علم

اللاهوت فى نظر إغريغوريوس النزينزى



اللاهوت فى نظر إغريغوريوس النزينزى

اللاهوت
فى نظر
إغريغوريوس النزينزى

 

قد
يظن البعض ان ذاك المتفلسف صاحب الكلمات البراقة التى لا يُفهم معناها هذا هو
اللاهوتى الحق! انما لو كان هذا هو اللاهوتى لما فهمنا شيئا منه ولا تعمقنا فيه
اكثر. فى هذه العظة يوجه القديس إغريغوريوس النظر الى ان المناقشات الجدلية ذات
المصطلحات التى نسميها فى عصرنا الفكر المدرسى هى ليست اللاهوت الصحيح، وليس هؤلاء
من يجولون يناقشون اللاهوت بأسلوب فلسفى هيلينى هم اللاهوتيون الحق، وليس الحديث
فى الذات الالهية بهذه الاستهانة لمجرد اختزالها فى مصطلحات لا تجدى.

 

العظة الأولى (عظة رقم 27)

عظة تمهيدية ضد أتباع يونيموس (1)

1)
سأوجه كلماتي لمن تنحصر مهارتهم في الكلمات فقط، وسأبدأ بآية من الكتاب المقدس
“هاأنذا عليكِ أيتها الباغية” (إر 50: 31).

صدقوني
هناك أناس ينطبق عليهم قول بولس الرسول في تيموثاوس الثانية4: 3 “مستحكمة
مسامعهم”، وليت آذانهم فقط، ولكن أرى الآن أن أيديهم وألسنتهم مستحكمة
لتدفعهم للهجوم على آرائي وهم يبتهجون “بالكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم
الكاذب الاسم” (1 تي 6: 20). “وبمباحثات ومماحكات الكلام” (1 تي 6:
4)، التي لا تؤدي إلى نتيجة نافعة. وهذا هو الاسم الذي يطلقه بولس على كل الحشو
المنمق في الكلام. وهو الذي يُعلن ويؤكد “أن الرب متمم أمرًا وقاضٍ به-
بإيجاز” (رو9: 28).

ومن
أتحدث عنهم لهم ألسنة متغيرة ومتقلبة، ولديهم دهاء في مهاجمة العقائد الأسمى
والأكثر جدارة من معتقداتهم. وكنت أود بدلاً من ذلك أن يُظهروا نشاطًا مماثلاً في
أعمالهم، ليكونوا أكثر من مجرد مخادعين بالكلام. ولكن لا تستحق ألاعيبهم المستهزئة
إلا الاستهزاء بها.

2)
لقد أفسد هؤلاء الناس كل المداخل إلى الدين الحقيقي بولعهم بعمل ألغاز وحلها، إنهم
يشبهون من يقيمون جولات المصارعة في المسارح، ولكن ليس جولات المصارعة التي تُجرى
طبقًا لقواعد اللعبة وتنتهي بانتصار أحد المتنافسين، ولكن جولاتهم من النوع
المُعَد إعدادًا مسرحيًا بحيث تُعطي انطباعات بصرية للمشاهدين غير المدققين وتنتزع
الإعجاب منهم، إنهم يملأون جميع ميادين المدينة ضجيجًا بمناقشاتهم وجدلهم، ويبعثون
الملل في كل جماعة أو تجمع بكلامهم الفارغ الممل، ولا يخلو منهم احتفال أو جنازة،
وتبعث مشاحناتهم ومجادلاتهم الكآبة والبؤس في نفوس المحتفلين، وتعزي الحزانى في
حالة الحداد بإعطائهم مصيبة أخطر من الموت، وحتى النساء في قاعات الاستقبال
بالمنازل يصل إليهن كلامهم في جلسات البراءة التي يجلسنها، ويفسد زهرة البراءة
بجرهن إلى مناقشات وجدل.

هذا
هو الوضع بالنسبة لهؤلاء، فإن هذه العدوى قد أصبحت بلا رابط يمنع انتشارها، وأصبحت
لا تُحتمل، وأصبح السر العظيم لإيماننا في خطر من أن يتحول إلى مجرد إنجاز اجتماعي.
وما يدفعني للكتابة هو الغيرة الأبوية، كما يقول إرميا “يئن فيَّ قلبي”
(إر 4: 19). إذًا ليت هؤلاء الجواسيس يتحملون أن يستمعوا بصبر إلى ما أقوله في هذا
الموضوع ويلزموا الصمت قليلاً– إذا استطاعوا- وأقول لهم “لن تخسروا شيئًا إذا
فعلتم ذلك، فإما أن أتكلم إلى “مَن لهم آذان للسمع” ويأتي كلامي بثمر
وتحصلوا على فائدة لأنفسكم، (لأن من يبذر الكلمة يبذرها لجميع أنواع العقول، ولكن
النوع الصالح والمثمر فقط هو الذي يأتي بثمر)، وإما أن تبصقوا على كلامي كما
تفعلون مع الآخرين وترحلون وتأخذون معكم موادًا أكثر تستخدمونها في السخرية
والهجوم عليَّ، وعندئذٍ ستكون بهجتكم أكبر”. ولكن لا تتعجبوا إذا كان كلامي
مخالفًا لتوقعاتكم وطرقكم، لأنكم تدّعون أنكم تعرفون كل شيء، وتعلِّمون كل شيء،
وهذه سذاجة وغرور منكم، ولا أريد إهانتكم بأن أقول أن هذا غباء وصلف.

 

3)
لا تصلح مناقشة اللاهوت للجميع، وأكرر لكم أنها ليست للجميع، إنها ليست بحثًا غير
مكلف أو لا يحتاج إلى جهد. كما أنها لا تصلح في كل مناسبة، أو لكل السامعين، وليست
جميع نواحيها مفتوحة للاستعلام والتساؤل، وإنما يجب أن تخصص لمناسبات معينة،
وسامعين معينين، ويجب مراعاة عدم تجاوز حدود معينة. ليست دراسة اللاهوت لجميع
الناس، بل فقط للذين اختبروا ورسخت أقدامهم في الدراسة، والأهم من ذلك للذين
اختبروا تطهير الجسد والروح، أو على أقل تقدير للذين يختبرون تطهير الجسد والروح.
ومن الخطورة بمكان لشخص غير طاهر أن يمس الأشياء الطاهرة، مثلما هو خطير للعيون
الضعيفة أن تنظر إلى بريق الشمس.

ما
هو الوقت المناسب لهذه المناقشة؟ إنه الوقت الذي نتحرر فيه من الوحل والضوضاء في
الخارج، ولا تتشتت ملكاتنا الحاكمة (عقولنا) بصور وهمية وشاردة، وتؤدي بنا إلى عدم
التمييز بين الكتابة الجميلة والقبيحة أو بين الرائحة الجميلة والعفنة. إننا نحتاج
إلى أن نلزم السكون (مز 45: 10) لنعرف الله. وعندما تُتاح لنا الفرصة نحكم بالصلاح
في اللاهوت كما يقول المزمور “أنا بالمستقيمات أقضي” (مز 75: 2).

من
هم الذين يمكن أن يستمعوا للمناقشات اللاهوتية؟ إنهم الذين ينظرون لها بجدية، ولا
يعتبرونها موضوعًا كأي موضوع آخر للثرثرة المسلية بعد السباقات والمسرح والغناء
وتناول الطعام والجنس، لأن هناك من الناس من يعتبرون أن الثرثرة عن اللاهوت
والمهارة في المناقشات الجدلية عنه هي من صور الترفيه بالنسبة لهم.

ما
هي جوانب اللاهوت التي يجب بحثها، وما هي حدود هذا البحث؟ ما يمكن بحثه هو فقط
الجوانب التي ندركها، وبما لا يتجاوز خبرة وقدرة من يستمعون إلينا. وكما أن
الزيادة المفرطة في الصوت أو الطعام تؤذي السمع أو الصحة العامة، وكما أن الأحمال
الثقيلة بشكل يزيد عن الحد تؤذي من يحملونها وكما يضر المطر الزائد عن الحد
بالتربة، فكذلك يجب أن نحترس لئلا تسبب قسوة وصعوبة حديثنا ضغطًا وعبئًا على
سامعينا بحيث تُضعف القوة التي كانت لديهم من قبل.

 

4)
ومع ذلك فأنا لست أعني أننا لا يجب أن نفكر في الله في جميع الأوقات، ولا داعي لأن
يهاجمني خصومي بهذه الحجة، حيث أنهم دائمًا مستعدون للهجوم، فإننا يجب أن نتذكر
الله أكثر مما نتنفس، بل يمكنني القول أنه لا يجب ألا نفعل شيئًا آخر غير ذلك،
وأنا من أنصار المبدأ الذي يأمرنا بأن “نلهج نهارًا وليلاً” (مز 1: 2)،
لنُخبر عن الرب “مساءًا وصباحًا وظهرًا” (مز 54: 17)، “لنُبارك
الرب في كل حين” (مز 34: 1)، أو كما قال موسى “حين تمشي في الطريق وحين
تقوم وحين تنام” (تث 6: 7)، أو عندما نعمل أي شيء آخر، وبهذا التَذكُّر لله
نصبح أنقياء، وهكذا فإنني لست ضد التَذكُّر المستمر لله، بل ضد المناقشة المستمرة
للاهوت، وأنا لا أُعارض اللاهوت – كأنه شيء ضد التقوى – ولكنني أُعارض مناقشته في
وقت غير مناسب، ولست ضد تعليم اللاهوت، إلا عندما يتجاوز الحد، فإن الامتلاء
والتخمة – حتى من العسل مع كل لذته – يسبب القيء (أم 25: 16)، ولكل شيء وقته كما
أرى ويرى سليمان الحكيم، وما هو حسن ليس حسنًا إذا كان الوقت غير مناسب، فالزهور
ليس وقتها بالمرة في الشتاء، وملابس الرجال لا تصلح للنساء، ولا ملابس النساء
للرجال. ولا يليق الضحك المفرط أثناء الحِداد، ولا البكاء في حفل شراب. إذا كانت
كل هذه لا تصلح لأنها في وقت غير مناسب، فهل نُهمل اختيار الوقت المناسب في مناقشة
اللاهوت فقط، مع أن مراعاة الوقت المناسب لهذه المناقشة في غاية الأهمية؟

 

5)
بالتأكيد لا، يا أصدقائي وإخوتي– ما زلت أدعوكم “إخوة”، بالرغم أن
شعوركم وموقفكم ليس أخويًا- بالتأكيد لا يمكن أن نَقبَل هذا الرأي، لا يجب أن نكون
مثل الخيول العنيفة الجامحة التي تُلقي براكبها أرضًا، فنطرح العقل عنا، والتي
تلفظ اللجام من فمها ونفعل مثلها فنلفظ التمييز والإفراز الذي يكبحنا ويتحكم فينا
لفائدتنا، فنجمح بعيدًا عن مسارنا. لتكن مناقشاتنا في داخل حدودنا ولا تحملنا إلى
مصر أو تجرنا إلى أشور. لنحذر أن “نرنم ترنيمة الرب في أرضٍ غريبة” (مز
137: 4)، وأعني بهذا ألا نتناقش أمام أي نوع وكل نوع من السامعين، وثنيين أو
مسيحيين، أصدقاء أو أعداء، متعاطفين أو عدائيين، فإن هؤلاء يراقبوننا ويتربصون بنا،
ويتمنون أن تصبح شرارة أي اختلاف بيننا حريقًا، ويشعلوا الحريق ويحركون المراوح كي
يزداد اشتعالاً، حتى يرتفع اللهب إلى عنان السماء، ودون أن ندري فإنهم يرفعون
اللهب إلى أعلى من الأتون المتقدة في بابل (دا 3: 20)، وحيث أنه ليس لديهم قوة في
تعليمهم، فإنهم يبحثون عنها في ضعفنا، ولهذا فإنهم مثل الذباب الذي يستقر على
الجروح، فإنهم يقفون على كوارثنا، أو بالأحرى أخطاؤنا. علينا ألا نتغاضى عن
أفعالنا أكثر من هذا، وعلينا ألا نهمل اللياقة في هذه الأمور. وإذا كنا لا نستطيع
أن نحسم خلافاتنا ومنازعاتنا تمامًا وفورًا، فعلينا على الأقل أن نتفق على أن
نتحدث بالحقائق الروحية بالاحترام الواجب، ونناقش الأمور المقدسة بطريقة مقدسة،
ولا نذيع على أسماع المستهزئين ما لا يجب إذاعته. يجب ألا نكون أقل احترامًا
وتبجيلاً من أولئك الذين يعبدون الشياطين ويبجلون القصص والأشياء الخارجة عن
اللياقة. إن هؤلاء مستعدون للتضحية بدمائهم قبل أن يفشوا كلمات معينة لغير
المؤمنين بعقائدهم. ويجب أن ندرك أنه كما توجد معايير معنية للياقة والاحترام في
الملبس والطعام والضحك والمظهر، فإن هذا ينطبق أيضًا على الكلام والصمت، خاصةً
عندما نقدم تكريمًا خاصًا “للكلمة” (كلمة الله) عندما نستعمل هذا اللفظ
كأحد ألقاب وصفات الله. وحتى جدالنا يجب أن يكون محكومًا بقواعد.

 

6)
لماذا نسمح لسامعين معادين لأفكارنا بالاستماع إلى مناقشات عن “ولادة”
أو “خلق” الله، أو عن نشأة الله من عدم؟ وإلى مثل هذا التفصيل والتمييز
والتحليل؟ لماذا نضع من يتهموننا في موقف القضاة الذين يحكمون علينا؟ لماذا نضع
سيوفًا في أيدي أعدائنا؟ إنني أسألكم كيف تفسر هذه المناقشات بواسطة إنسان ينتمي
إلى عقيدة كلها زنى وقتل أطفال، إنسان يعبد العواطف ولا يستطيع أن يفهم أي شيء
يسمو عن الجسد؟ إنسان صَنع آلهته بنفسه منذ فترة وجيزة، آلهة تتميز بالشر المطلق،
وأي نوع من المعاني يمكن أن يبنيها هذا الإنسان على هذه المناقشات؟ أليس من المؤكد
أنه سيفهمها بمعنى فج وغير لائق ومادي – طبقًا لمفهومه؟ ألن يستخدم لاهوتكم للدفاع
عن آلهته وعن أهوائه؟ إذا أسأنا استخدام عباراتنا اللاهوتية فسيكون من الصعب حقًا
أن نحث مثل هؤلاء الناس على أن يقبلوا طريقة تفكيرنا، وإذا كان لديهم ميل طبيعي
لأن “يبتدعوا شرورًا” (رو 1: 30) فكيف يقاوموا الشر الذي نمنحه لهم؟ هذا
هو ما تؤدي إليه حربنا الأهلية. هذا هو ما يؤدي إليه حربنا من أجل الكلمة بعنف لا
بسر الكلمة. إننا نكون مثل مجانين يشعلون النار في منازلهم ويقطعون أطراف أولادهم
أو يتخلون عن والديهم ويعتبرونهم غرباء.

 

7)
وعندما نُخلي مناقشاتنا من كل العناصر الغريبة، ونرسل اللجئون الكبير إلى داخل
قطيع الخنازير ليندفع إلى الهاوية (مر 5: 9-13؛ لو 8: 30-33)، فإن الخطوة التالية
هي أن ننظر إلى أنفسنا، ونُصقل اللاهوت الذي بداخلنا، مثل تمثال، لنُجمله. ولكن
يجب أن نفكر أولاً: ما هو العيب الموجود في لساننا والذي يجعلنا نتنافس في الثرثرة
والهذر؟ ما هو هذا المرض المقلق؟ ما هي هذه الرغبة التي لا تُشبع أبدًا؟ لماذا
نقيد أيدينا ونُسلح ألسنتنا؟

هل
نمدح كرم الضيافة؟ هل نعجب بالحب الأخوي والمحبة الزوجية والعذروية وإطعام الفقراء
والترنم بالمزامير والسهر في الصلاة طوال الليل والتوبة؟ هل نُذل الجسد بالصوم؟ هل
نسكن مع الله من خلال الصلاة؟ هل نُخضع العنصر الأدنى فينا للعنصر الأسمى، أي
التراب للروح، كما ينبغي إذا حكمنا الحكم الصحيح على طبيعتنا التي هي مزيج– مثل
السبيكة- من الاثنين؟ هل نجعل الحياة تأمُلاً في الموت؟ هل نسيطر على أهوائنا
متذكرين سمو ميلادنا الثاني؟ هل نُروضُ طباعنا المتكبرة والثائرة؟ أو تشامخنا الذي
يسبق السقوط (أم 16: 18) أو حزفنا الغير منطقي ومتعنا الفجة وضحكاتنا غير المهذبة
وعيوننا التي لا سيطرة لنا عليها وآذاننا الشرهة وأحاديثنا غير المعتدلة وأفكارنا
الشاردة، أو أي شيء فينا يستطيع الشرير أن يسيطر عليه ويستخدمه ضدنا، فيدخل الموت
من الكوات (النوافذ) (إر 9: 21) كما يقول الكتاب، ويُعني بالكوات هنا الحواس.

لا،
نحن نفعل العكس تمامًا، فنُطلق العنان لأهواء الآخرين، مثل الملوك الذين يعلنون
العفو العام بعد النصر– بشرط وحيد هو أن يوافقنا الآخرون- وهكذا نندفع في السير ضد
الله أكثر من ذي قبل. ونحن ندفع ثمنًا مُشينًا لهذه الصفقة المشبوهة، فنعطي حرية
التصرف مقابل عدم التقوى.

 

8)
ومع ذلك، حيث أنكم مغرمون بالحديث وبالطريقة الجدلية، سأوجه إليكم بعض الأسئلة،
كما قال الصوت من خلال العاصفة لأيوب “فإني أسألك فتُعلمني” (أي 38: 3).

هل
هناك “منازل كثيرة” في بيت الله كما تتعلمون، أم أن هناك واحدًا فقط؟


بالطبع ستقولون “كثيرة” وليس مجرد واحد.

هل
ستُشغل كلها، أم سيُشغل بعضها فقط ويظل البعض الآخر خاليًا، وتم إعدادها بلا جدوى؟


نعم ستُشغل كلها، فإن الله لا يعمل شيء بلا غرض.

هل
يمكن أن تشرحوا مفهومكم لهذه “المنازل”؟ هل هي تلك الراحة والمجد
المُعدان هناك للمباركين، أم هي شيء آخر؟


لا، هي بالضبط كذلك.

حيث
أننا متفقون على هذا، لنفحص الآن سؤالاً آخرًا. هل هناك معنى لإعداد هذه المنازل
المختلفة – كما أعتقد أنا- أم ليس هناك معنى؟


بالتأكيد يوجد.

ما
هو؟


المعنى هو أن هناك منازل مختلفة من الحياة والأعمال، تؤدي إلى أماكن مختلفة حسب
درجات الإيمان، ونحن نسميها “طرقًا”.

هل
يجب أن نسير في جميع هذه الطرق، أم في بعضها فقط؟


نعم يجب أن نسير فيها جميعًا إذا استطعنا، وإذ لم نستطع، ففي أكبر عدد ممكن منها.
وإذا لم يمكن ذلك، ففي بعضها، وإذ لم يمكن ذلك أيضًا، فعلى الأقل في رأيي يجب أن
نتبع واحدًا منها بوضوح.

لقد
أجبتم إجابة سليمة على السؤال. إذًا، عندما تقرأون أن هناك طريقًا واحدًا وأنه
طريق ضيق (مت 7: 14). ماذا تعني الكلمات بالنسبة لكم؟


هو طريق واحد لأنه طريق الصلاح، وهو طريق واحد رغم أن له فروعًا كثيرة. وهو
“ضيق” بسبب الجهد الذي يتطلب السير فيه، ولا يستطيع السير فيه إلا عدد
قليل، بالمقارنة بأعداد خصومنا أو الذين يسيرون في طريق الشر.

أوافقكم
على هذا. إذًا– يا أصدقائي- إذا كان الأمر كذلك، لماذا يُدين أمثالكم من الناس
مذهبنا؟ زاعمين أنه ضعيف، ويرفضون كل الطرق الأخرى، ويندفعون– مزاحمين ومتدافعين-
في طريق واحد فقط، الطريق الذي تظنوا أنه طريق العقل والمنطق والدراسة، ولكنني
أسميه طريق الثرثرة والإثارة. فلتقبلوا توبيخ بولس الرسول الذي ينتهر بشدة بعد أن
يُعدد مواهب الروح القدس قائلاً “ألعل الجميع رسل. ألعل الجميع أنبياء….”
(1 كو 12: 29).

 

9)
مع ذلك دعنا نفترض أنك أنت شخصيًا قد وصلت إلى الأعالي، وتجاوزتها إلى أعلى من
السحاب، وأنك نظرت أشياء لا تُرى، وأنك سمعت “كلمات لا يُنطق بها” (2 كو
12: 4) وأن إيليا ثانٍ قد صعد إلى السماء (2 مل 2: 11)، أو أنك كنت موسى الثاني
واستحققت أن ترى الله (خر 3: 2، 19: 20، 33: 18-23)، أو أنك كنت بولس الرسول
الثاني واختطفت إلى السماء، حتى لو كنت وصلت إلى كل هذا، فلماذا تحاول أن تصب
الناس الآخرين في قالب القداسة بين عشية وضحاها. وأن تجعلهم لاهوتيين، وتبث العلم
فيهم، وبهذا ننتج أي عدد نريده من الناصحين والمستشارين من المفكرين الجاهلين،
لماذا تحاول إيقاع إخوتك الضعاف في شباكك العنكبوتية، كأن هذا عمل بارع؟ لماذا
تُثير أعشاش الزنابير ضد الإيمان؟ لماذا تجمع مجموعة من المجادلين لمهاجمتنا مثل
جنود المشاة المحاربين في القصص القديمة؟ لماذا تجمعتم معًا كأنكم تجمعون القمامة
في بالوعة، وأسوأ عينات جنس الرجال وأكثرها شبهًا بالإناث، وتزيدونهم رقة ونعومة
بالمديح، وهكذا تبدأون تجديفكم ودنسكم وعصيانكم، مستغلين تفاهتهم بذكاء.

هل
ستواصلون الكلام بعد هذه الاتهامات. هل من الممكن أن يكون لا شيء آخر يهمكم إلا أن
يحكمكم لسانكم دائمًا ولا تستطيعون أن تصمتوا ولا تنطقوا بالكلام بمجرد أن يخطر
لكم؟ حسنًا، هناك مجالات أخرى كثيرة يمكنكم اكتساب الشهرة فيها، وجهوا غرضكم إلى
هذه المجالات وربما تعملون شيئًا جيدًا.

 

10)
هاجموا صمت فيثاغورس أو “حبات أورفيوس” (أسطورة يونانية عن مغني)
والادعاءات المبالغ فيها لمن يقولون “هكذا قال معلمنا” (أرسطو). هاجموا
أفكار أفلاطون وإعادة التجسد (تقمص جسدًا آخر) ودورات أرواحنا وذكريات الأرواح
(القول بأن الروح قد عاشت من قبل وأن الإنسان يتذكر هذه الحياة السابقة)، وقصص
الحب الشائنة التي تكون الروح موضوعها ولكن طريقها هو الجسم الجميل. بالإضافة إلى
إلحاد أبيقور أو نظرية الذرات التي يقول بها، أو مثله الأعلى في المتعة الذي لا
يناسب فليسوفًا، أو مفهوم أرسطو المنحط للعناية الإلهية ونظامه المصطنع غير
الطبيعي، ورأيه في عدم خلود الروح، وطبيعة تعليمه الذي يركز على البشر، وماذا عن
سطحية الرواقيين وجشع وانحطاط الفلاسفة الكلبيين “
Cynics”.

 

هاجموا
الباطل المليء بالخرافات وكل الحشو في الكلام الذي لا طائل من ورائه عن الآلهة
والقرابين والأصنام والشياطين والعرافة واستحضار الآلهة أو أرواح الموتى وتأثير
النجوم.

ومع
ذلك، إذا رفضتم هذه المواضيع واعتبرتموها غير جديرة بمستواكم الفكري، حيث أنها
وضيعة وفي أغلب الأحيان مرفوضة، وإذا كنتم ترغبون في التحرك في مجالكم الخاص بكم
وتنفيذ طموحاتكم فيه، فإنني سأمدكم هنا أيضًا بطرق عريضة لتسيروا فيها. تأملوا في
الكون– أو الأكوان، عن المادة والروح وعن الطبائع (الخيرة والشريرة) التي وُهبت
عقلاً، وعن القيامة والدينونة والثواب والعقاب أو عن آلام المسيح. فإن أصبتم الهدف
في هذه الأسئلة فلن يكون ذلك بلا فائدة، وإن أخطأتم الهدف فليس ذلك أمرًا خطيرًا.
ولكن ستكون معرفتنا بالله في هذه الحياة قليلة، رغم أن معرفتنا به بعد هذه الحياة
قد تكون أكثر كمالاً، في نفس ربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى الأبد آمين (رؤ 1:
6).

===

(1)
القديس إغريغوريوس النزينزى، عظات لاهوتية، الجز
ء الاول
العظة رقم 27 ضد اتباع يونيموس، ص 2 – 8، القمص تادرس يعقوب ملطى

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى