علم الكنيسة

الكنيسة فى فكر الآباء [1]



الكنيسة فى فكر الآباء [1]

الكنيسة
فى فكر الآباء [1]
[1]

القمص
متياس نصر منقريوس

 

ماهية الكنيسة:

        الكنيسة
ليست شيئاً تحصره المفاهيم أو التحديدات، لأنها ليست مجموعة من التعريفات، لذلك
فاللاهوت الإكليسيولوجى قد تبلور على إثر الهرطقات والإنشقاقات، وقد جاء ليميز
الكنيسة الحقيقية من الجماعات المزيفة التى تدّعى أنها كنيسة.

        والكنيسة
ليست فى طيّات الكتب والعلوم اللاهوتية بل هى اختبار وممارسة وخبرة (تعال وأنظر
come and see) فهى أنت وأنا وكما نكون نحن تكون هى فإن لم نعشها حياتياً
واختبارياَ لنتمتع بعذوبة جمالها وغناها تصبح كياناً مادياً بخلاف حقيقتها [2]
[2] .

        وباستثناء
العبارة الوحيدة الموجودة فى قانون الإيمان الرسولى “وبكنيسة واحدة وحيدة مقدسة
جامعة رسولية” لا نجد أى تحديد لماهية “الكنيسة“ فآباء الكنيسة لم يهتموا كثيراً
بعقيدة “ تعريف الكنيسة“ لأن حقيقتها المجيدة كانت ظاهرة أمام رؤيتهم الروحانية.

        إن
المرء لا يحدد ما هو واضح فى ذاته، مما يفسِّر غياب فصل خاص بالكنيسة فى كل العروض
الأولى للعقيدة المسيحية عند أوريجينوس و القديس غريغوريوس النيصى.

        ويعتقد
بعض الباحثين المعاصرين أن الكنيسة نفسها لم تحدد طبيعتها و جوهرها فلاهوت الكنيسة
Ecclesiology “ مازال فى الصيرورة والتكوّن [3][3].

        فكنيسة
المسيح ليست مؤسسة إنها حياة جديدة مع المسيح وبالمسيح يرشدها الروح القدس، إنما
“المسيحيون “ يحملون اسمهم هذا لأنهم يحيون فى المسيح والمسيح يحيا فيهم [4]
[4].

        …
وليس التجسد مجرد فكرة أو نظرية، إنه قبل كل شئ حدث وقع مرة فى التاريخ، و لكنه
يحوى كل ما فى الأزلية من قدرة واستمرار.. هذا التجسد الدائم هو اتحاد كامل لا
يقبل الانحلال رغم عدم اختلاط الطبيعتين الإلهية والبشرية وهو يشكل الكنيسة .

        فالكنيسة
هى جسد المسيح لكونها حياة معه ونعبر عن هذه الفكرة، عندما نطلق على الكنيسة اسم
“خطيبة المسيح” أو “عروس الكلمة” فالعلاقات بين الخطيبين أو العروسين تقوم على
وحدة حياة كاملة، لا تنفى حقيقة اختلافها أنها اتحاد اثنين فى واحد، اتحاد لا تحله
الثنائية ولا تستغرقه الوحدة .

        …
ولكن المسيح له المجد ليس شخصاً إلهياً وحسب إنه “ أحد الأقانيم “ فى الثالوث
القدوس وحياته مشتركة فى جوهر الآب والروح القدس. لذا، كانت الكنيسة كحياة بالمسيح،
حياة بالثالوث القدوس أيضاً، تلك الحياة التى لا تنفك متحدة بالثالوث القدوس
اتحاداً لا يقبل انفصالاً هى الحياة فى الروح القدس الذى به نصبح أبناء للآب، وهو
الذى يهتف فينا “يا أبتاه“ …

        لذلك
لا يمكن أن يوجد “تعريف“ مُرضٍ وتام للكنيسة “ تعال وانظر “ فلا يتصور المرء فكرة
الكنيسة إلا بالاختبار وبالنعمة مساهماً فى حياتها. ولهذا السبب يتبقى قبل أن
نعرّف الكنيسة تعريفاً خارجياً أن نتصورها فى جوهرها الصوفى وطبيعتها الأصلية ألا
وهى تعبير الأزلى فى الزمنى وتبدّى غير المخلوق فى المخلوق وجوهر الكنيسة هو
الحياة الإلهية الظاهرة فى حياة المخلوقات إنها تأليه الخليقة بقوة التجسد
والعنصرة، والكنيسة وُجدت قبل أن يكون العالم بل ولأجلها خلق العالم غير أنها
قابلة التلاؤم مع حياة هذا العالم.

        غير
أن وجود الكنيسة ذاته موضوع إيمان، فهى إنما تعرف بالإيمان “ أؤمن بكنيسة واحدة
مقدسة جامعة رسولية
“، والمرء يدرك الكنيسة بالإيمان لا ككيفية أو كاختبار وحسب،
بل يدركها كمياً أيضاً، وذلك بصفتها وحدة الجميع، لكونها حياة واحدة وتامة و”
كجماعية “ على مثال اتحاد الأقانيم الإلهية الثلاثة.

        لكننا
نرى كل فرد يعيش حياة أنانية منعزلة. وأن أبناء آدم الواحد لا يرون وحدتهم، ولا
يفطنون لها، رغم أنهم كائنات اجتماعية، ورغم أنهم متعلقون باخوتهم . لكن هذه
الوحدة تتجلى فى المحبة وبواسطة المحبة، وهى كائنة بفضل المساهمة فى حياة الكنيسة
الإلهية الواحدة.

        فالإنسانية
هى واحد فى المسيح، والناس عناقيد كرمة واحدة، وأعضاء جسم واحد. وتتسع حياة كل
إنسان بصورة لا نهائية لتصبح حياة الآخرين: شركة القديسين. وكل إنسان فى الكنيسة
يحيا بحياة البشرية قاطبة وقد غدت كنيسة. كل إنسان هو الإنسانية حسب القول “ إنسان
أنا وليس من شئ إنسانى بغريب غنى“.

 

حدود الكنيسة:

        غير
أن الكنيسة الجامعة غير محصورة فى الجنس البشرى . فجمع الملائكة يكوّن كذلك جزءاً
منها لا يُدرك إلا بأعين الإيمان فنحن نرتل فى الكنيسة [السلام للكنيسة بيت
الملائكة
] [5]
[5]. وفى رسالته إلى الأنبا سيرابيون يقول القديس أثناسيوس الرسولى [إن
البيت الذى أؤتمنت عليه أيها الأسقف هو (بيت السماء)، الكنيسة التى على الأرض التى
قال عنها يعقوب
:

 ”
ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء” (تك28: 17) لأن جميع الملائكة الذين يأتون
من عند الله يتقدمون أولاً إلى الكنيسة ويمجدون بيت الله الذى على الأرض]

[6][6]، وفى نص آخر [ قد أحضرنا و أتى بنا من مصر المخادعة المشهورة
بمقاومة المسيح، ومرَّ بنا لنعبر الضيقات والأتعاب كالتى اجتازها شعب البرية لنصل
إلى الكنيسة المقدسة بيت السلام، بيت الملائكة، نهاية كل الأتعاب والتجول والضيقات،
مكان الشركة و الأخوَّة معاً “
fellowship “ حيث يُطرح جانباً عراك العالم وشجاره وقلقه ومتاعبه
وضيقاته وإزعاجه …
] [7][7].

        بل
الطبيعة كلها تتصل بالجنس البشرى وبأجناد السموات، فالملائكة منوطة بحراستها
والإنسان يسود عليها، هى تشارك الإنسان مصيره. فالقديس بولس الرسول فى رسالته إلى
أهل رومية يمتد باستعلان بر الله فى الدهر الآتى ليشمل الخليقة كلها فهى كما سقطت
بخطية آدم، تقوم ببر الله فى المسيح وكما لعِنت بسبب تعدى آدم ملعونة الأرض بسببك
(تك3: 17)، تتبارك بسبب بر الله فى طاعة المسيح (رو 8: 2223) [8]
[8] .

        …
وهكذا فإن الإنسان يُصبح كائناً “كونياً“. فحياته بالله توحده بحياة الخليقة كلها
بواسطة روابط المحبة الكونية. تلك هى حدود الكنيسة. وهذه الكنيسة، التى لا توحد
الأحياء فحسب بل تتعداهم إلى المنتقلين و طغمات الملائكة و كل الخليقة، هى غير
منظورة و لكنها ليست مجهولة. فحياتها سابقة لخلق العالم و الإنسان، إنها تتناهى فى
الأزلية.

 

متى تأسست الكنيسة؟!

        يمكن القول
أن الكنيسة كانت، قبل بدء الأجيال، غاية الخليقة وأساسها وهى بهذا المعنى “ خلِقت
قبل كل شئ، ومن أجلها صُنع العالم “ ونحن نرى هذا المعنى فى كتابات الآباء المبكرة
جداُ. ففى كتاب “ الراعى “ لهرماس نرى هذا الحوار:

 [
فقلتُ       : من هى هذه المرأة الشيباءُ

 أجاب :
إنها الكنيسة

 فقلت:
ولماذا هى مسنة هكذا إلى هذا الحد

 فقال:
لأنها خُلقت قبل كل المخلوقات… وهذا هو السبب فى كونها مسنة ومن أجلها كُوِّن
العالم… فالذى خلق الكائنات من العدم هو الذى أكثرها ونماها (تك1: 28، 8: 17)
لأجل كنيسته المقدسة
] [9][9] .

 أما القديس
كليمندس الأسكندرى فيخبرننا فى هذا المعنى و يقول:

[
إن سر الكنيسة القديمة الجامعة هو وحدتها التى جمعت فى وحدة الإيمان الواحد
المختارين الذين عُينوا من قبل الله تأسيس العالم ليكونوا أسراراً كحصيلة لعهديها
أو بالأحرى للعهد الواحد خلال الأزمنة المختلفة، وذلك حسب إرادة الله الواحد، خلال
رب واحد] [10]
[10]. وفى هذا المعنى كتب أيضاُ أوريجين[11][11]: [ لا أريدكم أن تفترضوا أن “عروس المسيح“ أى الكنيسة قد ذُكرت
فقط بعد مجيء المخلص فى الجسد بل بالحرى منذ بداية الجنس البشرى منذ تأسيس العالم
].

و
فى عظاته للموعوظين يقول القديس كيرلس الأورشليمى:

[
لقد وُجدت فى ذهن الله قبل الخليقة و من أجلها خلق العالم] [12]
[12].

و
فى كتاب “
From glory to glory “ لغريغوريوس النيصى:

[
إن تأسيس الكنيسة هو إعادة خلق العالم مرة ثانية، لأن إشعياء النبى يقول: ” هأنذا
خالق سموات جديدة وأرضاً جديدة فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال ” (أش65: 17)].

 

”الكنيسة ” قبل السقوط:

[
إن الربَّ خلق الإنسان على صورته، الأمر الذى يجعل ممكناً دخول روح الكنيسة فى الإنسان
ويجعل تجسد الإله ممكنًا: فلا يمكن أن يتخذ الله إلا طبيعة كائن مشاكل له، مالك
صورته .

        إن
فى وحدة الجنس البشرى التامة، توجد، كنواة، وحدة الكنيسة على صورة الثالوث القدوس.
ولذا فمن العسير تحديد زمن لم توجد فيه الكنيسة فى الإنسانية، بحالة فكرة سابقة، على
الأقل، فبموجب اعتقاد الآباء وُجدت كنيسة أولية حتى فى الفردوس قبل الخطيئة حينما
كان الرب يتحدث إلى الإنسان وكان بحالة اتصال به ] .[13]
[13]

وهذا
الفكر يؤكده القديس بولس الرسول إذ يقول: ” مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذى
باركنا بكل بركة روحية فى السماويات فى المسيح . كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم
لنكون قديسين وبلا لوم فى المحبة ” (أف1: 3، 4).

 

”الكنيسة ”.. بعد السقوط:

أما
بعد السقوط.. بعد الخطية، وضع الرب أساس ما يسمى كنيسة العهد القديم[14]
[14] تلك الكنيسة التى تعلَّم فيها الإنسان أن يتحد بالله مشتركاً معه.
وحتى فى أقصى ظلمات الوثنية وُجدت “ كنيسة وثنية عاقراً “ كما تسميها بعض الألحان
الكنسية. ولم تبلغ الكنيسة بالطبع، إلى ملء كيانها إلا بعد التجسد.

 

مَنْ أسس الكنيسة؟

وبهذا
المعنى نقول: إن الكنيسة أسسها الرب يسوع المسيح و تحققت بالعنصرة .

ففى
كتاب “ الراعى” لهرماس يؤكد هذا المعنى

[
أنظر إن الرب الجنود الذى بقدرته الفائقة غير المنظورة وفطنته العظيمة خلق العالم
(أع18: 24) الذى بإرادته المجيدة سربل مخلوقاته بالحسن والجمال وبكلمته القديرة
جمَّد السماء (إش42: 5) وثبت الأرض على المياه (مز135: 6) والذى بحكمه وتدبير
خاصين أسس كنيسته المقدسة وباركها ] [15]
[15]، وأيضًا: [ وبما أنى كنت أسير بمفردى طلبت إلى الرب أن يتم
الإيحاءات والرؤى التى أتانى بها بواسطة كنيسته المقدسة ليثبتنى ويمنح التوبة
لخدمة الواقعين فى الَشرَك] [16]
[16].

بهذه
الأحداث يكون أساس الكنيسة قد وُضع، لكنها لا تبلغ به ملأها إنها لم تزل الكنيسة
المجاهدة، وعليها أن تصبح الظافرة (المنتصرة)، حيث “ يكون الله الكل فى الكل“
(أف23: 1).

 

معنى لفظة ” كنيسة ”:

وردت
هذه اللفظة بالآرامية السريانية التى كان يتكلمها السيد المسيح “كنيست“ أى المجمع،
الجماعة أو اجتماع، وكلمة “كنيسة” فى العهد الجديد مترجمة عن الكلمة اليونانية
Ekklhsia [17][17]. “إكليسيا“ التى تشتق من فعل يونانى بمعنى “أدعوا“ والجماعة مدعوة
لتكون معًا، الجماعة مدعوة بكلمة الله [18]
[18] و قد تأتى بمعنى المكان الذى يجتمع فيه الجماعة لإقامة الشعائر
الدينية [19]
[19] وقد وردت أيضاً بمعنى محفل[20][20].

 

بعض ألقاب و رموز وتشبيهات الكنيسة عند الآباء

أولاً:   جسد المسيح:

(أ)
الخبز الإفخارستى

(ب)
جسد المسيح “ وملؤه “

 

(أ) الخبز الإفخارستى:


تكون حفنة برِّ فى الأرض فى رؤوس الجبال تتمايل مثل لبنان ثمرتها و يُزهرون من
المدينة مثل عشب الأرض. يكون اسمه إلى الدهر. قدام الشمس يمتد اسمه. ويتباركون به.
كل أمم الأرض يطوّبونه. مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده. ومبارك
اسم مجده إلى الدهر ولتمتلئ الأرض كلها من مجده. آمين ثم آمين ” (مز72: 1619) .


كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح. الخبز الذى نكسره أليس هو شركة
جسد المسيح. فإننا نحن الكثيرون خُبزٌ واحدٌ جسدٌ واحدٌ لأننا جميعنا نشترك فى
الخبز الواحد..” (1 كو10: 1617).

إن
ذكر الكتاب المقدس بعهديه للفظة ” البُرّ ” المستخدمة فى صناعة الخبز بما لها من
ذخيرة معانى ورموز فى الذاكرة الدينية… واستخدام هذا الخبز فى العبادة ابتداءً
من تقدمة ملكى صادق (تك14: 18) ومروراً بالمن السماوى (خر4: 16) وبخبز الوجوه
(خر23: 40) ليصل إلى قمته فى الإفخارستيا (مت26: 12)… مضافاً إليه حبة الحنطة
(يو12: 24) التى مثّل بها رب المجد نفسه فى رحلة آلامه وموته وانسحاقه وفقاً
للنبوات الكتابية مجتمعة.. وكذا معجزة تكثير الخبز (مر30: 6-34) بحركاتها الطقسية
البديعة التى بها حقق الرب الشبع للكل (الملء) من خلال توزيع الآباء الرسل للخبز و
كأنه ليس توزيع بل تجميع لأبناء الله المتفرقين إلى واحد (يو11: 52).


هذا الخبز صار رمزاً من رموز الكنيسة و سر وحدة المؤمنين (1كو11: 23-26) كما يقول
القديس كبريانوس: [الكنيسة هى مجموعة حبوب القمح التى تتحد معاً لتؤلف خبز الشكر] [21]
[21].. بل وتشكلت الصلوات الليتورجية الأولى والمتجذرة فى التربة
اليهودية على نفس السياق ففى كتاب الديداخى[22]
[22]: [ وكما جمع الخبز المكسور الذى كان مبعثراً فى
الجبال ليصير خبزاً واحداً، كذلك أجمع كنيستك من أقاصى الأرض فى ملكوتك لأن لك
المجد والقدرة أبد الدهور].

        لاحظ
العلاقة بين “اجمع “ ومعنى “الكنيسة“ وأيضاً فى الوقت المبكر تكونت “ أوشية “ [23]
[23] سلامة الكنيسة هكذا [ اذكر يا رب كنيستك، وأنقذها من كل شر
واجعلها كاملة فى حبك، اجمع كنيستك المقدسة من الرياح الأربع (تث23: 24، مت 24: 31)
فى ملكوتك المعد لها لأن لك القدرة و المجد أبد الدهور] [24]
[24].

        وفى
التقليد القبطى الإسكندرى نَمَت هذه الصلوة بين صلوات التأسيس
Institution فى ليتورجية
القديس مار مرقس لتحقيق معنى “ الكنيسة “ فى تفصيل بديع هكذا: [ اجمع كنيستك
المقدسة من كل عنصر ومن كل بلد ومن كل مدينة ومن كل قرية ومن كل منزل واجعل منها
الكنيسة الواحدة المحيية الجامعة ] [25]
[25].

        بل
وأكثر من ذلك إبداعاً إضافة عنصر الخمر إلى الخبز الإفخارستى كنمو واضح للصلوة كما
فى ذات الليتوجية هكذا: [ وكما كان هذا الخبز مرة مبعثراً فوق الجبال والتلال
والأودية[26]
[26]، ثم اجتمع معاً ليكون جسداً واحداً! وهذا الخمر أيضاً الذى خرج من
كرمة داود المقدسة . وهذا الماء الذى خرج من الحمل الذى بلا عيب امتزجا معاً
صائرين سراً واحداً، هكذا اجمع أيضاً الكنيسة الجامعة التى للمسيح يسوع] [27]
[27].

 ومن
النص السابق نلاحظ الآتى:

1
ورد رمز آخر من رموز “ الكنيسة “ وهو “ أغصان الكرمة المقدسة “ حسب
قول مخلصنا الصالح “ أنا الكرمة و أنتم الأغصان “ (يو15: 1-5) “ وكذا الماء الذى
خرج من الحمل“ (يو19: 34).

2
الصلوة السابقة بانوراما الطبيعة لمعجزة “توزيع“ الخبز إلا أن الصلوة “تجميع“ وهذا
يحقق العلاقة الحية بين جسد المسيح (الذى يوَّزع على المؤمنين فى الإفخاريستيا)
إلا أنه يٌجمّع أعضاء الكنيسة أو أبناء الله المتفرقين إلى واحد (يو11: 52). وهذا
المعنى سنلاحظه أيضاً فى “الكنيسة جسد المسيح “ حيث يذكر سفر الأعمال عن الذين “
تشتتوا “ (توَّزعوا) بسبب الضيق الذى حدث بعد رجم اسطفانوس جالوا مبشرين بالكلمة
وساعد ذلك على انتشار الكنيسة من اليهودية أع 1: 8، 31: 9-42) حتى إنطاكية (أع11: 1925)
ومنها “ حتى أقاصى الأرض“ (أع1: 8، رو10: 18، كو1: 23)[28]
[28] ولعل كاتب سفر الأعمال أبدع حينما دون الحادثة ليؤكد على معنى الكنيسة
فى جملتين متقابلتين هكذا:

@ فتشتت الجميع فى كور اليهودية والسامرة (أع8: 1، 2)

 …
والذين تشتتوا جالوا مبشرين… فيلبس إلى السامرة (أع 8: 4)

 @    وكان
الجموع يصغون بنفس واحدة (أع8: 5، 6)

        وليس
هذا المعنى فقط فى “ الخبز الإفخارستى “ من حيث التوزيع بهدف التجميع وإنما أيضاً
هذه الرحلة الطويلة التى يمر عليها من مجرد حبة حنطة وحتى تصير خبزاً مخبوزاً (من
درس وطحن وعجن وتخمُّر وخَبْز) والتى تشبه كثيراً رحلة آلام مخلصنا وسحقه ودفنه
ظلت عالقة فى فكر وقلب آباء الكنيسة الأولى مما حدا بالقديس إغناطيوس المتشح
بالإله أن يقول عند استشهاده: [ أطلب إليكم ألا تظهروا لى عطفاً فى غير أوانه، بل
دعوا الوحوش تأكلنى، التى بواسطتها يوهب لى البلوغ إلى الله، إننى حنطة الله.
اتركونى أُطحن بأنياب الوحوش لأصبح خبزاً نقياً للمسيح. هيّجوا هذه الوحوش الضارية
لتكون قبراً لى ولا تترك شيئاً من جسدى، حتى إذا مُتُّ لا أُتعب أحداً فعندما لا
يعود العالم يرى جسدى أكون تلميذاً حقيقياً للمسيح ] [29]
[29].

 

الكنيسة فى فكر الآباء[30][1] 2

 

(ب) “الكنيسة جسد المسيح “ و “ملؤه “ [31][1]:

        يقول القديس بولس عن رب المجد ” وأخضع كل شئ تحت قدميه
وإياه جَعَل رأساً فوق كل شئ للكنيسة التى هى جسده ملء الذى يملأ الكل فى
الكل” (أف1: 23). والقديس بولس يذكّر كنيسة كورنثوس أن هذا الاتحاد الحيوى الذى
يحدث بين المؤمنين والمسيح فيما بين الأعضاء فى سر المعمودية (أف4)، ويظهره الروح
بطريقة شبه ملموسة بفضل مواهبه الروحية، لا يجب أن يحيد عن وظيفته البناءة
والموحّدة، لأننا قبلنا جميعاً المعمودية فى روح واحد لنكون جسداً واحداً (1كو12: 13).
فالمعمدون الذين يؤلفون الكنيسة، هم إذا أعضاء جسد المسيح الواحد هذا، الذى يقِّوى
خبز الإفخارستيا تناسقه الحيوى (1كو1: 12،3: 4). وإظهاراً وتدعيماً لهذه الوحدة،
ينظم بولس جمع تبرعات لصالح ” القديسين ” فى أورشليم (1كو16: 14)،
(2كو89)، (رو15: 2627)، ولعل ذلك هو سبب الاحتفاء المصاحب للممارسة السرائرية فى
الكتاب (لو24: 31، أع8: 39) وعلى الرغم من اتساع الكنيسة وامتدادها الشامل، فهى
جسد المسيح الواحد وهى مجال المصالحة ما بين اليهود والوثنيين[32]
[2]، مكونة إنساناً كاملاً واحداً (كو1: 1824)، (أف1: 23، 5: 2425)،
أى إلى قياس ملء المسيح (أف4: 13). وهذا التنوع (أف4: 11) الذى يذكره القديس بولس
هو لأجل ” تكميل القديسين”، ” لعمل الخدمة”، ” لبنيان
جسد المسيح”.

        … ويعرّف القديس بولس الرسول أيضاً الكنيسة بأنها (الملء
” فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً. وأنتم مملوؤن فيه الذى هو رأس كل رياسة
وسلطان” (كو2: 9)، أى أن الكنيسة هى الجزء الذى يحصل على هذا النصيب الممتاز
من هذا الملء، الذى في المسيح بصفته إلهاً ومخلصاً للبشر المتحدين بجسده (أف2: 1316).
لذلك يمكن أن تُسمى الكنيسة نفسها الملء ” التى هى جسده.. ملء” (أف1: 23)
وهى كذلك فعلاً لأنه ” يملأها”، وهى بدوره ” تملأه” باكتمال
جسده بواسطة نموها المتواصل (أف4: 13)، حيث إن مبدأ كل ذلك وغايته هو ملء الله
ذاته: “ وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكى تمتلئوا إلى كل ملء الله “ (أف3:
19) .

والقديس يوحنا ذهبى الفم يعطى ذات المعنى إذن يجمع التسميتين؛ الجسد والملء
فى قول واحد فيقول: [ الجسد هو ملء (تكميل) الرأس، والرأس هو ملء (تكميل) الجسد،
وهذه هى آية التجسد… انظروا كيف أن القديس بولس يمثله (المسيح)، كأنه بحاجة إلى
جميع الأعضاء. وهذا يعنى أن الرأس لا يًصبح فى تتمة الإمتلاء، إلا عندما يصبح
الجسد كاملاً، عندما نصبح كلنا متحدين معاً ومرتبطين بعضنا ببعض…، فكما أن الرأس
متمَّم بالجسد، والجسد متمَّم بالرأس، هكذا الكنيسة هى تمام المسيح] [33]
[3].

        [ إن جسد المسيح هو المسيح نفسه، والكنيسة هى المسيح مادام
حاضراً فيما بيننا بعد قيامته، ومجتمعاً بنا على هذه الأرض]
فالمكان
الذى يحل فيه المسيح تحت أى ظرف هو الكنيسة كما يقول مار
إفرام:

[ وعرقك
معمودية                   لمن يستحقه

 وغبار
ثيابك.. للعليل               نبع أدوية عظيم

وبصاقك, إذا بلغ الوجوه            أنار العيون

إذا أسندت رأسك ..إلى حجر قسموه وتخاطفوه

وإذا اضطجعت على مزبلة صارت كنيسة للصلاة

وإذا كسرت خبزاً عادياً      فهو لنا بلسم الحياة ] [34][4].

 

ثانيًا: الكنيسة فلك نوح[35][5]

لا خلاص خارج الكنيسة:

الكنيسة هى واسطة الخلاص، التى خارجها لا خلاص ولا نعمة ولا بركة ..
لذلك تحدد الكنيسة معالم الطريق للملكوت من أجل تتميم خلاصنا بخوف ورعدة.. فهى
كنيسة التائبين لا الهالكين، التى تجعلنا نعيش فى تعاون (
Synergy) وتجاوب واستجابة لعمل النعمة الإلهى، خلال التوبة (الميطانيا)،
والكلمة (الكريجما)، والشركة (الكينونيا)، والعبادة (الليتورجية)، والخدمة
(الدياكونيا)، والشهادة (مارتيريا) لنصل إلى الخيرات العتيدة فى المجيء الثانى
(الباروسيا).

        وتدبير الله الخلاصى يصل إلينا من خلال جسده، أى فى الكنيسة
التى هى واسطة الخلاص، والذى يتطلب بدوره من كل عضو اختبار الحياة فى المسيح مسيح
الكنيسة الذى ليس بأحد غيره الخلاص (أع12: 4) بالانسكاب والأصوام والجهاد والنسك
والهجعات والدموع وتكريس القلب والحياة كلها وحمل الصليب وعيش حياة الكنيسة فى
جوهرها، لا كشكليات، ولكن كوسائط نعمة خلاصية تحتاج إلى مواظبة وتقديس داخلي.

 

الماء المعمودية:

هذا الخلاص الذى صنعه يسوع المسيح بدمه، لا يمكن أن يناله أحد، إلا
من خلال المعمودية والاشتراك فى عشاء الرب كما يخبرنا مار أغسطنينوس[36]
[6] مؤكداً كلام الكتاب المقدس على فم مار بطرس الرسول: “ إذ كان
الفلك يبنى الذى فيه خَلُصَ قليلون أى ثمانى أنفس بالماء الذى مثاله يخلصنا نحن
الآن أى المعمودية” (1بط3: 1921)، وعلم فم بولس الرسول “ فبنى فلكاً لخلاص بيته “
(عب11: 7).

 … وكانت هذه الأقوال أصداء لأهمية الماء فى خلاص الإنسان (يو5: 3)
أو هلاكه (أى15: 12)، الذى أكده رب المجد يسوع فى حديثه مع نيقوديموس .

        وقد رأى هرماس فى أحد رؤياه الكنيسة المنتصرة كبرج مبنى على
الماء، فلما سأل عن السبب قيل له: [اسمع الآن لماذا يبنى البرج على المياه، ذلك
لأن حياتكم خلُصت وستخلص بالماء] [37]
[7].

 

الفلك السفينة الكنيسة:

[ فالكنيسة هى سفينة سائرة على أمواج هذا العالم، تحمل المؤمنين إلى
موطن القديسين، هى الهيكل ومسكن الروح القدس][38]
[8]، كما يخبرنا عمود الدين: [ وترمز السفينة
للكنيسة التى تقاومها أمواج الاضطرابات والتجارب، والرب فى طول أناته يبدو نائما
حتى اللحظة الأخيرة، وعندما توقظه صلوات القديسين، يبكم العالم ويرد السلام
لأولاده]، كما يقول ترتليان الإفريقى على المعمودية[39]
[9]: [ والكنيسة هى الفلك الحقيقى الذى فيه وحده يجد الناس الخلاص]، [
لأنه كما لم يخلص كل من ظل خارج فلك نوح، كذلك فإنه لا خلاص لمن يبقى خارجها][40]
[10]. ولكى يبين لنا بطرس الرسول أن الكنيسة واحدة، وأن أولئك فقط
الذين هم داخل الكنيسة، هم الذين يخلصون قال: “ فى فلك نوح خلص قليلون أى ثمانى
أنفس فقط بالماء الذى على مثاله يخلصكم أنتم أيضاً بالمعمودية “. فهو يبرهن ويبين
أن فلك نوح الواحد كان رمزاً للكنيسة الواحدة، فإن كان فى زمن معمودية العالم،
التى بها تم له التطهير والفداء، أمكن لأحد أن يخلص وهو خارج فلك نوح، لكان من
الممكن أن يحيا من هو الآن خارج الكنيسة ] [41]
[11].

 

نوح نوح الحقيقى (المسيح):

[ إن قصة
الطوفان تعتبر أحد السرائر، وتعد تفاصيلها مثالاً لأمور قادمة، فالفلك هو الكنيسة
ونوح هو المسيح والحمامة هى الروح القدس، وغصن الزيتون هو الخبز السماوى، كما كان
فى وسط البحر الفلك يحفظ أولئك الذين كانوا داخله، هكذا تحفظ الكنيسة المؤمنين،
لكن الفلك قد حفظ فقط، أما الكنيسة فتعمل أكثر من ذلك، فعلى سبيل المثال قد استوعب
الفلك الحيوانات العديمة العقل وحفظها سالمة، أما الكنيسة فتقبل الناس الذين لم
يقبلوا الكلمة
Logos، وهى لا تحافظ عليهم فقط بل تغيرهم أيضاً ][42][12].

 

الفلك الخشبة الصليب:

        [ كما أن الخلاص قد أتى فى أيام نوح بواسطة الخشبة والماء،
وهناك بدء لخليقة جديدة، وكما يقولون؛ فإن الروح القدس نزل على نوح الحقيقى منشئ
الخليقة الجديدة، حينما حلت الحمامة الوحيدة الروحية عليه وقت عماده، كما يظهر لنا
أنه هو هو بعينه، وبواسطة خشبة الصليب يهب الخلاص للمؤمنين. كما أنه هو أيضاً،
الذى فى وقت المساء بموته وهب نعمة الخلاص للعالم، لقد وُجدت فى ذهن الله قبل
الخليقة ومن أجلها خلق العالم ] كيرلس الأورشليمى [43]
[13].

 

الباب الجانبى الجنب المطعون الأسرار:

        وفى كلامه عن المدينة الفاضلة يقول أغسطينوس [ فالفلك بلا شك
هو رمز مدينة الله فى رحلتها عبر التاريخ، هو رمز الكنيسة التى خلصت بالخشبة التى
عُلق عليها الشفيع بين الله والناس الإنسان؛ يسوع المسيح. أما عن الباب فى الجنب،
فبالتأكيد يشير إلى الجرح المفتوح حيث طعن المصلوب بالحربة فى جنبه، إنه الباب
الذى يدخل فيه القادمون إليه؛ المؤمنون الداخلون الكنيسة من خلال الأسرار النابعة
عن هذا الجُرح، على هذا المنوال تكون جميع تفاصيل الفلك رموزاً لجوانب فى الكنيسة
] [44]
[14].

وفى عظته على المزامير يقول أيضًا [ أُوحى إلى نوح أن يعمل باباً للفلك
بجانبه (تك16: 6) حتى تدخل منه الحيوانات التى أراد الله عدم هلاكها بالطوفان بهذا
الفلك الذى كان مثالاً للكنيسة، لهذا أُخذت المرأة الأولى من جنب الرجل بينما كان
نائماً ودُعيت حواء (حياة) وأم كل حى (تك20: 3) وها أدام الثانى يحنى رأسه، وكمن
يستسلم للنوم على الصليب لتنبثق من جنبه شريكة الحياة (الكنيسة)، التى نشأت على
الدم المهرق من الجنب المطعون المعلق على خشبة ] [45]
[15].

وفى أناشيد الميلاد يُرتل قيثارة الروح القدس مار افرآم السريانى
لهذا الجنب المفتوح قائلاَ:

[تبارك الحنان        الذى رأى رُمحاً عند
الفردوس

يمنع الطريق         إلى شجرة الحياة

فآتى واتخذ           جسداً جُرح

لكى يفتح             بفتح جنبه طريقاً
إلى الفردوس] [46]
[16].

 

طيور بالفلك:

(أ) الحمامة الروح القدس الكنيسة

(ب) الغراب الشيطان

 

[أُُرسل الغراب من الفلك ولم يرجع، وبعده أعلنت الحمامة السلام للأرض.
هكذا فى معمودية الكنيسة يطرد الشيطان الذي يشير للغراب وتعلن الحمامة الروح القدس
السلام لأرضنا] جيروم[47]
[17].

[ لقد أرسل نوح نوعين من الطيور، كان لديه الغراب و الحمامة أيضاً.
مثال الكنيسة، فإننا نراها خلال طوفان العالم الحاضر وقد ضمت بالضرورة النوعين
الحمامة والغراب. الغراب الذى يطلب ما لنفسه، والحمامة التى تطلب ما هو للمسيح ]
أغسطينوس[48]
[18].

        ولقد علق أغسطينوس بنفسه على هذه المقولة قائلاً: [الكنيسة
الجامعة ستجد فيها دعاة صالحين ورعاة صالحين، إنها التى فى داخل شبكة الرب، وفيها
تسبح أسماك غير صالحة أيضاً[49]
[19]، فهناك الأجراء الذين يعملون فيها من أجل المنافع الزمنية، بل
والأجراء الذين يجرون وراء الربح المادى و يبشرون بالمسيح… عش فى الكنيسة حياة
صالحة فلا تؤذيك أخطاء الآخرين، لأن الكنيسة وحدها هى التى تستطيع أن تكون بتولاً
فقط حين ترتبط بابن البتول، وهى التى تحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه، أما الذين لم
تقدر على إصلاحهم فتتحملهم].

هذا … [ وينطبق رمز الحمامة على الكنيسة تماماً، إما لأنها لا تعرف
أن تتحد مع آخر غير المسيح رأسها وعريسها، أو لأن طيران الحمامة يرمز للعفة
والوداعة ] باسيليوس الكبير[50]
[20].

        [ وكل من أقامه الله لخدمة الكنيسة يشبه الحمامة، يجب أن
يغسل نفسه من آثار الخطية، إذا كان يريد أن يخدم بطهارة “عيناه كالحمام على مجارى
المياه مغسولتان باللبن” (نش5: 12)، وهو أعلى مدح يمكن أن يُمنح لأعين الكنيسة،
التى لا تنجذب قط للأشياء الخادعة الغير موجودة والتى هى باطلة ] غريغوريوس النيصى[51]
[21].

 

الفلك الكنيسة الباروسيا (Parousia)

        والكنيسة هى الفلك الذى فيه سنستقبل ابن الإنسان عند مجيئه
الثانى(الباروسيا) “ وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان (
Parousia)، لأنه كما كانوا فى الأيام التى قبل الطوفان، يأكلون ويشربون
ويتزوجون ويُزوِّجون إلى اليوم الذى دخل فيه نوح الفلك ولم يعلموا حتى جاء الطوفان
وأخذ الجميع، كذلك يكون أيضاً مجيء ابن الإنسان” (مت24: 3739)، (لو17: 2630). وفى
منظومة “ الفردوس “ صور لنا مار افرام السريانى الفلك مثل الكنيسة هكذا:

[ ذلكم نوح فى الفلك قد أسكن              البهيم فى أسفله

 وجعل الطير فى وسطه                    ومثل الله حل هو فى أعلاه

والشعب حيال جبل سيناء                   ترك فى أسفله

والكهنة فى دارته                           وهارون فى وسطه

وموسى فى قمته                            وذو المجد فى قبته

+ إن سر أجزاء                            جنة الحياة

قد مثله الله بالفلك                           وبجبل سيناء

فبتركيبها صور لنا                          مثال الفردوس

بعلوه وروعته                       وطيوبه و أنواعه

إنه ميناء الكنوز كافة                       مثال الكنيسة][52][22].

 

ما هي رسالة الكنيسة؟!

1 رسالة كرازية:

(أ) فهى المسئولة عن الكلمة الكرازية (الإنجيل) وصحة تفسيرها و تأويلها

[وأنت تقرأ الكتاب فى هذه المدينة بحضور القسوس الذين يدبرون الكنيسة
] هرماس[53]
[23].

[ويدخل الناس بيت يسوع وذلك بحياتهم بروح الكنيسة، لأنها المفسر
الأصيل للإنجيل وهى التى قبلت من المسيح النور الذى يضئ على الجالسين فى الظلمة
(لو1: 79) ] أوريجين[54]
[24].

[ فالإنجيل هو سر الكنيسة وهى تعطى الإنجيل مفهومه الحقيقى وتفسيره
السليم ] كما يقول ذهبى الفم، فأية خطورة تحدق بكل من يقرأ الإنجيل فى عزلة عن
الكنيسة، وأية مسئولية تقع على عاتق مفسرى الإنجيل فى الكنيسة؟!

(ب) وهى المسئولة عن مراجعة الكارزين، فالقديس بولس نفسه من أعظم
الكارزين وعلى الرغم من أن الرب ظهر له شخصياً وكلمه، إلا أنه يرى من الضرورة أن
يلتقى بالرسل “ وإنما صعدت بموجب إعلان و عرضت عليهم الإنجيل الذى أكرز به بين
الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً” (غل2: 2)،
“ فإذ علم بالنعمة المعطى لى يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدةٌ أعطونى
وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هم فللختان “ (غل2: 9).

 

(2) رسالة تعليمية:

 فالكنيسة مسئولة عن الذين قبلوا كلام الكرازة بفرح، وآمنوا به أن
تعدّهم إعداداً تاماً لقبول العضوية فى جسد المسيح بالمعمودية والأسرار “ وبأقوال
أُخر كثيرة كان يشهد لهم ويعظهم قائلاً: اخلصوا من هذا الجيل الملتوى. فقبلوا
كلامه بفرح واعتمدوا وانضمّ فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس “ (أع2: 40، 41)[55]
[25].

ب والكنيسة مسئولة أن تهب المؤمنين الأسرار التى بدونها لن يرى أحد
الله “ إن كان أحد لا يولد من الماء و الروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله “ (يو3: 5)،
“ وإن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى
ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير” (يو6: 53، 54)، مع ملاحظة
أن الاثنين مسبوقين بالتعبير “ الحق الحق أقول لكم “ حسب عادة رب المجد فى التوكيد
على الحقائق الإيمانية.

 

(3) رسالة إعلان عن حكمة الله المتنوعة:

        إن رسالة الكنيسة ليست موجهه فقط نحو البشر “ أذهبوا إلى
العالم اجمع وأكرزوا للخليقة كلها “ (مر16: 15)، “ أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين
الأمم بغنى المسيح الذى لا يستقصى وأنير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ
الدهور فى الله خالق الجميع بيسوع المسيح “ (أف3: 8،9).

ولكن أيضاً “ لكى يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين فى السموات بواسطة
الكنيسة بحكمة الله المتنوعة حسب قصد الدهور الذى صنعه فى المسيح يسوع ربنا” (أف3:
10، 11).

        [ فقصد الله العظيم من نحو الكنيسة يمتد إلى ما وراء هذا
العالم وإلى ما وراء هذا الدهر. هذا القصد ينبغى أن يُعلن الآن لكل الناس، ولكن
جنود السماء أيضا الذين يعرفون مجد الله الخالق يجب أن يُستناروا بواسطة الكنيسة
عن عمل الله لخلاص الإنسان. لقد أعطيت الكائنات الروحية “ الرؤساء والسلاطين فى
السماويات “ مكاناً بارزاً فى الأنظمة اللا إدارية (الغنوسية) الأولى التى ظهرت فى
تلك الأيام، وفى قبول بولس لوجود هذه الكائنات لا يعبر فقط على أن الكل خلقوا
بالمسيح و يخضعون له ولكن يظهر أن البشر فى كنيسة الله المشتراه بالدم لهم مكانة
أسمى منهم جميعًا[56]
[26] على الأقل من ناحية واحدة فهم يعرفون قصد وعمل الله الفدائى،
وعليهم أن يعلنوا لهذه القوى الروحية[57]
[27] ليعرفوا “ حكمة الله المتنوعة “ التى لا يستطيعون معرفتها بطريقة
أخرى … ][58]
[28].

        والمعنى هو أن [ هذا السر، الذى يعتبر مضمون التدبير الإلهى
لخلاص الجنس البشرى كله، لم يعلن لأحد من البشر ولا للملائكة أو رؤساء الملائكة
بالوضوح الذى أعلن به فى كنيسة العهد الجديد جسد المسيح ][59]
[29]. و ذلك لأن [ الكنيسة، وهى تجمع اليهود والوثنيين، فإنها تشكل
التجلى الأخير للتدبير الإلهى، ويمكن القول أنها تجسّد الحكمة فإذا ما نظرت هذه
السلطات إليها، أدركت أن البشرية الجديدة تصل مباشرة إلى الله فى المسيح، وأن
دورها المؤقت والغامض قد انتهى] [60]
[30]. هذه الحكمة يقول عنها ابن سيراخ “ لمن كشف أصل الحكمة ومن الذى
يعرف حيلها؟.. الرب هو الذى خلقها ورآها وأحصاها .. وأفاضها .. ومنحها لمحبيه “
(سيراخ1: 610).




[2][2] الكنيسة فى فكر الآباء،
إكليسيولوجيا آبائية، ص 10 “ البنية الأساسية لعلم الإكليسيولوجى “.

[3][3] جورج فلورفسكــى: “
الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد “ ـ وجهة نظر أرثوذكسية ـ منشورات النور ص 71،72

[4][4] أنظر غل2: 20

[5][5] ذوكصولوجية باكر، أرباع الناقوس.

[6][6] Athanasius to
Serap.  
1 : 30

[7][7] Athanasius
Letter X N. P. N : page 532
.

[10][10] A.N.F Stromata 7:17.

[12][12]  St. Cyril of Jerosalem: cat. lect. 16:4

[21][21] Unity of church 5

[25][25]  خولاجى سيرابيون
13:13

[26][26]  لاحظ هنا استخدام
التضاريس المصرية مع الاحتفاظ بالألفاظ اليهودية مثل : كرمة داود، الحمل الذى بلا
عيب…

[27][27]  بردية دير
البلايزة – التأسيس
institution 
وهى ترتقى إلى القرن الخامس و مادتها من القرن  3- 4.

[28][28]  معجم اللاهوت الكتابى ـ كنيسة ـ ص 675     

[29][29] A.N.F.  vol. I , Apostolic Fathers,
Ignatius to
Rome ch.

[33][3] In Eph. Hom 1.

[36][6] On forgiveness of sins and Baptism  1 :
34.

[37][7] The Pastor, Book 1, Vision 3

[38][8] P.G.   68,298,774

[39][9] On Baptism12:7.

[40][10] A.N.F. The Epistle of Cyprian p. 394.

[41][11] Ibid p. 406.

[43][13] St. Cyril of Jerosalem. Cat. Lect. 16 : 4

[44][14] City of God ,
Book 10 ch. 17.

[45][15] On Ps. Hom 6.

[47][17] Ep. 96:6.

[48][18] In loan Hom. 19.

[51][21] From Glory to Glory , St Grigory.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى