اللاهوت الادبي

اللاهوت الأدبى بين الشرائع والضمير



اللاهوت الأدبى بين الشرائع والضمير

اللاهوت الأدبى بين
الشرائع والضمير

قاعدة
الأخلاق والشرائع والضمير

اللاهوت
الأدبيّ يهدف إلى مساعدة الإنسان على تحقيق ذاته واكتمال كيانه. وعالجنا في الفصل
الثاني الأعمال الإنسانية التي من خلالها يصل الإنسان إلى هدفه وبيّنا واقعها بين
الحرية والواجب. وسنبحث الآن، في القاعدة التي يجب أن يسير عليها الإنسان للوصول
إلى هدفه. وهذه القاعدة يجب، من جهة, أن تشمل جميع الناس، ومن جهة أخرى يجب أن
يلتزم بها كل إنسان التزاما شخصيا. فمن حيث شمولها جميع الناس اتخذت في الأديان
والمجتمعات شكل وصايا وشرائع، ومن حيث التزام كل إنسان التزاما شخصيا بها, هذه
القاعدة هي الضمير. فالشرائع والضمير هما القاعدة المزدوجة التي بها يستنير
الإنسان للربط بين الأعمال التي يقوم بها والغاية الأخيرة التي يهدف إلى الوصول
إليها من خلال أعماله.

 

أولا-
الوصايا والشرائع

الوصايا
والشرائع يجدها الإنسان منذ ولادته, وترافقه على مدى مسيرة تثقيفه الإنساني
والأخلاقي والديني, مسكوبة في قوانين وأنظمة تُفرض عليه. فما هو هدف تلك الوصايا
والشرائع والقوانين والأنظمة؟ وما هو مصدرها؟ وهل هي عرضة للتغير وما هي العلاقة
بين الشريعة الطبيعية والشرائع الإنسانية؟

 

1)
هدف الوصايا والشرائع

أ)
الوصايا والشرائع سبيل الحياة

نقرأ
في الإنجيل المقدس أن إنسانا تقدّم إلى يسوع يوما وسأله قائلا: “يا معلّم،
ماذا عليّ أن أعمل من الصلاح لأحرز الحياة الأبدية؟ قال له: لماذا تسألني عمّا هو
صالح؟ إنما الصالح واحد! ولكن، إن شئت أن تدخل الحياة، فاحفظ الوصايا. فقال له: أي
وصايا؟ فقال له يسوع: لا تقتل, لا تزن، لا تسرق, لا تشهد بالزور, أكرم أباك وأمّك,
وأيضا أحبب قريبا كنفسك” (متّى 19: 16- 19).

إن
السبيل إلى الحياة هو حفظ الوصايا. والحياة ليست فقط حياة ما بعد الموت، بل حياة
هذا الدهر أيضا، حيث يبدأ ملكوت الله، ملكوت المحبة والحياة الإلهية, وهي الغاية
الأخيرة التي بالوصول إليها يصل الإنسان إلى ملء ذاته.

والحياة
ليست حياة الفرد المتقوقع في عزلته الأنانية، بل حياة الشخص العائش في مجتمع
يتفاعل فيه أعضاؤه ويتعاونون على الخير. لذلك، فإن حفظ الوصايا يهدف إلى الحصول
على الحياة لكل شخص. فهو إذا يتضمن احترام حياة الآخرين والعمل على إنمائها، كما
يتضمن محبة القريب على قدر محبة النفس. فاحترام الشخص الآخر واحترام حياته وكرامته
ومحبته، هذا هو أساس الوصايا التي يذكرها السيد المسيح. فمن يحترم حياة الآخر
ويحبه لا يقتله ولا يسرقه ولا يشهد عليه بالزور. والزوجان اللذان يحب أحدهما الآخر
ويحترم كرامته وحياته لا يزنيان. فاحترام حياة والمحافظة عليها في المحبة، هذا هو
هدف الوصايا والشرائع والقياس الأخير الذي يجب الرجوع إليه، على الدوام، لمعرفة
مدى انسجام التفسير البشري للوصايا والشرائع مع إرادة واضعها. الوصايا والشرائع لم
توضع لإرهاق الإنسان بل لإنماء شخصيته وانشراحها ومساعدته على الحصول على ملء
الحياة، وذلك على صعيده الشخصي وفي علاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه.

 

ب)
التفسير الفريسي للوصايا والشرائع

إننا
نشهد، طوال حياة السيد المسيح, خلافا حادا بينه وبين الفريسيين وعلماء الناموس في
موضوع تفسير الوصايا والشرائع.

فوصية
السبت التي أرادها الله مناسبة للإنسان ليستريح بواسطتها من عناء الأعمال اليومية
ليُتاح له الاستمتاع بالتأمل في أقوال الله والصلاة إليه، جعلها الفريسيون في
شرائعهم حملا ثقيلا وأداة هلاك للإنسان. فحظّروا عليه أن يسير أكثر من ألف متر في
النهار، وحظّروا عليه القيام بأي عمل، حتى “أن يقطع وهو مجتاز بين الزروع بعض
السنابل ليأكلها” (مر 23: 2- 24), و”أن يحمل فراشا” (يو 5: 10),
ورأوا في شفاء يسوع مخلّعا, يوم السبت (يو5: 16)، أو إنسانا يده يابسة (مر 3: 1-
6), سببا للحكم عليه: “فخرج الفريسيون وفي الحال ائتمروا عليه مع الهيرودسيين
ليهلكوه” (مر 3: 6). لقد صارت الوصايا والشرائع في تفسير الفريسيين وعلماء
الناموس مطلقا يجب أن يخضع له الإنسان مهما كانت الظروف. أمّا في نظر السيد المسيح
فالوصايا جُعلت لخدمة الإنسان: “السبت جُعل لأجل الإنسان. لا الإنسان لأجل
السبت (مر 27: 2).

لذلك
نرى السيد المسيح, الذي “إنما جاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه” (لو19: 10),
والذي قال: “السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، أمّا أنا فقد أتيت لتكون
لهم الحياة, وتكون لهم بوفرة” (يو 10: 10)، نراه يثور على الكتبة والفريسيين
الذين، في تفسيرهم للوصايا والشرائع، “يحزمون أحمالا ثقيلة ويضعونها على
أكتاف الناس, ولا يريدون هم أن يحرّكونها بإحدى أصابعهم” (متّى 23: 4), الذين
جعلوا من الناموس مجرّد تتميم خارجي للشرائع “فيؤدون العُشر من النعناع
والشّبث والكمون، وقد أهملوا أثقل ما في الناموس: العدل والرحمة والأمانة.. الذين
يصفّون من البعوضة ويبلعون الجمل” (متى 23: 23- 24).

 

2)
مصدر الوصايا والشرائع

أ)
التفسير الحرفي للكتاب المقدّس: الله هو المصدر المباشر للوصايا والشرائع

إن
التمسك الحرفي بالشرائع هو نتيجة ذهنية معينة ترى في الله المصدر المباشر لكل
الوصايا وكل الشرائع. في هذه الذهنية تبدو الشرائع في أدق تفاصيلها أمرا مقدسا لا
يمكن أن يُمس وحكما ثابتا لا يجوز تعديله, من خلالها يعرف الإنسان معرفة صحيحة
الخير الذي يجب أن يسعى إليه والشر الذي يجب أن يجتنبه. وهذه الذهنية مبنية على
تفسير حرفي للكتاب المقدس, حيث نقرأ أن لله نفسه هو الذي أنزل على شعبه الوصايا
والشرائع بواسطة موسى النبي. وهذا ما قاله موسى نفسه للشعب: “وجها إلى وجه
كلّمكم الرب في الجبل، من وسط النار، وأنا قائم بين الرب وبينكم في ذلك الوقت, لكي
أخبركم بكلام الرب.. فاحرصوا أن تعملوا كما أمركم الرب إلهكم، ولا تنحرفوا يمنة
ولا يسرة, بل في كل الطريق الذي أوصاكم به الرب إلهكم تسيرون، لكي تحيوا وتُصيبوا
خيرا وتطول أيامكم على الأرض التي سترثونها” (تث 5: 4- 5، 32- 33. راجع أيضا
خر 20: 1- 20).

إنطلاقا
من هذا النص، رأى بعض المفسرين أن كل ما ورد في الكتاب المقدس من وصايا وشرائع
وفرائض وأحكام وأنظمة وقوانين, كل ذلك هو, دون تفرقة, ولاتمييز, صنع الله أنزله
مباشرة على النبي موسى الذي اكتفى بنقله إلى الشعب. فلا يجوز من ثم تغيير أي أمر
فيه. في هذه الذهنية يبدو الإنسان مجرّد منفّذ لشرائع يجدها مسكوبة في قالب أحكام
وأنظمة، لا يمكن أن يُدخل عليها أي تعديل حتى في تطبيقها على مختلف ظروف الحياة
المتقلّبة، بل يقتصر اهتمامه على المحافظة عليها وتطبيقها كما هي.

في
هذه الذهنية يتحوّل “اللاهوت الأدبي” إلى مجموعة من الأحكام المحددة
تحديدا نهائيا، يتعلّمها “علماء الناموس” ويكتفون بتطبيقها كما هي على
مختلف الأسئلة التي يعرضها عليهم الناس غير المتخصصين في هذا العلم. وفي هذه
الذهنية يسأل الناس البسطاء “علماء الناموس”: هل هذا الأمر جائز أم
محظّر؟ هل هو مسموح به أم ممنوع؟ هل هو حلال أم حرام؟ إلى أي حد أستطيع الوصول في
هذا العمل دون ارتكاب الخطيئة, ودون التعرّض للعقاب الإلهي؟ في هذه الذهنية يختفي
الله وتنتفي العلاقة معه، ويُنسى القريب وتزول العلاقة معه. ويبقى الإنسان وحده
إزاء الشريعة التي يشعر بواجب تطبيقها دون تردد ولا تخاذل. فيما الشريعة ليست في
الواقع سوى وسيلة للدخول في علاقة مع الله وعلاقة مع القريب لذلك اعتبر السيّد
المسيح أن الناموس كله والأنبياء لا معنى لهم إلا من خلال محبة الله ومحبة القريب:
“بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء” (متّى 22: 40).

 

ب)
مصدر الشرائع: الإنسان مخلوق على صورة الله

خلافا
لهذه النظرة التقليدية، نقول إن مصدر الشرائع هو الإنسان المخلوق على صورة الله.
إن إيماننا بأن الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله يتضمن حقيقتين متلازمتين: الحقيقة
الأولى هي أن الإنسان ليس خالق نفسه. فالقيم الأخلاقية التي تجعله إنسانا ليست إذا
من صنعه، إنها عناصر جوهرية تكوّن صورة الله فيه. إن الحرية واحترام الحياة والعقل
والحقيقة والحب والعدالة والسلام هي من القيم التي تكوّن صورة الله في الإنسان,
وُجدت معه منذ وجوده، ومنها تتكوّن طبيعته الإنسانية. ولكنه, لكونه كائنا عائشا في
الزمن، لا يكتشف تلك القيم ولا يكتشف تطلّباتها وتطبيقاتها العملية إلا عبر الزمن
وفي مسيرة اكتماله الإنساني في تقلّبات التاريخ، تارة في إرتقاء الحضارة وتقدمها،
وطورا في انحدارها وتقهقرها. الحقيقة الثانية هي أن الإنسان هو الذي, انطلاقا من
القيم التي يُدركها في ذاته، يصوغ عبر الزمن وفي إطار المجتمع الذي يعيش فيه
والحضارة التي تحيط به, المبادئ العامة التي تجسّد القيم الأخلاقية، والأنظمة
والقوانين التي تطبّق المبادئ العامة على مختلف الظروف والأحوال. فهو إذا الذي
يصوغ الوصايا والشرائع.

فالمبادئ
العامة صاغتها الأديان والحضارات في عبارات مقتضبة وجعلتها أساس الأخلاق, لإنقاذ
الجماعات والأشخاص من جموح الغرائز ووثباتها الوحشية. وعبّرت عنها في وصايا وردت
في معظم الأحيان في صيغة النفي, وكأنها تريد وضع الحواجز والسدود أمام تلك الغرائز:
“لا تقتل”, “لا تسرق”، “لا تزن”، “لا
تكذب”, “لا تشهد بالزور”. فالقتل والسرقة والزنى والكذب وشهادة
الزور، كلها أعمال مدمِّرة للإنسانية في الشخص والمجتمع. والمؤمن يرى فيها تدميرا
لصورة الله في الإنسان. فإذا اتسعت هذه الأعمال المدمِّرة لتصير مبادئ يسير عليها
المجتمع كله, سادت شريعة الغاب واستحالت الحياة البشرية في المجتمعات وانتفت
الإنسانية. لذلك نرى أن جميع المجتمعات, على مرّ العصور وفي جميع الحضارات، اعترفت
بهذه المبادئ الأساسية وفرضتها على شعوبها. وهي عينها نجدها في شريعة حمورابي في
بابل (القرن 18 ق. م.), وفي وصايا الله مع موسى النبي في إسرائيل (القرن 13 ق. م.).
إنها وصايا الله، بمعنى أنها صنع الإنسان المخلوق على صورة الله. إنها صنع العقل
الإنساني المنفتح من طبيعته على الله وعلى الآخر. إنها تجسيد لانفتاح الإنسان على
الله وعلى القريب. في تحقيقها يحقق الإنسان ذاته, إذ تتحقق فيه تلك العلاقة الجوهرية
التي تكوّنه إنسانا، العلاقة مع الله والعلاقة مع القريب.

كذلك
الشرائع أي الأنظمة والقوانين التي تجسّد المبادئ العامة والوصايا في واقع الحياة
وتطبّقها على الأوضاع المتغيرة في الزمان والمكان، فهي أيضا صنع الإنسان في تكيفه
مع البيئة التي يعيش فيها. ولكن فيما المبادئ الأساسية والوصايا لا يمكن أن تتغير,
تبقى الأنظمة والقوانين عرضة للتغير والتطور. فقيمة الحياة ووصية احترامها
“لا تقتل” لا يمكن أن يزولا يوما ولكن تطبيقهما في شرائع الدفاع عن
النفس والحرب المشروعة والثورة الجائزة على حاكم مستبد يبقى خاضعا للظروف والأحوال.
كذلك يبقى احترام ممتلكات الغير قيمة ثابتة وتبقى وصية “لا تسرق” مبدأ
قائما. غير أن تطبيقهما في القديم على الغزو وسلب الأعداء ونهب ممتلكاتهم، وفي
الزمن الحاضر على وسائل الإنتاج الفردية وضرورة تأميمها في بعض الأحيان، هو عرضة
للتغير والتطور.

 

ج)
كيف نبرر تغير الشرائع وتطور الأنظمة والقوانين؟

إن
الهدف من الشرائع والأنظمة والقوانين هو تطبيق القيم الأخلاقية والمبادئ الأساسية
التي تُنمي الشخص البشري في كل أبعاده فتحافظ على الخير العام وتضمن عيش الإنسان
بسلام وأمان في كل مرافق المجتمع. لذلك كل شريعة تصير مع الزمن عاجزة عن تأمين هذا
الهدف, أو عائقا في سبيل تحقيقه، لا بد من إزلتها والاستعاضة عنها بشريعة أخرى.
وهذا العمل يعود إلى الإنسان الذي يتمتع بعقل بشري، من خواصه إدراك العلاقة بين
العام والخاص. فكما أن العقل, عندما ينظر الإنسان إلى شجرة, يدرك العلاقة بين الشيء
الذي يراه أمامه ومفهوم الشجرة العام، كذلك عندما يفكّر في شريعة خاصة ويربطها
بالهدف العام الذي من أجله وُضعت, يمكنه أن يكتشف عجزها عن تحقيق الهدف. لذلك يعود
إلى الإنسان أن يُبدع على الدوام شرائع وأنظمة وقوانين جديدة يمكنها أن تفي
بالمرام بشكل أكمل. “فالبشر هم الذين يصنعون شرائعهم في مسيرة تاريخهم الذي
فيه تتواجه خبرتهم والظروف المحيطة بها, وفيه يتلمّسون طريقهم, وفيه يعملون على
تصحيح المسيرة بشكل أكثر فأكثر إرضاء للهدف الذي يتوقون إلى تحقيقه”.

هذا
ما يفسر تطور الشرائع عبر الزمن, وحتى في أمور هامة كضمان حقوق الشخص البشري
واحترام كرامته وصيانة حريته. فالشرع الروماني مثلا كان يجيز التعذيب القضائي الذي
يهدف إلى إرغام المقبوض عليه على البوح بارتكاب الجرائم المتهم بها. وقد تعرّض
المسيحيون الأوائل لمثل هذا التعذيب لإرغامهم على إنكار إيمانهم. فالكنيسة الأولى
شجبت بشدة هذا النوع من امتهان حرية الإنسان. ولكنها عادت فسمحت به في القرون
الوسطى في حربها على الهراطقة, إلى أن ندّد به أشد التنديد، سنة 1954, البابا بيوس
الثاني عشر، وحظّره أخيرا المجمع الفاتيكاني الثاني إلى جانب “كل ما يتصدى
للحياة نفسها”, وأضاف: “كل ذلك وكل ما شابهه هو في الحقيقة عار وشنار,
وهو إذ يفسد الحضارة البشرية يشين فاعليه أكثر مما يشين متحمّليه, وينافي شرف
الخالق منافاة لا حدّ لها”.

في
تعابير لا تقلّ قساوة يشجب المجمع أيضا العبودية. ولكن معظم اللاهوتيين
الكاثوليكيين ظلّوا حتى القرن السادس عشر يبررون استعباد الأسرى الوثنيين الذين
كان يتم أسرهم في الحروب المشروعة. ولم يتحقق تحرير العبيد بشكل نهائي إلا في
القرن التاسع عشر وبضغط من الشرائع المدنية.

وكذلك
القول بالنسبة إلى الحرية الدينية. ففي 17 تشرين الأول 1830 كتب لامنيه (1782-
1845)، منذ العدد الثامن من المجلة الفرنسية “المستقبل”: “نريد
لجميع الناس, لنا كما لغيرنا, حرية واسعة، واستقلالا مطلقا، ما خلا في الخضوع
للشرائع. ليكن لكل إنسان، في حدود هذه الشرائع عينها، الحرية في أن يفكر ويتكلم
ويعمل كما يشاء”. إلا أن البابا غريغوريوس السادس عشر (1765- 1831- 1846) في
رسالته العامة
SYLLABUS كتب،
سنة 1832: “أن نؤمّن ونضمن لكل إنسان حرية الضمير، فهذا قول خاطئ ومناقض
للعقل.. هل في الأخلاق أسوأ من حرية الضلال؟.. وبهذا ترتبط حرية الصحافة، الحرية
الأكثر شؤما, الحرية المقيتة التي يجب كرهها والابتعاد عنها”. وبيوس التاسع (1792-
1846- 1878) في ردّه على الهرطقات،
MIRARI VOS, سنة 1864، ندّد بكل القيم الجديدة التي كان الفكر التقدمي يتمسّك
بها: الحرية الدينية, فصل الكنيسة عن الدولة، حرية ممارسة الدين العلنية غير
المسيحيين، حرية التفكير والتعبير. وانتظرت الكنيسة الكاثوليكية البابا لاون
الثالث عشر (1810- 1878 – 1903) لتعرف التسامح في حرية الضمير التي باتت قيمة
معترفا بها رسميا مع بيوس الحادي عشر (1857- 1922- 1939), وبيوس الثاني عشر (1876-
1939- 1958), ويوحنا الثالث والعشرين (1881- 1958- 1963). وقد أكد المجمع
الفاتيكاني الثاني، سنة 1965. في بيانه الشهير “في الحرية الدينية”, حق
الأفراد والجماعات بالحرية الدينية، وبنى هذا الحق على كرامة الإنسان كشخص بشري
وعلى حقوقه الطبيعية وطالب القوانين الدولية بضمان هذه الحرية, محددا واجبات
السلطات المدنية وحقوقها في هذا الصدد.

وكذلك
القول أخيرا بالنسبة إلى الرِّبى. فقد ورد في سفر الخروج: “إذا أقرضت فضة
لأحد من شعبي، لفقير عندك, فلا تكن له كالمرابي، ولا تفرضوا عليه رِبى” (خر
22: 24). وقد حافظت الكنيسة على شريعة حظر الرّبى حتى القرن التاسع عشر، حتى إن
مجمع اللاتران (1139) منع الدفن الكنسي لكل من كان يتعاطى الرّبى. ثم تخلّت
الكنيسة عن حظر الرّبى في القرن التاسع عشر، بسبب تغير الأحوال مع بروز الثورة
الصناعية. فقد أدرك علماء الاقتصاد إن المال يخسر من جهة بعضا من قدرته الشرائية
مع مرور الزمن, وأنه من جهة أخرى إذا استُثمر يؤدّي إنتاجا جيدا. فالقبول بالرّبى,
أي بطلب فائدة مالية ممن يستقرض بعض المال، يبرر بتعويض الخسارة على صاحب المال
وبإشراكه بجزء من الأرباح التي تنتج من المال الذي يقرضه.

هكذا
يعمل العقل البشري على تطوير الشرائع لتبقى منسجمة والهدف الذي لأجله وُضعت، وهو
إحقاق العدالة بين الناس وإنماء كرامة الشخص البشري.

 

3)
الشريعة الطبيعية

إلى
أي مدى يستطيع الإنسان أن يغيّر الشرائع الموروثة؟ هل من حدود لا يجوز له تخطّيها؟
هل من وجود لشرائع طبيعية يجب عليه الخضوع لها مهما كلّف الثمن؟ إزاء الشريعة
الطبيعية هناك موقفات متطرّفات يبدو لنا من الضروري رفضهما، وموقف معتدل نتبنّاه
اليوم في اللاهوت الأدبيّ.

أ)
موقفان من الشريعة الطبيعية خاطئان

الموقف
الأوّل هو موقف تقليدي متطرّف يرى الشريعة الطبيعية في ما توحي به طبيعة الأشياء
وطبيعة الأشخاص الجامدة. فالله، في نظر هؤلاء, عندما خلق الكون وكل ما يتضمّنه، قد
وضع له نواميس وشرائع تظهر في سير الأشياء والأشخاص الطبيعي، أي غير الخاضع لتدخّل
الإنسان. فيجب على الإنسان احترام تلك الشرائع الطبيعية والسير بموجبها. وكل تدخّل
لتغييرها هو انتهاك لقدسيتها وتمرّد على إرادة الله التي تظهر فيها. من هذا الموقف
ينتج استسلام للقدر وتخدير لقدرة الإنسان الخلّاقة التي هي أيضا من صنع الله
الخالق وتظهر فيها إرادته الإلهية. هناك خطر آخر ينتج من هذا الموقف وهو أن يعتبر
الإنسان شريعة طبيعية ما ليس في معظم الأحيان سوى نتيجة لظروف اجتماعية أو لمرحلة
عابرة من مراحل تطور البشرية. فالعبودية قد تبدو شريعة طبيعية. ووجود أغنياء إلى
جانب فقراء قد يبدو أيضا من الشرائع الطبيعية التي أرادها الله- وقد ردد هذا
البرهان لاهوتيّو القرون الوسطى- لإتاحة الفرصة أمام الأغنياء لمساعدة الفقراء.

الموقف
المعاكس هو موقف يساري يؤكد الحرية التامة إزاء طبيعة الأشياء وطبيعة الإنسان.
فالعالم والإنسان، في نظر هؤلاء، هما دمية في تصرّف الإنسان يستطيع أن يصنع بهما
ما يشاء. هذه النظرة تقود إلى الفوضى وإلى سيطرة القوي على الضعيف، والغريزة على
العقل, والشر على الخير.

 

ب)
مفهوم ديناميكي للشريعة الطبيعية

بين
هذين الموقفين المتطرّفين, هناك موقف ثالث معتدل يصحّ فيه قول أرسطو طاليس (384-
322 ق. م.) عن الفضيلة “إنها تقوم في الوسط”. فلا بدّ أولا من التأكيد
ضد الموقف الأوّل أن الشريعة الطبيعية ليست مطبوعة في طبيعة الأشياء البدائية.
وإلا لأرغم الإنسان على أن يبقى عاريا, وأن يعيش من قطاف الثمار وجمع الأعشاب
والصيد البدائي, وأن يأكل كل شيء نيئا ويسكن في المغاور وينام على الحضيض, إلخ.
فاللباس والزراعة والصناعة والطهي والغرف الدافئة، زِد على ذلك القراءة والكتابة
والفنون, كل هذه أمور صنعها الإنسان بعمله وفنه ومهارته.

الصناعة
علامة ذكاء الإنسان, والذكاء طبيعي فيه, وبالصناعة توصّل إلى أن يطوّر طبيعته,
فراح يسير على الطرقات ويطير في الجو بسرعة مدهشة. فدعوته هي “أن يملأ الأرض
ويخضعها” (تك 1: 28).

وهكذا
تصير الطبيعة حضارة وثقافة. فتطوير طبيعة الأشياء البدائية وتطوير طبيعته هما أيضا
شريعة طبيعية فيه. فتقدُّم الطب يؤهله لأن يسند ضعف طبيعته ويسدّ عجزها، فيشفي
الأمراض الطبيعية ويقوم بعمليات تطعيم أعضاء اصطناعية، من عين اصطناعية وكلية
اصطناعية وقلب اصطناعي. فالأسئلة التي لا بدّ من طرحها إذّاك هي التالية: هل يجوز
للإنسان المسّ بطبيعته، فيمنع, بواسطة حبوب اصطناعية، حملا من أن يحصل، أو يساعد،
بوسائل اصطناعية, زوجين يريدان إنجاب طفل لا يستطيعان إنجابه بالوسائل الطبيعية
الاعتيادية؟ وهل يجوز التدخل في دماغ الإنسان في سبيل تحسين عمله وإصلاح الخلل
الطارئ على وظائفه النفسانية؟ أين تقف حدود الشريعة الطبيعية التي لا يجوز للإنسان
تجاوزها؟ “الجواب عن هذه الأسئلة يكمن في التمييز بين بُنية الإنسان الجسدية
وطبيعته الروحية ككائن عاقل، حر, يستطيع أن يُحِب وأن يُحَب”. الشريعة
الطبيعية ليست مجموعة أحكام وقوانين حدّدها الخالق عندما كوّن العالم والإنسان,
فسمح ببعض الأعمال وحظّر غيرها.

“الشريعة
الطبيعية هي احترام الشخص البشري كشخص. لا شك أن هذا الاحترام يشمل أيضا جسده
وخيراته، ولكن بقدر ما تساعده على أن يحيا حياة أكثر إنسانية وأكثر انشراحا وأكثر
انسجاما مع المجتمع. ذلك أن البعد الجماعي هو عنصر أساسي في تكوين الشخص البشري.
الحق الطبيعي يعني إذا الشرائع الأساسية التي تتطلّبها كرامة الإنسان وانشراحه في
الجماعة، وخير تلك الجماعة العام. وهل من الضروري التذكير بأن تلك القيم الأساسية
يجب ألا تُستخلص من مثال مجرّد للإنسان الأفلاطوني، ذلك المثال الذي لا وجود له،
بل من المقتضيات الواقعية التي تتطلّبها حياة اليوم في المساواة بين الأشخاص
والانسجام بين الجماعات؟ وأفضل تعبير عن تلك الشريعة الطبيعية هو الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان (1948)”.

أن
تنتظر البشرية القرن العشرين لمعرفة مضمون الشريعة الطبيعية أمر يبدو غريبا. ولكن
الإنسان من طبيعته كائن حي اجتماعي, أي مدعو إلى أن يعيش في مجتمع وأن يكتمل في
علاقته مع غيره من الناس. والكائن الحي من طبيعته مدعو إلى النمو وإلى التطوّر.
فالشريعة الطبيعية في الإنسان لا تعني أمرا جامدا غير قابل التطور والتغير، بل
تعني بالحري طبيعة الإنسان الروحية المدعوّة إلى الاكتمال في الجسد والروح، وإلى
النمو والتطوّر في الفكر والثقافة والاقتصاد والأخلاق والحياة الاجتماعية والحياة
الروحية. الإنسان كائن منفتح على المجتمع وفي الوقت عينه كائن منفتح على الله.
فالبعد الديني هو أيضا عنصر أساسي في طبيعته البشرية وفي الشريعة الطبيعية. إن
أفضل مرادف للشريعة الطبيعية في الفكر المعاصر هو “الكرامة الإنسانية”،
أو “كرامة الشخص البشري”. وما يناقض الشريعة الطبيعية هو في النهاية ما
يدمّر الشخص البشري ويحط من كرامة الإنسان في أي من أبعاد كيانه الإنساني، ويحرمه
أيّا من حقوق البشرية المعترف بها اليوم عالميا.

ثم إن
الفكر المعاصر قد أدرك اليوم أكثر من الماضي “تاريخية” الإنسان و”نسبية”
معتقداته على صعيد الأخلاق. فالإنسان كائن يعيش في التاريخ. والوعي الأخلاقي في
البشرية يتطوّر، وذلك بفضل الخبرة التي يكتسبها البشر على مرّ العصور. وتلك الخبرة
هي خبرة الإنسان العاقل الحر الذي يدرك أكثر فأكثر ما الذي يُنمي كرامة الشخص
البشري وما الذي يدمّرها، وهي في الوقت عينه خبرة الحضارات والشعوب التي باتت
اليوم بفضل التقدّم العلمي قريبة بعضها من بعض، وأكثر معرفة بعضها لبعض. إن
معرفتنا لمضمون الشريعة الطبيعية تتسع وتتضح أكثر فأكثر بفضل حرية الإنسان وإبداعيته،
وبفضل التحاور بين الحضارات والأديان. إن وحدة العالم هي عنصر أساسي في مفهوم
الشريعة الطبيعية. وتلك هي الخبرة التي نقوم بها كل يوم: فالبشرية لن تجد حلا
لمشكلاتها إلا بالتضامن والتعاون بين جميع الشعوب. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني:
“الرغبة في حوار كهذا مسوق إلى الحقيقة عن طريق المحبة وحدها وفي جِد من
الفطنة الموافقة, هذه الرغبة من جهتنا لا تستثني أحدا. لا أولئك الذين يعظّمون قيم
النفس الإنسانية السامية في غير معرفة لخالقها, ولا أولئك الذين يقاومون الكنيسة
ويضطهدونها بأساليب مختلفة. وبما أن الله الآب هو مبدأ جميع البشر وغايتهم، فإننا
جميعاً مدعوون إلى أن نكون إخوة. وإن كنا مدعوين إلى دعوة إنسانية وإلهية واحدة,
كان بإمكاننا ومن واجبنا أن نتعاون، في غير عنف ولاخلفيات, على بناء العالم على
سلام حقيقي”.

 

4)
الشرائع المدنية

أ)
مصدر الشرائع المدنية

الشرائع
المدنية هي التي تنظّم حياة الإنسان في المجتمع في جميع مرافقها من بناء وسكن
وتعليم واستشفاء وسير وعمل وما سوى ذلك مما له صلة بعلاقة الناس بعضهم ببعض.
ومسؤولية وضع الشرائع تقع على السلطات المنصّبة التي لا وجود لها إلا لتأمين الخير
العام. عن هذه المجتمعات ودور السلطات المدنية فيها يقول المجمع الفاتيكاني الثاني:
“إن الأفراد والمجمّعات المختلفة التي تتألف منها الجماعة المدنية، يدركون
أنهم عاجزون وحدهم عن إقامة حياة كاملة الإنسانية, ويرون أنهم بحاجة إلى جماعة
أوسع يعملون جميعا فيها وكل يوم على حشد طاقاتهم الخاصة في سبيل تحقيق أفضل ودائما
أكمل للخير العام. ولهذا ينتظمون في جماعات ومنظمات سياسية مختلفة. وهذه الجماعات
السياسية إنما تنشأ لأجل الخير العام، وفيه تجد التعليل الكامل لوجودها كما تجد
فيه معناها, ومنه تستخرج حقوقها الخاصة والأصيلة. والخير العام يشمل مجموعة أوضاع
الحياة الاجتماعية التي يستطيع الأفراد والأسر والمجموعات أن يبلغوا بها كمالهم
على أتم وجه وأيسره.

“ولكن
الناس الذين يلتقون في الجماعة السياسية هم كثيرو العدد ومختلفو المشارب، وقد يكون
من حقهم أن يذهبوا في الرأي مذاهب متباينة. وللحؤول دون تصدّع الجماعة السياسية
بذهاب كل واحد مذهبه الخاص، لا بد من سلطة توجّه طاقات جميع المواطنين شطر الشطر
العام، لا آليا ولا قسرا، بل على أنها قبل كل شيء قوة معنوية تستند إلى الحرية
وإلى روح المسؤولية والواجب. وإنه لمن الواضح أن الجماعة السياسية والسلطة العامة
تقومان أساسا على الطبيعة البشرية، وأنهما بذلك ترجعات إلى نظام من وضع الله، على
أن إقرار النظام السياسي وتعيين الحكام متروكات لإرادة المواطنين الحرة”.

بعد
أن أوضح المجمع ضرورة وجود المجتمعات المدنية ووجود السلطة فيها في سبيل الخير
العام، أعلن أن هذا الوجود مرتبط بطبيعة الإنسان وبنظام من وضع الله الخالق، لكنه
أضاف- وهذا جديد بالنسبة إلى الفكر المسيحي في القرون الوسطى- إن إقرار هذا النظام
السياسي أو ذاك، واختيار هذا الحاكم أو ذلك متروكان لإرادة المواطنين الحرة. فالله
أراد أن يكون في الجماعات البشرية نظام وسلطة، ولكن الناس هم الذين يختارون
الأنظمة السياسية ويعينون الحكام. فيحق لهم من ثمة أن يغيّروا الأنظمة ويبدّلوا
الحكام في سبيل المحافظة على الخير العام. ثم يضيف المجمع موضحا دور السلطة
السياسية: “ينتج من ذلك أن ممارسة السلطة السياسية، سواء كان ذلك في داخل
الجماعة كجماعة أو في الأجهزة التي تمثّل الدولة، يجب أن تتمشى دائما ضمن حدود
النظام الأخلاقي، في سبيل الخير العام- على أنه حقيقة ديناميكية-، وذلك وفقا لنظام
قانوني موضوع أو على طريق الوضع. وهكذا فالمواطنون مُلزمون ضميريا بالطاعة. من هنا
يتضح ما لذوي الأمر من مسؤولية وكرامة وأهمية. وحيثما تتجاوز السلطة العامة حدود
صلاحيتها، وتجور على المواطنين، ليس لأولئك المواطنين أن يرفضوا ما يقتضيه الخير
العام عمليا، إلا أنهم يحق لهم أن يدافعوا عن حقوقهم وحقوق مواطنيهم، ويقاوموا
تجاوزات هذه السلطة، على أن يراعوا الحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعية والشريعة
الإنجيلية”.

 

ب)
موقف المسيحي من الشرائع المدنية

إن
موقف المسيحي من الشرائع المدنية هو بشكل عام موقف الخضوع لها والالتزام الضميري
بالسير بموجبها. وهذا الموقف يستند إلى ما قاله بولس الرسول إلى الرومانيين، وقد
كانت السلطات في رومة وثنية في عصره: “ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه
لا سلطان إلا من الله، والسلطات الكائنة إنما رتبها الله. فمن يقاوم السلطان إذن،
فإنما يعاند ترتيب الله، والمعاندون يجلبون الدينونة على أنفسهم، لأن الخوف من
الحكام لا يكون عن العمل الصالح بل عن الشرير. أفتبتغي أن لا تخاف من السلطان؟
فافعل الخير فتكون لديه ممدوحا، لأنه خادم الله لك للخير. وأمّا إن فعلت الشر فخف،
لأنه لا يتقلّد السيف عبثا. فإنه خادم الله، الذي ينتقم ويُنفّذ الغضب على من يفعل
الشر. فلذلك يلزم الخضوع لا خوفا من الغضب فقط، بل من أجل الضمير أيضا” (رو
13: 1- 5).

السلطة
المدنية في نظر بولس الرسول هي خدمة للخير لجميع المواطنين. فالسلطان هو
“خادم الله لك للخير”. وحسب تعبير المجمع الفاتيكاني الثاني، إنها
“في سبيل الخير العام” و”وفق النظام القانوني” الموضوع. أن
إتّباع الخير العام من قبل المواطنين هو الجواب الصحيح على رغبة الخير واتّباعه من
قبل السلطة المدنية. فطاعة القوانين واجبة على السلطة قبل المواطنين. وإن جارت
السلطة على المواطنين، يبقى هؤلاء ملتزمين باتّباع الخير العام. إن انحراف السلطة
عن الخير العام لا يبرر انحراف المواطنين عنه. ولكن مقاومة السلطة في هذه الحالة
تضحي مشروعة وضرورية للدفاع عن حقوق المواطنين، وذلك كما يقول المجمع “ضمن
حدود الشريعة الطبيعية”، أي كرامة الشخص البشري، و”الشريعة
الإنجيلية”، أي المحبة ومتطلباتها. هذه المقاومة قد تؤدي إلى عصيان ثوري يجوز
اللجوء إليه، حسب قول البابا بولس السادس, “في حال الطغيان الراهن المتمادي
الذي يسيء إلى حقوق الشخص الأساسية إساءة خطيرة، وتنجم عنه لمصلحة البلاد العامة
أضرار فادحة.

إن
موقف الأخلاق المسيحية من الشرائع المدنية هو إذا موقف الاحترام والخضوع والتعاون
البنّاء في سبيل الخير العام. والمسيحي يرى في هذا الموقف واجبا ضميريا إذ يعتبر
الشرائع المدنية سبلا متنوعة لممارسة المحبة بشكل عملي وطريقة فعالة, يعمل من
خلالها على أن يشع نور الإنجيل على جميع مرافق الحياة. وواجب الضمير وإرادة المحبة
هما اللذان يفرضان في بعض الأحيان المقاومة والعصيان، إذا أخلّت السلطات بالخير
العام أو أمرت المواطنين بالقيام بأعمال منافية للأخلاق، كالتعذيب أو السجن غير
المبرر أو القتل دون محاكمة.

هناك
حالات يدرك فيها المسيحي أن الشرائع المدنية قد سمحت بأمور لا يسمح بها ضميره,
كالإجهاض مثلا. في هذه الحالات لا يجوز للمسيحي أن يسلك سلوكا مناقضا لحكم ضميره,
بحجة أن الشرائع المدنية قد أجازته. فالسلطات المدنية قد تُضطر أحيانا إلى إصدار
شرائع تتساهل فيها في بعض أمور الأخلاق تفاديا لشر أعظم. فعندما يعلم مثلا المشترع
أن حظر الإجهاض لا يفيد شيئا ولا يمنعه في الواقع, بل يفتح الباب واسعا أمام
إجهاضات تُجرى في الخفاء في أوضاع تخلو من أبسط مقتضيات العناية الصحية وتعرّض
المرأة الحامل للموت, إذّاك يسمح به في سبيل المصلحة العامة، إذ يرى فيه شرا أدنى،
تاركا لكل إنسان أن يتصرف بحسب ضميره وبحسب درجة نموه الأخلاقي.

في
هذه الأحوال على المسيحي أن يتذكر أن الأخلاقية التي يجب عليه اتّباعها ليست
الأخلاقية العامة التي تضع قواعدها الشرائع المدنية, بل أخلاقية الإنجيل الذي
اتخذه شرعة له. فالشرائع المدنية تسعى إلى تقليص الشر في المجتمع وإلى منع ما
يتأتّى من أعمال الإنسان من نتائج سلبية على المجتمع. أمّا الإنجيل فيتطلب من
المسيحي أن يبحث عن الأكمل ويطلب الأسمى في جميع أعماله وفي مختلف نتائجها على
الصعيد الشخصي وعلى صعيد المجتمع. والبر الذي يدعو إليه السيد المسيح المسيحيين
اليوم يجب أن “يزيد” على البر الذي تدعو إليه الشرائع المدنية, كما طلب
من مستمعيه قديما أن يزيد برّهم على بر شرائع الكتبة والفريسيين ليتمكنوا من دخول
ملكوت الله (متى 5: 20). وبقدر ما يدرك المسيحيون هذا التطلب الإنجيلي, يُسهمون في
تحسين الأخلاق العامة وتطوير الشرائع المدنية نحو ما هو أفضل لكرامة الشخص البشري
ونحو الإنسان المرتجى.

ما هي
متطلبات شريعة السيد المسيح وما هي مقوّمات الأخلاقية الإنجيلية؟

 

ثانيا-
قاعدة الأخلاق بحسب الإنجيل المقدّس

الإنجيل
هو البشرى الصالحة بأن خلاص الله قد حضر إلينا في شخص يسوع المسيح. إنه رسالة رجاء
تُعلَن للبشرية الخاطئة. والأخلاق المسيحية تقوم أولا على الإيمان بهذا الخلاص
والانفتاح على هذا الرجاء. هذا ما يشير إليه إنجيل مرقس عندما يوجز كرازة السيد
المسيح في مستهل حياته العلنية بالنداء التالي: “لقد تمّ الزمان, واقترب
ملكوت الله, فتوبوا وآمنوا بالإنجيل” (1: 15). إعلان الخلاص بمجيء ملكوت الله،
وقبول هذا الخلاص بالتوبة والإيمان هما الوجهان المتكاملان للأخلاق الإنجيلية. إن
الله هو الذي يبادر البشرية بالخلاص في شخص ابنه يسوع المسيح. تلك هي بشرى الملكوت.
والإنسان مدعو إلى دخول الملكوت والعيش بموجب متطلباته بالتوبة والإيمان والمحبة.

 

1)
بشرى الملكوت

أ)
مجيءالملكوت في شخص يسوع المسيح

إن
أساس الدعوة الإنجيلية إلى التوبة والإيمان ليس التهديد بالدينونة، كما جاء على
لسان يوحنا المعمدان: “أثمروا ثمر توبة لائقا.. ها إن الفأس على أصل الشجر.
فكل شجرة لا تثمر ثمرا جيدا تُقطع وتلقى في النار” (متّى 8: 3- 10)، بل إعلان
خلاص العالم بمجيء الملكوت في شخص يسوع المسيح. وهذا ما يؤكده لوقا في حديثه عن
بدء رسالة السيد المسيح في الناصرة، حيث دخل المجمع يوم السبت وقرأ المقطع التالي
من سفر أشعيا: “روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشّر المساكين، وأرسلني لأنادي
للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأُطلق المرهقين أحرارا، وأُعلن سنة نعمة
للرب” (61: 1- 2). ثم قال للذين في المجمع: “اليوم تمت هذه الكتابة التي
تُليت على مسامعكم” (لوقا 16: 4-21).

وتجدر
الإشارة إلى أن أشعيا يتكلم على الله، فنقرأ في النص الكامل: “.. وأعلن سنة
نعمة للرب ويوم انتقام لإلهنا”. توقّف لوقا عند “نعمة للرب”، وكأنه
يريد التأكيد أن وعود الأنبياء بخلاص الله قد تحققت في شخص السيد المسيح، ولكن على
نحو جديد بورود النعمة دون الانتقام. لذلك يقول السيد المسيح لتلاميذه عن الملكوت
الذي بدأ بمجيئه: “طوبى للعيون التي تنظر ما أنتم تنظرون. فإني أقول لكم: إن
كثيرين من الأنبياء والملوك ودّوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا، وأن يسمعوا ما
أنتم سامعون ولم يسمعوا” (لو 10: 23 – 24).

إن
قدرة الله عينها هي التي تظهر في أعمال يسوع. وهذه القدرة هي قدرة محبة ومسامحة
ومغفرة وحق وعدالة، هي قدرة على إخراج الشياطين وشفاء المرضى ومغفرة الخطايا. وفي
هذه القدرة وهذه المحبة يظهر ملكوت الله، حسب قول السيد المسيح: “فإذا كنت
أنا بإصبع الله أُخرج الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله” (لو11: 20، متّى
28: 12). إن ملكوت الله يبدأ حيث يتحرر الإنسان من كل القوى المعادية له. إن
المستقبل الإسختولوجي قد صار حاضرا في شخص يسوع المسيح. الزمن الحاضر صار موضع
المستقبل الآتي، وذلك بفضل أقوال السيد المسيح وأعماله. وهذه الأقوال والأعمال لا
تُظهر قدرة الله وحسب، بل تكشف أيضا سر شخص يسوع المسيح, الذي هو الابن الوحيد
الذي أرسله الله إلى العالم في تمام الأزمنة ليمنح العالم الخلاص: “لقد دفع
إلي أبي كل شيء، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن
يريد الابن أن يكشف له. تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين, وأنا أريحكم.
إحملوا نيري عليكم, وكونوا لي تلاميذ، لأني أنا وديع ومتواضع القلب, فتجدوا الراحة
لنفوسكم. أجل، إن نيري ليّن وحملي خفيف” (متّى 27: 11- 30).

إن
أساس الأخلاق المسيحية هو مجيء ملكوت الله في شخص يسوع المسيح ابن الله الذي وحده
يعرف الآب معرفة كاملة، وبه وحده، بسبب تلك المعرفة عينها، يستطيع الناس أن يصلوا
إلى الله. قبل السيد المسيح لم يصل أحد إلى تلك المعرفة الكاملة لله: لا الشعب،
ولا المتّقون الحافظون الشريعة، ولا أحد من معاصري يسوع. هذه المعرفة تستند إلى
الوحدة الكاملة بين الآب والابن. “فالآب قد دفع كل شيء إلى الابن”. وهذا
يعني أن الابن هو الوسيط الماسيوي لوحي الله الآب. لا وحي لله الآب خارجا عن الابن.
وهذه المعرفة هي في الوقت عينه دخول في حياة الله. فمن خلال الابن يصل التلميذ إلى
معرفة الله والاتحاد بحياته.

 

ب)
بيسوع المسيح ابن الله يصير الناس أبناء الله

إن
يسوع يدعو الله “أبا”. وهذه اللفظة التي لا استعمال لها في أي من نصوص
أدب الصلاة العبري, تشير إلى أُلفة خاصة فريدة بين يسوع والله, إذ هي اللفظة التي
يدعو بها الطفل الصغير أباه. وعندما علّم السيد المسيح تلاميذه أن يدعوا الله
“أبانا”, طلب منهم أن يخاطبوه بتلك الثقة البنوية عينها التي كان هو
نفسه يخاطب بها الله. إن التلميذ يدرك بنوّته لله. تلك الموهبة التي نالها بواسطة
ابن الله المخلص، ويمكنه ثُمَّت استعمال الألفاظ عينها التي استعملها يسوع. ويعلن
إذّاك فرحه وشكره لله الذي تبنّاه وجعله عضوا في أسرته, وهذا التبني يسِم أعماله
كلها.

“منذ
أن ظهرت إرادة الله في يسوع المسيح, لم يعد ممكنا التحدث من أخلاق مسيحية وعن حياة
مسيحية إلا بالعودة إلى شخصه. إن العلاقات الشخصية التي أنشأها يسوع بين التلميذ
والله أبيه وبين التلميذ وبينه، لا يمكن أن تقتصر على ممارسة موضوعية غير شخصية
للناموس يضطلع بها الإنسان بجهده وأعماله المتنوعة. الحياة الخلقية في نظر
الأناجيل الإزائية ليست ممارسة للشريعة، بل هي حياة علاقة بين أشخاص”.

هذه
الحياة الشخصية مع الله التي يطلبها السيد المسيح من تلاميذه يصفها في عدة أمثلة.
فالابن الشاطر يأخذ حصته من ميراث أبيه ويقصد إلى بلد بعيد ويُتلف هناك ماله عائشا
في التبذير. وبعد أن اختبر الحياة بعيدا عن أبيه وشعر بالحرمان، قال في نفسه: “أقوم
وأمضي إلى أبي”. لقد اختبر أن لا خلاص له ولا حياة ولا فرح، خارجا عن علاقة
البنوّة مع أبيه. الابن الأكبر لم يعرف في أبيه إلا الوصايا: “كم لي من
السنين في خدمتك. ولم أتعدّ قط أمرا من أوامرك، وأنت لم تعطني قط جديا لأتنعّم مع
أصدقائي. ولما رجع ابنك هذا, الذي أكل مالك مع البغايا, ذبحت له العجل
المسمّن” (لو15: 29-30). إذا حكمنا على موقف الابنين من خلال ممارستهما
“الشريعة” وأوامر أبيهما, يكون الابن الأكبر على حق في تفكيره. ولكن
الأمر يختلف إذا نظرنا إلى التعرّف إلى الأب في علاقة بنوية حقيقمية. وهذا ما
يوضحه الأب لابنه الأكبر: “يا ابني, أنت معي في كل حين” وجميع ما لي هو
لك. ولكن كان لا بدّ من أن نتنعّم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش, وكان ضالا
فوُجد” (لو15: 31- 32). يحيا الإنسان ويخرج من ضياعه عندما يعرف الله معرفة
حقيقية ويحيا منه كما يحيا الابن مع أبيه. هذا هو الخلاص الذي جاءنا به المسيح ابن
الله، وهذا هو الملكوت الذي يدعونا إلى دخوله.

وكذلك
يوضح مثل الابنين (متّى 28: 21- 32) اللذين طلب إليهما والدهما أن يذهبا ويعملا في
الكرم أن علاقة الإنسان مع الله تشبه علاقة ابن يعمل في كرم أبيه ويفعل إرادته.
والخطأة, من عشّارين وبغايا, يشبهون الابن الذي رفض أولا أن يذهب للعمل في كرم
أبيه, ثم ندِم وذهب. وهؤلاء سيسبقون الفريسيين إلى ملكوت الله.

ويصف
السيد المسيح أبوّة الله في حديثه عن الصلاة: “إسألوا فتعطوا، أطلبوا فتجدوا,
إقرعوا فيفتح لكم.. إبنُ من منكم يسأل أباه خبزا, فيعطيه حجرا, أو سمكة، فيعطيه
بدل السمكة حية؟ أو إذا سأل بيضة يعطيه عقربا؟ فإذا كنتم, ما أنتم عليه من الشر,
تعرفون أن تمنحوا العطايا الصالحة لأولادكم, فكم بالأحرى أبوكم السماوي يمنح الروح
القدس لمن يسأله” (لو 9: 11- 13).

وبسبب
أبوّة الله للبشر، يجب على البشر ألا يقلقوا بشأن اللباس والطعام. ولا يطلبوا إلا
ملكوت الله وبرّه، وهذه الأمور كلها تُزاد لهم (متّى 6: 25- 34, لو 16: 12- 32).
فالملكوت قد أعطي لهم: “لا تخف أيها القطيع الصغير، لأنه قد حسن لدى أبيكم أن
يعطيكم الملكوت. بيعوا ما تملك أيديكم وتصدّقوا, إصنعوا لكم أكياسا لا تبلى, وكنزا
في السماوات لا ينفد, حيث لا سارق يقترب إليه، ولا عثّ يفسده. لأنه حيث يكون كنزكم،
هناك أيضا يكون قلبكم” (لو32: 11- 34).

 

ج)
مجانية الخلاص والملكوت

“لقد
حسُن لدى أبيكم أن يعطيكم الملكوت”. كما أن الآب يحب أبناءه محبة مجانية قبل
أن يتاح لهم أن يقوموا بأي عمل تجاهه، هكذا يحب الله أبناءه ويغدق عليهم، دون أي
استحقاق من قبلهم, محبته ورحمته ومغفرته. وقد كان تعليم السيد المسيح على هذا
النحو مدعاة شك للفريسيين الذين كان تعليمهم يدور حول ما يجب على الإنسان أن يصنعه
ليستحق الملكوت.

ولأمثالهم
ضرب السيد المسيح الفريسي والعشار الذي توجه فيه الكلام إلى “قوم يثقون من
أنفسهم بأنهم صدّيقون ويحتقرون الآخرين” (لو 18: 9- 14). فالعشّار الذي لم
يقدّم لله أي عمل صالح من أعمال الناموس سوى توبته رجع إلى بيته مبررا دون الفريسي
الذي كان يصوم ويؤدّي العُشر عن مقتنياته. لأن الله إله اليائسين، ورحمته لا حدّ
لها على المنكسري القلوب الذين ليي لهم ما يقدمونه لله إلا خطيئتهم وتوبتهم،
لينقلهم من اليأس إلى الرجاء, ومن الخطيئة إلى النعمة والبر.

إذ ما
من إنسان يستطيع أن يبرر نفسه أمام الله. وهذا ما يعلمنا إياه السيد المسيح في مثل
المديونين (لو7: 41- 43)، “اللذين كان لمداين على أحدهما خمس مئة دينار وعلى
الآخر خمسون, وإذ لم يكن لهما ما يوفيان به سامحهما كليهما”، وكذلك في مثل
العبد المديون (متّى 23: 18- 35) الذي كان للملك عليه عشرة آلاف وزنة, “وإذ
لم يكن له ما يوفي به, أمر سيده بأن يُباع هو وامرأته وأولاده وجميع ما له ويوفى
ما عليه. فخرّ ذلك العبد وسجد له قائلا: أمهلني فأوفيك كل ما لك. فتحنّن سيد ذلك
العبد، وأطلقه وترك له الدين”. ولأن الله يتصرّف معنا على هذا النحو, يطلب
إلينا أن يعامل بعضنا بعضا كما يعاملنا هو. ويختم السيد المسيح هذا المثل بقوله: “هكذا
يفعل أبي السماوي بكم، إن لم يغفر كل واحد لأخيه من كل قلبه” (متّى 18: 35).

ولأن
خلاص الله مجاني، يكافئ عمال الساعة الحادية عشرة الذين عملوا ساعة واحدة في كرمه
على غرار عمال الساعة الأولى الذين حملوا ثقل النهار وحرّه. وذلك لا لأنهم استحقوا
أجرتهم بل “لأنه هو صالح”، كما يعلّمنا السيد المسيح في مثل العمَلة
المرسلين إلى الكرم (متّى 20: 1- 15). إذ لا أحد أمام الله يستطيع أن يقول إنه
استحق أجرته. فجميع الناس خطأة, والله يرحم الجميع. وهذا الموقف الإلهي عبر عنه
السيد المسيح ليس فقط في تعليمه بل أيضا في موقفه من الخطأة, فكان يأكل معهم,
مشيرا إلى قبولهم إلى مائدة الملكوت. ولما تذمّر الفريسيون والكتبة وقالوا
لتلاميذه: “لِمَ تأكلون وتشربون مع العشّارين والخطأة؟”، أجابهم يسوع: “ليس
الأصحاء بحاجة إلى طبيب بل المرضى, إني لم آت لأدعو الصديقين إلى التوبة بل
الخطأة” (لو 5: 27- 32).

دعوة
الله هي دعوة مجانية للخلاص. وهذا ما يدل عليه مثل المدعوين إلى العشاء الذين لم
يلبّوا الدعوة. فأرسل رب البيت ودعا جميع المساكين والجُدع والعميان والعُرج، أي
جميع الذين لا يستطيعون أن يبادلوه الدعوة (لو14: 12-24). وعلى مثاله يريد منا أن
نتصرف، حسب قوله لواحد من أعيان الفريسيين دعاه يوما إلى بيته ليتناول فيه طعاما: “إذا
صنعت غداء فلا تدعُ أخلّاءك، ولا إخوانك، ولا أقرباءك, ولا الجيران الأغنياء,
مخافة أن يدعوك هم أيضا فتقوم بذلك مكافأتك. ولكن ادعُ, إذا ما صنعت مأدبة،
المساكين والجُدع والعُرج والعميان، فتكون عندئذ سعيدا، إذ ليس لهم ما يكافئونك به،
وتكون مكافأتك في قيامة الصدّيقين” (لو 14: 12- 14).

تلميذ
المسيح هو شخص وجد الملكوت كما يجد إنسان كنزا مخفيا في حقل, أو كما يجد تاجر لآلئ
لؤلؤة ثمينة (متّى 44: 13- 46). من يجد كنزا أو لؤلؤة لا يمكنه القول إنه بفضله
وباستحقاق أعماله قد حصل على الكنز أو اللؤلؤة. هكذا الملكوت يُعطى لنا دون أن
نعمل شيئا لنستحقه. ولكن متى وجدناه، نبيع كل ما لنا ونتخلى عن كل شيء في سبيله.

 

2)
متطلبات الملكوت: الحياة الجديدة

أ)
قبول الملكوت بالتوبة والإيمان

أن
يبيع الإنسان كل ما له للحصول على كنز وجده إشارة إلى ضرورة التخلي عن كل ما يملكه
وإنكار ذاته لقبول ملكوت الله. التوبة التي يدعو إليها السيد المسيح إزاء بشرى
الملكوت ليست مجرّد توبة عن الخطيئة, بل هي، على مثال توبة الابن الشاطر, الاعتراف
بالله أبا محبا رحيما، والعودة إليه للحياة معه وعلى مثاله، والاعتراف بالسيد
المسيح ابنا لله ومخلصا, وقبول البنوّة الإلهية التي يمنحنا إياها. والإيمان ليس
اعتناقا لعقائد وحسب، بل هو أولا قبول شخص يسوع المسيح والاتحاد به، انطلاقا من
الاعتقاد بأن ملكوت المحبة والحق والعدالة قد بدأ يتحقق على الأرض من خلال شخصه،
وإن بشكل سري وخفي. فإن ملكوت السماوات يشبه حبة خردل صغيرة تنمو لتصير شجرة كبيرة
(متّى 13: 31- 32). ويشبه خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال من الدقيق
حتى اختمر الجميع (متّى 33: 13). الإيمان يرى في حبة الخردل الصغيرة الشجرة
الكبيرة, وفي الخمير اليسير العجين كله.

الإيمان
بالسيد المسيح وبالملكوت الذي يمثّله يجعل المؤمن يتخلى عن كل شيء ليتبع المسيح
ويلتزم تعاليمه: “إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته, وبنيه
وإخوته وأخواته, بل نفسه أيضا، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذا، ومن لا يحمل صليبه
ويتبعني، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذا” (لو 426: 1- 27).

 

ب)
القاعدة الجديدة للأخلاق: الاقتداء بالآب

إن
علاقة التلميذ مع الله ومع الناس لم تعد تحكمها سلسلة من الشرائع يمكن الإنسان أن
يدّعي ممارستها. فعندما يقبل التلميذ البنوّة التي يُنعم بها الله عليه، تتحول
علاقته مع الله من علاقة عبد يُطيع أوامر سيده إلى علاقة ابن يقتدي بأبيه في كل
تصرفاته وفي جميع أخلاقه. هذا ما أوضحه السيد المسيح بقوله في إنجيل لوقا: “كونوا
رحماء كما أن أباكم هو رحيم” (6: 36). هذا القول يصير في إنجيل متّى: “كونوا
كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل” (5: 48), ويقابله في العهد القديم
القول التالي: “كونوا قديسين, فإني أنا إلهكم قدوس” (أح 2: 19). بدل
لفظة “إلهكم” استعمل السيد المسيح “أباكم”، مشيرا إلى القاعدة
الجديدة التي يجب أن يسير تلاميذه بموجبها، فيسعوا إلى القداسة والكمال والرحمة,
انطلاقا من بنوّتهم لله واقتداء بأبيهم.

الاقتداء
بالله الآب هو تعبير آخر للتتلمذ للمسيح الابن. فمن يتحد بالمسيح الابن يقبل في
الوقت عينه الله أبا, وتصير قاعدة أخلاقه الاقتداء بالله الآب على مثال الابن يسوع
المسيح وبالاتحاد معه. هذا هو جوهر الأخلاق المسيحية الناتج من أن ملكوت الله قد
أعطي لنا في شخص ابن الله يسوع المسيح. إن اتّباع يسوع، كما ورد في عدة مقاطع من
الإنجيل (متّى 16: 24, مر 8: 34، 38: 10- 45, لو 14: 25- 27)، يعني أكثر من السير
وراء معلم كبير. فليس المقصود فقط أن يترك المرء كل شيء ويرتد، فهذا كان معهودا في
اليهودية. الأمر المميز في اتّباع يسوع هو أن يترك التلميذ كل شيء ليحقق علاقة
شخصية بينه وبين السيد المسيح, وقد اعترف بأن المسيح هو في شخصه الملكوت الآتي،
النعمة التي أنعم بها الله علينا إذ جعلنا أبناءه. الدعوة إلى الكمال في نظر السيد
المسيح ليست مجرّد مطلب أخلاقي على الإنسان أن يجتهد في تحقيقه. بل هي بالحري نعمة
يُعطاها مع إعلان البشرى الصالحة بمجيء الملكوت. لذلك فإن نقطة انطلاق المسيحي
للعمل الخُلقي لا تكمن في سعيه لتخطّي عجزه, بغية الوصول إلى مثال إنساني, بل في
النعمة التي يعطاها أن يصير ابن الله ويدخل ملكوته ويحيا من ملء المحبة التي يؤمن
أن الله قد أفاضها عليه في شخص ابنه يسوع المسيح.

لذلك
لا تتسم أخلاق الإنجيل بسِمة الشرائع. فالزمن لم يعد زمن شرائع بل زمن ملكوت الله:
“فلقد بقي الناموس والأنبياء إلى يوحنا, ومنذئذ يبشّر بملكوت الله, وكلٌّ
يجتهد في الدخول إليه” (لو 16: 16). وهذا ما سيوضحه بولس الرسول بقوله: “الناموس
كان مؤدبنا يرشدنا إلى المسيح, لكي نبرر بالإيمان. فبعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد
تحت مؤدّب. لأنكم جميعا أبناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع, لأنكم أنتم جميع الذين
اعتمدوا للمسيح، قد لبستم المسيح” (غلا 3: 24- 27). وهذا ما يؤكده أيضا يوحنا
في إنجيله: “فإن الناموس قد أعطي بموسى. وأمّا النعمة والحق فبيسوع المسيح قد
حصلا” (17: 1).

 

ج)
جذرية الأخلاق المسيحية

الفرق
بين الشريعة والتبنّي يقوم على أمرين: الأمر الأول هو أن الشريعة تُفرض بالقوة
وبتهديد العقاب لمن يخالفها. أمّا التبنّي فهو دعوة إلى أن يقبل الابن محبة أبيه
بكل قلبه ويقتدي بأعماله بملء حريته. والأمر الثاني هو أن التبنّي أكثر تطلّبا من
الشريعة. فالابن يتصرف انطلاقا من محبته, وفي حين أن الشريعة محدودة في أنظمتها
وقوانينها، المحبة لا حدود لها. لذلك يقول السيد المسيح: “إن لم يزد برّكم
على ما للكتبة والفريسيين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات” (متّى 5: 20).

لم
يأت السيد المسيح ليقيم شرائع جديدة عوضا عن الشرائع القديمة. فالمرور من زمن
الشريعة إلى زمن النعمة لا يعني إزالة الشرائع القديمة. وهذا ما يؤكده السيد
المسيح نفسه بقوله: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، إني ما جئت
لأنقض بل لأكمّل. الحقَّ أقول لكم: إنه, إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول من
الناموس ياء ولا نقطة حرف حتى يتم الكل” (متّى 17: 5-18). ويوضح في بعض
الأمثلة كيف يتم ذلك. فالناموس يقول: “لا تقتل”, “لا تزن”,
“لا تحنث بل أوفِ للرب بأيمانك”. هذه الوصايا لن تزول. ولكن الجديد في
تعليم السيد المسيح هو ألا ينظر الإنسان إلى ما تأمر به من أعمال خارجية وحسب. بل
أولا إلى القلب الذي منه تصدر تلك الأعمال. ومتى ارتدّ القلب إلى الله وآمن
بالملكوت الذي أنعم به عليه وبمحبة الله له التي أفيضت في قلبه، لا يعود يكتفي بأن
يتمم تتميما حرفيا وخارجيا وصايا الناموس, ولا يعود يسأل علماء الناموس أو الكتبة
إلى أي حد يمكنه الوصول في أعماله. بل يعطي ذاته كليا لتتميم إرادة الله دون
مساومات ودون قيود ولا شروط لالتزامه.

من
هنا تتسم أخلاق الإنجيل بسمة الجذرية. فتلميذ المسيح لا يمتنع فقط عن قتل أخيه بل
حتى عن الغضب على أخيه: “سمعتم أنه قيل للأقدمين: لا تقتل، فإن من قتل يستوجب
المحاكمة, أمّا أنا فأقول لكم: إن كل من غضب على أخيه يستوجب المحاكمة, ومن قال
لأخيه: “راقا” يستوجب المحفل، ومن قال له: “يا معتوه” يستوجب
جهنم النار” (متّى 5: 21- 22).

وتلميذ
المسيح لا يمتنع عن الزنى وحسب, بل عن كل نظرة شهوانية: “سمعتم أنه قيل: لا
تزنِ، أمّا أنا فأقول لكم: إن كل من نظر إلى امرأة حتى ليشتهيها, فقد زنى بها في
قلبه” (متّى5: 27-28).

وتلميذ
المسيح لا يمتنع عن القسم الكاذب وحسب, بل عن أي قسم كان: “سمعتم أنه قيل
للأقدمين: لا تحنث بل أوف للرب بأيمانك. أمّا أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة, لا
بالسماء لأنها عرش الله، ولا بالأرض, لأنها موطئ قدميه.. فليكن كلامكم: نعم, نعم,
ولا، لا. وما يُزاد على ذلك فهو من الشرير” (متّى 33: 5- 37).

إن ما
يريده السيد المسيح من تلاميذه هو الانقطاع الكلي عن أي عمل شرير. لذلك أيضا في
الأقوال الثلاثة الأخرى حول الطلاق والانتقام وبغض العدو، لا يطلب فقط تقليص الشر
بل العمل على إزالته إزالة تامة: “لقد قيل: من طلّق امرأته فليدفع إليها كتاب
طلاق. أمّا أنا فأقول لكم: إن من طلّق امرأته, إلا في حالة الزنى, فقد عرّضها
للزنى, ومن تزوّج مطلّقة فقد زنى” (متّى 31: 5-32).

“سمعتم
أنه قيل: عين بعين وسن بسن. أمّا أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك
على خدك الأيمن، فقدّم له الآخر أيضا. ومن أراد أن يرافقك إلى القضاء ويأخذ ثوبك،
فخلّ له الرداء أيضا. ومن سخّرك لميل واحد فامض معه ميلين. من سألك فأعطه، ومن
أراد أن يقترض منك فلا تحوّل وجهك عنه.

“وسمعتم
أنه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوّك. أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم, وصلّوا لأجل
الذين يضطهدونكم, لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات, فإنه يُطلع شمسه على
الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والأثمة” (متّى 5: 38- 45).

لقد
حاول الناموس القديم, نظرا إلى إزالة الشر إزالة تامة, أن يضع له حدودا ويوقف
امتداده. وهذا ما لم يقبله السيد المسيح. فبحضور ملكوت الله لا بدّ لأبناء الملكوت
أن يعملوا على إزالة الشر من جذوره. فإزاء من يعتدي عليهم, يطلب منهم السيد المسيح
أن يمتنعوا عن الرد, حتى وإن اقتصر الرد على العين بالعين أو على السن بالسن, أي
على ضربة بضربة مماثلة. فالخصام بين الناس لا يمكن وضع حد له، إلا إذا كان أحد
مستعدا أن يقدّم الخد الآخر لمن لطمه على الخد الأيمن. وكذلك في موضوع الطلاق, لا
يدخل السيد المسيح في موضوع النقاش بين علماء الناموس حول الحالات التي يجوز فيها
الطلاق، بل يطلب تغيير الذهنية تغييرا جذريا, وارتداد القلب ارتدادا تاما في علاقة
الناس بعضهم مع بعض. لم يدخل السيد المسيح وصية جديدة تناقض الوصية القديمة. بل
عاد إلى إرادة الله الأولى منذ البدء: “في بدء الخليقة, ذكرا وأنثى خلقهما
الله, فلذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم امرأته، وكلاهما يصيران جسدا واحدا, ومن
ثم فليسا هما اثنين بعد، بل هما جسد واحد, فما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان”
(مر 10: 6- 9).

إن ما
أراده الله منذ البدء ولم يستطع الإنسان تطبيقه لقساوة قلبه, صار اليوم ممكنا بسبب
مجيء الملكوت، أي بفضل النعمة التي يُغدقها الله على الذين يدخلون في حياة بنوّة
معه بواسطة ابنه يسوع المسيح. وهذا يعني أن الزوجين, متى قبلا نعمة الملكوت يلتقي
أحدهما الآخر في الإيمان والرجاء والمحبة وهما يؤمنان أن محبة الله قد أفيضت في
قلبيهما, ولذلك يبقيان على الرجاء في الأمانة الزوجية, حتى ولو فقدا كل رجاء بشري.
وهذا يعني أيضا أن تلميذ المسيح, في عالم مليء بالعنف والثأر والقتل, يؤمن أنه
بإمكانه أن يشهد للمحبة والمغفرة والمسامحة، وتكون شهادته خميرة في عجين العالم
ليصير العالم كله ممتلئا من روح الإنجيل.

لذلك
لا يمكن القول إن السيد المسيح قد أراد أن يحدّد لنا شرائع جديدة عوضا عن القديمة.
بل إنه من خلال المقابلة التي يجريها بين أقوال العهد القديم وأقواله هو, أراد أن
يعلّمنا أن علاقات الناس بعضهم ببعض لا يمكن أن تتحسن بوسائل الناموس القديم الذي
أعطي بسبب قساوة قلوب الناس، ومن هذه الوسائل: الطلاق, والعين بالعين، وبغض
الأعداء، بل بالإمكانيات التي فتحها أمامنا مجيء ملكوت الله وسيادة محبته في شخص
يسوع المسيح، أي بالمسامحة والمغفرة والمصالحة والأخوّة. وهكذا يكون تلاميذ المسيح
“أبناء أبيهم الذي في السماوات الذي يُطلع شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر
على الأبرار والأثمة” (متّى 5: 45).

إن
متطلبات الإنجيل وحياة الملكوت ليست شرائع أخلاقية جديدة حلّت محلّ الشرائع
القديمة. بل هي بالحري أمثلة واقعية تحدد التوجيه الذي يجب أن يسيّر أعمالنا،
والصفة التي يجب أن تتصف بها, والسمو الذي يجب أن ترتفع إليه. ففي عالم مليء
بالكراهية والأنانية وحب الانتقام، يدعو السيد المسيح تلاميذه الذين أحبهم الله
وغفر لهم وتبنّاهم إلى أن يشهدوا لما أنعم به الله عليهم، ويتحلّوا بصفات الله من
مسامحة ومغفرة وتجرّد وتواضع واحترام لشخص كل إنسان، وصبر وطول أناة. هذا الاتجاه
الذي يطلب منهم السيد المسيح أن يسيروا فيه في كل علاقاتهم مع الناس هو اتجاه عام،
وفي الوقت عينه يحقق في دقائق الأمور (من ضربك على خدك الأيمن.. من سخّرك لميل
واحد.. من طلب ثوبك.. من طلب أن يستقرض مالك.. إلخ), ولكنه لا حدود له, بل يفتح
المسيحي على أفق من الكمال لا يمكنه إدراكه ولا البلوغ إليه.

لقد
طلب الناموس القديم أن يؤدي الإنسان العُشر من كل أمواله. لم يُلغ السيد المسيح
تلك الوصية بل طلب أن تقترن بالعدل والرحمة, وأن يتخذ الإنسان موقفا متجرّدا من
المال يعطي الوصية معناها العميق ويدخلها في إطار شامل في العمل على مثال الله.
وهذا الموقف من المال يتبيّن لنا من بعض ما جاء في الإنجيل من أقوال للسيد المسيح:
“لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال” (متّى 6: 24), “لا تكنزوا لكم
كنوزا على الأرض” (متّى 19: 6), كل واحد منكم، إن لم يزهد في جميع أمواله، لا
يستطيع أن يكون لي تلميذا” (لو33: 14), “بيعوا ما تملك أيديكم وتصدّقوا،
اصطنعوا لكم أكياسا لا تبلى” (لو 33: 12), “من سألك فأعطه” (متّى
42: 5).

وكذلك
القول بالنسبة إلى سائر الأمور التي توضح علاقة التلميذ بالله كالصلاة والصوم
(متّى 6: 7- 18), وعلاقته بالقريب: كالصدقة (متّى 6: 1- 6) والمحبة (متّى 7: 1-5)
والخدمة (متّى 25: 31- 46).

وفي
جميع هذه الأمور يسعى التلميذ إلى “البر الأعظم” الذي يجب أن يزيد على
بر الكتبة والفريسيين. وهذا “البر الأعظم” يجب ألا يُفسر كأنه مطلب
أخلاقي يمكن التلميذ تحقيقه تحقيقا تامّا. بل هو مطلب ديني يقضي بأن يُخضع الإنسان
ذاته لإرادة الله ويقبل دعوته في طهارة القلب وجذرية العطاء والثقة التامة بنعمته
ومساعدته وخلاصه. وفي كل أعماله يعتبر التليمذ تعاليم السيد المسيح الأخلاقية
مبادئ أساسية يرتكز دوما إليها ويسير بهديها في بحثه عن التصرف الأكثر ملاءمة
وحياته الجديدة في ملكوت الله, ملكوت النعمة والمحبة. وهذه التعاليم تساعده على أن
يعمل باستمرار على تصحيح مسيرته وتنقية رؤيته, وهدفه على الدوام تحقيق ملكوت الله
في العالم, وتأليه البشر ليعملوا في العالم أعمال الله!

إن
حرية التلميذ لا تنفي تنظيم الواجبات الأخلاقية في الحياة الاجتماعية المسيحية.
وإلا استحال إيصال متطلبات الأخلاق الإنجيلية إلى كل المسيحيين داخل الكنيسة. وهذا
ما أدركته سريعا الكنيسة الأولى عندما حاولت أن تطبق تعاليم الإنجيل الأخلاقية على
حياة المسيحيين في مختلف الظروف والأحوال.

 

ثالثا-
التعاليم الأخلاقية في الكنيسة الأولى: أساسها وميزتها

لقد
كانت رسالة السيد المسيح وتعاليمه المحور الذي بَنت عليه الكنيسة الأولى مبادئها
في الأخلاق, ونقطة الانطلاق لكل ما قدمته للجماعات الكنسية من تعاليم ووصايا وما
سنّته من تشريعات أخلاقية. فالمطلب الأخلاقي الأساسي ينتج من كون الله قد دخل تاريخ
البشر دخولا نهائيا وخلاصيا في شخص يسوع المسيح الذي هو، لأجل ذلك عينه, الرب
والمخلّص. ومن يقبل عمل الله الخلاصي يعبّر عن هذا القبول بالتوبة والمعمودية باسم
يسوع. إذّاك يصير الإنسان كائنا جديدا مخلّصا متحدا بالله. وما الأخلاق المسيحية
برمّتها سوى تحقيق هذا الكيان الإلهي الجديد الذي يحصل عليه الإنسان بالمعمودية.
فالأخلاق هي نتيجة التألّه، وهي تحقيق التألّه في مختلف ظروف الحياة.

لذلك
من ينظر إلى الوصايا والإرشادات المتنوعة في رسائل بولس الرسول وسائر الرسائل
يلاحظ أن معظمها يدور على الحياة الروحية. والتعاليم الأخلاقية تندرج دوما في إطار
واسع من الوصايا والإرشادات الروحية. ذلك أن أساس هذه التعاليم ونقطة ارتكازها
وانطلاقها وهدف توجهها إنما هو يسوع المسيح في أعماله وأقواله، ولكن ليس فقط
بالنظر إلى بعض ما حفظه التاريخ من أحداث حياته وتعاليمه، بل أيضا استنادا إلى ما
يريد أن يقوله اليوم للذين آمنوا أنه قد قام من بين الأموات، وأقامهم معه إلى حياة
الله، وأنه لا يزال حاضرا في ما بينهم.

هذا
هو الأساس الروحي الذي بنت عليه الكنيسة الرسولية تعاليمها الأخلاقية، والذي وحده
يستطيع أن يسِم الأخلاق المسيحية بسِمتها الخاصة التي بها تتميز عن أخلاق سائر
الأديان والفلسفات. كيف تظهر هذه السمة الخاصة في مختلف التعاليم الأخلاقية؟

 

1)
أقوال الرب يسوع

لقد
رأت الكنيسة الأولى في أقوال السيد المسيح قياسا أسمى ومثالا أعلى لتوجيه تصرف
أبنائها ومسلكهم الأخلاقي.

 

أ)
ذكر صريح لأقوال الرب يسوع

نلاحظ
أن بولس الرسول لا يذكر ذكرا صريحا أقوال الرب يسوع إلا مرتين: في موضوع أجرة
الذين يبشرون بالإنجيل (1 كو 9: 14)، وموضوع الزواج (1 كو 7: 10). فالموضوع الأول
ليس موضوعا أخلاقيا بقدر ما هو موضوع مرتبط بتنظيم حياة الجماعة الكنسية. ففي1 كو
9: 9 يقول بولس: “قد كُتب في ناموس موسى: “لا تكمَّ الثور في
دياسه” (تثنية 25: 4). ألعلّ الله تهمّه الثيران؟ أوَليس من أجلنا، ولا مراء،
يقول هذا؟ أجل، إنه من أجلنا قد كُتب: إن من يحرث فليحرث على الرجاء، ومن يدوس
فعلى رجاء أن يكون شريكا في الغلّة.. أوَلا تعلمون أن الذين يتولّون الأعمال
الكهنوتية يأكلون من الهيكل، والذين يلازمون المذبح يقاسمون المذبح؟ هكذا رتّب
الرب أيضا أن الذين يبشّرون بالإنجيل يعيشون من الإنجيل” (1 كو 9: 9- 14).

في
هذا القول الأخير إشارة إلى قول السيد المسيح: “وأي بيت دخلتموه، فقولوا أولا:
السلام لهذا البيت.. وامكثوا في ذلك البيت تأكلون وتشربون مما عندهم. فإن العامل
مستحق أجرته” (لو 10: 5- 7), “فإن العامل مستحق طعامه” (متّى 10: 10).
إن لقول السيد المسيح هذا، في نظر بولس، أهمية على غرار أقوال ناموس موسى. لذلك
يذكره إلى جانب أقوال الناموس. ولكن بولس لا يرى فيه وصية إلزامية بل مجرّد حق.
وهذا الحق قد تخلّى عنه بولس لأجل هدف أخلاقي أسمى, لئلا يعوّق بشارة الإنجيل
بشيء, فيقول: “إن كان لآخرين هذا الحق عليكم, أفلسنا نحن أولى؟ ومع ذلك لم
نستعمل هذا الحق، وإنما نحتمل كل شيء لئلا نعوّق إنجيل المسيح بشيء.. فما ثوابي
إذن؟ هو أني، إذا بشّرت, أبشّر بالإنجيل مجانا غير مستوف حقي في الإنجيل (1 كو 12:
9، 18).

إن ما
نستخلصه من تصرّف بولس هذا هو أنه, لدى تغيّر الظروف الاجتماعية والكنسية، من بعد
قيامة الرب، يجوز للمبشرين بالإنجيل أن يعيشوا من تعب أيديهم, على خلاف التلاميذ
الذين كانوا يتبعون يسوع في حياته (راجع لو10: 4-8). وهكذا في هذا الموضوع تجب
المحافظة على وصية السيد المسيح، ولكن ليس في حرفها بل في قصدها وجوهرها.

أمّا
في موضوع الزواج, فيقول بولس إن وصية الرب يسوع هي وصية إلزامية. “أمّا
المتزوجون, فأوصيهم، لا أنا, بل الرب: أن لا تفارق المرأة رجلها, وإن فارقته
فلتلبث غير متزوجة, أو فلتصالح رجلها, وأن لا يترك الرجل امرأته” (1 كو 7: 10-
21). وفي هذا القول إشارة إلى جاء في الإنجيل عن الزواج والطلاق (راجع مر 10: 2-12,
متّى 3: 19- 12). ولكن بولس نفسه يعود فيستثني من هذه الوصية الإلزامية حالة قران
بين زوج مسيحي وآخر غير مسيحي: “أمّا الباقون فأقول لهم, أنا لا الرب: إن كان
أخ له امرأة غير مؤمنة, وهي ترتضي أن تقيم معه, فلا يتركها, والمرأة التي لها رجل
غير مؤمن وهو يرتضي أن يساكنها, فلا تترك رجلها. لأن الرجل غير المؤمن يقدّس
بالمرأة المؤمنة, والمرأة غير المؤمنة تقدّس بالأخ المؤمن، وإلا فيكون أولادكم
نجسين, والحال أنهم قديسون. ولكن, إن فارق غير المؤمن, فليفارق, فليس الأخ أو
الأخت مستعبدا في مثل هذه الأحوال. فإن الله قد دعاكم لتعيشوا في سلام، فما أدراك,
أيتها المرأة, أنك تخلصين رجلك؟ وما أدراك أيها الرجل, أنك تخلّص امرأتك؟” (1
كو8: 12- 16).

هكذا
يطبّق بولس الرسول وصية السيد المسيح على وضع خاص, مجتهدا أن يحافظ على جوهر
الوصية وهو العيش في سلام والعمل على خلاص الآخر. فوصايا السيد المسيح ليست شرائع
ضيقة يجب الأخذ بها حرفيا وبمنأى عن الوضع الإنساني المتبدّل. إنما تهدف إلى كمال
المحبة في حياة كل إنسان. وعلى المسيحي أن يتبعها في جذرية تطلّباتها وسمو هدفها.

 

ب)
صدى أقوال الرب يسوع في الكنيسة الأولى

إلى
جانب الشهادات التي يرد فيها ذكر صريح لأقوال السيد المسيح, هناك تعاليم كثيرة في
الكنيسة الأولى يترجّع فيها صدى أقوال السيد المسيح دون أن تكون ذكرا حرفيا لتلك
الأقوال. وقد وصل علم التفسير الكتابي إلى النتائج التالية في هذا الموضوع:

1)
هناك في الكنيسة الأولى تقليد لمجموعة من “أقوال الرب يسوع” تعود إلى ما
قبل تدوين الأناجيل،

2)
هذا التقليد كان ثابتا ومقبولا قبولا شاملا بحيث كان يعتبر على الدوام المرجع
الأخير في مختلف المسائل,

3) في
حين كانت لهذه الأقوال سلطة مطلقة في جوهرها، كان هناك بعض الاختلاف في ألفاظها،
إذ نجد أشكالا متعددة للقول عينه,

4)
بعض هذه الأقوال على الأقل أُدرج في ما بعد في الأناجيل.

وقد
كان لهذه الأقوال تأثير كبير على التعاليم الأخلاقية في الكنيسة الأولى، نذكر في
ما يلي بعض ما ورد منها في رسائل القديس بولس:

هناك
أولا أقوال في موضوع المحبة: محبة القريب، ومحبة الأعداء، وضرورة المغفرة
والمسامحة على مثال السيد المسيح.

ففي
محبة القريب يقول بولس: “إن الناموس كله يُتمّم في هذه الوصية الواحدة: أحبب
قريبك كنفسك” (غلا 5: 14), “من أحب القريب قد أتمّ الناموس. فإن هذه
الوصايا: لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشتهِ, وكل وصية أخرى
تُلخّص في هذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك” (رو8: 13-9).

وفي
محبة الأعداء يقول: “نُشتَم فنبارك, نُضطهد فنحتمل، يُشنّع علينا
فنصلّي” (1كو 4: 12- 13)، “باركوا الذين يضطهدونكم، باركوا ولا تلعنوا..
لا تكافئوا أحدا على شر بشر.. لا تنغلب للشر، بل اغلب الشر بالخير” (رو 12: 14،
17، 21)، “لماذا لا تحتملون بالحري الظلم، لماذا لا تصبرون بالحري على
السلب؟” (1 كو 7: 6). هذه الأقوال صدى لما جاء في الأناجيل: في عظة السيد
المسيح على الجبل (متّى 43: 5-44 لو 27: 6- 28)، وفي جوابه عن سؤال أحد علماء
الناموس: “ما هي أعظم الوصايا في الناموس؟” (متّى 22: 35- 40).

وعن
المغفرة والمسامحة يقول بولس: “احتملوا بعضكم بعضا، وتسامحوا، إن كان لأحد
شكوى على آخر وكما أن الرب سامحكم, سامحوا أنتم أيضا” (كو 13: 3). وهذا القول
صدى لما جاء في الإنجيل في الصلاة الربية (متّى 12: 6- 15), وفي مثل المديون
المداين: “أفما كان ينبغي لك, أنت أيضا, أن ترحم رفيقك، كما رحمتك أنا؟”
(متّى 21: 18-35).

وفي
الموقف الذي يجب على المسيحي أن يتخذوه من دفع الجزيه للسلطات الرومانية الوثنية,
يقول بولس: أدّوا للجميع حقوقهم: الجزية لمن له الجزية, والجباية لمن له
الجباية” (رو 13: 7). وهذا القول مشابه لما قاله السيد المسيح في الإنجيل: “أدّوا
ما لقيصر لقيصر, ومالله لله” (متّى 21: 17: 22).

كذلك
نجد قولا مشابها في موضوع الأطعمة, في الفصل الرابع عشر من الرسالة إلى الرومانيين.
ففي كنيسة تضم كثيرين من اليهود، كان من الطبيعي أن يحدث تساؤل حول ما يمكن
للمسيحي أن يتناوله من الأطعمة، وهل هناك أطعمة نجسة وفقا للتقاليد اليهودية
القديمة؟ يجيب بولس بوضوح: “إني عالم ومتيقّن في الرب يسوع أنه ما من شيء نجس
في ذاته” (رو 14: 14). وهذا القول يذكّرنا بقول السيد المسيح في الإنجيل: “ليس
شيء مما هو خارج الإنسان يمكنه, إذا دخل الإنسان، أن ينجّسه, بل ما يخرج من
الإنسان هو الذي ينجّس الإنسان”. ويضيف مرقس: “بهذا أُعلن أن جميع
الأطعمة نقية” (مر 7: 14 -19).

وتجدر
الإشارة إلى أن بولس ومرقس يستعملات للدلالة على ما هو “نجس” لفظة
يونانية يندر استعمالها في هذا المعنى, وهي لفظة “كينوس”. فاتّفاقهما
على استعمالها دليل على أن قول الرب هذا كان معروفا لدى كليهما, ولذلك نلاحظ أن
بولس يعرض المبدأ بثقة تامة، إذ إن هذا المبدأ يستند إلى قول من الرب نفسه.

وبهذه
المناسبة يرِد أيضا قولان للرب, أحدهما عن دينونة الآخرين والآخر عن إثارة الشك
لدى الضعفاء. يقول بولس: “من كان ضعيفا في الإيمان, فاقبلوه بغير مباحثة في
الآراء. من الناس من يعتقد أن له أن يأكل من كل شيء, وآخر ضعيف لا يأكل إلا بقولا.
فالذي يأكل لا يزدَرِ من يأكل, والذي لا يأكل لا يديننّ من يأكل، لأن الله قد قبله.
فأنت من تكون فتدين عبد غيرك؟ إنه لمولاه يثبت أو يسقط. بيد أنه سيثبت, لأن الرب
قادر أن يثبّته.. فأنت إذن لِمَ تدين أخاك.. فإنا جميعا سنقف أمام منبر الله (رو
14: 1- 4،10), ثم يضيف: “فلا يَدِن بعضنا بعضا من بعد. بل احكموا بالحري أن
لا يوضع للأخ معثرة أو شك” (رو 13: 14).

لا يب
في أن بولس كان يفكر بقولين للرب: “لا تدينوا لكي لا تُدانوا, فإنّكم بالدينونة
التي بها تدينون تُدانون” (متّى 7: 1- 2) و”الويل للإنسان الذي تقع
المعاثر عن يده” (متّى 18: 6- 9). واللفظة اليونانية المستعملة في كل من
الرسائل والإنجيل للدلالة على المعثرة هي عينها “سكانذلون”، وبولس
يستعملها لأنها معروفة في قول ثابت للسيد المسيح, ويضيف إليها كلمة أخرى أكثر
بلاغة ولها المعنى عينه “بروسكومّا”، أي الشك ويعود إلى التنبيه
“من الذين يحدثون الشقاقات والمعاثر” في رو 17: 16.

كذلك
نرى تذكيرا بقول السيد المسيح في قول بولس: “وضعت نفسي لترتفعوا أنتم”
(2 كو 11: 7, راجع لو18: 14, “من يرفع نفسه يوضع, ومن يضع نفسه يُرفع”),
وفي قوله: “فإذا كنت حرا من الجميع عبّدت نفسي للجميع، لكي أربح
الأكثرين” (1 كو 9: 19، راجع قول السيد المسيح في متّى 20: 26- 28, “من
أراد ن يكون فيكم كبيرا يكون لكم خادما, ومن أراد أن يكون الأول يكون لكم عبدا,
على مثال ابن البشر, فإنه لم يأت ليُخدَم بل ليَخدم ويبذل نفسه فداء عن
الكثيرين”).

 

2)
أعمال الرب يسوع

إن ما
يستند إليه بولس الرسول في تعاليمه الأخلاقية ليس فقط بعض أقوال من السيد المسيح,
بل قبل ذلك المثل الذي تركه لنا السيد في كل حياته: في استعداداته, أي في اختياره
الأساسي, في عمق نيّته وإرادته واتجاه حياته, وفي كل أعماله الناجمة عن هذا
الاختيار الأساسي. ففي الرسالة إلى الفيليبيين يطلب بولس من المسيحيين “أن
يكونوا على رأي واحد”, ثم يضيف: “ليكن فيكم الاستعدادات ما هو في المسيح
يسوع”, ثم يأتي النشيد الذي يوضح هذه الاستعدادات.

“هو
القائم في صورة الله,

لم
يعتدّ مساواته لله [حالة] مختلسة،

بل
لاشى ذاته، آخذا صورة عبد،

صائرا
شبيها بالبشر، فوُجد كإنسان في الهيئة،

ووضع
نفسه، وصار طائعا حتى الموت، [بل] موت الصليب!” (في 2: 2- 8).

هذا
السلوك يدعوه بولس نعمة، أي محبة تعطي ذاتها، بقوله: “وأنتم تعرفون نعمة ربنا
يسوع المسيح كيف أنه، هو الغني، قد افتقر من أجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره”
(2 كو 9: 8).

 

3)
ناموس المسيح

من
هذا السلوك تستقي وصية المحبة ميزتها وأصالتها. ووصية المحبة هي التي يدعوها بولس
“ناموس المسيح” (غلا 2: 6، 1 كو 9: 21)، بالمقارنة مع ناموس موسى (1 كو
9: 9). إن لفظة “ناموس”، متى ارتبطت بالمسيح، لا تصح إلا بمعنى مجازي،
أي كنهج نتصرّف بموجبه في كل أعمالنا. ولكن ناموس المسيح يتميز عن أي ناموس آخر
بأمرين: أولا إنه لا يُفرض من الخارج، وثانيا لا يُقبل عن كُره.

إن
ناموس المسيح لا يُفرض على المسيحي من الخارج، بل ينبع من كيانه الجديد. فالمسيحي
يرى في ناموس المسيح، أي في المحبة على مثال المسيح وبالمسيح، طريقة حياة منسجمة
مع الكيان الجديد الذي حصل عليه من خلال ولادته الجديدة بالمعمودية. ثم إن ناموس
المسيح لا نقبله عن كره، ذلك أن المسيح هو في كيانه وحياته أصدق صورة وأكمل تعبير
لمحبة الله للعالم. والإنسان الذي يقبل المسيح ويصير معه بالمعمودية كائنا واحدا،
إنما يفعل ذلك إيمانا منه بأن المسيح هو الطريق الذي به يصل إلى كمال كيانه في
الله، وهو الحق والحياة اللذان بهما يحصل على سعادته على هذه الأرض وفي حياة الأبد.
لذلك فالوصايا التي تنطوي عليها الأخلاق المسيحية لا يقبلها المسيحي عن كره بل عن
فرح وقناعة لأنه يرى فيها الطريق إلى تحقيق إنسانيته في كل أبعادها وبالتالي إلى
سعادته، إذ إن سعادة أي كائن تقوم على تحقيق كيانه.

استنادا
إلى هاتين الميزتين اللتين يتسم بهما ناموس المسيح، يمكننا القول إن ناموس المسيح
لا يعني مجرد تعاليم تسلّمناها من المسيح معلمنا ونسعى لتطبيقها بجهد وقلق، دون أن
نعلم مدى نجاحنا في هذا التطبيق، بل هو بالحري كيان جديد نحصل عليه باتحادنا
بالمسيح, بحيث نحب بالمحبة عينها التي بها أحبنا المسيح، ونغفر بالمغفرة عينها
التي بها غفر لنا المسيح, ونعمل بموجب البر عينه الذي حصلنا عليه بالمسيح.

وبما
أن المحبة التي بها أحبّنا المسيح هي عينها محبة الله لنا, والمغفرة التي بها غفر
لنا المسيح هي عينها مغفرة الله لنا, والبر الذي حصلنا عليه هو عينه بر الله,
فحياتنا مع المسيح وبالمسيح في المحبة والمغفرة والبر هي عينها ناموس المسيح وهي
عينها حياة الله فينا. من هذا ينتج ن الأخلاق المسيحية هي تحقيق ملكوت الله على
الأرض، كما ورد في الأناجيل الإزائية, وتحقيق حياة الله في حياة البشر، كما ورد في
إنجيل يوحنا, وتحقيق بر الله في هذا العالم كما ورد في رسائل بولس الرسول.
والألفاظ الثلاثة هي تعابير متنوّعة للدلالة على مفهوم واحد هو تأليه الإنسان.

فالأخلاق
المسيحية هي إذا تحقيق تأليه البشر، إنها التعبير الحسي في مختلف ظروف الحياة
الخاصة والاجتماعية للتألّه الذي يحصل عليه الإنسان باتّحاده مع الله, بوساطة يسوع
المسيح ابن الله. بها تتحقق سيادة الله على العالم، أي بها يتّخذ الله ومحبته وجها
في هذا العالم.

يقول
أحد اللاهوتيين المعاصرين: “الأخلاق المسيحية تتحقق انطلاقا من الإيمان بأن
حياتنا قد أعطيت لنا في المسيح, على رجاء أن تلك الحياة ستصل إلى كمالها. من هنا
يتميز الوجود المسيحي بالإيمان والرجاء في المحبة. ما يميزنا ليس أننا نؤمن ونرجو
ونحب، فهذا له وجود في سائر الأديان والأخلاق, بل أننا نعتبر أن كياننا الإنساني
ينطلق من المسيح بالإيمان ويتوجّه نحو المسيح بالرجاء، وأن المحبة التي نعنيها
ليست أية محبة نجدها لدى أي إنسان، بل هي المحبة التي بها أحبّنا الله في المسيح.
وفي هذه المحبة عينها نحن محبوبون، وفي هذه المحبة عينها علينا أن نحب نحن أيضا
بدورنا.

“انطلاقا
من هذا الأساس للوجود المسيحي يمكننا أن ندرك الميزة الخاصة التي بها يتميز تحقيق
الوجود المسيحي. ما هو جديد ليس ما يُطلب من المسيحيين بنوع خاص ولا يُطلب من
غيرهم, بقدر ما هو الحالة التي تُطلب فيها هذه الأعمال من المعمّدين, والتي فيها
يستطيعون ويجب عليهم أن يحققوا تلك الأعمال, الجديد هو بالحري الطريقة التي فيها
تتم تلك الالتزامات من المعمّدين. فالمعمّد يجب ألا يخدم الخطيئة من بعد كما كان
يفعل من قبل عندما كان تحت الناموس، أي بطريقة تؤدّي به حتما إلى الموت وإلى
الهلاك وإلى الدينونة, بحيث إن الجهاد ضد الشر هو مسبقا جهاد خاسر (رو 6: 6،12- 16
الخ, 7: 5- 6, غلا 13: 5 الخ راجع كو 13: 2, 3: 5, أف 2: 1 الخ, 3: 5 الخ).

“المسيحي
لا يحتاج من بعد أن ينحني بقلق (عن طريق العبادة أو الفرائض) أمّا قوى العالم
ليرتفع إلى العلاء نحو الله ويحصل على الخلاص. فإنه قد صار إلى العلاء (كو 2: 6
الخ، 3: 1الخ, راجع أف 2: 1الخ). أي إن ما يأتي إلى لقائه التزاما يُطلب منه، إنما
هو ملء كيانه المُعطى له في المسيح. والمطلَب الأخلاقي، الذي هو في النهاية مطلب
الله من البشر لخلاصهم، لا يحدث منذ يسوع المسيح إلا في حصولهم على الخلاص عينه من
خلال يسوع وبيسوع في الروح القدس”.

ناموس
المسيح هو في النهاية المسيح نفسه كقاعدة حية للمسلك المسيحي. في الاقتداء بمحبته
وفي الحياة من ينبوع محبته, يختبر المسيحي ما هي المحبة، أي محبة الله التي تتحقق
في الالتفات الجذري نحو البشر. هذه المحبة, التي هي في العمق سمة الأخلاق المسيحية
الأساسية, لا تسِم الدافع إلى العمل الأخلاقي وحسب، بل أيضا مضمون هذا العمل، بحيث
إن أي عمل يقوم به المسيحي دون محبة لا يمكن أن يُدعى عملا مسيحيا. المسيحية لا
تدّعي احتكار المحبة, فالمحبة نجدها أيضا لدى غير المسيحيين، ولكن المسيحية ترى في
المحبة أخلاقيتها الأساسية.

من
واجب المحبة الأساسي هذا لا نستخلص قواعد مباشرة وحلولا جاهزة يمكن الأخذ بها في
مختلف مسائل الحياة بقدر ما نستخلص قيما أخلاقية تكوّن أساس كل تصرّفاتنا وقياس كل
أعمالنا. والقيمة الكبرى التي لا مسيحية بدونها هي احترام الإنسان واحترام الحياة
الإنسانية. فالإنسان هو القيمة الكبرى، لأن الله في المسيح أحبه حبا جما وخلّصه.

 

4)
الروح القدس عطية الله لنا

إن
المحبة التي بها أحبنا الله في المسيح هي أساس الأخلاق المسيحية برمّتها. و”محبة
الله قد أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه” (رو 5: 5). فالأخلاق
المسيحية هي حياة الروح فينا، وحياتنا بحسب الروح. وهذه الحياة يصفها بولس الرسول
في الفصل الثامن من رسالته إلى الرومانيين، فيقول: “فليس إذا بعد من قضاء على
الذين في المسيح يسوع، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد حررك من ناموس
الخطيئة والموت.. فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يُرضوا الله. أمّا أنتم فلستم
في الجسد بل في الروح, إن كان روح الله ساكنا فيكم. من ليس فيه روح المسيح فليس له.
ولكن إن كان المسيح فيكم، فالجسد ميت بسبب الخطيئة، أمّا الروح فحياة لأجل
البر” (8: 1- 2، 8: 10).

إن
الله عندما يضع في قلوبنا روح ابنه يجذبنا إليه من داخل نفوسنا ومن عمق كياننا.
ونعمته التي يغدقها علينا هي البهاء الإلهي الذي يُشرق في قلوبنا ليقودنا إليه
وإلى العمل بحسب إرادته. فلا إرغام ولاكره ولا شرائع تُفرض علينا من الخارج، بل
حياة بنوّة ومحبة في الروح القدس.

“من
لا يشعر بأي عذوبة في تتميم إرادة الله ولا يختبر بأي شكل من الأشكال ديناميّة
ناموس المسيح الجذّابة، هذا لم يعرف بعد المسيح ولا الآب في حقيقتهما الحية, ولم
يعرفهما في روح الحق الذي هو موهبة الله لنا. إن المؤمنين الذين يحبهم المسيح
ويحبون المسيح في الروح القدس يصيرون حياة مشرقة. من خلالهم يشاهد الناس وجه الله
ويختبرون بهاءه الجذّاب. الروح القدس يجعلهم ينابيع نعمة فيجذبون الإخوة والأخوات
إلى المسيح وإلى الآب، ويحملونهم على تتميم إرادة الله.. مجمل القول إن النعمة
تعلّم الناس التوبة الحقيقية إلى الله الذي يكشف ذاته ويعطي ذاته في ابنه الحبيب
ويجذبنا إليه، حتى إننا، بالروح القدس، نصيرله أبناء يحب بعضهم بعضا بملء
رضاهم”.

 

5)
الأخلاق الإنسانية وروح المسيح

متى
امتلأ المسيحي من روح المسيح يستطيع دون خوف أن ينفتح على ما في مختلف الثقافات من
قيم أخلاقية إنسانية. في الواقع نلاحظ أن رسائل بولس الرسول وسائر الرسائل تنطوي
على أخلاقية وإرشادات كثيرة للتصرف في العلاقات العيلية والاجتماعية، تبنّتها
الكنيسة الأولى دون أن تكون من وضعها ودون أن يتميز بها المسيحيون عن غيرهم من
الناس، بل كانت مستقاة من الحكمة اليهودية والفلسفة اليونانية، وكانت شائعة في
البيئة الاجتماعية والثقافية التي عاشت فيها الكنيسة الأولى.

وتندرج
فيها على سبيل المثال لوائح الفضائل والرذائل التي يذكرها بولس في رسالته إلى
الغلاطيين (5: 19- 26). ولكن هذه الفضائل المعهودة، من محبة وفرح وسلام وطول أناة
ولطف وصلاح وأمانة ووداعة وعفاف, يضعها بولس في إطار الحياة الجديدة في المسيح وفي
الروح القدس، فيقول: “لأن الذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا الجسد من الأهواء
والشهوات. فإن كنا نحيا بالروح, فلنسلكنّ أيضا بحسب الروح” (غلا 5: 24- 25).
وفي رسالته إلى الفيليبيين بعد أن يحرّضهم على اتفاق الرأي والحلم مع جميع النالس,
والصلاة، يضيف: “وبعد, أيها الإخوة, فكل ما هو حق وكرامة، وعدل ونقاوة, ولطف
وشرف, وكل ما هو فضيلة وكل ما يُمتدح, كل هذا فليكن محطّ أفكاركم” (8: 4).

وفي
كل شيء يطلب بولس الرسول أن يعمل المسيحيون بإدراك وتمييز: “امتحنوا كل شيء
وتمسّكوا بما هو حسن” (تسا 5: 21). كذلك في رسالته إلى الرومانيين يدعوهم إلى
التمييز: “لا تتشبّهوا بهذا العالم, بل تحوّلوا إلى صورة أخرى بتجديد عقلكم،
لكي يتهيّأ لكم أن تميزوا ما مشيئة الله وما هو صالح وما يرضيه وما هو كامل”
(2: 12). ثم يسرد لائحة من الفضائل: التواضع والمحبة والغيرة، وفرح الرجاء، والصبر
في الضيق، والصلاة، والصدقة، وضيافة الغرباء، وعدم مكافأة أحد على شر بشر، ومسالمة
جميع الناس (12: 3- 21). وكذلك في رسالته الأولى إلى التسالونيكيين، يذكّرهم
بالوصايا التي أعطاهم إياها “من قِبَل الرب يسوع” (4: 2). ثم يذكر
الامتناع عن الزنى، فيحفظ كل واحد إناءه في القداسة والكرامة, والامتناع عن الشهوة
وعن الاعتداء على الآخرين، والمحبة الأخوية، والسكينة والعمل كل بما يعنيه (راجع 1
تسا 3: 4- 12).

توضح
هذه الوصايا على سبيل المثال كيف يجب على المسيحي الذي ملأ روح المسيح قلبه أن
يسلك في هذا العالم. لا شك أن هناك أنظمة مرتبطة بوضع اجتماعي خاص لم تعد تعني لنا
اليوم الشيء الكثير، كالامتناع عن اللحم المقدّم ذبيحة للأوثان (1 كو 8: 9- 12)،
أو ضرورة أن تصلّي المرأة ورأسها مغطّى (1 كو 11: 2- 16). ولكن يبقى المبدأ الداعي
إلى الامتناع عن إثارة الشك لدى الآخرين: “إن كان طعام يعثّر أخي، فلا أكلت
اللحم إلى الأبد لئلا أُعثّر أخي” (1 كو 13: 8). ويبقى في كل شيء المبدأ
الأساسي أن كل عمل يجب أن تكون المحبة الدافع إليه ومضمونه، لأن “المحبة هي
كمال الناموس” (رو 10: 13).

 

6)
الوصايا الرسولية: نصح وتعزية

إن
الوصايا الأخلاقية التي ترد في رسائل القديس بولس وسائر الرسائل لا تتسم بسمة
الشريعة المفروضة من الخارج على المسيحي تحت وطأة التهديد بالعقاب. ولكنها في
الوقت عينه ليست مجرد اقتراحات اختيارية يمكن المسيحيين أن يهملوها دون أن يؤثر
إهمالهم لها على كيانهم المسيحي. إنها بالحري إرشادات من نوع التحريض المقرون
بالتشجيع والنصح المرفق بالتعزية. والتحريض والنصح هما على السير بحسب النعمة التي
حصل عليها المسيحيون والدعوة التي نُدبوا إليها. وفي ما يلي بعض ما جاء في رسائل
القديس بولس في هذا الموضوع.

“بما
أنّا معاونو الله، نحرّضكم أن لا يكون قبولكم نعمة الله عبثا” (2 كو 6: 1),
“فأحرضكم إذا، أنا الأسير في الرب, أن تسلكوا مسلكا يليق بالدعوة التي نُدبتم
إليها” (أف 4: 1)

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى