اللاهوت الروحي

المعمودية وقبول المسيح



المعمودية وقبول المسيح

المعمودية وقبول المسيح

القمص زكريا بطرس

من
آمن واعتمد خلص

(مر16:
15)

تدور في ذهن البعض عدة تساؤلات عن المفهوم السليم للآية: “هأنذا
واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو
معي” (رؤ3: 20)

 إذ
يتساءلون عن العلاقة بين سر المعمودية وبين قبول
المسيح
. ومن تلك التساؤلات ما يلي:

1 هل يصح أن يقال لمسيحي معمد: “اقبل
المسيح”؟

2 هل يحتاج المسيحي المعمد إلى دعوة
المسيح ليدخل قلبه من جديد؟

3 هل يدخل الله في قلبه عندما يطلبه رغم
أنه قد سبق ونال المعمودية؟

 والواقع أننا سبق أن أصدرنا كتابا كبيرا شاملا هذه التساؤلات
وغيرها بعنوان “قبول المسيح”، ولكننا نقتبس منه بعض أقوال القديسين
وقداسة البابا شنودة الثالث وبعض الأساقفة لتوضيح الأمر.

 وقد آثرنا أن نصدر ذلك في هذا الكتيب الصغير الذي بين يديك، لسهولة قراءته في جلسة واحدة. راجيا أن يستخدمه الرب لبركة النفوس المخلصة
لمعرفة الحق، بصلوات حضرة صاحب الغبطة والقداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث.
آمين

 

الفصل الأول

مفهوم قبول المسيح

الواقع أن قبول المسيح له عدة معاني
روحية ومدلولات كثيرة منها:

أولا: تجديد عهد المعمودية

(1) عن هذا المفهوم قال
الآباء القديسون في مجمع قرطاجنة: “دموع التوبة معمودية ثانية

(أسرار الكنيسة السبعة
لحبيب جرجس ص103)

(2) وقال قداسة البابا
شنوده الثالث:

[ينبغي أن تذكر نذورك
التي نذرتها لله في المعمودية.. حينما نذرت أن تجحد الشيطان وكل أعماله الردية..
وشيئا فشيئا نسيت نذورك، ونسيت بنوتك لله، وتركت نقاوتك، وانفصلت عن الله، وتود
الآن أن ترجع إليه.. ولكي ترجع إلى الله، اذكر أنك ملك له (أي اذكر عهد المعمودية)..]

(الرجوع إلى الله ص 48)

 

 

ثانيا: التوبة

ومن مفاهيم قبول المسيح
هو التوبة. ولقد وضح قداسة البابا شنودة الثالث الرباط الوثيق بين التوبة وقبول
المسيح بقوله: “إن الله المحب بدافع من محبته لأولاده يدعوهم للتوبة..
فالرب يقف على الباب ويقرع منتظرا من يفتح له”

(حياة التوبة والنقاوة
ص17و21)

 

ثالثا: الرجوع إلى الله

ولقد ربط قداسة البابا
شنودة الثالث بين قبول المسيح والرجوع إلى الله بقوله: “الخطية هي الانفصال
عن الله.. والحل الوحيد هو الرجوع إلى الله.. أنا واقف على أبواب قلوبكم
أقرع لكي تفتحوا لي
[رؤ3: 20].. أي أدخل إلى هذه القلوب التي أخرجتموني
منها..”

(الرجوع إلى الله
ص3545)

 

رابعا: اللقاء مع الله

ويربط
قداسة البابا شنودة الثالث بين قبول المسيح واللقاء معه بقوله: “خاطب الرب
إذن وقل له: أريد يارب أن ألقاك.. كما دخلت عقلي أن تدخل قلبي أيضا”

(اللقاء مع الله وطني
16/5/1996)

 

خامسا: إيقاظه في سفينة حياتنا

يقول معلمنا مرقس
البشير: “.. وكان هو في المؤخرة على وسادة نائما، فأيقظوه
وقالوا: يا معلم أما يهمك أننا نهلك؟ فقام وانتهر الريح..” (مر4: 3540)

فبالمعمودية يوجد
المسيح في سفينة حياتنا، ولكننا نومناه على وسادة في مؤخرة اهتماماتنا، لذلك تعصف
بنا رياح الخطية فيلزم أن نوقظه ونقبل قيادته للسفينة. فهذا هو معنى قبول المسيح.

 

سادسا: المعرفة الاختبارية

مدلول آخر لقبول المسيح
هو المعرفة الاختبارية للرب بالقلب، وليس مجرد المعرفة العقلية السطحية. وعن ذلك
يقول قداسة البابا شنوده الثالث:

 

(1) [هل تعرف الله؟ ما
عمق هذه المعرفة؟

قد يبدو السؤال غريبا. فكل إنسان
يظن أنه يعرف الله، وربما يقصد معرفته أنه يوجد إله. ونحن لا نقصد مطلقا هذه
المعرفة العقلية السطحية
. فالشيطان أيضا يعرف أنه يوجد إله.. فهل أنت تعرف
الله هذه المعرفة العقلية وكفى؟ وهل معرفتك مصدرها الكتب، أو مجرد سماع العظات
والتعليم؟ دون أية معرفة اختبارية في حياتك، في داخل قلبك؟.. أن
تقترب إلي الله، وتعرفه عن طريق الخلطة والمعاشرة والحياة معه. وهكذا تعرف الله
الذي يسكن فيك
]

(كتاب الله وكفى ص
10و11)

 

(2) ويقول أيضا قداسته:
[ليتنا في حياتنا جميعا نختبر عمل النعمة. كثير من الناس لم يختبروا عمل النعمة
بعد!!.. لم يختبروا نعمة الله
، ولم يسلموها حياتهم لتعمل فيها.. ولعل واحد
يسأل: أنا لم أر هذه النعمة التي تعطى! أنت لم ترها لأنك لم تختبرها.. ولم
تختبرها لأنك لم تطلبها
.. ولم تطلبها لأنك لا تشعر حتى الآن بقيمتها في حياتك
من كل ناحية]

(كتاب الله وكفى ص
21و66)

 

سابعا: إدراك وجود الله في القلب

قبول المسيح يعني إدراك
وجوده في القلب لتصبح العلاقة معه علاقة حبية.

وعن هذا قال قداسة
البابا شنوده الثالث: [هناك أناس علاقتهم بالله طقسية بلا روح! علاقة فروض!
يؤدي الإنسان الفرض في موعده، دون أن يحس بوجود الله فيما يفعل! يصلي
الصلاة في موعدها. ويقرأ الكتاب المقدس بنظام متبع، وضميره يتعب إن لم يقرأ ولم
يصلي. لأنه لم يؤدي واجبه (الروحي). كل هؤلاء حتى الآن ليست لهم علاقة بالله.
لا الجدل في الله والإلهيات، ولا تذكاره في المناسبات والرسميات، ولا الطقوس
الخالية من الروح
، التي هي مجرد فروض وواجبات، لا شيء من هذا كله يشعر فيه
الإنسان أن له علاقة روحية مع الله]

(مقال اللقاء مع الله
جريدة وطني بتاريخ 16/5/19963)

 

ثامنا: تكوين علاقة شخصية مع الله

يقول المتنيح الأنبا
أثناسيوس مطران بني سويف السابق:

[الخلاص مسألة شخصية.
لا يخلص إنسان لمجرد انتمائه إلى أسرة مسيحية، بل لابد من قبول الخلاص قبولا
شخصيا
.. لابد أن تكون هناك الصلة الشخصية بينه وبين الروح القدس. أن نتكلم عن وسائط
النعمة والأسرار
، فهذه أمور واجبة، لكن لابد أن تكون هذه الأمور بناء على
العلاقة الشخصية
بين الإنسان والله]

 (كتاب
الحياة في المسيح ديسمبر 2000م)

 

الفصل الثاني

المعمد وقبول المسيح

هل يصح أن يقال لمسيحي معمد “اقبل
المسيح”؟

 

أولا: لمن قيلت الآية؟

الواقع أن هذه العبارة
“هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى
معه وهو معي” (رؤ3: 20) قيلت لملاك الكنيسة التي في لاودكية. وقد أجمع أجمع
الآباء أنه أسقفها. وبالتأكيد كان هذا الأسقف مسيحيا معمدا. وبالرغم من هذا كان
صوت الرب له قائلا: “أنا واقف على الباب وأقرع.. “

 

 ومن هنا لا توجد أية
غضاضة من توجيه هذه العبارة لأناس معمدين تنطبق حالتهم الروحية مع حالة ملاك هذه
الكنيسة من فتور روحي واحتياج إلى هذا الحل الإلهي. ولهذا نجد هذه العبارة يرددها
كثيرا قداسة البابا في عظاته وكتاباته للمسيحيين المعمدين:

 

(1) يقول قداسته: [الله
واقف على الباب وهو الذي يقرع
..! وهو الذي يقول في كل حين: “هأنذا واقف
على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي”]
(رؤ3: 20)

(كتاب حياة الرجاء صفحة
49)

 

(2) ويقول قداسته أيضا:
[.. أنا واقف على أبواب قلوبكم أقرع لكي تفتحوا لي (رؤ3: 20) إنما المشكلة تأتي من
جهتكم أنتم فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه]. لذلك أقول
“ارجعوا إلي” أي افتحوا أبواب قلوبكم المغلقة دوني.. “فأرجع
إليكم” أي أدخل إلى هذه القلوب التي أخرجتموني منها، برفضكم
إياي في خطاياكم..].

(كتاب الرجوع إلى الله
صفحة 45)

 

 من هذا يتضح أنه يمكن
للمسيحي الذي نال المعمودية أن يفتح قلبه للرب بعد أن أغلقه دونه، حتى يدخله بعد
أن أخرجه منه، ويقبله ملكا بعد أن رفضه وطرده بسبب خطاياه.

 

ثانيا: المستوى السرائري والمستوى الروحي

مما لاشك فيه أن
الإنسان عندما يعمد سواء كان طفلا أو بالغاً، فإنه بسر المعمودية يولد من الماء
والروح، وينال طبيعة جديدة وغفران الخطية الجدية والخطايا الفعلية السابقة
للمعمودية، وينال أيضا نعمة التبني ويكون فيه الروح القدس روح المسيح من خلال سر
الميرون، هذا إلى جوار كل بركات ومفاعيل هذين السرين المقدسين.

 

 كل هذا قد تم بالفعل
على المستوى السرائري المقدس، ولكن المشكلة كما مر بنا واتضح لنا من أقوال
قداسة البابا شنوده الثالث أن الإنسان على المستوى الروحي ينفصل عن الله
بخطاياه التي يفعلها بعد المعمودية، لذلك فهو يحتاج إلى سر التوبة التي هي
معمودية ثانية
كما قرر مجمع قرطاجنة، لكي يستعيد التمتع بهذه البركات التي
نسيها بسبب الخطية، وأخرج نفسه من دائرة بركتها.

 

من أقوال قداسة
البابا شنوده الثالث بهذا
الخصوص ما يلي:

(1) [هناك أناس علاقتهم
بالله طقسية بلا روح! علاقة فروض! يؤدي الإنسان الفرض في موعده، دون أن
يحس بوجود الله فيما يفعل!
يصلي الصلاة في موعدها. ويقرأ الكتاب المقدس بنظام
متبع، وضميره يتعب إن لم يقرأ ولم يصلي. لأنه لم يؤدي واجبه (الروحي). كل هؤلاء
حتى الآن ليست لهم علاقة بالله.
لا الجدل في الله والإلهيات، ولا تذكاره في
المناسبات والرسميات، ولا الطقوس الخالية من الروح، التي هي مجرد فروض
وواجبات، لا شيء من هذا كله يشعر فيه الإنسان أن له علاقة روحية مع الله]

(مقال اللقاء مع الله
جريدة وطني بتاريخ 16/5/19963)

 

(1) ويقول قداسته أيضا
بلسان الرب يسوع المسيح: [أنا واقف على أبواب قلوبكم أقرع لكي تفتحوا لي (رؤ3: 20)
إنما المشكلة تأتي من جهتكم أنتم فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه].
لذلك أقول “ارجعوا إلي” أي افتحوا أبواب قلوبكم المغلقة دوني..
“فأرجع إليكم” أي أدخل إلى هذه القلوب التي أخرجتموني منها،
برفضكم إياي في خطاياكم..].

(كتاب الرجوع إلى الله
صفحة 45)

 

الفصل الثالث

دور الإشبين أو المرشد الروحي

الأشابين هم الذين
يتعهدون الأطفال بالتعليم والتربية الروحية ويقودنهم إلى حياة النعمة والتوبة
والإيمان،

(1) وفي ذلك قال
المتنيح حبيب جرجس:

[لما كان الأطفال لا
يدركون ماهية الإيمان
ولا يستطيعون إعلان إيمانهم، ولا يفقهون معنى
المعمودية
، ولا يمكن تلمذتهم، فلذلك رأت الكنيسة منذ القديم أن تعمدهم على
إيمان والديهم، وتتعهد أشابينهم الذين يتكفلون بتربيتهم التربية المسيحية
وتعليمهم حقائق الإيمان، ويتعهدون بذلك أمام الكنيسة]

(أسرار الكنيسة السبعة
ص57و58)

 

(2) ولقد مارست الكنيسة
تقليدا رائعا دام فيها حتى القرن الرابع عشر بشهادة مخطوطة لأحد علماء الكنيسة في
ذلك القرن ويدعى يوحنا ابن أبي زكريا ابن سباع واسم المخطوطة (الجوهرة النفيسة
في علوم الكنيسة)
. ومضمون هذا التقليد أن يحضر الإشبين الشخص الذي تعهده منذ
الطفولية وكان ابنه الروحي، ويوقفه أمام الهيكل في الكنيسة عندما يبلغ سن الوعي
والإدراك، ليعطي تقريرا عن متابعته له، وليعلن هذا الشخص جحده للشيطان إيمانه
بالمسيح، أمام الكنيسة، فجاء فيها ما يلي:

 

[وعلى الإشبين
بعد المعمودية تعهد ابنه الروحي.. وافتقاده في كل وقت، وتعليمه الكتب، وملاحظته
بعين الرعاية الأبوية الروحانية حتى يكبر سنه. وإذا كبر وأدرك، ونضج عقله،
يوقفه على باب الهيكل الموضع الذي استلمه منه عندما كان طفلا، ويقول له:

 

 اعلم يا ولدي أنك لما
كنت طفلا كنت عبدا للشيطان، وأراد والداك عتقك منه بالمعمودية المقدسة، وسألا
مسكنتي أن أضمنك من كاهن الكنيسة، وأجحد عنك الشيطان الذي كنت أنت من أجناده قبل
المعمودية، وقد جحدت عنك الشيطان واعترفت عنك بالمسيح له المجد، وقد أكلت من جسد
المسيح وشربت من دمه وصرت هيكلا للروح القدس.

 

وأنت الآن قائم أمام
هيكل الله، الموضع الذي تسلمتك منه. فاعلم أن من جحد وآمن بالمسيح، وجب عليه ترك
العظمة والبغض والحقد.. لأن هذه كلها أعمال الشيطان التي جحدتها عنك وأنت طفل.

وأنت قد آمنت بالمسيح، ومن آمن
بالمسيح وجب عليه الحب، والاتضاع والطهارة التي لا يعاين أحد الله إلا بها.

ومن هنا تسلمتك، وهنا
أسلمك لنفسك، ولا يعود الله يطالبني بشيء من جهتك، لأنك قد عرفت عقلك، وعلمت الجيد
من الرديء.

وسلام المسيح يثبت قلبك
في الإيمان المستقيم إلى النفس الأخير آمين]

(مخطوطة الجوهرة
النفيسة في علوم الكنيسة)

 

(3) وقد أكد المتنيح
حبيب جرجس هذا الطقس بقوله:

[هذا الطقس لايزال
جاريا في جميع الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. فقد جاء في
الصلاة العامة للكنيسة الأسقفية: .. ينبغي أن هذا الطفل يعمد على يدكم (أيها
الأشابين) معشر كفلائه إلى أن يبلغ، فيتعين عليه وفاء ذلك بأن يرفض الشيطان،
وجميع أعماله، ويؤمن بكلمة الله
المقدسة راسخا، ويحافظ على وصاياه مطيعا]

(كتاب أسرار الكنيسة
السبعة ص57)

 

(4) ويقول
القديس ثيوفان الناسك:

 [فإن الطفل الصغير
الذي لم يكن يدرك شيئا، ولم يتعمد بمبادرة شخصية منه، ففي المستقبل عندما
يكبر هذا الطفل ويدرك الأمور حوله فسوف يقدم نفسه للحياة مع الله وسوف يتسلم
النعمة الموجودة داخله
، وتعمل فيه، وتظهر بركاتها عليه.. هذا هو العهد الذي
يعطيه الإشبين
، عندما يتعهد أمام الله في الكنيسة بأن هذا الطفل الرضيع عندما يكبر
ويدرك
، سوف يقدم إرادته الحرة، التي هي أساسية لنوال النعمة،
فيأخذ الإشبين على عاتقه ضرورة أن يقود الطفل إلى هذه الحالة في المستقبل،
أيأن يقوده إلى إتحاد إرادته وحريته بالنعمة المعطاة له في المعمودية]

(كتاب نربيهم حسنا ص42)

 

الخاتمة

لعلك قد رأيت عزيزي
القارئ في هذه العجالة السريعة، العلاقة الحميمة بين سر المعمودية المقدسة وبين
قبول المسيح بكامل إرادة الإنسان، عندما يكبر ويدرك ويختار بنفسه الاتحاد بالله
ويسلم حياته له، ليتسلم بوعي كامل النعمة التي بداخله منذ المعمودية.

 إن رغبت في قراءة
المزيد عن هذا الموضوع اقرأ كتاب “قبول المسيح” للمؤلف. والرب معك
ويبارك حياته لمجد اسمه القدوس آمين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى