأردن بإيمان
وعبادة عظيمة لأن المسيح الذي تعمد فيه قدّس ماءه: ” اما لودولفس
Ludolfus of Sudheim عام 1335 فيقول: ” في نفس الموقع وفي عيد
الغطاس جميع المسيحيين والساكنين في المنطقة، والسكان الأصليين في المنطقة يجتمعون.
ويتم تعميد الصليب من قِبل رئيس الأساقفة وكذلك يتعمد جميع المسيحيين من أجل
الشفاء من أسقامهم.

 

كتب الأخ فرنسيسكو سورينو 1485: ” في وقت عيد الغطاس نجتمع نحن
الأخوة مع مسيحي المنطقة عند النهر من أجل تعميد الصليب. ننصب الخيام ونقوم بترتيل
القداديس. وبعد تغطيس الصليب في النهر وبعد الأنتهاء من مراسيم القداس الأحتفالي
يتعمد الجميع ذكوراً وإناثاً في النهر.

 

وهناك موروث ضخم من الوثائق المخطوطه والمصورة للأعداد الكبيرة من
المسيحيين الذين يأتون الى النهر من أجل الأستحمام قبل الذهاب الى بلادهم. وفي
الحقيقة فإن الرهبان الفرنسيسكان ومن أجل المشاركة في التقاليد المتبعة عند
المسيحيين المحليين كانوا يذهبون الى النهر في اليوم الثامن بعد عيد الغطاس من اجل
إقامة القداس الإحتفالي على ضفاف النهر، وهذه المراسيم لم تتوقف الا بسبب حرب 1967.
وفي عام 1985 سمحت السلطات المحلية الأسرائلية بزيارة الموقع مرة في السنة على
النحو التالي: آخر خميس من شهر تشرين أول للطوائف الكاثوليكية وفي عيد الغطاس
للطوائف الأرثوذكسية.

 

وُفّق رئيس الرهبان الروسي دانيال Abbot Daniel في إبراز جميع المعاني الروحية المقدسة والعميقة للمارسة المسيحية
للتغطيس في مياه النهر حيث كتب: ” وهبني الله الفرصة للتواجد في منطقة نهر
الأردن ثلاث مرات وقد هناك حتى في وقت الإحتفالات بعيد الغطاس. شهدت نعمة الله
التي نزلت الى المياه، وقد توافدت الى المياه جموع لا حصر لها، وطوال ساعات الليل
كانت تقام مراسيم المعمودية ويحل الروح القدس في المياة الذي كان يراه الأبرار من
الناس المستحقين لمثل هذه الرؤية بينما الجمع الكبيرة من الناس لا ترى شيئاً، ولكن
كنا نرى الفرح والسعادة في قلوب كل المسيحيين وخصوصاً عندما كانوا يرددون: ”
باعتمادك يا رب في نهر الأردن.” والذي عندها يقفز المؤمنون في المياة
ويعتمدون في منتصف الليل في النهر حيث تعمد المسيح في منتصف الليل أيضاً.

 

الموقع المقدس في بيثيني (بيت عنيا) في وادي الخرار

The
Sanctuary at
Bethany in the Wadi Kharrar

بالنسبة للحجاج الذين لم يتوقفوا عند النهر بل تابعوا رحلتهم في داخل
الوادي الصغير باتجاه الشرق والذي يدعوه العرب وادي الخرار، كان بإمكانهم التوقف
عند النبع الذي يبعد ميلين حيث توجد هناك كنيسة تقع بجوار الأرض المرتفعة محاطة
بالصوامع الخاصة بالدير الذي أقيم في هذه المنطقة إحياء لذكرى بثيني عبر النهر حيث
عمد يوحنا المعمدان وحيث ذهب يسوع لمقابلته كما ذُكر في انجيل (يوحنا 1: 28).

 

نجد الشهادة الأولى لهذا المكان في يوميات الحج الباشنزي 570 حيث كتب:
” في ذلك الجانب من نهر الأردن يوجد نبع ماء، حيث عمد القديس يوحنا المعمدان
على بعد ميلين من نهر الأردن.. وحول هذا الوادي العديد من الرهبان.. وبالقرب توجد
مدينة تدعى ليفايس”. تم ذكر الدير وأوضح أيضاً على الخريطة الفسيفسائية
الموجودة في كنيسة الروم الأرثوذكس في مادبا والتي ترجع الى النصف الثاني للقرن
السادس الميلادي حيث ذكر بإسمي عين آنون (عينون) وسفسافس (المقصود البردى أو شجر
الحور). وترجع أصول هذا الدير في سفاسف
Saphsaphas كما رويت في الفصل الأول من كتاب المروج الروحية the spiritual meadow لجون موساش John moschus في بداية القرن السابع.” في الرؤيا أو في الحلم الذي قد رآه
قد أشار يوحنا المعمدان نفسه على الراهب جون من دير يوستورغيوس
Abba Eustorgius في نواحي القدس، والذي كان في طريقه الى جبل
سيناء، وهو في المغارة المقدسة التي إلتجأ اليها لأنه قد أصيب بالحمى القرمزية فقد
سمع صوتاً يقول له: ” أنا أقول لك لا تترك هذه المغارة الصغيرة لأنها أعظم من
جبل سيناء. حيث زارني فيها يسوع المسيح أكثر من مرة.” وقد شفي على الفور من
الحمى وبقي في هذه المغارة بقية حياته.” وقام بتحويل المغارة الى كنيسة وجمع
حوله عدداً من الرهبان، وهذا المكان الذي يُدعى سفاسفس. وقد تم هذا الأمر في عهد
البطريرك إيليا (493- 513) المعاصر للإمبراطور اناستاسيوس (؟49-518).

 

الأحداث والذكريات الخاصة بصعود النبي إيليا الى السماء أضيفت أيضاً
الى الأحداث الأنجيلية حيث تمت هذه الأحداث على التلة (المسماة جبل مار الياس) حيث
أقيمت في المكان كنيسة الدير وهكذا انتقلت هذه الذكرى الخاصة بالنبي ايليا من ضفاف
النهر الى مكان العيون. ذكر هذا المكان المقدس بشيء من التفصيل من قِبل ابيفاميوس
موناس (القرن التاسع- الحادي عشر)(
Epiphamius Monacus(1x-x1)) حيث كتب: ” في عبر الأردن وعلى بعد ثلاثة اميال توجد مغارة
عاش فيها يوحنا المعمدان البشير. يوجد في المغارة سرير طبيعي منحوت في صخر المغارة
حيث كان ينام ويرتاح، وهناك قبو صغير داخل المغارة. خارج المغارة يوجد نبع ماء كان
يصب تحت القبو حيث كان يعمد يوحنا المعمدان. تمت زيارة هذا الموقع من قبل رئيس
الرهبان دانيال والذي كان فخوراً بذلك فكتب: ” انا وبنعمة الرب هذا شهدت جميع
ذلك بعيني على الرغم من أنني الخاطئ غير المستحق: ” وبعد ان يصف باهتمام شديد
غابة شجر البردى والدفلى والتي على المرء ان يقطعها عندما يريد ان يعبر من ضفاف
النهر باتجاه المكان المقدس” وبالجوار باتجاه الشرق يوجد مكان يبعد عن النهر
ضعفي مرمى الرمح حيث صعد النبي ايليا بعربته الناريه الى السماء، يوجد أيضاً مغارة
القديس يوحنا وجدول مياه مليء يتدفق بشكل جميل ما بين الصخور باتجاه النهر. المياه
شديدة البرودة والعذوبة، وكان يشرب منها يوحنا المعمدان البشير بقدوم المسيح عندما
سكن في المغارة المقدسة، وتوجد أيضاً المغارة الأخرى الرائعة التي عاش فيها النبي
ايليا مع تلميذه أليشاع.

 

نقرأ وصفا مشابها لهذا عند جون فوكس John Phocas 1177 حيث كتب: ” على الضفة الأخرى للنهر وأمام كنيسة القديس يوحنا
توجد شجيرات متنوعة كثيرة الأغصان والتي من خلالها وعلى مسافة يمكن للمرء ان يرى
مغارة القديس يوحنا وهي مغارة صغيرة حيث لا يستطيع شخص طويل ان يقف مستقيماً فيها.
وفي مقابل هذه المغارة وفي عمق الصحراء توجد مغارة أخرى والتي منها صعد النبي ايليا
الى السماء بعربة من نار في نهاية حياته.

 

الخلاصةConclusion

فيما يلي أهم حدثين في الكتاب المقدس تم احياؤها من قبل الحجاج في
منطقة عيون وادي الخرار حيث توجد كنيسة ودير للنساك هما وجود المغارة الخاصة
بالمعمدان التي تحيي ذكرى بيت عنيا
Bethany عبر النهر حيث عمد يوحنا وبناء عليه قدوم المسيح ليعتمد من يوحنا
كما ذكر في الإنجيل. ثم الموقع الخاص بالمغارة الثانية الخاصة بالنبي ايليا الذي
صعد الى السماء حيث ايضاً تم احياء هذه الذكرى. المنشآت التي ذكرت من قِبل الحجاج
في هذا الموقع هي الكنيسة الخاصة بدير سفاسفس والدير المحيط بها والمقصود به العدد
الكبير من الصوامع الخاصة بالنساك الذين عاشوا بمنطقة وادي الخرار.

 

الأكتشافات الحديثة الخاصة بالمواقع المقدسة في وادي الخرار

The modern
rediscovery of the sanctuary of Wadi Kharrar

 

مغارة القديس يوحنا، موقع بيثيني (بيت عنيا) دير سفاسفس، وهضبة صعود
النبي ايليا كانت جميعها أحداثاً وذكريات غامضة حتى نهاية القرن الماضي الى ان نجح
الأب فيدرلين.
Fr.
Federlin 1899
في
الوصول الى وادي الخرار من الشرق وعمل على تعريف وجود المكان المقدس في بداية
الوادي.

 

وصلت الأكتشافات والدراسات الحديثة الينا من خلال الدراسة المنتظمة
التي قامت بها الجماعات الرهبانية القديمة التي استقرت في وادي الأردن والتي ذُكرت
في المصادر المعاصرة أيضاً وعلى خطى الأب
Vailhe’s Repertoir والإكتشافات في عام 1897 لخريطة مادبا الفسيفسائية حيث أن هذه
الخريطة وضحت موقع آنون سفاسفس
Ainon-Saphsaphas الى الشمال من البحر الميت بالقرب من نبع ليس ببعيد من الضفة
الشرقية للنهر.

في الفصل الأول من pratum يقودنا الى الضفة الشرقية من الأردن ويعطينا تلميحات كافية من أجل
تحديد موقع دير سفسافس حيث كان الراهب يوحنا (جون) بعد عبوره النهر من أجل الذهاب
الى جبل سيناء حيث مشى ما يقارب الميل الروماني وعندها استوقفته الحمى ولجأ الى
مغارة التي اصبحت الأساس في تكوين مجمع من الصوامع، والدير المشار اليه في خريطة
مادبا على الضفة اليسارية لمجرى سيل كيرث
Kerith حيث أرسل ايليا في وقت المجاعة.

 

وعند الوصول الى بداية الأخدود، لم يكن صعباً على المكتشف أن يلاحظ
ما قد وصفه ب ما يشبه قمة الجبل الحمراء الخارجة والداخلة في البحر التي تشبه شكل
الصدر الكبير والتي تمتد الى الشمال في عمق وادي الخرار. وعلى سطح قمة الجبل نجد
الصخور المربعة القائمة والتي إهترأ نصفها بسبب حت الملح لها، وبعض الكسر الأثرية
من الآنية الخارجية وبعض القطع الفسيفسائية. ومن المستحيل تحديد الخطوط الأصلية
للبناء حيث انها لم تكن واضحة ولكن استطعنا ان نوضح بقايا بعض الغرف من خلال
البقايا الأثرية المربعة الشكل والتي طول ضلعها تقريباً 15م. وأيضاً كثرة القطع الفسيفسائية.
اما في الجانب الجنوبي لمقدمة الأرض حيث تتصل بالسهول وجدنا وبشكل منفصل الجزئين
اللذين يشكلان العتبة لمدخل الدير، حيث كان عرضها 1ر2 م.. وكانت مصنوعة من صخر
أبيض شديد الصلبة وكانت محفوظة بشكل جيد. ونحن نعتقد ان المباني غطت مساحة ما بين
800-1000 م2. الحفريات ضرورية من أجل اعادة بناء المخطط الأصلي. اما المغارة فقد
اختفت بشكل طبيعي تحت بقايا الكنيسة التي بنيت في الموقع”.

 

وبما ان الدير قد عرف مرة بوجودة قرب النبع فبالتالي تبقى مشكلة
تحديد موقع آنون/بيثيني (بيت عنيا). وقد قام الأب فيدرلين المذكور سابقاً بالبحث
بالجوار منطلقاً من فكرة التجانس في الكلمات ما بين الغورانية نسبة الى الغور كما
هو في العربية وبيثيني ذات الأصل العبري (بيت اين او باتين) ومن هنا اعتقد الأب
فيدرلين بأنه يمكن تحديد المواقع الإنجيلية من تل المديسه
tell el Medesh من منطقة الغور والتي هي اليوم هي جسر النبي (جسر الملك حسين).

 

أعاد دلمان M. Dalman 1913،زيارة الموقع الأثري في وادي الخرار وكذلك د. بوزي D.Buzy عام 1930 بعد انتظار دام حوالي عشرين عاماً وكتب: ” يتفرع
الوادي راسماً فرعين بشكل 7 عريضة. والمرتفع المتكون والتي كانت تتم عنده جميع
المراسم البيزنطية يقع في الفرع الجنوبي.” شهادة بوزي ذات قيمة عالية بالنسبة
لنا بمعرفة كيف نشأ هذا الموقع: ” من الغرب وبالقرب من القاعدة يوجد حائط قوي
ولكنه مدمر بشكل كبير، وهو مبني باستخدام حجارة الحصى الكبيرة المأخوذة من النهر
ويمتد الحائط انحناءات التلة لمسافة15-20م. اما الصخور المربعة التي رآها الأب
فديرلين على قمة الجبل أو في البقايا الأثرية الموجودة في الجوار فلم تعد في
مكانها. فقد تم استخدامها من قبل الرهبان الروم الأرثوذكس لبناء ثلاث منشآت غير
جميلة لم يُستكمل بناؤها. والأكثر من هذا فقد تم نقلها على بعد كيلومتر واحد من
النهر وعلى الضفة الجنوبية للخرار ووضعوها في آخر منطقة منبسطه تشرف على سهول
النهر حيث كانت نية الرهبان بناء دير كبير. تم تحديد الأساسات، كدّسوا الجير
والرمل ومئتي الى ثلاثمائة من الصخور المربعة الجميلة والتي سُلبت من موقعها
المقدس في وادي الخرار. وبفضل هذا المثال المؤسف الذي يقوم على المنفعة فإننا
اليوم لا نجد على سطح الأرض أية صخرة ربما كانت من بقايا الكنيسة أو الدير، دير
القديس يوحنا في القرن السادس. ولكن هناك بقايا حائط طويل مدفون في الأرض في
الجنوب من مقدمة الأرض عندما يبدأ الأتساع والأنفراج في الأرض (
p.459).

 

وعند الأرض المنبسطه المطلة على النهر جنوب جبل مار الياس، قام بوزي Buzy بجمع بعض الآنية الفخارية البيزنطية: ” وعند المراقبة
والملاحظة الدقيقة يمكن للمرء ان يلاحظ هنا وهناك بعض البقايا لمنشآت. وما على
المرء الا أن يزيل الطبقة الرقيقة من الرمل وبعدها يستطيع ان يرى بقايا جدران
البيوت التي تظهر تقريباً في كل مكان والى الجنوب من القمة يوجد حائط بطول 20م
والذي يمكن ان يكون للدير التابع للكنيسة.. ومن هذا الموقع وعلى طول الوادي باتجاه
الغرب توجد بيوت متداخلة ومتاخمة بعضها البعض اصطفت في نسق غير واضحح وقد قمنا
بعّد، عشرة، عشرين، ثلاثين، خمسين من هذه البيوت. ولا يمكن ان تكون هذه الأرقام
مبالغاً فيها اذا ما نسبت الى العدد مائة. وهذا يعني قرية كاملة لم يقُم أي مكتشف
لغاية الآن بدراستها وتعريفها والتي فقط دالمان
Dalman يفترض وجودها، وبعد ذلك يمتد شاطئ الوادي الضيق على طول 500م..
بقايا هذه المنازل تفرض علينا ان نستذكر ما كتبه انطونيوس من بياشينزا
Antoninus from Piacenza: ” في جميع نواحي هذا الواد كان يوجد عدد
كبير من النساك: ” وعلى ما يبدو ان هذه البقايا ليست الصوامع الصغيرة الخاصة
بالنساك ولا بقايا الدير،ولكن بالتأكيد هي بقايا قرية كانت توجد في المكان.(
P.461 s)

 

عاد الأب آبل Fr.Abel الى الوادي عام 1932 وعلى الرغم من أنه أصر على أن هذه البقايا
الأثرية كانت مستخدمة كبيوت لليونانيين حيث انتشرت بقايا الجثث في جميع أرجاء
الوادي ألا انه أضعف استنتاج د. بوزي ملقياً المسئولية”.. على الاضطرابات
التي حصلت خلال الحرب (الحرب العالمية الأولى).

 

زار الأب ا. اغسطينوس Fr.A.Augustinovich الوادي في 29 كانون أول عام 1947، حيث كانت الأراضي الزراعية
الخاصة بعائلة قطّان مهجورة من زمن طويل والشيء الوحيد الموجود هو مقبرة خاصة
بالبدو في المنطقة التي كدست فيها الحجارة الخاصة بالبناء من قبل الرهبان اليونان.
وقد لاحظ هذا الأخ الفرنسيسكاني وبدقة اكبر من سابقيه وجود خزان حجري للمياه في
الأنحدار الشمالي لجبل مار الياس مبني من حجارة مكورة الجوانب، وحائط ممتد الى
الشمال ويقع على مستوى أدنى من الخزان بدون أن يكون مغطى بالحجارة الخارجية وهذا
يعطي فكرةً بأنه قد يكون حائطاً سياجياً. وتم ملاحظة العتبة الخارجية من قِبل الأب
فيدرلين والتي أعيد إستخدامها في بناء بيت صغير على الإنحدار الجنوبي في الجبل. ما
زالت في الموقع أجزاء من عامود خاص بدرابزين، وبعض اللوحات الفسيفسائية التي ما
زالت موجوده في مكانها بالإضافة الى عدد آخر مختلف الحجم واللون موزعة في جميع
أرجاء المكان. وقد أشار أيضاً الى وجود بعض الأواني الفخارية التي ترجع الى العصر
البيزنطي وقطع زجاجية كانت تستخدم كمصابيح مرتبطه بحامل أو بدون، وأجزاء لسلاسل
نحاسية كانت تستخدم للتعليق، وأيضً وُجد سبع مصكوكات تعود للقرن الرابع والخامس
الميلادي ولكنها غير مقروءه بسبب إهترائها.

 

إعادة إكتشاف الموقع في عام 1995

The site
rediscovered in 1995

الأهتمام الذي أدى الى تأسيس اللجنة الملكية لتطوير المقدسات في وادي
الخرار كان نتيجة حماس الأمير غازي بن محمد، وقد كان هو الذي أراد إصطحابي (الأب
ميشيل بتشيريللو) أنا والأب أوجينو الياتا
Fr.Eugenio Alliata من البعثة الخاصة بالدراسات الأثرية في جبل نيبو لزيارة الموقع
الذي ما زال منطقه عسكرية، وقد كنا نرغب في هذه الزيارة منذ زمن طويل ولكنها كانت
دائماً تؤخر من قبل السلطات العسكرية. وقد كانت مناسبة هذه الزيارة للتحضير للكتاب
الخاص بالمواقع المقدسة في الأردن والذي قام بتحريره الأمير غازي.(64)

 

وصلنا الى الموقع في صحبة السلطة العسكرية المسؤولة عن حراسة الحدود
على طول النهر سالكين طريقاً قروياً موازٍ للنهر وقد عبرنا وادي غارابا
Wadi Gharabah الذي يفضل الجنود تسميته غراب Ghraub ووصلنا الى وادي الخرار ونتيجة لسوء الفهم أخذنا الجنود الى ضفة
النهر الى منطقة المغطس لكي نرى الكنيسة التي قامت ببنائها حراسة الأراضي المقدسة
على الضفة الغربية إكراماً لذكرى معمودية المسيح، وقد قام الضابط المسؤول عن
المنطقة بالترحيب بالأمير والذي أدرك الهدف الحقيقي لزيارتنا، وقام بمرافقتنا الى
النبع في بداية وادي الخرار وأرانا جبل مار الياس من الجانب الجنوبي له.

 

وفي النهاية لم نرَ شيئاً جديداً أو مختلفاً عما رآه ولاحظه الأب
أغسطنيوفيش، آخر المكتشفين الحديثين الذين زاروا الموقع، على بعد خمسين متراً من
ضفة الوادي كان بمقدورنا تجميع بعض القطع والآنية الفخارية التي تعود الى العصر
البيزنطي وغيرها من الأواني والأدوات التي تعود الى القرن الأول وبعض الأجزاء الحجرية
التي تشكل زهريات نموذجية خاصة بالبيئة اليهودية وهذه في الحقيقة تعتبر من أول
المكتشفات الأثرية التي تدل على وجود مناطق سكنية ومأهولة في المنطقة بالقرب من
النبع منذ القرن الأول وقد ساعدنا على تأكيد هذا، ما كتب لاحقاً في الكتب
البيزنطية التي تشهد بوجود قرية بيثيني (بيت عنيا) بالقرب من النهر، التي يجب
أخذها بالأعتبار وبشكل جدي. وهذا لا ينسجم مع الوزن الكبير المعطى للشهادة
التاريخية التي أعطاها أورجين والتي على الأغلب كان لها قبول بين أتباعها، فقد
استنتج ان القرية لم تكن موجودة على الضفة الشرقية للنهر واقترح تنقيح النص
الكتابي واستبدال بيثيني بالموقع المسمى بيثابرا.(65)

 

هذان موقعان مختلفان لا يلغي أحدهما وجود الآخر. بيثابرا تقع على نهر
الأردن وبيثيني تقع عند منبع العين في وادي الخرار بحسب ما نلاحظه على خريطة مادبا
الفسيفسائية.

 

و قد اصدر قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث قرارا بحرم كل من
يذهب الى القدس الا حين يدخلها المسيحييون والمسلمون معا، فرغم اختلافنا مع الاخوة
المسلمون عقائديا الا اننا ابناء بلد واحدة لا نرضى بهذا الظلم الصهيونى!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى