علم

المعمودية



المعمودية

المعمودية

عند
إغريغوريوس النزينزى الجزء الأول

ميشيل
بديع عبد الملك

إغريغوريوس
النزينزي (329-390م)

يعتبر
القديس إغريغوريوس النزينزي والملقب ” باللاهوتي ” أحد أعلام الفكر
المسيحي والإنساني حيث اشتهر ببلاغته وفصاحته وإجادته للشعر. فقد قدم للعالم
المسيحي في القرن الرابع أهم الكتابات اللاهوتية والمعروفة باسم ” الخطب
اللاهوتية الخمسة ” حيث إنها تبحث في ذات الله وطبيعته وصفاته بقدر ما يستطيع
العقل البشري أن يدركها ويحيط بها، كما تبحث الخطب اللاهوتية أيضًا وحدة الثالوث
القدوس بالإضافة إلى دحض افتراءات الآريوسيين والدفاع عن ألوهية الروح القدس.

 

وُلد
القديس إغريغوريوس نحو 329/330 في مدينة صغير تقع في الجنوب الغربي من كبادوكية
وتسمي ” نَزينزه “. ونظرًا لطموحاته الكبيرة في طلب العلم والفضيلة
والحكمة الإلهية، تنقل بين مدارس العلوم اللاهوتية في كل من كبادوكية، وقيصرية فلسطين،
والإسكندرية، ثم أثينا حيث التقي بالقديس باسيليوس وتصادقا ثم تعمقت هذه الصداقة
عن طريق محبتهما لله وفعل الصلاح والخير.

 

في
عام 361 عاد القديس إغريغوريوس إلى نَزينزه ورُسم هناك كاهنًا، ثم رُسم أسقفًا عام
372 على مدينة سازيموس. ونظرًا لظهور تيارات هدامة عاد إلى مكان منسكه، ولكنه فيما
بعد صار أسقفًا على نَزينزه بعدما توفي والده، والذي كان أسقفًا أيضًا. ثم دُعي من
قِبل الإمبراطور ثيؤدوسيوس إلى حضور المجمع المسكوني الثاني عام 381م، وبعد ذلك
بفترة وجيزة ترك الأسقفية وعاد إلى حياة الخلوة وانكب على الصلاة والتأمل وظل يهتم
بكنيسة نَزينزه إلى أن انتقل عام 390م.[1]

 

I مقدمة عامة عن العظات المستخدمة في البحث

يعتمد
هذا البحث على العظتين 39،40 للقديس إغريغوريوس النزينزي حيث إنهما يرتبطان معًا
من حيث المحتوى وزمن إلقائهما. ومناسبة إلقاء هاتين العظتين هو الاحتفال بالإبيفانيا
عام 380م بمدينة القسطنطينية، كما يتبين من العظة 39 حيث يستهل القديس إغريغوريوس
حديثه بالكلام عن عماد الرب يسوع.[2] وقد أدخل التعبير عيد ” الأنوار ”
(
t¦ ¤gia fîta) للإشارة إلى الاحتفال بعيد عماد السيد المسيح في الأردن. [3]

 

وقد
خصص القديس إغريغوريوس العظة 39 للحديث عن معمودية الرب يسوع في الأردن، وبعد ذلك
قدم حديثًا مطولاً عن المعمودية الكنسية، حيث كان الهدف من ذلك هو دعوة الموعوظين
للتقدم لنوال سر المعمودية المقدس. وبسبب إطالته في الحديث عن معمودية الرب يسوع
وذلك في العظة 39، استكمل الحديث في اليوم التالي عن المعمودية المقدسة وذلك في
العظة 40، والتي فيها يبدأ حديثه قائلاً: [ لقد احتفلنا بالأمس بعيد النور البهي…
أما اليوم فسنتكلم عن المعمودية والنعمة الكبرى المنحدرة علينا من خلالها، وعن
فضلها العظيم علينا. لقد فاتنا بالأمس فرصة التكلم (عن المعمودية) في وقتها
المناسب، وذلك بسبب طول الخدمة] [4].

 

لقد
كان ميعاد الاحتفال بالإبيفانيا في عصور الكنيسة الأولى في السادس من يناير (وذلك
حسب التقويم اليولياني القديم قبل التعديل الغريغوري والمتفق مع التقويم القبطي
والمعمول به إلى اليوم)، لذلك نفترض أن 6،7 يناير من عام 380م كانا ميعادي إلقاء
العظتين 39،40. لكن أحد العلماء المعاصرين
J. M. Szymusiak
يعطى في هذا الصدد بعض الملاحظات القيمة، يحدد فيها التاريخ الصحيح للعظتين
المذكورتين [5] فيقول إن التاريخ الخاص بالعظتين
39،40
يجب أن يتقدم يومًا، أي في الخامس والسادس من يناير وذلك لأن المعمودية المقدسة
بحسب التقليد القديم كانت تُمنح عشية عيد الإبيفانيا، أي في ليلة الخامس إلى
السادس من يناير. وقد أعلن القديس إغريغوريوس في نهاية العظة 40 عن استعداد
الموعوظين للتقدم لقبول المعمودية المقدسة والوشيك الحدوث مباشرة: [ هذه الأمانة
(أي الاعتراف بالثالوث القدوس) هي التي استودعك إياها اليوم أيها المعمد. فبهذه
الأمانة أعمدك وأرفعك إلى أعلى ].[6]

 

من
هنا يمكننا أن نستنتج أن العظة 39 كانت في الخامس من يناير ليلاً. وقد احتفل
القديس إغريغوريوس بعيد الأنوار مع كل الإبراشية والتي اجتمعت بالكامل في الخامس
من يناير ليلاً لعام 380 والذي كان يوافق يوم الأحد في تلك السنة.

 

الارتباط
بين العظة 39 والعظة 40 يكون قويًا حيث إن الواعظ قدم أولاً شرحًا منهجيًا
لمعمودية الرب يسوع في الأردن، حتى يستطيع أن يقدم سببًا للسر الكنسي وضرورته
الخلاصية. ففي بداية العظة 39 نجده يؤكد على أهمية معمودية الأردن وارتباطها
بمعمودية الكنيسة، حيث أعلن أن العيد (أي الإبيفانيا) بالنسبة للمؤمنين يحمل معنى
التطهير، أما بالنسبة للموعوظين فهو قبول المعمودية الكنسية كهدف أساسي للعيد،: [
لأن يوم الأنوار المقدس (¡
g…a
tîn fètwn
) الذي بلغنا إلى أوانه،
وأُهلنا أن نعيد له، مناسبته هي معمودية مسيحنا النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان
آتٍ إلى العالم، وموضوعه هو ظهور الثالوث القدوس الفائق التمجيد. إنه عيد يحقق
تطهيرنا، ويعيد إلينا النور الذي أخذناه من الله منذ البدء، والذي سودناه بالخطية
وجعلناه باهتًا.. هاهي الفرصة لإعادة الولادة، فنصبح سمائيين. هاهي الفرصة لإعادة
الجُبلة، لنجد آدم الأول. لا لنظل كما نحن، بل لنصير كما كنا قبلاً ].[7]

 

الدعوة
لقبول المعمودية المقدسة بالنسبة للموعوظين ذكرت مرة أخري، وبتأكيد أكثر في العظة
40 وذلك في الفقرات من 11 40 كما هو مدون في نص العظة الواردة في مجموعة الآباء
الذين كتبوا باليونانية والتي يُرمز إليها
P.G. من المجلد 36.

 

ومن
خلال هذه الفقرات نجد القديس إغريغوريوس النزينزي ينضم إلى آباء الكنيسة، الذين
قادوا في القرن الرابع للميلاد حربًا حازمة ضد العادات السيئة والتي كانت تدعو إلى
تأجيل المعمودية الكنسية، حيث كان البعض ينادى بأنه على الإنسان أن يقبل المعمودية
بقدر الإمكان وهو على فراش الموت، حتى يقدم ملابس العماد البيضاء في السماء نظيفة
بلا دنس. فنجده على سبيل المثال في الفقرات 12،13 من العظة 40 يقول:

ومادامت
لك القوة أن تصير مؤمنًا، وليس مؤمنًا نظريًا بل بالاعتراف لسانيًا وقلبيًا حتى
يغبطك الناس على إيمانك، ومادام ظاهرًا للجميع أنك تأخذ العطية عن استحقاق لا
بصورة مشبوهة، ومادامت النعمة تتغلغل فيك إلى الأعماق، لا كأن الجسم يُبلّل بالماء
أو كأن العملية عبارة عن غسل الجسم قبل الدفن [8].

 

والدموع
التي تذرف تكون دموع توبتك الخاصة لا دموع الآخرين الذين يشيعون جنازتك، تلك
الدموع التي تجمعت بالمجاملة والمداهنة، وزوجتك وأولادك يلتمسون أقوالاً رثائية.
لماذا تؤجل التوبة، والطبيب الذي تعتمد عليه، ليس من ذوي الأهلية، وليس له أن يطيل
عمرك إلاّ سويعات معدودات فقط، ودون أن يضمن تأمين هذه الساعات يهز برأسه فقط
ليبين إذا كنت ستعيش أو إذا كان الأمل مقطوعًا. وبعد أن تموت يعلل أسباب مرضك..
اهتم بأن يكون هناك ولو قليل من الوقت بين معموديتك وموتك، وعندئذ لا تتناول
الموهبة فقط، بل يبقى لك وقت تظهر فيه شكرك وعرفانك للجميل الإلهي، وعندئذ لا تنجو
فقط من النار، بل ترث المجد والكرامة التي يهبك إياها تعاونك مع عطايا الموهبة
التي تتقبلها ] [9].

 

أما
في الفقرة 16 فيقول: ولكن ألعلك تخاف من تدمير الموهبة (أي المعمودية) بالخطيئة،
ولأجل ذلك تؤجل الاغتسال لأنه لا يحق لك اغتسال آخر؟ ولكن عندئذ ماذا يكون؟ ألاّ
تخاف أن يدهمك خطر الهلاك وتخسر المسيح نفسه الذي هو أعظم من كل ما عندك؟.. مادمت
أنت موعوظًا، فأنت على عتبات الملكوت. يجب أن تدخل إلى الداخل، أن تجتاز الساحة
الملوكية، أن تتفرس في المقادس، وأنت تنظر إلى أقداس القديسين وأن تأتلف مع
الثالوث القدوس ] [10].

 

بالنسبة
لطقوس منح المعمودية فنجد في العظة 40 بعض الإشارات التي تنزع من المعمد الرهبة
والخجل أمام الممارسات الطقسية للعماد، مثل الاعتراف بالخطية، وجحد الشيطان: [ لا
ترفض أن تعترف بخطيئتك، وأنت تعلم كيف كان يوحنا يعمد الناس الذين كانوا يعترفون
بخطاياهم حتى بالخجل الذي تحتمله هنا،
تبعد عن نفسك الخجل في الحياة الأخرى وحتى تظهر فعلاً أنك
تمقت الخطيئة، مشهرًا وفاضحًا إياها علنًا لأنها تستوجب الفضح والتشهير، لا تحتقر
معالجة الخطيئة، ولا يثقل عليك طول الوقت في معالجتها ][11].

 

كما
إنه يمكننا أن نستدل من العظة 40 على معانٍ أخرى لطقوس العماد مثل دهن الحواس
الخمسة، فيقول في الفقرة 38: [ لنطهر أيها الاخوة كل عضو من أعضائنا ولننق كل حاسة
من حواس الجسد. لا يبقى فينا شئ غير كامل حتى نعود إلى خلقتنا الأولى الكاملة
الطاهرة. لا يظل فينا شئ من النقص إلاّ وتكملة المعمودية. لنعمد (لنطهر) العين حتى
نرى رؤية واضحة مستقيمة، ولكي لا يبقى لنا في داخلنا صنم متسرب من مشهد غريب يعمل
فينا. لأنه وإن لم نخضع للهوى، إلاّ أننا ندنس النفس. إذا كان لنا خشبة في عيننا،
فلننزعها أولاً لنستطيع أن نرى تلك التى في أعين الآخرين. لنعمد الأذن والسمع،
لنعمد اللسان، لكي نسمع ما الذي يتكلم به الرب الإله، ولكي نستطيع أن نستمع إلى
مراحم الله في الصلاة الصباحية، ولنتقبل في مسامعنا بهجة وحبورًا بالألحان الإلهية.
لا تكن ألسنتنا سيوفًا حادة وسهامًا مسنونة. بل لنتكلم سريًا بحكمة الله الخفية،
محترمين وموقرين الألسنة النارية. لنراعِ حاسة الشم لكي لا نشم الرائحة الكريهة
بدلاً من الذكية. بل فلنتخذ رائحة الطيب الجيد (الميرون) المنسكب علينا، وبمقدار
ما نتأثر به، تنبعث منا رائحة طيب زكى. لنطهر الملمس والمذاق والحنجرة مجتنبين
ملامس الارتخاء، والتلذذ بالنعومة. وإذا لامسنا أي جسم فكأننا نلامس جسد الكلمة
المتأنس لأجلنا، مقلدين توما الذي لمس الجسد بورع. لا نلذذ التذوق بالأطعمة
والأشربة لئلا يقودنا هذا التلذذ إلى الملذات المرة، بل حين نتذوق، ونعرف أنه جسد
المسيح الرب، فإننا نكون قد تذوقنا المذاق الأفضل والأبقى. ولنعرف أيضًا أن كلمة
الرب، أحلى في الأفواه من العسل والشهد][12]. كما أنه يمكننا على ضوء القول السابق
أن ندرك عمل المعمودية في التطهير الأخلاقي الشامل والكامل للإنسان المُعمد.

كما
أن القديس إغريغوريوس لم يتجاوز في عظته الأربعين أهمية قانون الإيمان بالنسبة
للمعمدين حيث عرض تعاليم الثالوث الأرثوذكسية وضرورتها للخلاص بالإضافة إلى عرضه
لتعاليم الإيمان الأخرى الهامة: [ وقبل كل شئ، وفوق كل شئ، ” احفظ أيها
العزيز الوديعة الصالحة ” وديعة الإيمان، التي بها نحيا ونعيش ونجتمع والتي
نشتهي أن تكون ثابتة فينا دائمًا حيثما نوجد، وبها نستطيع أن نواجه كل المصائب،
ونزدرى بكل شئ يتعلق به أهل العالم. وهذه الأمانة إنما هي الاعتراف بآب وابن وروح
قدس. هذه الأمانة هي التي أستودعك إياها اليوم أيها المُعمد. بهذه الأمانة أعمدك
وأرفعك إلى أعلى. هذه هي التي أعطيك إياها لكي تشترك فيها وهي التي تحميك وتحفظك
في كل حياتك، وهي الألوهية الواحدة والقدرة الواحدة
الكائنة في ثلاثة أقانيم، والحاوية هذه الأقانيم الثلاثة في
بساطة الألوهية بغير تشويش، بلا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، ولا ارتفاع ولا انخفاض
(فيما بين الأقانيم) بل بمساواة من جميع الوجوه كالسماء الواحدة في الحسن والحجم.
إنها (الألوهية) أصل واحد، لا يُدرك ولا يُحد للأقانيم الثلاثة غير المُدركة. كل
واحد إله في ذاته. كما أن الآب هو إله، كذلك الابن وكذلك الروح القدس، كل واحد إله
فقط إذا نظرنا إلى أقنومه الخاص المميز.

 

أما
الثلاثة معًا فهم إله واحد، متساويين في الجوهر ولهم أصل واحد. لا أكاد أدرك
الواحد حتى أستنير بالثلاثة معًا، ولا أكاد أجمع الثلاثة معًا حتى أدرك كل واحد
متميزًا. عندما أتصور الواحد من بين الثلاثة أظنه الكل، وتمتلئ رؤيتي بالألوهية
ويفوتني ما أكثر منه. لا يمكنني ضبط حجم الواحد لكي أدرك أن القسم الأكبر هو ما لم
أضبطه. وعندما أدرك الثلاثة عقليًا أري مصدرًا واحدًا للنور، وأنا غير قادر أن
أميز أو أقيس النور الواحد الذي يضئ ] [13].

 

كما
أن القديس إغريغوريوس أكد في الفقرة 45 من العظة 40 على العماد باسم الثالوث
القدوس، ثم أخذ في شرح قانون الإيمان النيقاوي مبتدأ بشرح أزلية ابن الله الكلمة
وتجسده وميلاده من العذراء مريم وصلبه وقيامته وصعوده ثم مجيئه الثاني، ولذلك
استهل هذه الفقرة بالقول: [ سأتلمذكم للكلمة، وسأعمدكم باسم الآب والابن والروح
القدس.. آمنوا أن ابن الله، الكلمة الأزلي الذي هو مولود من الآب بدون جسد ولادة
أزلية، هو نفسه صار ابن البشر وتأنس في الأيام الأخيرة من مريم العذراء بحال لا
يوصف، ولا يُعبّر عنه، وأنه هو نفسه صار إنسانًا كاملاً في اتحاد تام مع الألوهية
الكاملة لكي يهب لك الخلاص كله، بفتحه لك طريق الخلاص وحل عقدة الخطيئة.. ] [14].
وهنا نرى مدى حرص الكنيسة فى ممارستها لطقس المعمودية على ضرورة تغطيس المُعمد فى
الماء.

 

وقد
أشار القديس إغريغوريوس إلى أسماء مختلفة ومعاني كثيرة للمعمودية، حيث أشار إلى
أنها تعنى الدفن مستخدمًا التعبير ”
b£ptisma “: [ ونسميه
(أي السر) معمودية لأننا به نُدفن (مع المسيح) في الماء ] [15]. وهنا نرى حرص
الكنيسة في ممارستها لطقس المعمودية على ضرورة تغطيس المُعمد في الماء.

 

بعد
هذا العرض السريع للنصوص المستخدمة في هذا البحث، ننتقل لمعالجة موضوعين هامين من
خلال تعاليم المعمودية للقديس إغريغوريوس النزينزي:

أ
طبيعة وفعل المعمودية في الإنسان المُعمد.

ب
علاقة المعمودية والمُعمد بشخص وعمل يسوع المسيح.

 

II طبيعة وفعل المعمودية

1
الاستنارة:

في
مستهل حديثه عن المعمودية يقدم القديس إغريغوريوس النزينزي، مفاهيم سريعة عن طبيعة
وفعل المعمودية، وذلك انطلاقًا من الطبيعة الليتورجية للعيد باعتباره يوم الأنوار.
فالمعمودية هي الميلاد الجديد الذي يعيد الإنسان إلى الحياة السمائية.

ثم
يذكر أن العلاقة الخريستولوجية للسر لا تنحصر فقط في أن عمل المسيح الخلاصي هو
التجسد، ولكن أيضًا في معمودية الأردن حيث يقدم لنا السر حياة المسيح كمثال لنا.[16]

 

في
الفقرات 3، 4 من العظة 40 تتنوع الأقوال عن الأفعال المؤثرة للمعمودية المقدسة
الكنسية فتكشف عن مفهوم المعمودية بأنه يوم النور الذي فيه تمنح المعمودية. فعل
أساس طبيعة العيد بأنه عيد الأنوار كما أُعلن في العظة 2: 39، يطالب القديس إغريغوريوس
الموعوظين بترك الظلمة ليصيروا نورًا: [ هاهي الفرصة لإعادة الولادة. فنصبح
سماويين. هاهي الفرصة لإعادة الجبلة، فلنجدد آدم الأول. لا نبق كما نحن، بل لنصر
كما كنا قبلاً. النور ينير في الظلمة. فلنطرح الظلمة، ونقترب إلى النور ونصبح
نورًا كاملاً وأبناء كاملين للنور] [17].

 

من
هنا نجد أن الحدثين، أي ترك الظلمة ثم الاقتراب من النور قد حظيا باهتمام كبير من
جانب القديس إغريغوريوس وهو يتحدث عن ” عيد النور ” وذلك في الفقرات من
36، 710 من العظة 39. ثم نجده يتسلسل في الحديث ذاكرًا التطهير أولاً ثم الاستنارة
في نهاية العظة 39 لينتقل بعد ذلك للحديث عن المعمودية:

 

[
فلنكرم اليوم معمودية المسيح، ولنعيد عيدًا سعيدًا يفرحنا روحيًا بدلاً من أن نهتم
بمعدتنا وشهواتنا. ما هي طريقة فرحنا؟ اغتسلوا حتى تتنقوا. إذا كنتم حُمرًا
قرمزيين من الخطيئة فصيروا بيضًا كالثلج بالاغتسال والتوبة. حاولوا أن تتنقوا لأن
الله لا يفرحه شئ بقدر ما تفرحه النقاوة وخلاص الإنسان الذي تجسد من أجله، ومن
أجله كُتبت كل الكتب، وأعطيت كل الأسرار لكي يصبح (الإنسان) كوكبًا مشعًا بالضياء
للعالم المنظور وأمام الملائكة، وقوة محيية للآخرين، ولكي تتقدموا أنتم كأنوار
أمام النور الكبير، وان تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير، متخذين من
النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من صباحات الألوهية الواحدة
بشخص يسوع المسيح ربنا ] [18].

 

بلا
شك أن التطهير هو الخطوة الأولى والضرورية للاستنارة وأنه عمل ضرورى للإنسان
الخاطئ، ولكن في الواقع نجد أنه عند القديس إغريغوريوس لا يكون التطهير هو الأساس
ولكن الاستنارة، ولذلك نجد أنه قد عالج موضوع المعمودية بالكامل من نظرته الخاصة
لأهمية الاستنارة، حيث استخدم التعبير ” الاستنارة ” (
fètisma) بإصرار، لأن المعمودية هي استنارة تامة. فالمعمودية هي أجمل
عطايا الله. وهنا يقودنا الحديث إلى لاهوت النور الذي تكلم عنه القديس إغريغوريوس
حيث إن الله هو النور الحقيقي، وأن الأشياء الأخرى مثل الملائكة، الإنسان، العليقة،
القانون الموسوى، العماد الكنسي، تستمد نورها بالتلامس مع الله مصدر النور الحقيقي
[19]. من هنا قد يثور سؤال: هل يشير القديس إغريغوريوس في هذا الحديث إلى الكلام
عن الجوهر الإلهي؟

 

في
الواقع أنه بعد أسابيع قليلة من هذه العظة 40، وفي زمن الصوم الأربعيني المقدس من
عام 380، أتيحت للقديس إغريغوريوس فرصة أن يوضح مفهومه عن الله وهو أمام حشد من
جموع المؤمنين. ففي الأحاديث اللاهوتية الخمسة المشهورة للقديس إغريغوريوس، نجده
يقدم المفاهيم العظمى عن الله[20]، فيقول عن الله في الحديث 28 ما يلى:

 

[
روح، نار، نور، محبة، حكمة، عدل، عقل، كلمة، أليست هذه الألفاظ وما شابهها أسماء
للطبيعة الأولى؟ وماذا؟ هل تتصور روحًا بغير انطلاق وانتشار؟ نار، في خارج المادة
وبغير ارتفاع إلى أعلى، وبغير لون ولا شكل؟ نور، غير ممتزج بالهواء ومنفصل نوعًا
ما عن مصدره وباعثه؟ عقل، وأي عقل؟ هل هو عقل فى آخر، عقل تصوُّره حركة، عقل ساكن
أم متدفق إلى خارج؟ كلمة، وأي كلمة؟ هو هو المقيم فينا أو المنتشر ولا أجرؤ أن
أقول المتبدد؟ وإن كان حكمة، فأي حكمة هي؟ هل هي الصفة المألوفة التي تعمل فى
أثناء التأمل، سواء كان ذلك في الأمور الإلهية أو في الأمور البشرية؟ عدل، ومحبة؟
أليس هما صفتان جيدتان تخالف الأولى الظلم، وتخالف الأخرى الحقد والضغينة، تشتدان
وتتراخيان، تبرزان وتتواريان، وتحدثان فينا على كل حال تأثيرًا وتغييرًا، كما تفعل
الألوان في الأجسام؟ أم تُرى هل يجب أن ندع هذا وننظر إلى الألوهية في ذاتها، بقدر
المستطاع، ونتصور لها صورة ولو جزئية؟ فماذا يكون هذا الابتداع: أتكون من الألوهية
ولا تكون هي الألوهية؟ أو كيف يكون كل هذا وكيف يكون كل شئ من هذه الأشياء على
الوجه الأكمل، هو الواحد بطبيعته في غير تركيب ولا مماثلة لأحد؟ ] [21].

 

ففي
النزاع مع أتباع أفنوميوس [22]، كان لزامًا على القديس إغريغوريوس أن يحدد
المفاهيم الإيجابية للجوهر الإلهي عندما أراد أن يفند ادعاءاتهم في أن الجوهر
الإلهي يقوم في عدم الولادة. فيرى القديس إغريغوريوس أن اللفظتين ” الكائن
” و ” الله ” هما، اسمان للجوهر، وخصوصًا الكائن، وقد تسمى بها
الله نفسه عندما خاطب موسى على الجبل (خر14: 3) وأمره عندما سأله ما اسمه، أن يقول
للشعب: ” الكائن أرسلني “. لأن [ “الكائن” هو فى الواقع ميزة
الله الخاصة، أى يكون كامل الكينونة، لا يسبقه فى ذلك أحد ولا يأتى بعده أحد، لأنه
لم يكن ولن يكون محدودًا أو منقوصًا ] [23].

 

لقد
تحدث القديس إغريغوريوس عن النور وليس النار، فبالرغم من أن الله يسمى في العهد
القديم أنه ” نار” (لاويين24: 4) حيث إنه يأتى على الشر مثل النار، لهذا
يكون الله “نار” للشر و ” نور ” للصلاح، فبالأولى يؤدب ويعاقب،
وبالثانية يسمو بالصالحين.[24]

 

كل
ما يأتي من قِبَلْ الله هو نور: أي الخليقة العاقلة وأيضًا الأعمال الخلاصية مثل
المعمودية. فمن عطايا الله نجد أن الاستنارة بالمعمودية تأخذ مكانة خاصة لأنها
تعطى مشاركة النور الإلهي، وبذلك تجلب للمخلوق الإشعاع الإلهي. فحيث إن العقل قد
خُلق من الله كنور مع الجوهر المخلوق، لذلك يمكن أن يضئ ويصير روحانيًا.
فالمعمودية هي لمعان النفس، فعندما تمتلئ النفس بالنور الإلهي، تحدث استنارة كاملة
للإنسان. لذلك لم يشر القديس إغريغوريوس مصادفة إلى الاستنارة بأنها اكتمال الروح،
لأن الروح هي نور النفس. وعلى ذلك نجد أن الاستنارة تحمل معنى ” السمو ”
أو بتعبير آخر ” الروحانية ” [25].

 

2
التطهير:

يرى
القديس إغريغوريوس النيسى أن التطهير يُجسِّم الشرط الضرورى للاستنارة. ففى نهاية
حديثه عن لاهوت النور نجده يتكلم عن التطهير، حيث يقول: [ هذه هى إذن نعمة
المعمودية وقوتها. فماؤها هنا ليس هو طوفانًا يغرقنا كما حدث قديمًا، وإنما ماء
مقدس يحقق التطهير من الخطية لكل واحد منا، وكذلك الغسل الكامل من الطين
والقاذورات التى علقت بنا من فعل الشر والخطية ] [26].

لقد
أشار القديس إغريغوريوس النيسى فى مقدمة العظة 40 إلى أن المعمودية هى: فناء
الخطية، غلبة الظلام، رفع العبودية، تفكك القيود. وأن التعبير ”
B£ptisma ” يوضح أن الخطية تدفن فى الماء، أما التعبير ” loutrÒn ” يشير إلى الاغتسال والتطهير. لهذا يمكن أن يُقال إن عمل
المعمودية هو التطهير من الخطية وغسل كامل من العيوب الأصلية والقاذورات الناجمة
عن فعل الخطية. فالمعمودية تمنح إبراءً كاملاً من الخطية. وفى هذا الصدد يستند
القديس إغريغوريوس إلى قول إشعياء النبى (16: 1). ويذكر لسامعيه فى نهاية العظة 39
بأن المعمودية هى خلاص قاطع، حيث يقول: [ ما هى طريقة فرحنا؟ اغتسلوا حتى تتنقوا.
إذا كنتم بسبب الخطية حُمرًا قرمزيين، فبالاغتسال والتوبة تصيرون بيضًا كالثلج]
[27].

 

خلال
المعمودية تترك الخطايا السالفة وليست اللاحقة. وحيث أنها تمحى الخطايا فقط، لذلك
ليس هناك مجال للحديث عن التطهير الجذرى للطبع (الخُلُق). فالشرور التى تصدر من
الطبع هى التى فقط ستُقهر، أما المنابع التى منها تدفقت الشرور القديمة، فإنها تبقى.

 

إلا
أن القديس إغريغوريوس يدعو الموعوظين بألا يكتفوا بهذا التأثير الهام لسر
المعمودية ويظلوا بذلك آمنين، ولكنه يشدد على ضرورة إدراك أن للسر تأثير آخر فى
تحول مسار الحياة وتغيره، حيث يقول:

 

[
(المعمودية) لا ينبغى فقط أن تصر لك كحمام للجسد، ولكن أيضًا للصورة. ليس فقط
الاغتسال من الخطايا، ولكن أيضًا إصلاح الطبع (الخُلُق). لا ينبغى أن تغسل فقط
القاذورات العالقة، ولكن أيضًا تطهير المصادر. لا يكون الأمر لك هو الكسب الجيد،
بل أيضًا الترك الحاسم لكل دنس، أو على الأقل دفع كل ما يأتيك من الدنس والأذى.
فالمعمودية تمحو ما سلف من خطاياك ولا تمحو ما تقترفه من الآن من خطايا. احترس من
أن تتقبل المعمودية بغش بل أن تتقبلها كخاتم وعلامة تُعرف بها ولا تتغير. يجب أن
تلمع وتضئ كلية بالمعمودية لا كأنك فقط مصبوغ صبغًا. لا يُفترض فى المعمودية أن
تغطى خطاياك بل أن تمحوها وتزيلها. ” طوبى للذين غُفرت خطاياهم ” هذا
يعنى التطهير الكامل، ” والذين سُترت ذنوبهم ” هذا يشير إلى الذين لم
يتنقوا بعد بعمق التنقية، ” طوبى للرجل الذى لم يحسب له الرب خطيئة ”
هذه منزلة ثالثة من منازل الخاطئين الذين يحق لومهم على عملهم، وأما فكرهم فدون
المسئولية، وبالتالى لا يُدانون ] [28].

 

يوصى
القديس إغريغوريوس الموعوظين بضرورة الاستعداد الأساسى لتقبل المعمودية بممارسة
طقوس التوبة مثل: السهر، الصوم، النوم على الأرض، الصلاة، الدموع، بالإضافة إلى
الصدقة، حيث يذكر فى الفقرة 31: [ لكى تظفر بمشتهاك من الفضيلة فاعلم أن هناك
معونات أفضل عن طريق السهر والأصوام، والمرقد الخشن، وعمل الرحمة والصلوات،
والدموع، والإشفاق على المحتاجين. فلتكن لك مثل هذه الوسائل كوقاية وكسياج يحفظ
مكاسبك من الفضيلة. فهناك أمثلة واعتبارات تذكرك بالإحسان فلا تتغافل عنها، فإذا
جاءك فقير فتذكرك أنك كنت فقيرًا، ولكنك أصبحت غنيًا. هل هناك لعازر آخر ينقصه
الخبز والماء ومطروحًا عند بابك؟ تذكر بخوف المائدة المقدسة السرية التى ستشترك
فيها، الخبز الذى تتناوله والكأس المقدسة التى تشرب منها فتتطهر بآلام المسيح. هل
يتوسل إليك إنسان غريب ليس له مأوى، ولاجئ يطلب ملاذًا عندك؟ اقبله كأنك تقبل فى
شخصه ذاك الذى صار من أجلك غريبًا وسكن بنعمته فى داخلك واجتذبك إلى المسكن الأعلى
] [29].

 

يعلم
القديس إغريغوريوس أن الذى تطهر قبل المعمودية بممارسة أعمال التوبة والرحمة فإنه
يصير بالمعمودية طاهرًا فى كل عضو من أعضائه، حيث تصير هذه الأعضاء مكرسة لله، [
ولنجمل فى ملك الرب وطاعته كل الأعضاء التى على الأرض ولنكرسها ونقدسها…. فلنقدم
ذواتنا كلها لله وأن نعمل لخلاصنا مقدمين ذواتنا ذبيحة ] [30]. فالأعمال الصالحة
التى حدثت قبل المعمودية ستبقى كما هى، لأن المعمودية تمحو فقط الأعمال الشريرة.
فأولئك الذين تطهروا بجدية قبل المعمودية يصيرون أشداء وأقوياء فى نوال الخلاص،
بالإضافة إلى أنهم يكونون قادرين على حفظ هذا الخلاص أكثر من أولئك الذين هم
صالحين بطبيعتهم. ولكنه أفضل من هؤلاء، هم أولئك الذين يحرصون على نعمة المعمودية
ويتفاعلون معها ويعاهدون أنفسهم بالعناية والنمو حتى يصيروا بحسب إمكانهم، أجمل
مما كانوا عليه قبلاً [31]. ولكن القديس إغريغوريوس يطور هذا التعليم من مجادلته
مع أولئك الموعوظين الذين يؤسسون رأيهم فى تأجيل المعمودية استنادًا إلى ما جاء فى
مثل الكرام حيث أُعطى للأخير نفس الجر للذى أتى مبكرًا فى الكرم، إذ يقول:

 

[
ولكن كأنى بك تقول ماذا يكون لى إذا أنا ارتبطت مبكرًا بالمعمودية وأغلقت مبكرًا
باب الاستمتاع بالحياة ولذّاتها، فى حين أنى أستطيع أن أظل حرًا فى التمتع
بالشهوات ثم آخذ نعمة المعمودية أيضًا؟ لأنى أرى أن أولئك الذين تعبوا من أول
النهار فى عمل الكرم لم يربحوا أكثر من الذين أتوا فى الساعة الأخيرة. لقد أعفيتنى
من مشقة البحث عمن تكون أنت فى سردك لهذه الخواطر حيث أظهرت سر تأجيل المعمودية.
وإذ أنا لم أمتدح فيك سوء حالك فإنى امتدح اعترافك وصراحتك ] [32]، ثم بدأ القديس إغريغوريوس
يفسر المعنى المقصود من هذا المثل الذى لا يتناول الكلام عن المعمودية فى شئ،
ولكنه يشير إلى أولئك الذين سيقبلون الإيمان فى أوقات مختلفة ويدخلون إلى كرم الرب
الصالح الذى هو الكنيسة، فيقول:

 

[
إنه منذ اليوم الأول الذى يدخل فيه كل واحد إلى الكنيسة فإن الرب يطالبه بالعمل.
ثم نقول وإن لم يكن أولئك الذين دخلوا باكرًا إلى الكرم قدموا من حيث التعب أكثر،
ولكنهم لم يقدموا الكثير من حيث حسن الاستعداد، فمن الطبيعى أن السيد يُقَدِّر
ويكافئ كثيرًا أولئك الذين أتوا متأخرين، ولو ظهر كلامى لكم غريبًا نوعًا ما.
وللتوضيح نقول إن مجيء الأخيرين إلى العمل فى الكرم، متأخرًا، يعود إلى أنهم دُعوا
متأخرين، ولنقدر كم هو الفرق بين الأولين والآخرين. فالأولون لم يؤمنوا ولم يدخلوا
قبل أن يشترطوا الأجرة، فى حين أن الأخيرين تقدموا إلى العمل بدون أى شرط، الموقف
الذي يعبر عن الإيمان الكبير. فالأولون أظهروا طبائعهم الحقودة والناقمة أما
الأخيرون فلا شئ من هذا.

 

وما
أخذه الأولون كان أجرة أما ما أخذه الأخيرون فكان عطية، وهكذا فبما أن الأولين
ظهروا كأغبياء، فمن العدل أنهم لم يأخذوا أجرًا أكثر. ولكن فلنفكر، ماذا ترى إن
أتى هؤلاء متأخرين فماذا كانوا سيأخذون؟. إنه من الواضح أنه كان سيعطى لهم الأجر
نفسه. لماذا إذن يتهمون صاحب الكرم بالتوزيع غير العادل؟ ولكن هذا الموقف ينتزع من
الأولين فضل التعب والعرق مع أنهم تعبوا منذ الصبح الباكر. وهكذا يحدث أن يكون
توزيع الأجر المتساوى عادلاً، وذلك لأن التوزيع يتعلق بطيبة الخاطر وصحة العزم ]
[33].

 

بعد
هذا العرض الذى قدمه القديس إغريغوريوس عن مثل الكرم، انتقل إلى الكلام عن
المعمودية من خلال هذا المثل ليوضح لمعارضيه من الموعوظين خطورة تأجيل المعمودية
فيقول:

[
ولكن إذا افترضنا أن المثل يُصوِّر المعمودية حسب تفسيرك الخاص، فماذا سيمنعك أن
تدخل باكرًا وأن تحتمل حرارة الشمس ولا تحسد الآخرين حتى تربح بهذه الإنسانية
ربحًا أوفر، وتأخذ عندئذ جعالتك كدين لك عند الله وليس كعطية. وبعد، تذكر أن
العمال فى هذا المثل يؤجرون بعدما يدخلون أولاً إلى الكرم. وهذا الأمر الثانى أنت
أخطأت فى حسابه، وإنك فى خطر الوقوع فيه. وبالتالى فلو كان أكيد أنك كنت ستفوز
بالنعمة (المعمودية) بهذا التفكير، وتحتجز بعزم رديء قسمًا من الشغل، لكان مغفورًا
لك أن تلجا إلى مثل هذه الحسابات، وتزيد ربحك من محبة السيد للبشر.. وإذا كنت
تجازف فى هذه المساومة أن تخسر الكرم كليًا، فعندئذ تكون قد خسرت رأس مالك بهذا
الحوار السفسطائى. فهلم إذن اقتنع بأقوالى ودع عنك هذه المعارضات. اقبل على
المعمودية من غير حسابات فربما يدهمك الموت قبل ان تحقق الآمال العريضة وبدون أن
تعلم، فإنك تعمل هذه الحيل والفنون على حساب خلاصك ] [34].

 

كما
أن القديس إغريغوريوس استنادًا إلى قول القديس بولس الرسول فى (غلا28: 3): “ليس
يهودى ولا يونانى. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعًا واحد فى المسيح
يسوع “، وأيضًا فى (كو11: 3) لا يستطيع أن يفرق من حيث الكمال بين الأجناس
والطبقات المختلفة من المتقدمين لنوال نعمة المعمودية، ولكنه يؤكد على أنه منذ
اليوم الأول للمعمودية فإن كل العلامات والمعوقات القديمة تختفى، وأن المسيح يوضع
ختمًا على الجميع بنفس الهيئة والشكل. لهذا يطال القديس إغريغوريوس بتجاوز الطبقية
[35].

===

[1]
حياة وأعمال القديس إغريغوريوس النزينزي، راجع:

P. Altaner, Patrologie.
Leben, Schriften und Lehre der Kirchenväter,
Freiburg
(1958)5, S. 266-270
.

[2]
عظة14: 39. (
PG36, 349C):

[
والآن فها أن للمسيح عملاً آخر وسرًا آخر لا أستطيع معه أن ألجم فرحي. إني أحس أن
الله يملأ كياني. وإني ماضٍ في إعلان البشارة المفرحة كيوحنا، وإن كنت لست سابقًا
المسيح كيوحنا ].

[3]عظة1:
39. (
PG36, 336A).

[4]عظة1:
40. (
PG36, 360B).

[5]J. M. Szymusiak, Pour une Chronologie des
discours de Saint Grégoire de Nazianze, VC 20 9(1966), 184f
.

[6]عظة41:
40. (
PG36, 416A).

[7]عظة1:
39. (
PG36, 336AB).

[8]
كان الناس قديمًا يغسلون الموتى قبل الدفن. وكان هذا إحدى واجبات الدفن، وكان
الكثيرون في زمن القديس إغريغوريوس يشعرون بأن الإيمان المسيحي إيمان حقيقي، ولكن
لم تكن لهم الجرأة على أن ينكروا أعمالهم الشريرة. وكانوا يؤجلون المعمودية كل حياتهم،
وكانوا يتعمدون قبل الموت بقليل في سن متقدم.

(هذا
التعليق مقتبس من أ. حداد، مختارات من القديس إغريغوريوس اللاهوتي النزينزي،
منشورات النور1994، ص141).

[9]عظة12:
40،13. (
PG36, 373B- 376A).

[10]عظة16:
40. (
PG36, 377C – 380A).

[11]عظة27:
40. (
PG36, 397A).

[12]عظة38:
40. (
PG36, 413A-C).

[13]عظة41:
40. (
PG36, 417A-B).

[14]عظة45:
40. (
PG36, 425A).

[15]عظة4:
40. (
PG36, 364A).

[16]عظة2:
40. (
PG36, 360C- 361A).

يذكر
القديس إغريغوريوس أننا نخرج من الظلمة إلى النور في ولادات ثلاث. الأولى وهي
الولادة الجسدية وأطلق عليها “بنت الشهوة والليل والعبودية “، والثانية
هي ولادة المعمودية وأطلق عليها ” الولادة الحرة ” والتي تعيدنا إلى
الحياة الفضلى، ثم الولادة الثالثة وهي ولادة القيامة وهي ” بنت لحظة ”
لأنها تجمع في طرفة عين كل الخلائق أمام خالقها لتؤدى حسابًا عن حياتها. ثم انتقل
إلى الحديث عن ظهور المخلص في الجسد وتكريمه لهذه الولادات الثلاثة. ويلاحظ أن
القديس إغريغوريوس في تعبيره عن تكريم المخلص للولادة الثانية والتي سبق وذكر أنها
المعمودية، يقول: [ وأما الثانية فبتجسده وبمعموديته التي اتخذها ]، فالقديس إغريغوريوس
يعتبر هنا التجسد والمعمودية شيئًا واحدًا، وهذا يوضح أن عيد النور أو الأنوار
والذي قال فيه هذه العظة، كان عيد النور وعيد الميلاد معًا. وربما يكون القديس إغريغوريوس
في استخدامه لتعبير ” عيد الأنوار”، يشير إلى معمودية المسيح في نهر
الأردن، تميزًا له عن عيد ” الإبيفانيا ” أو ” عيد الظهور ”
والذي يعنى ظهور الله على الأرض في التجسد عن طريق ولادته من العذراء مريم. راجع:

H. Usener, Das
Weihnachtsfest,
Bonn 1889, S.259; J. Mossay, Les fêtes de Noël et
d’Epiphanie d’après les sources littéraires Cappadociennes du Ive siècle,
Louvain 1965, 35.

[17]عظة2:
39. (
PG36, 336B-C).

[18]عظة20:
39. (
PG36, 357-360).

[19]عظة5:
40. (
PG36, 364f).

يذكر
القديس إغريغوريوس أن الله هو النور الأعلى الذي لا يُبلغ إليه ولا يُعبر عنه ولا
يستطيع العقل أن يدركه. ثم تكلم عن النور الأول، والذي نراه في أقانيم الآب والابن
والروح القدس في طبيعتها الواحدة المشتركة، وإشعاعها الواحد في البهاء المشترك،
والنور الأدنى هو نور الملائكة الذي هو بعض الفيض من النور الأعلى والمساهمة فيه،
والنور الثالث هو الإنسان، حيث يعتبر الإنسان من عالم النور لأنه يملك في داخله قوة
الفكر. ثم هناك الشمس التي تعتبر أول المخلوقات الحسية وهي التي تنير النجوم
والكواكب وكل العالم من فوق، وبعد ذلك الوصية الأولى: لأن وصية الناموس سراج ونور
(مت23: 6).. بعد ذلك تكلم القديس إغريغوريوس عن نور العليقة، ونور عمود النار الذي
كان يهدي إسرائيل ليلاً.. إلخ.

 

[20]
ألقى القديس إغريغوريوس الخطب اللاهوتية الخمس في أوقات متباعدة بمدينة
القسطنطينية. وهي دفاعية وتعتبر ثمرة النضوج في دراسة العقيدة الثالوثية. فالخطبة
الأولى تعالج الشروط التي لابد منها لمناقشة الحقائق اللاهوتية ؛ والثانية = =
تعالج اللاهوت في حد ذاته، أي وجود الله وطبيعته وصفاته ؛ والثالثة توضح وحدة
الطبيعة للأقانيم الثلاثة، ولا سيما ألوهية الكلمة ومساواته للآب في الجوهر ؛ وأما
الرابعة فهي تفند وتدحض الاعتراضات الآريوسية على ألوهية الابن وإيضاح معنى النصوص
الكتابية التي يتسلحون بها لدعم أفكارهم المضلة ؛ وأخيرًا الخطبة الخامسة عبارة عن
دفاع عن ألوهية الروح القدس.

[21]
الحديث 13: 28. (
PG36, 4114).

يُلاحظ
أن القديس إغريغوريوس يُفسر هذه الألقاب تفسيرًا رمزيًا إذ أن الله لا جسم له.
وكان الرواقيون يطلقون على الله أيضًا ” الروح ” , ” النار ”
ولكنهم كانوا يذهبون إلى أن الله كائن ذو جسد.

[22]
أفنوميوس والأفنوميون هم الجيل الثاني للآريوسية وقد أنكروا ألوهية الابن والروح
القدس.

[23]
الحديث 18: 30 (
PG36, 125/8).

[24]
الحديث 12: 41. (
PG36, 445A).

[25]العظة3:
40. (
PG36, 361B).

[26]العظة7:
40. (
PG36, 36/8).

[27]
العظة20: 39. (
PG36, 357d).

[28]
العظة32: 40. (
PG36, 404f).

[29]
العظة31: 40. (
PG36, 401/4).

[30]
العظة38: 40/40. (
PG36, 413/7).

[31]العظة20:
40. (
PG36, 388f).

[32]العظة20:
40. (
PG36, 384/8).

[33]العظة20:
40. (
PG36, 384/8).

[34]العظة21:
40. (
PG36, 388).

[35]العظة27:
40. (
PG36, 396f).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى