علم

الكتاب الثاني



الكتاب الثاني

الكتاب
الثاني

تأملات
في حياة موسى

 

لننجب
ذكورًا (الفضائل) ونحفظهم!

1.
وُلد موسى في الوقت الذي أصدر فيه فرعون أمرًا بقتل نسل العبرانيين من الذكور (خر
1: 16). وإذا سُألنا: كيف يمكننا أن نقتدي باختيارنا هذه الولادة السعيدة لموسى
التي جاءت مصادفة؟ يعترض البعض – ولهم الحق في ذلك – بأن الإقتداء بتلك الولادة
الشهيرة ليست في سلطاننا. ولكن ليس من الصعب أن نبدأ الإقتداء بها بالرغم من
الصعوبة الظاهرية.

2.
يعرف الجميع أن أي شيء يوضع في عالم متغير لا يمكن أن يظل كما هو بدون تغيير، ولكن
ينتقل باستمرار من حالةٍ إلى أخرى، ويجلب هذا التغيير دائمًا معه شيئًا أفضل أو
أسوأ[105]. ويجب أن نفهم قصة موسى في الكتاب المقدس طبقًا للقصد الحقيقي منها. فإن
النزعة المادية أو العاطفية التي تنساق إليها الطبيعة البشرية عندما تسقط تمثلها
الأنثى أو الصورة الأنثوية من الحياة، والتي يُفضل الطاغية ولادتها. أما صرامة
الفضيلة وشدتها فيمثلها ميلاد الذكر، الذي يعاديه الطاغية ويشتبه في أنه سيثور على
حكمه[106].

 

نحن
آباء لأنفسنا

3.
من الضروري بالتأكيد لكل شيء خاضع للتغيير أن يحدث معه دائمًا نوع من الولادة. وفي
الطبيعة المتغيرة لا يمكن أن يكون هناك شيء يظل كما هو بلا تغيير. والولادة –
بمعنى حدوث تغيير باستمرار – لا تحدث كنتيجة لمبادرة خارجية – كما هو الحال في
ولادة الجسد التي تحدث مصادفة – ولكن مثل هذه الولادة (التغيير) تحدث
باختيارنا[107]. ونحن نعتبر- من ناحية ما – آباء لأنفسنا، نلد أنفسنا باختيارنا الحر
طبقًا لما نريد أن نكون عليه، سواء كنا ذكورًا أو إناثًا، ونشَّكل أنفسنا حسب
تعاليم الفضيلة أو الرذيلة[108].

4.
ويمكننا بالتأكيد أن ندخل في ولادة أفضل في مملكة النور، مهما انزعج الطاغية الذي
لا يرغب في ذلك، ويمكن أن يرانا والدانا أننا ذرية صالحة، ويُسرا بنا، ويعطيانا
الحياة رغمًا عن تصميم الطاغية (والدا الفضيلة هنا هما الملكات العقلية).

 

الولادة
التي تزعج الطاغية

5.
وعندما نكشف المعنى الخفي لتاريخ موسى، نجد أن الكتاب المقدس يعلمنا أن الولادة
التي تزعج الطاغية هي بداية الحياة الفاضلة. وأنا أتحدث هنا عن نوع الولادة الذي
تقوم فيه الإرادة الحرة بدور القابلة وتساعد في ولادة الطفل وسط الألم
الشديد[109]، لأنه لا يسبب أحد الحزن لخصمه ما لم يكشف في نفسه العلامات التي تثبت
انتصاره على الخصم.

6.
وظيفة الإرادة الحرة هي إنجاب ذرية الذكور الصالحة وتغذيتها بالطعام المناسب والتدبر
في كيفية إنقاذ هذه الذرية من الماء[110]، لأن هناك من يقدمون أطفالهم للطاغية،
يلقونهم إليه عراة في الماء بلا تروٍ. وأنا هنا أتحدث عن الحياة كنهرٍ هائجٍ بفعل
أمواج العاطفة التي تدفع بما في النهر إلى القاع وتغرقه.

7.
وعندما ترغم الحياة الأفكار العقلانية المتزنة والرصينة – التي هي والدا الطفل
الذكر – على إلقاء طفلهما الذكر في أمواج هذه الحياة، فإنهما يجعلانه آمنًا في فلك
بحيث عندما ينزل إلى النهر لا يغرق[111]. والفلك المصنوع من ألواح مختلفة، يمثل
التعليم الشامل لمختلف النظم والمذاهب، والذي يرفع ما يحمله فوق أمواج الحياة.

8.
وبالرغم من أن الأمواج المندفعة تحمل الطفل، إلا إنها لا تقذفه بعيدًا حيثما كان
هناك تعليم، بل تدفعه إلى جوار الشاطيء وتلقيه حركة الماء بصورة طبيعية على
الشاطيء الراسخ، أي خارج خضم الحياة المتلاطم.

9.
وتعلمنا الخبرة أن الحركة الفائرة التي لا تهدأ للحياة تلفظ خارجها أولئك الذين لا
يغمرون أنفسهم تمامًا في الأمور البشرية الخادعة، حيث تعتبر المتمسكين بالفضيلة
عبئًا عليها ولا فائدة منهم. ويجب على من يهرب من مثل هذه الأمور أن يتمثل بموسى
ولا يضن بدموعه، حتى ولو كان آمنًا في الفلك، لأن الدموع هي الحارس الذي لا يغفل
لمن تنقذهم الفضيلة.

 

الفلسفة
الدنيوية عقيمة حقًا

10.
حيث أن ابنة الملك التي كانت عاقرًا (والتي أعتقد أنها تمثل بحق الفلسفة الدنيوية)
رتبت أن تُدعى أمًا للصغير بتبنيها له (خر 2: 10)، يقرر الكتاب المقدس أن موسى لم
يرفض علاقته بالتي كانت تُسمى أمه بدون وجه حق حتى أدرك عدم نضجه. ولكن الشخص
الناضج – مثلما عرفنا عن موسى – أبى أن يدعى ابنًا لمن هي عاقر بطبيعتها.

11.
فالتعليم الدنيوي عقيم حقًا ويشبه المرأة العاقر، إنه دائمًا في حالة مخاض ولكنه
لا يلد أبدًا[112]. ما هي الثمرة التي تعطيها الفلسفة بعد كل هذا المخاض الطويل
والتي تستحق هذه الآلام؟ إن الأشخاص المملوءين من الكلام الطنان الذي لا جدوى منه
لا يصلون إلى مرحلة الولادة، ودائمًا ما يجهضون قبل أن يصلوا إلى نور معرفة الله.

 

الحاجة
إلى لبن الكنيسة كأمٍ

12.
بعد أن عاش موسى فترة طويلة مع الأميرة المصرية حتى بدا وكأنه يشارك المصريين
حياتهم، كان لا بد أن يعود إلى أمه الطبيعية. وفي الواقع فإنه لم ينفصل عن أمه
بينما كانت الأميرة تربيه، ولكنه كان يتغذى من لبن أمه كما يخبرنا التاريخ (خر 2:
7-9). ويبدو لي أن هذا يعلمنا أنه حتى لو تعرضنا لتعاليم دنيوية أثناء تعليمنا،
يجب ألا نفصل أنفسنا عن التغذية من لبن الكنيسة الذي هو قوانينها وتقاليدها، فإن
الروح تتغذى وتنضج عليها وتصبح وسيلة للارتفاع إلى أعلى.

13.
من ينظر إلى المذاهب الدنيوية ومذاهب الآباء يجد نفسه أمام نقيضين. فإن الغريب في
العبادة والدين يناقض التعليم اليهودي، ويحاول بإثارة المشاكل أن يبدو أقوى من
الإسرائيلي، ويصدقه كثير من ذوي النظرة السطحية الذين يتخلون عن إيمان آبائهم
ويحاربون في صف العدو، مخالفين تعليم الآباء. ومن ناحية أخرى، فإن من كان عظيمًا
ونبيلاً في الروح – مثل موسى – يقتل بيده من يثور ويعارض الدين الحقيقي.

14.
يمكننا أيضًا أن نجد هذا التعارض والصراع بيننا. والجانب الذي يناصره الإنسان
ينتصر على الجانب الآخر[113]. ويشبه قتال المصري مع العبراني حرب الوثنية ضد
الديانة الحقيقية، والانحلال ضد ضبط النفس، والغطرسة ضد التواضع، والظلم ضد الحق،
وكل شيء ضد عكسه.

15.
ويعلمنا موسى بقدوته الشخصية أن نقف مع الفضيلة كما مع قريبٍ لنا، وأن نقتل عدو
الفضيلة. وانتصار الديانة الحقيقية هو موت ودمار للوثنية. وهكذا أيضًا فإن الحق
يقتل الظلم والتواضع يقتل الغطرسة.

16.
الخصام بين الشخصين العبرانيين يحدث مثيله أيضًا فينا. فلن تكون هناك فرصة الآراء
الشريرة والهرطوقية للظهور لولا مقاومة المنطق الخاطئ للحق. ولذلك فإذا كنا وحدنا
فإننا أضعف من أن ننصر الخير – لأن الشر أقوى دائمًا في هجماته ويرفض سيطرة الحق –
فيجب علينا أن نهرب بأسرع ما يمكن (كما يعلمنا المثال التاريخي في قصة موسى) من
الصراع إلى التعليم الأعظم والأسمى للأسرار.

17.
وإذا اضطررنا أن نعيش مع غريبٍ – أي إذا اضطررنا للاحتكاك بالحكمة الدنيوية – يجب
علينا أن نصر على صد الرعاة الأشرار عن الاستخدام الظالم للآبار – ويعني هذا أنه
يجب علينا أن نوبخ معلمي الشر على استخدامهم الشرير للتعليم.

18.
وبنفس الطريقة يجب أن نحيا حياة عزلة[114]، غير مختلطين بالخصوم، ولا متداخلين
بينهم، بل نعيش مع من يماثلوننا في الطبع والتفكير، الذين نغذيهم، بينما ترعى
إرادة العقل المرشد كل حركات أرواحنا مثلما يرعى الراعي الخراف[115].

 

نار
العليقة هو الرب!

19.
إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ الوادع في
الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. وهذا الحق الذي تجلى لموسى بنورٍ غامض لا
يُوصف ولا يُنطق به – هو الله.

20.
وإذا كان اللهب الذي أنار روح النبي قد اشتعل من شجيرة ذات أشواك، فإن هذه الحقيقة
نافعة لنا في تأملنا. لأنه إذا كان الحق هو الله، والحق هو النور، فإن الإنجيل
يشهد بتلك الأسماء السامية والإلهية لله الذي أظهر لنا ذاته في الجسد[116]. إن مثل
هذا الإرشاد في الفضيلة يقودنا لمعرفة ذلك النور الذي وصل حتى إلى الطبيعة
البشرية. وحتى لا يظن أحد أن البريق لم يكن منبعثًا من مصدر مادي، فإن الضوء لم
يسطع من أجسام مضيئة بين النجوم، ولكنه انبعث من شجيرة أرضية وفاق الأجرام
السماوية المضيئة في البريق.

 

العليقة
وسرّ العذراء

21.
من هذا نتعلم أيضًا سرّ العذراء، فإن ضوء الألوهية الذي شعّ منها على الحياة
البشرية من خلال الولادة لم يحرق العليقة المتقدة، وذلك كما أن زهرة البتولية فيها
لم تذبل بإنجابها الطفل![117]

نزع
النعال من أقدام الروح للتمتع بالنورٍ والحقٍ

22.
ويعلمنا النور ما يجب أن نفعله لنقف في أشعة النور الحقيقي: لا يمكن أن تصعد أقدام
ترتدي نعالاً إلى الارتفاع الذي يمكن عنده مشاهدة النور، ولكن يجب أن تنزع من
أقدام الروح الأغطية الميتة والأرضية الجلدية التي وضعت حول طبيعتنا في البداية
عندما وجدنا عراة بسبب معصية الإرادة الإلهية[118]. وعندما نفعل هذا يمكننا معرفة
الحق ويُستعلن لنا. وتحدث المعرفة الكاملة للكينونة بتطهير رأينا بخصوص عدم
الكينونة.

23.
وفي رأيي أن تعريف الحق هو: “حالة ليس فيها فهم خطأ للكينونة”، والزور
أو الزيف هو نوع من الانطباع ينشأ عن عدم فهم الكينونة، فيبدو ما لا يوجد كأنه في
الحقيقة يوجد، ولكن الحق هو الفهم المؤكد للكائن الحقيقي. وهكذا فإن من يفرغ نفسه
في هدوء لفهم الأفكار الفلسفية الأسمى يمكنه بالكاد أن يفهم ما هي الكينونة
الحقيقية، أي ما له وجود في طبيعته ذاتها، وما هو عدم الكينونة – أي ما له الوجود
بالمظهر فقط وليس له مقومات البقاء في طبيعته[119].

24.
يبدو لي أنه في الوقت الذي كان فيه موسى العظيم يتعلم في أثناء الإعلان، فقد أدرك
أنه لا شيء من تلك الأشياء التي تُدرك بالإدراك الحسي وتُستوعب بالفهم البشري لها
استمرار حقيقي، ولكن الذي يمكنه البقاء والاستمرار فقط هو الجوهر الذي يتخطى
الوجود المادي، وسبب وجود الكون، الذي يعتمد عليه كل شيء.

25.
لأنه إذا نظر الفهم البشري إلى أي أشياء أخرى موجودة في الكون، فإن العقل لن يلاحظ
في أي منها على الإطلاق الكفاية الذاتية التي تستطيع بها أن توجد دون الاشتراك في
الكائن الحقيقي[120]. ومن ناحية أخرى فإن ما هو ثابت دائمًا وهو هو نفسه – لا يزيد
ولا ينقص – لا يقبل التغيير سواء إلى أفضل أو إلى أسوأ (لأنه أعلى بكثير مما هو
أدنى، وليس هناك ما هو أعلى منه) والذي لا يحتاج لشيء آخر وهو وحده المرغوب فيه،
يشترك فيه الكل ولكنه لا ينقص باشتراكهم – هذا هو حقًا الكائن الحقيقي، وإدراكه
يعني معرفة الحق.

26.
بنفس الطريقة التي توصل بها موسى إلى هذه المعرفة في تلك المناسبة، يفعل الآن
أيضًا كل إنسان يجرد نفسه – مثل موسى من الغطاء الأرضي، وينظر إلى النور الذي يشع
من العليقة (شجيرة الأشواك)، إي إلى البهاء الذي يشع علينا من هذا الجسد المليء
بالأشواك والذي هو كما يقول الكتاب) النور الحقيقي والحق (يو 1: 9؛ 14: 6). يصبح
مثل هذا الشخص قادرًا على أن يساعد الآخرين على الخلاص والقضاء على الطغيان الذي
يستولي على السلطان بالقوة وأن يحرر المقيدين في عبودية الخطية.

أصبح
تحول يد موسى إلى اللون الأبيض كالثلج وتحول العصا إلى ثعبان هما أول المعجزات (خر
4).

 

أول
معجزتين كرمزٍ لسرّ تجسد الرب

27.
يبدو لي أن هاتين المعجزتين هما رمز لسرّ تجسد الرب، استعلانًا للألوهية أمام
الناس، نتج عنه موت الطاغية وتحرير الذين يسيطر عليهم.

28.
ما يقودني إلى فهم المعجزتين بهذا الشكل هو شهادة الأنبياء والإنجيل حيث يعلن
النبي: “هذا ما يعني تغير يمين العلي (مز 76: 11
LXX
مبينًا أنه بالرغم من أن الطبيعة الإلهية يُنظر إليها في ثباتها وعدم تغيرها،
فبتنازلها إلى ضعف البشرية تغيرت إلى شكلنا وشبهنا.

29.
عندما أخرج معطي الناموس يده من صدره تحولت إلى لون غير طبيعي للجلد، وعندما وضعها
مرة ثانية في صدره عادت إلى جمالها الطبيعي. ومرة أخرى فإن “الابن الوحيد
الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يو 1: 18)، وهو “يمين العلي” (مز 76:
1).

30.
عندما اُستعلن لنا الابن من حضن الآب، تغير ليصبح مثلنا. وبعد أن محا نقائصنا.
أعاد إلى صدره اليد التي كانت بيننا، وأخذت لوننا (الأب هو الصدر لليد اليمنى).
وما لا يتغير أو يتأثر بشيء بطبيعته لا يمكن أن يتحول إلى ما يتغير أو يتأثر، ولكن
ما هو قابل للتغيير وخاضع للعواطف والأهواء قد تحول إلى عدم التغير أو التأثر
باشتراكه في غير المتغير.

31.
وبالنسبة لتحول العصا إلى ثعبان، فإن هذا لا يجب أن يضايق محبي المسيح على أننا
نطبق مبدأ التجسد على حيوان غير مناسب. فإن الحق (الله) نفسه من خلال صوت الإنجيل
لا يرفض مثل هذه المقارنة عندما يقول: “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا
ينبغي أن يرفع ابن الإنسان” (يو 3: 14).

32.
والتعليم هنا واضح فإذا كان والد الخطية يسمى حية في الكتاب المقدس وما يولد من
الحية هو بالتأكيد حية (يو 8: 44؛ تك 3: 1) فلا بد أن الخطية تترادف مع من أنجبها.
ولكن قول الرسول يشهد بأن الرب قد جُعل خطية لأجلنا وهو الذي لم يعرف خطية (2 كو
5: 21)، وذلك عندما أخذ طبيعتنا الخاطئة.

33.
ينطبق هذا التشبيه حقًا على الرب. فإذا كانت الخطية هي حية، والرب قد أصبح خطية،
فإن الاستنتاج المنطقي واضح للجميع. عندما أصبح الرب خطية أصبح أيضًا حية. وهي لا
شيء إلا الخطية. ولأجلنا صار حية حتى يلتهم الثعابين التي أخرجها السحرة المصريون[121].

34.
وبعد أن فعلت الحية هذا تحولت مرة أخرى إلى عصا تعيد الخطاة إلى رشدهم وتعطي راحة
للمتباطئين في الطريق الشاق الصاعد إلى الفضيلة، حيث تسندهم عصا الإيمان من خلال
آمالهم العالية، لأن الإيمان فقط هو الذي يضمن لنا نوال البركات التي نرجوها (عب
11: 1).

35.
إن من يتعمق في هذه الأمور يصبح مباشرة إلهًا للذين يقاومون الحق الذين ضلوا
وانشغلوا بالخداع المادي الوهمي (في سفر خروج 7: 1 قال الرب لموسى “أنا جعلتك
إلهًا لفرعون”). إن هؤلاء يحتقرون الكلام عن “الكائن” ويعتبرونه
كلامًا فارغًا، مثلما قال فرعون “من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل.
لا أعرف الرب” (خر 5: 2). كان فرعون يعتبر الأشياء المادية والجسدية فقط ذات
قيمة، وهذا هو ما يميز الحياة التي يتحكم فيها الفكر غير العقلاني.

 

عصا
الإيمان

36.
إذا كان موسى من ناحية أخرى قد تقوى بالنور الذي ظهر له مما أعطاه قوة لمواجهة
أعدائه، فإنه كان مثل رياضي تقوى بالتدريب الشاق تحت إشراف مدربه وأصبح مستعدًا
لدخول صراع المنافسة ضد خصومه. وبتلك العصا في يده – التي هي كلمة الإيمان – يسيطر
على الثعابين المصرية.

 

الزوجة
الغريبة والتعليم الدنيوي

37.
المرأة الغريبة تتبعه، إذ هناك بعض الأمور في التعليم الزمني لا نحتقرها، إذ تهدف
إلى إنجاب الفضيلة. حقًا قد تصير الفلسفة الأخلاقية والطبيعية في وقت ما رفيقًا
وصديقًا وملازمًا للحياة العلوية بشرط ألا يدخل ثمرة الاتحاد معها شيء دنس غريب.

38.
إذ كان ابنه لم يختتن بعد، أي لم ينزع عنه بالكامل كل ما هو ضار ودنس أرعبهما
بالموت الملاك الذي التقى بهما، لكن زوجته هدأت الملاك بتقديم ابنها طاهرًا، إذ
نزعت عنه العلامة الخاصة بالغرباء (الغرلة) تمامًا[122].

39.
أعتقد أن تسلسل النمو في الفضيلة في قصة موسى سيكون واضحًا لمن يتتبع التسلسل
التاريخي من البداية وكذلك المغزى الإرشادي لنا. فإن هناك أشياء جسدية وغير مختونة
فيما تعلمه الفلسفة، وبعد التخلص من هذه الأشياء يكون المتبقي هو الجنس الإسرائيلي
النقي.

40.
على سبيل المثال ترى الفلسفة الوثنية أن الروح خالدة، وهذا تعليم صالح يشبه النسل
النقي، ولكنها تقول أيضًا أن الأرواح تنتقل من أجساد إلى أجساد أخرى، وأنها تتغير
من طبيعة عقلانية إلى طبيعة غير عقلانية. وهذه تعاليم فاسدة تشبه الغرلة الجسدية
الغريبة. وتوجد أمثلة أخرى كثيرة من هذا النوع. فإن هذه الفلسفة تقول أن هناك
إلهًا، ولكنها تراه على أنه إله مادي. وهي تعترف به كخالقٍ، ولكنها تقول إنه احتاج
إلى مادة ليخلق بها. وهي تؤكد أنه صالح وقوي، ولكنه في كل شيء يخضع بالضرورة للقدر
(فلسفة رواقية).

41.
ويمكننا أن نصف بالتفصيل كيف أن العقائد الصالحة تفسدها إضافات سخيفة من الفلسفة
الدنيوية. وعندما نتخلص من هذه الشوائب تمامًا، يأتي ملاك الله إلينا بالرحمة،
كأنه مبتهج بالنسل الحقيقي لهذه العقائد.

 

اللقاء
مع هرون

42.
يجب أن نرجع إلى تسلسل الأحداث في الكتاب المقدس، وذلك حتى تأتي المساعدة الأخوية
للقائنا عندما نقترب من الصراع مع المصريين، فنتذكر أحداث القتال والمشاجرات التي
اشترك فيها موسى في بداية حياة الفضيلة، وظلم المصريين للعبرانيين، وشجار العبراني
مع عبراني مثله.

43.
بالنسبة لمن رفع إلى أعلى درجات الفضيلة الروحية بالتدريب الطويل وظهور النور الذي
يفوق الطبيعة له على الجبل، فإن لقاءه مع أخيه – الذي أحضره ليقابله – هو لقاء ودٍ
وسلامٍ. وإذا أخذنا هذا الحدث بمعنى أكثر رمزية وروحانية فسنجده نافعًا للغرض الذي
نناقشه.

44.
إن المساعدة التي يعطيها الله لطبيعتنا (مثل مساعدة الله لموسى في الكلام عن طريق
هرون) تعطى للذين يعيشوا حياة الفضيلة الصحيحة[123]. وهذه المساعدة موجودة منذ
ولادتنا، ولكنها تستعلن وتعرف كلما ثابرنا على التدريب الدؤوب على الحياة الأسمى
واستعدادنا للصراع الأقوى.

45.
لكي لا أفسر الصور اللغوية والرموز برموز من عندي، سأوضح مفهومي لهذه المسألة بشكل
أوضح. يوجد تعليم يستمد قوته من تقليد الآباء القائل بأن الله لم يهمل طبيعتنا بعد
سقوطها في الخطية بل سندها بعنايته الإلهية. فمن ناحية أقام ملاكًا يحمل طبيعة غير
فاسدة يسند حياة الإنسان، ومن الناحية الأخرى أقام أيضًا المفسد الذي هو شيطان
شرير وقاتل يقاوم طبيعة الإنسان.

46.
هكذا يجد الإنسان نفسه بين هذين الاثنين اللذين يحملان غرضين متناقضين ففي مقدوره
أن يغلب أحدهما علي الآخر. فبينما يستخدم الملاك الصالح العرض العقلاني لبيان
فوائد الفضيلة التي يتطلع إليها بأمل من يعيشون حياة الصلاح، فإن خصمه بين المتع
والملذات المادية التي لا يرجى منها فوائد في المستقبل، ولكنها موجودة ومرئية
ويمكن الانغماس فيها، وهي تستعبد حواس من لا يستخدمون تفكيرهم.

47.
فإن انسحب إنسان من الذين يغرونه نحو الشر، مستخدمًا عقله ومرتدًا نحو الحياة
الفضلى معطيًا للشر ظهره، ومنطلقًا نحو الرجاء في الخيرات كمن ينظر في مرآة، مثل
هذا تنطبع عل نفسه النقية صور وانطباعات الفضيلة التي يعلنها الله له. مثل هذا
يقدم له أخوه (هرون) عونًا و يرافقه، لأن الملاك الذي بطريقه ما هو إلا أخ للنفس
العاقلة المتزنة يظهر له و يقف معه عندما يقترب من فرعون.

48.
إذا اكتشف أحد وهو يحاول عمل مقارنة بالتوازي تمامًا بين الوصف التاريخي وتسلسل
مثل هذا التأمل الفكري- أن هناك شيئًا في القصة لا يتفق مع فهمنا، فإنه لا يجب أن
يرفض المحاولة كلها (التأمل كله). ويجب أن يتذكر دائمًا الهدف من مناقشتنا والذي
نتطلع إليه ونحن نروي هذه التفاصيل. فقد ذكرنا في المقدمة أن حياة الرجال المكرمين
تُذكر وتُقص لكي تكون نموذجًا للفضيلة للذين يأتون من بعدهم.

49.
ومع ذلك لا يستطيع من يحاولون تقليد حياة هؤلاء المكرمين أن يعيشوا نفس أحداث
حياتهم حرفيًا، فكيف يستطيع أحد أن يرى مرة أخرى الشعب يتكاثر في إقامتهم في مصر؟
وكيف سيجد مرة أخرى الطاغية الذي يستعبد الشعب ويحمل العداء للذرية من الذكور ويترك
الإناث والضعفاء يزيدون في العدد؟ وكيف سيجد مرة أخرى جميع الأشياء المذكورة في
الكتاب المقدس؟ وحيث أنه من المستحيل تقليد حياة جميع هؤلاء الناس المباركين
بالضبط بأحداثها الدقيقة، فيمكن أن نستبدل بالتسلسل الحرفي لتلك القصص تعليمًا
أخلاقيًا. وبهذه الطريقة يمكن لمن يسعون نحو الفضيلة أن يجدوا العون في أن يعيشوا
حياة الفضيلة.

50.
إذا اقتضى سرد الأحداث إسقاط أي شيء من التسلسل الحرفي إذا كان غير مناسب لتسلسل
الفهم السامي، فإننا لا نذكره على أساس أنه ليس له فائدة أو نفع لغرضنا حتى لا
نقطع تسلسل الإرشاد نحو الفضيلة في هذه المواضع.

51.
أقول هذا بخصوص تفسير القصة من ناحية هرون، حتى أسبق من سيعترض بسبب الأحداث
التالية في القصة. فربما يقول البعض أنه لا شك أن الملاك يشترك مع النفس في
النواحي الفكرية وغير المرئية لها، وأنه كان موجودًا قبل أن نخلق، وأنه متحد مع من
يحاربون العدو (الشيطان)، ولكن أيضًا لا يصح أن ننظر لهرون- الذي كان قائدًا
للإسرائيليين في عبادة الأوثان، على أنه يمثل الملاك.

52.
زد على هذا بما سبق أن قلناه، بأن ما يخرج في القصة عن هدفنا لا يغير ما يتفق مع
هذا الهدف، والموجود في باقي القصة. وبالإضافة إلى ذلك فإن الكلمتين (ملاك، وأخ)
ينطبقان في المعنى على أشياء متضادة.

53.
إن كلمة “ملاك” لا تعني فقط ملاك الله ولكن أيضًا ملاك الشيطان (2 كو
12: 7). والأخ ليس فقط الأخ الطيب ولكنه أيضًا الأخ الشرير. ولذا يحدثنا الكتاب
المقدس عن الأخ الطيب “أما الأخ فللشدة يولد” (أم 17: 17)، وعن الشرير
(العكس) يقول: “وعلى كل أخ لا تتكلوا، لأن كل أخٍ يَعْقِب عقبًا” (إر 9:
4).

 

إعلان
الخلاص

54.
سنترك هذه المسائل إلى مرحلة تالية في مناقشتنا لنفسرها بمزيد من التفصيل في
مكانها المناسب. ولنركز الآن على الموضوع الذي أمامنا. بعد أن اكتسب موسى قوة من
الضوء الذي تجلى له، وجاء أخوه كحليفٍ ونصيرٍ له، أعلن للشعب بجراءة بشرى الحرية،
وذكَّرهم بعظمة آبائهم. وعبَّر عن رأيه بالنسبة للطريقة التي يمكن أن يخلصوا بها
من العمل الشاق في صنع الطوب اللبن (خر 6).

55.
ماذا نتعلم من هذا؟ يجب أن نتعلم أن مَنْ لم يعد نفسه بهذا النوع من التدريب
الروحي ليُعَلِم الجموع لا يجب أن يتحدث إلى الناس. فإننا نرى أن موسى عندما كان
مازال صغيرًا ولم ينضج بعد ويصل إلى درجة رفيعة في الفضيلة، لم يبالِ الرجلان
اللذان كانا يتشاجران بنصيحته السليمة ولم يقبلاها. ومع ذلك فبعد نزوله من الجبل
خاطب عشرات الآلاف بنفس الطريقة. إن تاريخ موسى يوضح لنا بجلاء أنه يجب ألا نتجرأ
على إعطاء النصائح لسامعينا في تعليمنا لهم إلا إذا اكتملت فينا القدرة على ذلك
بالتدريب الطويل والشاق مثلما كان لموسى.

 

ثورة
العدو

56.
بعد أن نطق موسى بهذه الكلمات الممتازة ومنح سامعيه الحرية وقوّى رغبتهم في الحصول
عليها، ثار العدو وغضب، وزاد من معاناة من استمعوا لكلام موسى. ولا يختلف ذلك عما
يحدث الآن، فإن كثيرين ممن قبلوا الكلمة كمحرر لهم من الطغيان وساروا على نهج
الإنجيل مازالوا مهددين من العدو (الشيطان) بهجمات الإغراءات والتجارب[124].

57.
يزيد بعض هؤلاء ثباتًا في الإيمان بالقوة التي يكتسبونها من هذه الهجمات الشرسة،
ولكن بعض الضعفاء ينهزمون من هذه المصائب، ويعلنون أنه كان من الأفضل لهم ألا
يستمعوا لرسالة الحرية من أن يتحملوا هذه المشكلات في سبيل الحصول على الحرية.

58.
حدث نفس هذا الشيء مع الإسرائيليين ذوي الأرواح الوضيعة الذين لاموا من بشَّرهم
بالخلاص من العبودية (خر 5: 21). ولكن الكلمة لن يكف عن أن يقودنا نحو الصلاح، حتى
ولو خاف الصغار وغير الناضجين في الفهم – كالأطفال – من الإغراءات.

العمل
في اللبن[125]

59.
فإن الشيطان الذي يؤذي الناس ويفسدهم يهتم بشدة بألا يتطلع رعاياه إلى السماء، بل
أن ينحنوا إلى الأرض ويصنعوا الطوب اللبن – داخل أنفسهم – من الطين. ومن الواضح
للجميع أن ما ينتمي إلى المتعة المادية يتكون بالتأكيد من التراب والماء، وينطبق
هذا على من يهتم بشهوة الطعام أو شهوة المال والثروة.

60.
يتحول مزيج هذين العنصرين – التراب والماء – إلى طين. ومن يشتاقون إلى الملذات
يكونون كمن يشتاقون إلى الطين، ويظلون يملأون أنفسهم منه، ومع ذلك لا يمتلئون
أبدًا، ويصبح المكان الذي يستقبل الطين فارغًا قبل أن تصب فيه المرة التالية.
وبنفس الطريقة يظل صانع الطوب يصب مزيدًا من الطين في القالب والقالب يفرغ
باستمرار. ويمكن للجميع بسهولة أن يفهموا معنى هذه الصورة البلاغية بالنظر إلى
الجانب الشهواني للنفس.

61.
الذي يتبع رغباته وما يشتهيه إذا حقق رغبة له ثم تحول برغبته إلى شيء آخر يجد نفسه
فارغًا مرة أخرى من ناحية هذا الشيء، وإذا امتلأ منه يعود فارغًا كإناء فارغ في
طلب شيء آخر وهكذا. ونحن لا نتوقف عن هذا إلى أن نرحل من هذه الحياة المادية.

62.
وبالنسبة للقش والتبن الذي كان يجب على الخاضعين لأوامر الطاغية أن يخلطوه بالطوب
اللبن، فإن كلا من الإنجيل المقدس والصوت السامي للرسول يفسرانهما بأنهما مواد
للحرق (حز 5: 4؛ مت 3: 12).

 

ماء
التعليم الإلهي عذب للبعض ودم لغيرهم

63.
كلما أراد شخص متفوق في الفضيلة أن يجذب أولئك المستعبدين في الخداع إلى حياة
فلسفية وحرة، فإن إبليس الذي يتآمر ضد أرواحنا بمكائد مختلفة (كما يقول بولس
الرسول في أف 6: 11) يعرف كيف يستخدم وسائل الخداع ضد الشريعة الإلهية. وأنا أتحدث
هنا عن الحيات المصرية في القصة، أي عن الخدع الشريرة المختلفة التي هزمتها عصا
موسى. وقد فسرنا العصا من قبل بصورة كافية.

64.
من يملك عصا الفضيلة التي لا تُهزم، التي تبتلع عصا السحرة، يتقدم على التدريب على
عجائب أعظم. ولا تحدث العجائب لكي ترهب الحاضرين، لكنها لفائدة من يتم إنقاذهم.
فعن طريق عجائب الفضيلة ينهزم العدو ويتقوى الشعب.

65.
إذا علمنا أولاً القصد الروحي العام من عجائب الفضيلة، نستطيع عندئذ أن نطبق هذا
المفهوم على كل معجزة في حد ذاتها. ويتفق الإيمان الحقيقي مع ميول من يسمعون
الكلمة، فبالرغم من أن الكلمة تبين للجميع ما هو خير وما هو شر، إلا أن الشخص ذا
الميول الحسنة لما يسمعه يستنير فهمه، بينما يظل كلام الجهل مخيمًا على الشخص ذي
الميول العنيدة الذي لا يسمح لروحه بأن تبصر شعاع الحق. وإذا لم يكن فهمنا العام
لهذه الأمور خاطئًا فإن كل أمر في حد ذاته لن يبدو مختلفًا، حيث أن الجزء يتم
إظهاره وبيانه بالكل.

66.
لذا ليس عجيبًا على الإطلاق ألا يتأثر العبراني، رغم معيشته في وسط غرباء، بشر
المصريين. ويمكن أن نرى نفس الشيء يحدث الآن في المدن المزدحمة بالسكان ولأهلها
آراء متناقضة. فبالنسبة للبعض فإن نهر الإيمان الذي يستقون منه بالتعليم الإلهي
عذب وصاف، بينما بالنسبة للبعض الآخر الذين يعيشون مثل المصريين ويستقون بأهوائهم
الشريرة، فإن الماء يصبح دمًا فاسدًا.

67.
ومرات كثيرة يحاول سيد الشر والخداع أن يحول ماء العبرانيين أيضًا إلى دم بإفساده
بالغش والزور، أي بإظهار عقيدتنا لنا على غير الحقيقة، ولكنه لا يستطيع أن يفسد
الماء تمامًا بحيث لا يصلح للاستخدام بالمرة، حتى ولو حوله بسهولة إلى اللون
الأحمر بخداعه، فإن العبراني الذي لا يلقي بالاً للخداع البصري يشرب الماء
الحقيقي، حتى ولو نجح خصومه في تضليله.

 

ضربة
الضفادع[126]

68.
وينطبق نفس الشيء على الضفادع. وهي كائنات برمائية قبيحة وصاخبة، تقفز حولها
باستمرار وهي ليست قبيحة المنظر فقط، ولكن لها أيضًا جلد كريه الرائحة. دخلت هذه
المخلوقات البيوت والأسرة والمخازن في بيوت المصريين، ولكنها لم تؤثر على حياة
العبرانيين.

69.
إن تكاثر الضفادع هو بلا شك رمز للشر المدمر الذي يتولد من القلب الشرير للإنسان
كما من مستنقع وحل. وقد اجتاحت هذه الضفادع بيوت أولئك الذين اختاروا أن يعيشوا
عيشة المصريين، وظهرت على موائدهم وحتى على أسرتهم ودخلت مخازنهم.

70.
إن حياة الشر والخلاعة حقًا تولد الشر الذي يشبه ما يخرج من الوحل. تتشبه تلك
الحياة بالكائنات التي لا عقل لها، ولذلك تظل شكلاً من الحياة لا هو إنسان ولا هو
ضفدعة تمامًا. إن هذا النوع من الأشخاص الذي هو إنسان بطبيعته ويتحول إلى حيوان
بأهوائه يعيش حياة ثنائية لا تعرف طبيعتها، مثل البرمائيات. وتوجد أدلة هذا الشر
ليس فقط في الفراش ولكن أيضًا على المائدة وفي المخزن وفي كل أرجاء البيت.

71.
يظهر فساد مثل هذا الشخص في كل شيء، لذلك فمن السهل التعرف على حياة الشخص الفاسد
والشخص الطاهر مما يحبونه ويمارسونه في بيوتهم. في بيت أحد هذين النوعين تجد نقوش
على الحائط تثير صورها الماكرة الشهوات الحسية. تجلب هذه الأشياء الشر، ومن خلال
العين تصب في الروح الأشياء المشينة التي تشاهدها العين. ولكن الإنسان الحكيم يأخذ
كل حذر واحتراس ممكن في بيته ليحفظ العين طاهرة من المناظر الشهوانية.

72.
بالمثل فإن مائدة الشخص الحكيم تكون طاهرة، ولكن الشخص الذي يتمرغ في الوحل يشبه
الضفدعة وينتمي إلى الجسد. وإذا فتشنا مخزنه – أي الأشياء السرية والغير معلنة في
حياته – تجد هناك وسط خلاعته كومًا كبيرًا من الضفادع.

 

إغلاظ
قلب فرعون والإرادة الحرة

73.
يجب ألا نندهش إذا ذكرت لنا القصة أن عصا الفضيلة قد فعلت هذه الأشياء للمصريين،
لأنها تذكر أيضًا أن الله قد أغلظ قلب فرعون (خر 9: 12 ورو 9: 17-18) كيف يمكن –
إذًا – أن يُدان فرعون إذا كان الإلزام الإلهي هو الذي دفعه ليكون عنيدًا
ومتصلبًا؟ في موضع آخر في الكتاب المقدس يعبر بولس الرسول عن نفس الفكرة:
“وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن
مرفوض”، “لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان” (رو 1: 28، 26)…

74.
ولكن إذا كان ما سبق مذكورًا في الكتاب المقدس، وكان الله يسلم تمامًا إلى الذهن
المرفوض الشخص الذي يسلم نفسه لهذا الذهن المرفوض، فإننا يجب أن نتذكر أن فرعون لم
يتشدد قلبه بواسطة الإرادة الإلهية، كما أن الحياة التي تشبه حياة الضفادع لا
تتولد من الفضيلة. لأنه إذا كان هذا هو ما تريده الطبيعة الإلهية، فإن أي اختيار
بشري سيتبع نفس هذا المسار في كل حالة ولن يراعي أحد التفرقة بين الخير والشر في
الحياة. إن الناس يختلفون في حياتهم، فيعيش بعضهم حياة استقامة في الفضيلة، بينما
ينزلق البعض إلى الرذيلة. ولا يمكن بالمنطق أن نعزز هذه الاختلافات إلى إلزامٍ
إلهي يخرج عن إرادة الناس، فإن في مقدور كل شخص أن يختار.

75.
يعلمنا بولس الرسول بوضوح من هو الشخص الذي يسلم إلى ذهن مرفوض. إنه ذاك الذي لا
يحب أن يعرف الله. إن الله يسلم إلى الأهواء والشهوات الشخص الذي لا يحميه الله،
لأنه لا يعترف بالله، فعندما لا يعترف الإنسان بالله في حياته يكون ذلك هو السبب
في سقوطه في حياة الشهوات والخطية.

76.
يشبه ذلك شخصًا لا يرى الشمس ويلومها لأنها تسببت في سقوطه في حفرة، فلا يمكننا أن
نقول أن الشمس تغضب ممن لا يريد أن ينظر إليها وتدفعه ليسقط في الحفرة، وإنما نفسر
هذه العبارة بطريقة منطقية على أن عدم السير في نور الشمس هو الذي يسبب سقوط هذا
الشخص في الحفرة. ويوضح لنا هذا فكرة بولس الرسول، فإن من لا يعترفون بالله في
حياتهم يسلمون إلى الأهواء المرفوضة. وكذلك فإن فرعون قد أغلظ قلبه ليس لأن
الإرادة الإلهية قد وضعت المقاومة في روح فرعون، ولكن لأن إرادة فرعون الحرة
الميالة للشر لم تقبل الكلمة التي تخفف من هذه المقاومة.

77.
وبنفس الطريقة أيضًا، فإن عصا الفضيلة عندما ظهرت بين المصريين فقد طهرت
العبرانيين من حياة الشر التي تشبه حياة الضفادع، بينما أظهرت أن المصريين ممتلئون
من هذا الشر.

78.
عندما مد موسى يديه لإنقاذ المصريين، هلكت الضفادع في الحال. ويمكن أن نرى هذا
يحدث الآن أيضًا، فإنكم بالتأكيد تدركون معنى اليدين الممتدتين لمعطي الناموس
(موسى)، فإن هذا يرمز لمعطي الناموس الحقيقي (يسوع المسيح) ويديه الممدودتين على
الصليب. إن المصريين الذين عاشوا فترة قصيرة يعانون من الضفادع قد خلصوا من هذا
الشر عندما نظروا إلى يدي موسى الممدودتين، وكذلك فإن أولئك الذين يعيشون فترة مع
أفكار شريرة تشبه الضفادع إذا نظروا إلى ذلك الذي مد يديه على الصليب من أجلنا
فإنهم يتحررون من حياتهم الشريرة حيث تموت أهواهم وتنتن.

79.
في الحقيقة، بعد موت الشهوات التي تشبه الضفادع فإنه بالنسبة لمن خلصوا من هذا
الوباء تصبح حياتهم السابقة ذكرى شريرة وكريهة تثير الاشمئزاز والخجل في النفس.
وفي ذلك يقول بولس الرسول لمن تغيرت حياتهم من الشر إلى الفضيلة: “فأي ثمر
كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن؟” (رو 6: 21).

 

محنة
الظلام

80.
ويتفق مع تأملي هذا أن نتأمل الجو الذي أظلم في عيون المصريين بفعل العصا، بينما
كانت عيون العبرانيين ترى الشمس مضيئه. وهذا الحدث يؤكد المعنى الذي أسلفناه، فلم
تكن هناك قوة إجبارية من أعلى هي التي سببت أن يوجد المصريون في ظلام والعبرانيون
في النور، ولكن يوجد فينا نحن البشر، في طبيعتنا واختيارنا ذاتهما أسباب النور
والظلام، حيث أننا نضع أنفسنا حيث نريد أن نكون، في النور أو في الظلام.

81.
طبقًا للقصة، فإن عيون المصريين لم تكن في الظلام بسبب وجود حائط أو جبل يحجب
الرؤية ويظلم أشعة النور، ولكن الشمس كانت تلقي بأشعتها على الجميع على السواء،
المصريين والعبرانيين. وبينما كان العبرانيون يستمتعون بنورها، كان المصريون لا
يشعرون به. وبالمثل فإن الحياة المستنيرة متاحة للجميع بالتساوي، ولكن حسب
قدراتهم، فإن البعض يستمرون في الظلام مدفوعين بأعمالهم الشريرة إلى ظلمة الشر،
بينما يشع البعض الآخر بنور الفضيلة…

 

ضربة
البثور

83.
بنفس الطريقة يمكننا أن ندرك المعنى الحقيقي ل”رماد الأتون” الذي يخبرنا
الكتاب بأنه سبب دمامل وبثورًا للمصريين. ويرمز الأتون لعقاب النار في جهنم التي
تؤثر فقط على من يقلدون المصريين في حياتهم.

84.
وإذا كان الشخص إسرائيليًا حقًا، وابنًا لإبراهيم، يتطلع إليه كمثال في حياة بحيث
يظهر بإرادته الحرة انتمائه لشعب الله المختار، فلن تؤذيه النار المؤلمة…

85.
والمتتبع لتأملاتنا السابقة لن يجد صعوبة في تفسير مفهوم كل ضربه من الضربات التي
نزلت بالمصريين: البعوض الذي عذب المصريين بلدغاته غير المرئية والذباب الذي التصق
بأجسامهم وسبب لهم آلامًا والمحاصيل التي أكلها الجراد والعواصف من السماء التي
سببت نزول البرد.

86.
طبقًا للمبدأ الذي أسلفناه، فقد كانت إرادة المصريين الحرة هي سبب كل تلك الضربات،
وتبعًا لاختيارهم الحر فإن عدالة الله غير المتحيزة قد أحلت عليهم ما كانوا
يستحقونه. وفي قراءتنا للنص يجب ألا نستنتج أن هذه الضربات التي حلت بمن يستحقونها
جاءت مباشرة من الله، بل يجب أن نلاحظ أن كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته
الحرة بسبب ميوله. ويخاطب بولس الرسول مثل هذا الشخص، قائلاً: “ولكنك من أجل
قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله
العادلة، الذي يجازي كل واحد حسب أعماله” (رو 2: 5 الخ).

87.
يشبه ما نتحدث عنه مرض الصفراء[127] المدمر في بطن الإنسان بسبب حياة الانحلال.
وعندما يعطي الطبيب أدوية تسبب القيء، فإن ليس سبب المرض في الجسم، بل على العكس،
فإن عادات الأكل الفوضوية وغير الملتزمة هي التي تسبب المرض، وكل ما فعله الطب هو
أنه أظهره. وبنفس الطريقة، حتى عندما نقول أن الانتقام المباشر يحل من الله على من
يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمن المنطقي أن نلاحظ أن أصل وسبب هذه المعاناة هو
في أنفسنا.

88.
وبالنسبة لمن يعيش بلا خطية فليس هناك ظلام ولا دود ولا جهنم ولا أي شيء من هذه
الأشياء المخيفة، فإن الكتاب يخبرنا أن الضربات التي حلت بمصر لم تكن موجهة
للعبرانيين. وحيث أنه في نفس المكان يأتي الشر لشخص وليس للآخر حيث يختلفان عن
بعضهما باختلاف اختياراتهما الحرة فمن الواضح أنه لا يمكن أن يحل بنا شر ألا
باختيارنا الحر.

 

موت
الأبكار

 89.
نتابع النص الآن؛ لقد علمنا ما رأيناه حتى الآن أن موسى (ومن يسمو بنفسه بالفضيلة
على مثال موسى) وعندما موت روحه (عن أعمال الإنسان القديم) بالتدريب الطويل
والحياة السامية، ومن خلال النور الآتي من فوق، اعتبرها خسارة ألا يقود مواطنيه
إلى حياه الحرة.

90.
وعندما أتى إليهم غرس فيهم رغبة أقوى في الحرية بأن أراهم المعاناة التي كان
يعانيها المصريون والتي كانت أشد من معاناتهم. ولكي يخلص أهل بلده من الشر جلب على
المصريين الموت لكل بكر يولد في مصر. وبهذا أرسى لنا مبدأ وهو أنه من الضروري
تمامًا أن نقضي على كل أبكار الشر، ومن المستحيل الهروب من الحياة في مصر بأية
طريقه أخرى.

91.
لا استحسن أن أمر سريعًا على هذا التفسير بدون مزيد من التأمل فلا يمكن الحفاظ على
مفهوم يستحق أن ينسب إلى الله بمجرد ذكر وصف الأحداث التاريخية. فعلى سبيل المثال
نجد أن المصريين يتصرفون تصرفات ظالمة ولكن أبكارهم يعاقبون، وهم الذين كانوا
كأطفال لا يستطيعون أن يميزوا بين الخير والشر. لم يجربوا الشر في حياتهم، لأن
الطفولة ليس فيها شهوة وأهواء، وهم كأطفال لا يستطيعون التمييز بين اليد اليمنى
واليسرى (قارن يونان 4: 11). إن الطفل الرضيع يرفع عينيه فقط إلى صدر أمه. والدموع
هي العلامة الوحيدة للحزن عنده، وإذا نال أي شيء ترغبه طبيعته، فإنه يعبر عن سروره
بالابتسامة. إذا كان على مثل هذا الرضيع أن يدفع عقوبة الشر الذي ارتكبه والده،
فأين العدل إذًا؟ أين التقوى؟ أين القداسة؟ أين حرقيال الذي ينادي: “النفس
التي تخطئ هي تموت، الابن لا يحمل إثم الأب؟ كيف يمكن للتاريخ أن يناقض العقل
والمنطق بهذا الشكل؟

92.
لذلك فعندما ننظر في الأمر باحثين عن المعنى الروحي الحقيقي لنقرر إذا كانت
الأحداث قد حدثت بصورة رمزية، يجب أن يكون لدينا استعداد للاعتقاد بأن معطي
الناموس (موسي) كان من يعلَّم من خلال ما يقال. والتعليم هو ما يلي: يجب على
الإنسان إذا أدرك أو تعرَّف على أي شر- عن طريق الفضيلة – أن يقضي تمامًا على أية
بدايات للشر.

93.
لأنه عندما يقضي على البداية، فإنه في نفس الوقت يقضي على ما يأتي بعدها. ويُعَلِم
الرب نفس الشيء في الكتاب المقدس، فيدعونا بطريقه غير مباشرة أن نقتل أبكار الشرور
المصرية عندما يوصينا بالابتعاد عن الشهوة والغضب وألا نخاف بعد من عار الزنا أو
ذنب القتل (مت 5: 22، 28) لا شيء من هذه الخطايا يتولد من تلقاء نفسه ولكن الغضب
يولد القتل، والشهوة تولد الزنا.

94.
وحيث أن فاعل الشر تتولد لديه الشهوة قبل الزنا والغضب قبل القتل، فعندما يقتل
الأبكار سيقتل بالتأكيد الذرية التي كانت ستأتي منها. ولنأخذ الثعبان كمثال، فإننا
عندما نسحق رأسه نقتل باقي الجسم في نفس الوقت.

95.
كان إهلاك الأبكار لو لم يرش الدم على الأبواب (خر 12: 23)، لأنه يمنع الهلاك.
وإذا أردنا أن نعرف المعنى المقصود هنا بتفصيل أكثر، فإن التاريخ يقدم لنا هذه
الفكرة عن طريق كلٍ من الأبكار وتأمين الأبواب بالدم. في حالة قتل الأبكار يتم
القضاء علي أول دافعٍ للشرٍ. وفي حالة رش الدم يتم صد أول هجوم للشر للدخول فينا،
وذلك بواسطة الحمل الحقيقي. فإنه في حالة دخول العدو المدمر لا نصده بوسائلنا
الخاصة، ولكننا نقيم دفاعنا بواسطة الناموس لنمنعه من أن يحتل مكانًا بيننا.

96.
نقرأ في الكتاب المقدس أن السلامة والأمان هي في رش العتبة العليا والقائمتين
للباب بدم الحمل[128]. وبينما يهيئ لنا الكتاب بالصور الرمزية فهمًا علميًا لطبيعة
النفس، فإن التعليم العلماني أيضًا يفعل نفس الشيء، ويقسم النفس إلى ثلاث أجزاء:
عقلاني وعاطفي وروحي. ويوجد الجزءان العاطفي والروحي أسفل الجزء العقلاني
يساندانه. ويتصل الجزء العقلاني بهما بحيث يمسكهما معًا في نفس الوقت الذي يزعجانه
فيه، وبحيث يتدرب الجزء العقلاني على الشجاعة بواسطة الجزء الروحي ويرفعه الجزء
العاطفي للمشاركة في الخير.

97.
طالما ظلت النفس في أمان بهذه الطريقة تحافظ على تماسكها بالأفكار الفاضلة كما لو
كانت ممسكة بمسامير تثبت، فإن جميع الأجزاء ستتعاون معًا للخير. سيقوم الجزء
العقلاني بتوفير الأمان للعناصر المساندة له وفي نفس الوقت يفيد منها بنفس الدرجة.

98.
ولكن إذا اختل هذا الترتيب وانقلب الأعلى أسفل، والأسفل أعلى، ونزل العقلاني من
أعلى إلى أسفل[129]، وداسه الطبع العاطفي والروحي، وعندئذ سيتسلل العدو المدمر إلى
الداخل، ولن تكون هناك مقارنة من الدم لدخوله، أي أن الإيمان بالمسيح لن يثبت مع
من لهم هذا الطبع (المختل).

99.
يقول الكتاب أنه يجب رش العتبة العليا أولاً بالدم ثم القائمتين. كيف يستطيع
الإنسان أن يمسح العتبة العليا أولاً إلا إذا كانت موجودة أعلى الباب؟

100.
ولا ينبغي أن تدهش على الإطلاق إذا كان موت الأبكار وسفك الدم لم يحدثا
للإسرائيليين، وبناء على ذلك ترفض التأمل الذي أوردناه بخصوص القضاء على الشر –
كأن هذا شيء مختلق لا أساس له من الصحة. فإن الاختلاف بين الإسرائيليين والمصريين
هو اختلاف بين الخير والشر، وحيث أن المعنى الروحي يوضح لنا أن الإسرائيليين كانوا
يمثلون الفضيلة، لذلك يجب ألا نتطلب إهلاك أبكار الفضيلة، بل أبكار أولئك الذين
يفيد هلاكهم أكثر من تكاثرهم.

101.
لذلك يعلمنا الله أنه يجب أن نقضي على أبكار الشر (المقابلين لأبكار المصريين)
بحيث نضع نهاية للشر بالقضاء على بداياته. ويتفق هذا الفكر مع التاريخ. فعن طريق
رش الدم تمّت حماية أولاد الإسرائيليين حتى يبقى الخير ويصل للنضوج ويكثر. ولكن تم
القضاء على أطفال المصريين قبل أن يصلوا للنضوج ويكثر الشر.

 

الرحيل
من مصر

102.
يتفق ما يلي مع فهمنا الروحي للنص، فإن الكتاب المقدس يتطلب أن يصبح جسم الحمل –
الذي رُش دمه علي الأبواب، وحمى الشعب من هلاك الأبكار – هو طعامنا.

103.
كان على من يأكلون هذا الطعام (الحمل) أن يكون سلوكهم عمليًا وجديًا، ليس مثل سلوك
الذين يستمتعون بالطعام في الولائم، الذين يجلسون في استرخاء وملابس مرخاة
وأقدامهم غير مستعدة للسفر، بل على العكس كانت أحذيتهم في أرجلهم وأحقاؤهم مشدودة
بأحزمة وعصيهم في أيديهم لطرد الكلاب.

104.
كان اللحم يقدم لمثل هؤلاء الناس المستعدين للسفر بدون توابل وصلصات معدة بإتقانٍ
ولكن مشويًا على أي نار متاحة. وكان الضيوف يأكلون بسرعة حتى يستهلكوا جسم الحيوان
بأكمله. كانوا يأكلون كل ما يمكن أكله حول العظام ولكنهم لم يمسوا الأحشاء وكان
ممنوعًا أن يكسروا أي عظام، بل ما يتخلف يحرق بالنار.

105.
يتضح من هذا كله أن النص الحرفي يهدف إلى أن يوضح أشياء أسمى ومفهومًا أعلى، حيث
أن الناموس الإلهي لا يعلمنا كيف نأكل (الطبيعة التي تغرس فينا الرغبة في الطعام
هي شرع كاف لمثل هذه الأمور). وتعني القصة شيئًا مختلفًا. فما أهمية أن تأكل طعامك
بهذه الطريقة أو تلك بالنسبة للفضيلة أو أن تكون الأحقاء مشدودة أو مرخاة، أو تكون
القدمان عاريتين أو بهما أحذية، أن تكون عصاك في يدك أو موضوعة جانبًا؟

106.
المعنى الرمزي لاستعداد المسافر واضح. إنه أمر صريح لنا بأن ندرك ونعترف بأن
حياتنا الحاضرة هي حياة عابرة. وعند مولدنا تدفعنا طبيعة الأمور نحو الرحيل، فيجب
أن نعد أنفسنا بعناية له، وأيدينا وأقدامنا وباقي الأشياء.

 

أحذيتهم
في أرجلهم

107.
لكي لا تؤذي أشواك هذه الحياة أقدامنا العارية (الأشواك هي الخطايا)، يجب أن نغطيها
بأحذية. والأحذية هي الحياة الصارمة التي يتحكم فيها الإنسان في نفسه وهذه الأحذية
تكسر أطراف الأشواك، وتمنع الخطية من التسلل سرًا داخل حياتنا.

 

أحقاؤهم
مشدودة بأحزمة

108.
إن إرخاء العباءة إلى أسفل فوق القدمين ووصولها إلى النعلين يمنع أي شخص من أن
ينهي المسار الإلهي بمثابرة، والعباءة هنا هي الاستمتاع الكامل بمباهج الحياة
الأرضية، والمنطقة (الحزام) هنا هو العقل الحكيم الذي يشد العباءة إلى أقصى حد
ممكن. والمكان الذي تلتف حوله المنطقة (الحزام) يبين أن المقصود بها الحكمة.
والعصا التي تستخدم لطرد الحيوانات هي رسالة الرجاء التي تساند بها تعب الروح
(ونطرد) ونبعد ما يهددنا (قارن 1 بط 1: 13).

 

شيِّ
الطعام على النار

109.
يرمز الطعام الذي يوضع أمامنا بعد شيِّه على النار إلى الإيمان الحار القوي الذي
نتسلمه بدون أن نفكر فيه. ونحن نلتهم منه ما يؤكل بسهولة، ولكن نترك جانبًا
المعتقدات المخفية داخل الأفكار التي تعتبر صعبة دون بحثها بدقة أو السعي لمعرفة
المزيد عنها، وبدلاً من أكلها نتركها للنار.

110.
لكي نوضح هذه الصور، دعنا نشرح أن أي أوامر إلهية ندركها ونفهمها بسهولة يجب أن
نتبعها بحماسٍ وليس بكسلٍ وتراخٍ أو بالإكراهٍ، بل نكون مثل الجائعين الذين يملأون
بطونهم بشغفٍ بالأشياء التي توضع أمامهم، فيكون الطعام زادًا لصحتهم. ولكن يجب ألا
نفكر في أشياء تتجاوز فهمنا – مثل الأسئلة التالية: ما هو جوهر الله؟ ماذا كان
يوجد قبل الخليقة؟ ماذا يوجد خارج العالم المرئي؟ ماذا يجعل الأشياء تحدث؟ وأشياء
أخرى مماثله تسعى إليها العقول المحبة للاستطلاع يجب أن نترك هذه الأشياء ليعرفها
لنا الروح القدس فقط “لأنه الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله”، كما يقول
الرسول (1 كو 2: 10)

111.
إن أي شخص تعلم الكتاب المقدس لابد أنه يعرف بالتأكيد أن الكتاب يفكر في الروح
ويصفه على أنه “نار[130]”، ويقودنا إلى هذا الفهم ما تعلنه لنا الحكمة:
“لا تحاول أن تفهم الأشياء البالغة الصعوبة بالنسبة لك” – أي لا تكسر
عظام الكتاب المقدس، لأنه لا داعي لأن ترى بعينيك الأشياء المخفية[131].

 

ثروة
مصر والتعليم العلماني

112.
قاد موسى الشعب إلى خارج مصر، وبالمثل فإن كل من يتبع خطوات موسى يخَّلص كل من
يستمعون إلى كلماته من الطاغية المصري. وكل من يتبع القائد إلى الفضيلة – يجب – في
رأيي- ألا تنقصه ثروة مصر أو يكون محرومًا من كنوز الغرباء، ولكن يجب عليه أن يحصل
عليها ويستخدمها لمنفعته. وهذا هو بالضبط ما أمر موسى الشعب أن يفعله.

113.
كان لا يمكن لأي شخص يسمع هذا الكلام بدون تعمق أن يقبل نصيحة موسى عندما طلب من
الشعب أن يسرقوا، وبذلك أصبح قائدًا لهم في عمل الخطية. وعند النظر إلى الشرائع
التي تلت ذلك نجد أنها من البداية إلى لنهاية تمنع عمل الخطية، فكان لا يمكن لمن
يدرك ذلك أن يقول أن موسى قد أمر بأخذ الأشياء من المصريين بهذه الطريقة[132].

114.
… فالشخص الذي يستعير شيئًا ولا يرده هو مخادع. وإذا اقترض شيئًا لا يخصه ولم
يرده فهو مخطئ، لأنه يمارس الخداع، وحتى لو اقترض شيئًا مفروض أنه يستحقه فإنه يدعى
مخادعًا أيضًا لأنه ضلل من اقترضه منه وأعطاه أملاً أنه سيرده.

115.
لذلك فإن المعنى الأسمى مناسب أكثر من المعنى الظاهر. وهذا المعنى هو أمر لمن
يشاركون في حياة الحرية عن طريق الفضيلة بأن يتزودوا بأنه أيضًا بثروة التعليم
الوثني من الأجانب، والذي يتحلى به غير المؤمنين. ويأمرنا مرشدنا في الفضيلة بأن
“نستعير[133]” من المصريين الأثرياء (الغرباء الوثنيين) أشياء مثل
الفلسفة الأخلاقية والطبيعية، والهندسة، والفلك والمنطق وأي شيء آخر يسعى من هم
خارج الكنيسة لتعلمه، حيث أن هذه الأشياء تنفع عندما يحل الوقت المناسب لتجميل
المقدس الإلهي بثروات العقل.

116.
بعد أن أخذ الإسرائيليون هذه الثروات سلموها إلى موسى وهو يعمل في إنشاء خيمة
الاجتماع، مساهمين كل واحدٍ بنصيبه الشخصي في بناء الأماكن المقدسة. ويمكن أن نرى
هذا يحدث الآن، فإن كثير من الناس يهبون كنيسة الله عطايا من التعليم العلماني،
مثلما فعل باسيليوس العظيم الذي اكتسب الثروات المصرية من جميع النواحي في شبابه
وخصص هذه الثروة لله لتزيين الكنيسة، التي هي خيمة الاجتماع الحقيقية.

 

رجاء
المعونة الإلهية

117.
لنعد إلى النقطة التي تركنا فيها الموضوع. سنتحدث عمن اتجهوا بأنظارهم إلى الفضيلة
وتبعوا موسى في الحياة. عندما يترك هؤلاء حدود الأراضي المصرية خلفهم، فإن هجمات
الإغراءات تتابعهم بشكل معين وتجلب لهم الضيق والمخاوف والتهديدات بالموت. وعندما
يخافون من هذه الأشياء فإن حديثي العهد بالإيمان يفقدون كل أمل في الخير، ولكن إذا
جاء موسى أو قائد مثله للشعب، فإنه يعطيهم المشورة ضد الخوف ويقوي عقولهم المحبطة
برجاء المعونة الإلهية.

118.
لن تأتي هذه المعونة إلا إذا كان قلب القائد يتكلم مع الله. ويلاحظ أن كثيرًا ممن
يشغلون منصب القيادة لا يهتمون إلا بالمظهر الخارجي فقط، ولا يكادون يلقون بالاً
إلى الأمور المخفية التي يلاحظها الله فقط. ولكن لم يكن موسى من هذا النوع، فبينما
كان يخاطب الإسرائيليون ويحثهم على الشجاعة، كان يصرخ إلى الله بدون صوت، لأن الله
نفسه شاهد على ذلك. وأعتقد أن الكتاب المقدس يعلمنا أن الصوت الشجي الذي يصعد إلى
أسماع الله ليس هو الصرخة التي تطلقها أعضاء الكلام لدينا ولكن التأمل المنبعث من
ضمير نقي (1 تي 1: 5).

119.
وبالنسبة لمن يجد نفسه في مثل هذه الظروف، فإن المعونة التي يقدمها أخوه في
الصراعات الكبيرة محدودة. والأخ هنا هو أخو موسى الذي قابله وهو نازل إلى مصر
تنفيذًا للأمر الإلهي، والذي يفهم الكتاب أنه كان في رتبة الملائكة. ثم حدث
استعلان الطبيعة الإلهية، التي تظهر نفسها لكل واحدٍ بالطريقة التي يمكن بها أن
يقبلها. إذا ما نسمعه من القصة في الكتاب المقدس أنه حدث، نفهم من التأمل في
الكلمة أنه دائمًا يحدث.

120.
عندما يهرب شخص ما من مصر وبعد الخروج من حدودها تخيفه هجمات الإغراء، فإن المرشد
يجلب الخلاص من أعلى، وكلما أحاط العدو بجيشه شخصًا مُطاردًا، فإن المرشد يمَّكنه
من عبور البحر.

عمود
السحاب المرشد وعبور البحر الأحمر

121.
في ذلك العبور كان عمود السحاب مرشدًا. وقد أحسن من قبلنا بتفسير عمود السحاب على
أنه رحمة الروح القدس، الذي يرشد المستحقين نحو الخير، ومن يتبع الروح القدس يعبر
المياه، حيث أن المرشد يصنع له فيها طريقًا، وبهذه الطريقة يقوده بأمان إلى
الحرية، أما الذي يطارده ليعيده إلى العبودية فيهلك في الماء. لا يجب أن يجهل من
يسمعون هذا سرّ الماء. فالذي ينزل الماء مع جيش العدو يخرج وحده تاركًا جيش العدو
يغرق في الماء[134].

 

الجيش
المصري بجياده ومركباته

122.
من هو ذاك الذي لا يعرف أن الجيش المصري بجياده ومركباته وسائقيها ورماته (بالقلاع
والأقواس) وجنوده المسلحين بأسلحة ثقيلة وباقي قوات العدو في خط المعركة هم رمز
للأهواء المختلفة للنفس التي تستعبد الإنسان[135]، فإن الدوافع الفكرية والميول
الحسية غير المنضبطة للمتعة والألم والجشع مشابهة تمامًا للجيش الذي ذكرناه.
والسباب والشتيمة هما مثل الأحجار التي ترمى بالقلاع، والتهور هو سن الرمح المتحرك.
أما حب المتعة فهو يتمثل في الجياد التي تجر المركبة بدافع لا يمكن مقاومته.

123.
نقرأ في التاريخ بسفر الخروج أن المركبة كان بها ثلاثة يقودونها يسمون
“القادة[136]”، وحيث أنك قد تعلمت من قبل سرّ قائمي الباب وعتبته
العليا، فتدرك أن هؤلاء الثلاثة الذين تحملهم المركبة يماثلون التقسيم الثلاثي
للنفس: العقلاني والعاطفي والروحي.

124.
يندفع كل الجيش في الماء مع الإسرائيليين الذين تقدموه في العبور المهلك (للجيش).
عندئذ نجد عصا الإيمان تقود الطريق وعمود السحاب يعطي ضوءً، ويعطي الماء والحياة
لمن يجدون فيه ملجأً، ويهلك مطارديهم[137].

125.
يعلمنا التاريخ (الكتاب) هنا عن نوع الناس الذين سيعبرون الماء ولا يأخذون معهم
أيًا من جيش الأعداء وهم يخرجون من الماء. فإنه لو خرج العدو معهم من الماء
فسيستمرون في العبودية بعد خروجهم حيث أحضروا الطاغية حيًا معهم ولم يغرقوه في
الماء. وإذا أراد أحد توضيح الرمز في هذه الصورة فإن الواضح هو أن الذين يمرون في
ماء المعمودية المقدس يجب أن يقتلوا جيش الشر كله، هذا الجيش الذي يشمل الجشع
والرغبات غير المنضبطة وأفكار الطمع وأهواء الغرور والصلف، والتهور، والغضب،
والحقد والحسد وكل هذه الأشياء. وحيث أن الأهواء بطبيعتها تتبع طبيعتنا، فإننا يجب
أن نقتل في الماء الميول الوضيعة للعقل والأعمال التي تنتج عنها.

 

الفطير
وسرّ الفصح

126.
وكما كان الفطير يؤكل في سرّ الفصح (اسم يطلق على الذبيحة التي يمنع دمها موت من
يقدمها)، فهكذا يأمرنا الناموس الآن أن نأكل فطيرًا في الفصح (الفطير هنا هو الخبز
غير المختلط بالخمير الذي يشير إلى الشر 1 كو 5: 7)، ويجب أن نفهم من هذا أن أي
بقايا من الشر يجب ألا تختلط بالحياة القادمة. بل يجب أن نبدأ بداية جديدة تمامًا
في الحياة، وننهي الاستمرار في الشر بتغيير كامل نحو الأفضل، والمقصود أيضًا أنه
نغرق الجيش المصري كله (كل شكل من الشر قارن 1 تسالونيكي 5: 22) في المعمودية
المخلصة سنخرج وحدنا ولا نأخذ معنا شيئًا غريبًا في حياتنا التالية. وهذا هو ما
نتعلمه من القصة التي تخبرنا بأنه في الماء يتميز العدو من الصديق بالموت والحياة،
فيهلك العدو ويحيا الصديق.

127.
كثيرون ممن يتلقون نعمة المعمودية المقدسة يجهلون وصايا الشريعة، فيخلطون خمير
الحياة القديمة بالحياة الجديدة، وبعد عبور المياه يحضرون معهم الجيش المصري الذي
يظل يعيش معهم في أعمالهم.

 128.
نأخذ على سبيل المثال شخصًا جمع ثروة عن طريق السرقة أو الظلم، أو اقتنى أملاكًا
بالغش أو عاش مع امرأة في الزنا أو قام بأعمال أخرى ممنوعة قبل أن يحصل على نعمة
المعمودية، هل يظن مثل هذا الشخص بعد أن اغتسل في المعمودية أنه يمكنه الاستمرار
في الاستماع بهذه الشرور المتمسك بها وفي نفس الوقت يتحرر من عبودية الخطية؟ هل لا
يستطيع أن يرى أنه تحت نير جبابرة قساة؟

129.
إن الأهواء غير المحكومة هي سيد قاس وهائج يسيطر على المنطق (العقل) المستعبد له
ويغذيه باللذة كأنها سوط لاذع. والجشع هو سيد آخر مماثل، لا يعطي أية راحة لمن
يستعبده، فحتى إذا نفذ الشخص المستعبد أوامر السيد، وخضع له بعبودية وحصل له على
ما يرغب فيه، فإن السيد يدفع الخادم للحصول على المزيد. وكل أشكال الشر هي طغاة
وسادة يستعبدون مرتكبيها. وفي رأيي أن الشخص الذي مازال يخدم هؤلاء السادة، حتى لو
مرّ خلال الماء، فإنه لم يلمس الماء المقدس على الإطلاق، الذي من وظيفته أن يدمر
الطغاة الأشرار.

 

 المحطات
الأولى في الصحراء.

130.
لنتقدم الآن إلى النقطة التالية في النص. أن الشخص الذي عبر البحر ورأى المصريين
يموتون فيه كما نفسر القصة – لا يعود ينظر إلى موسى وحده على أنه حامل عصا
الفضيلة، ولكن بالنظر لما سبق فإنه يؤمن بالله – كما يقول الكتاب المقدس. ويطيع
عبده موسى (خر 14: 31). ونرى هذا يحدث الآن مع الذين يعبرون الماء حقًا، الذين
يكرسون أنفسهم لله. وكما يقول الرسول، يطيعون ويخضعون للذين يخدمون الله في
الكهنوت (عب 13: 17).

 

الماء
المر وخشب الشجرة

131.
بعد عبور البحر تلت ذلك ثلاثة أيام عسكروا فيها في مكان وجدوا الماء فيه مرًا
لدرجة أنهم لم يمكنهم شربه أولاً، ولكن خشب الشجرة الذي طرح في الماء جعل طعمه
مقبولاً للذين كانوا يعانون من العطش.

132.
يتفق التاريخ الذي نقرأه مع ما يحدث الآن. فبالنسبة للشخص الذي ترك مُتع الحياة في
مصر التي كان مستعبدًا لها قبل عبور البحر، تبدو الحياة بدون هذه المتع صعبة وغير
مقبولة في بادئ الأمر، ولكن عند طرح الخشبة في الماء، أي عند تلقي سر القيامة
(البعث) الذي بدأ بالخشبة (بالطبع فإنك تفهم أن الخشبة هي الصليب)، فإن حياة
الفضيلة تصبح عذبة المذاق بالإيمان بالأشياء الآتية، وتصبح أحلى طعمًا وأبهج من كل
العذوبة التي تحطم الحواس بالمتعة.

 

أشجار
النخيل والينابيع

133.
كان مكان الراحة التالي في الرحلة مليئًا بأشجار النخيل والينابيع، أنعش
المسافرين. كان هناك اثنا عشر عينًا من المياه النقية العذبة وسبعون نخلة كبيرة
شاهقة الارتفاع. ماذا نكتشف ونحن نتتبع التاريخ؟ سنكتشف أن سرّ الخشبة التي جعلت
ماء الفضيلة عذبًا للعطاش تقودنا إلى الاثنا عشر ينبوعًا والسبعين نخلة، أي إلى
تعاليم الإنجيل.

134.
الينابيع هي الاثنا عشر تلميذًا اختارهم الرب لهذه الخدمة، والذين من خلالهم فجر
الرب ينبوع كلمته. لقد تنبأ أحد الأنبياء بتفجير النعمة من التلاميذ عندما قال
“في الجماعات باركوا الله الرب أيها الخارجون من عين إسرائيل” (مز 68:
26)، أما السبعون نخلة فهي السبعون رسولاً الذين بعثوا بالإضافة إلى التلاميذ
الاثنى عشر إلى العالم كله. كان عددهم نفس عدد أشجار النخيل الذي يخبرنا عنه تاريخ
موسى[138].

135.
استحسن الإسراع في رحلتنا خلال النص، مع ذكر تأمل عن باقي أماكن المعسكرات التي
نزل بها الشعب، وبعض الملاحظات القليلة. إن أماكن هذه المعسكرات التي يلجأ إليها
للراحة الشخص الذي يتبع عمود السحاب هي الفضائل. وهنا نذكر معجزة الصخرة، التي
تغيرت طبيعتها الصلبة الشديدة المقاومة لتمد ماء للشرب للظمآن عندما تحولت صلابة
الصخر إلى نعومة الماء ورقته.

136.
ليس من الصعب التوفيق بين التسلسل التاريخي والتأمل الروحي. إن الإنسان الذي ترك
المصريين موتى وراءه في الماء، وتنقى بالخشبة، وتلذذ بينابيع التلاميذ وارتاح في
ظل أشجار النخيل هو بالفعل قادر على استقبال الله. فالصخرة، كما يقول الرسول، هي
يسوع المسيح[139]. وهذه الصخرة صلبة ومقاومة لغير المؤمنين، ولكن إذا استخدم
الإنسان عصا الإيمان فإن الصخرة تتحول إلى ماء للظمآن وتتدفق على من يقبلون السيد
المسيح، لأنه يقول” (أنا وأبي) إليه نأتي، وعنه نصنع منزلاً” (يو 14:
23).

 

المن

137.
يوجد حدث آخر يجب ألا نمر عليه دون تأمل. فبعد أن عبر المسافرون في الفضيلة البحر،
وبعد أن صار الماء عذبًا لهم، وبعد الراحة المنعشة بجوار العيون والنخيل، وبعد
الشرب من الصخرة، بعد كل هذا نفدت المؤن التي احضروها من مصر تمامًا. وعندما لم
يعد لديهم أي شيء باق من الطعام الغريب الذي كانوا قد اختزنوه في مصر، انهمر عليهم
من أعلى طعام كان متنوعًا وواحدًا في نفس الوقت. فمن ناحية المظهر كان الطعام
واحدًا، ولكن مختلفًا في النوعية، لأنه كان يوفق نفسه مع رغبة كل واحد[140].

138.
ماذا نتعلم من ذلك؟ يجب أن يطهر الإنسان نفسه من شرور مصر والحياة الغريبة فيها
(رمز الحياة في الشر)، ويفرغ كيسه من كل الغذاء الذي من عند المصريين، أي يفرغ
روحه من كل شر. وبهذه الطريقة يمكن أن يستقبل في نفسه النقية الطعام الآتي من فوق،
الذي لم يُزرع في أرض، بل ينزل من فوق ويوجد على الأرض جاهزًا دون غرس بذوره أو
نضوج.

139.
أنك تدرك بلا شك الطعام الحقيقي في الصورة التي يرسمها لنا التاريخ في القصة:
فالخبز الذي نزل من السماء (يو 6: 51) ليس شيئًا غير عادي (معنويًا)، فكيف يمكن
لشيء معنوي غير مادي أن يغذي جسم الإنسان؟ ونلاحظ أن هذا الخبز لم يتم إنتاجه بحرث
وبذر، ولكن الأرض التي لم تتغير وُجدت مليئة بهذا الطعام الإلهي الذي تغذى عليه
الجائعون. وتعلمنا هذه المعجزة سرّ العذراء[141].

140.
هذا الطعام غير الآتي من الأرض هو الكلمة، الذي يغير قوته بأشكال مختلفة لتناسب
الذين يأكلون (الحكمة 16: 21)، فلم يصر خبزًا فقط بل صار لبنًا ولحمًا وخضروات وأي
طعام آخر يناسب الذي يتلقاه[142] هكذا يعلمنا بولس الرسول الذي يبسط لنا مثل هذه
المائدة، جاعلاً رسالته لحمًا قويًا للأكثر وخضروات للضعفاء ولبنًا للأطفال الصغار
(عب 5: 12 الخ؛ 1 كو 3: 2).

141.
كل العجائب التي يعلمنا عنها التاريخ بالنسبة لذلك الطعام هي تعاليم للحياة
الفاضلة، فيقول الكتاب أن الجميع اشتركوا في الطعام بالتساوي. ولم يكن لقوة الذين
يجمعون الطعام أي أثر يحدث فارقًا، فلم يكونوا يحصلون على أكثر أو أقل من حاجتهم.
وفي رأيي- على الأقل – أن هناك نصيحة تنطبق بوجه عام، وهى ألا يتجاوز الناس حدود
احتياجاتهم المادية، بل أن تكون هناك قاعدة واحدة للقياس يفهمها الجميع بالنسبة
للطعام، وهي أن يكون الطعام كافيًا ليومٍ واحدٍ.

142.
إنما حتى إذا أعددنا أكثر بكثير مما نحتاج، فلن تستطيع المعدة تجاوز القدر المناسب
لها بطبيعتها، ولن تجعلها الرغبة الشرهة تمتد لتسع ما أعد من الطعام. ويخبرنا
الكتاب أن من كان يأخذ أكثر كان لا يستمتع بالوفرة (لأنه لم يكن لديه مكان يخزن
فيه الزيادة)، ولا كان من يأخذ أقل يشعر بالاحتياج، (لأن احتياجاته كانت تقل تبعًا
للكمية الموجودة).

143.
في هذا الشأن ينادي الكتاب المقدس الجشعين ويخبرهم أن الجشع الذي لا يشبع للشرهين
الذين يخزنون فائضًا عن احتياجاتهم باستمرار، يتحول إلى دودٍ[143]. إن كل شيء يزيد
عن حاجة الشخص الذي يكتنز يتحول في اليوم التالي – أي في الحياة المستقبلية – إلى
دودة بالنسبة للشخص الذي تسيطر عليه هذه الرغبة الجشعة ونتذكر الدود الذي لا يموت
عندما نسمع هنا عن الدود.

144.
كان الطعام الذي يخزن يظل صالحًا للأكل ولا يفسد فقط في السبت، ومن هذا تعرف أنه
يوجد وقت في حياة الإنسان يجب أن يقوم فيه باختزان الأشياء في الوقت الذي لا يفسد
ما يجمع، وعندما ننتقل من هذه الحياة إلى الراحة بعد الموت، فإن هذا المخزون
ينفعنا. ويسمى اليوم السابق للسبت الاستعداد للسبت، و يرمز هذا اليوم لحياتنا
الحاضرة التي نعد لأنفسنا فيها الأشياء اللازمة لنا في الحياة القادمة.

145.
في تلك الحياة القادمة لن نقوم بأي شيء نعمله في حياتنا الحاضرة، لا زراعة ولا
تجارة ولا خدمة عسكرية ولا أي شيء نعمله في هذا العالم، ولكن نستريح تمامًا من هذه
الأعمال ونحصد ثمار ما زرعناه في حياتنا في العالم، وبعضها غير قابل للفساد. إذا
كانت البذور التي زرعت في الحياة صالحة، وبعضها مهلك ومدمر إذا كانت الزراعة في
هذه الحياة فاسدة، “لأن من يزرع لجسده، فمن الجسد يحصد فسادًا، ومن يزرع
للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية” كما يقول الكتاب (غل 6: 8)[144].

146.
إن ما يسمى الاستعداد هو الاستعداد للأفضل فقط، وهذا ما تؤكده الشريعة. وما يخزن
في هذا الاستعداد لا يفسد، والعكس ليس استعداد ولا يسمى كذلك، فلا يعقل أن يسمي
أحد الحرمان من الخير استعدادًا، ولكنه عدم استعداد، لذلك يطلب الكتاب في تاريخ
موسى من الناس الاستعداد للأفضل، ويترك للأذكياء أن يدركوا العكس دون أن يذكره.

 

الحرب
مع عماليق

147.
في حالة تجنيد الأفراد بالجيش، يوفر قائد الجيش المال أولاً لتجنيدهم ثم يعطي
الإشارة للمعركة. وبنفس الطريقة، فإن جنود الفضيلة يتلقون أموال الأسرار المقدسة،
ويتحركون في المعركة ضد العدو، يقودهم يشوع خليفة موسى.

148.
هل تلاحظ الترتيب الذي يسير عليه الكتاب المقدس؟ طالما كان الإنسان ضعيفًا بسبب
سوء المعاملة من الطاغية الشرير، فإنه لا يستطيع أن يصد العدو بنفسه، فليس لديه
القدرة على ذلك، ويجب أن يحارب شخص آخر بالنيابة عن الضعيف، ويكيل الضربات للعدو
واحدة بعد أخرى. وبعد أن يتحرر من عبودية الظالمين، ويستمتع بالماء العذب المحلى
بالخشبة. ويستريح من تعبه في مكان الراحة بين أشجار النخيل، ويتوصل إلى معرفة سرّ
الصخرة، ويشارك في الطعام السماوي، فإنه لا يحتاج بعد إلى شخص آخر ليصد العدو،
فبعد أن نما وتجاوز حجم الطفل، وأصبح يملك قوة الشباب، فإنه يحارب خصومه بنفسه،
وقائده في الحرب ليس هو موسى خادم الله، بل الله نفسه، فإن الناموس الذي أعطى منذ
البداية كشبه وظل لأمور آتية (عب 8: 5) لا يصلح للحرب في المعارك الحقيقة، ولكن
منفذ الناموس وخليفة موسى هو الذي يعمل كقائدٍ، وقد أعلن عنه مسبقًا بالاسم
المشترك مع القائد الأسبق (يسوع ويشوع).

149.
كان الناس إذا رأوا يدي معطي الناموس مرفوعتين إلى أعلى ينتصرون على العدو في
القتال. ولكن إذا رأوا يديه متدليتين كانوا يتراجعون. ويرمز رفع موسى ليديه إلى
أعلى إلى تأمل الناموس بأفكار عميقة سامية. ويرمز إرخاء يديه نحو الأرض إلى
الأفكار الوضيعة والحرفية في فهم وتطبيق الناموس[145].

150.
كان الكاهن يرفع يدي موسى المتعبتين ومن مساعد من عائلته، وهذا يدخل أيضًا في
تأملنا. فإن الكهنوت الحقيقي يرفع مرة أخرى إلى أعلى قوة الناموس التي هوت إلى
الأرض بسبب ثقل الفهم اليهودي، ويدعم الكهنوت الناموس الساقط إلى أسفل بوضع حجر
تحته، بحيث يظهر الناموس على شكل إنسان بيدين ممدودتين لمن يتطلعون إليه.

151.
في الواقع كل من له قدرة على الإبصار يستطيع أن يدرك أن الناموس يرمز بوجه خاص
لسرّ الصليب. فيقول الإنجيل “لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من
الناموس” (راجع مت 5: 18)، ويعني بهذا الخطين: الرأسي والأفقي للصليب. كان
موسى – الذي يرمز للناموس – عندما يشاهده الناس في وضع الصليب رمزًا وسببًا للنصر.

 

جيل
المعرفة الإلهية

152.
مرة أخرى يرتفع الكتاب المقدس بفهمنا إلى المستويات العليا للفضيلة. فبعد أن اكتسب
الإنسان قوة من الطعام وأظهر قوته في القتال مع أعداءه وانتصر عليهم، فإنه يقاد
إلى معرفة الله التي لا يمكن وصفها أو النطق بها ويعلمنا الكتاب بهذه الأمور طبيعة
وعدد الأشياء التي يجب أن ينجزها الإنسان في الحياة قبل أن يجرؤ على الاقتراب
بفهمه إلى جبل معرفة الله ليسمع صوت الأبواق ويدخل في الظلام حيث يكون الله ليكتب
الألواح بحروف إلهية. وإذا كُسرت هذه الألواح بسبب خطية، يقدم الألواح المصنوعة
باليد إلى الله لينقش عليها بإصبع الله الحروف التي تلفت في اللوحين الأولين.

153.
من الأفضل بعد ذلك- تبعًا للترتيب التاريخي – التوفيق بين ما يشاهد وبين المعنى
الروحي فإن من ينظر إلى موسى وعمود الغمام – وكلاهما يعتبران مرشدين للسائرين في
طريق الفضيلة (يمثل موسى في هذا الموضع الوصايا القانونية – وعمود السحاب المرشد
هو الفهم الصحيح للناموس)، ومن تطهر بعبور الماء ومن قتل الغريب وفصل نفسه عنه،
ومن ذاق مياه مارة (أي الحياة بعيدًا عن المتع) والتي كانت تبدو مرة في بادئ الأمر
ثم صارت عذبة لمن قبلوا الخشبة، والذين تمتعوا بجمال أشجار النخيل والعيون (وهي
ترمز للذين وعظوا بالإنجيل والذين امتلأوا من الماء الحي الذي هو الصخرة). والذين
تلقوا الخبز السماوي، والذين انتصروا على الغرباء، والذين أصبحت يدا معطي الناموس
الممدودتان سبب انتصارهم الذي بشر ورمز لسرّ الصليب، إن هؤلاء هم الذين يتقدمون
بعد ذلك.

154.
إن طريق كل شخص من هؤلاء لهذه المعرفة هو الطهارة، ليس فقط طهارة الجسد الذي يتم
رشه من أوعية تطهير، ولكن أيضًا طهارة الملابس التي تغسل من كل ما يلونها بالماء
(خر 19: 19). ومعنى هذا أن الشخص الذي يقترب من تأمل الله يجب أن يكون طاهرًا في
كل شيء حتى يكون طاهر النفس والجسد، مطهرًا من كل دنس في الاثنين، لكي يبدو طاهرًا
لمن يرى ما هو مخفي، أو تكون هذه الطهارة المرئية مطابقة لحالة النفس الداخلية.

155.
لهذا السبب فإن الملابس تغسل بالأمر الإلهي قبل صعود الجبل، وتمثل الملابس بالنسبة
لنا الحياة الخارجية الطاهرة المحترمة، فلا يمكن أن يقول أحد أن بقعة موجودة على
الملابس تمنع التقدم في الصعود نحو الله، ولكن أعتقد أن الأعمال الظاهرة للإنسان
في الحياة هي “الملابس”[146].

156.
عندما تم هذا وتم طرد الحيوانات إلى أقصى بُعد ممكن عن الجبل، عندئذ اقترب موسى من
الطريق الصاعد إلى المدركات السامية. وفي رأيي أن منع البهائم من الاقتراب من
الجبل يعني أننا عند تأمل المدركات العقلية فإننا نسمو عن المعرفة التي تأتي من
الحواس. فإنه من طبيعة الحيوانات أنها محكومة بالحواس فقط، منفصلة عن الفهم، فإن
السمع والبصر عندها يحفزانها لإثارة الشهوات، كذلك فإن الأشياء الأخرى التي تثير
الإدراك الحسي لها أهمية بالنسبة للحيوانات التي لا عقل لها.

157.
لا نعرف الله بالبصر والسمع، ولا يمكن استيعابه بأي من المدركات العقلية المعتادة،
لأنه لم تره عين ولم تسمع به أذن، ولا تنتمي هذه المعرفة إلى الأشياء التي تخطر
على قلوب البشر (1 كو 2: 9). إن من يقترب من معرفة الأشياء السامية يجب عليه أولاً
أن يطهر طريقة حياته من أي عاطفة حسية غير عقلية، ويجب أن يغسل من فهمه كل رأي
نابع من أهواء وأفكار سابقة، وأن يبتعد عن الأفكار الحسية التي تشبه الرفيق،
وعندما يتطهر بهذا الشكل يمكنه الاقتراب من الجبل.

158.
إن معرفة الله هي جبل شديد الانحدار حقًا وصعب التسلق، ونادرًا ما يصل معظم الناس
إلى قاعدة الجبل، وإذا كان الإنسان مثل موسى، فإنه سيصعد إلى أعلى ويسمع صوت
الأبواق. وتقول القصة (خر 19: 19) أن هذا الصوت كان يزداد ارتفاعًا كلما تقدم
موسى، فإن البشارة ذات الطبيعة الإلهية هي بالفعل صوت بوق يصل إلى المسمع مرتفعًا
في البداية ثم يزداد ارتفاعًا في النهاية.

159.
أعلن الناموس والأنبياء بالأبواق سرّ التجسد، ولكن الأصوات الأولى كانت أضعف من أن
تصل إلى الآذان العاصية. لذلك فإن آذان اليهود الصماء لم تسمع صوت الأبواق. ويقول
النص الكتابي إن الأبواق عندما أصبحت أقرب ارتفع الصوت. ولذلك فإن الأصوات الأخيرة
– التي أتت من خلال بشارة الأناجيل – بلغت إلى آذانهم، حيث أن الروح يصدر أصواتًا
تزداد علوًا ورنينًا مع تعاقب المتحدثين، والأبواق التي تبعث بصوت الروح هي
الأنبياء والرسل الذين يقول المرتل عنهم: “في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى
المسكونة كلماتهم” (مز 19: 5) .

160.
لم تستطع الجموع سماع الصوت الذي من أعلى، ولكنهم اعتمدوا على موسى ليعرف الأسرار
بنفسه ويعلم الناس ما تعلمه من فوق. ويصدق هذا أيضًا على الترتيب في الكنيسة، فلا
يدخل جميع من فيها أنفسهم في معرفة الأسرار، ولكنهم يختارون من بينهم شخصًا يستطيع
سماع الأمور الإلهية، ويصغون بامتنان له، ويثقون فيما يسمعونه من شخص اطلع على
الأسرار الإلهية.

161.
قيل في الكتاب المقدس “ألعل الجميع رسل، ألعل الجميع أنبياء” (1 كو 12:
29)، ففعلاً ليس كل الناس كذلك، ولكن هذا لا يراعي في كثير من الكنائس الآن. فإن
كثيرًا من الناس الذين مازالوا في حاجة إلى التطهر من طريقة حياتهم التي عاشوها،
والذين لم يغتسلوا ومازالوا مليئين بالأقذار على ملابسهم (في حياتهم). ويحمون
أنفسهم بحواسهم غير العقلانية فقط – ثم يقتربون من الجبل الإلهي، فهنا يحدث أن
يُرجموا بحجارة منطقهم وآرائهم لأن آراء الكفر هي في الواقع حجارة تسحق مبتدع
المعتقدات الشريرة[147].

 

في
وسط الظلمة

162.
ماذا يعني دخول موسى في وسط الظلمة، ورؤيته لله فيها (مز 20: 21)؟ هذا يبدو
مناقضًا للرؤية الأول، ففي تلك الرؤية شوهد الإله في النور بينما شوهد الآن في
الظلمة. ولكن يجب ألا نتصور أن هذا يختلف مع سياق تأملنا الروحي، فإن الكتاب
يعلمنا بهذا أن المعرفة الدينية تأتي أولاً إلى الذين يتلقونها كنورٍ، لذلك فإن ما
يناقض الدين (النور) هو ظلام، وللهروب من الظلام يعيش الإنسان في النور، ولكن مع
تقدم العقل وازدياد مثابرته، يتوصل إلى إدراك الحقيقة، عندما يقترب أكثر من
المعرفة، ويرى ما هو غير معروف من الطبيعة الإلهية بشكل أكثر وضوحًا[148].

163.
يترك العقل وراءه كل شيء مرئي ليس فقط ما تدركه الحواس، ولكن أيضًا ما يظن الفكر
أنه يراه ويواصل الاختراق إلى الأعماق، مدفوعًا بالاشتياق الفكري، حتى يصل إلى غير
المرئي والذي لا يدرك، وهناك يرى الله، وهذه هي المعرفة الحقيقية لما يبحث عنه.
هذه هي الرؤية التي لا ترى، لأن ما نبحث عنه تجاوز كل المعرفة، حيث أنه مفصول عنها
من جميع الجوانب بسياج لمنع الإدراك أو الفهم، كأنه نوع من الظلام. وفي ذلك يقول
يوحنا العظيم الذي اخترق الظلام المنير “الله لم يره أحد” (يو 1: 18).
وبهذا يؤكد أن معرفة الجوهر الإلهي لا يمكن التوصل إليها- ليس فقط من جانب البشر
ولكن أيضًا من جانب أي مخلوق مفكر.

164.
لذلك عندما نما موسى في المعرفة، أعلن أنه قد رأى الله في الظلام، أي أنه قد توصل
إلى معرفة أن الأمور الإلهية هي تتجاوز وراء كل المعرفة والإدراك، فيقول النص
“وأما موسى فقد اقترب إلى الضباب حيث كان الله. أي إله هذا؟ هو الذي
“جعل الظلمة سترة حوله” (مز 18: 11) كما يقول داود الذي دخل إلى الأسرار
في نفس المقدس الداخلي[149].

165.
عندما وصل موسى إلى هناك، تعلم من الكلمة الإلهية ما كان قد تعلمه من قبل من
الظلام، لكي يقوي إيماننا بهذا الأمر بشهادة الصوت الإلهي. وتمنع الكلمة الإلهية
في البداية تشبيه الإله بأي من الأشياء المعروفة للبشر (خر 20: 2). حيث أن كل
مفهوم (مدرك) يأتي من صورة مدركة بفهم تقريبي وتخمين للطبيعة الإلهية يشكل وثنًا
على أنه الله، ولا يستعلن الله.

166.
تنقسم الفضيلة الدينية إلى جزئين، جزء يتعلق بالأمور الإلهية وجزء يتعلق بالسلوك
القويم (لأن الحياة الطاهرة هي جزء من الدين). ويتعلم موسى أولاً الأشياء التي يجب
أن يعرفها عن الله (بالتحديد أنه يجب ألا يعزي شيئًا من تلك الأشياء التي يمكن
معرفتها بالإدراك البشري إلى الله) ثم يتعلم بعد ذلك الجانب الآخر للفضيلة، وهو
تعلم الأعمال التي تجعل حياة الفضيلة تصل إلى الكمال.

 

المسكن
السماوي

167.
بعد ذلك يأتي إلى المسكن الذي لم تصنعه يد. من ذا الذي سيتبع من يشق طريقه خلال تلك
الأماكن ويسمو بعقله إلى هذا الارتفاع، الذي يشبه من يصعد من قمة إلى أخرى فيزداد
علوًا؟ أولاً يترك وراءه سفح الجبل وينفصل عن كل من هم أكثر ضعفًا من أن يصعدوا.
وعندما يزداد ارتفاعًا في صعوده يسمع صوت الأبواق وثم يدخل القدس الداخلي للمعرفة
الإلهية، ولا يظل هناك، بل ينتقل إلى المسكن الذي لم تصنعه يد (عب 9: 11) وهذا هو
حقًا الحد الذي يصل إليه من يرتفع في هذا الصعود.

168.
من ناحية أخرى يبدو لي أن البوق السماوي يصبح مرشدًا ومعلمًا للشخص الصاعد وهو في
طريقه إلى المسكن الذي لم تصنعه يد، فإن التناسق العجيب في السماوات يظهر الحكمة
التي تشع في الخلق، وتعلن مجد الله من خلال الأشياء المرئية، كما تقول الآية:
“السماوات تحدث بمجد الله” (مز 19: 1)، إن صوت البوق يصبح هو الصوت
العالي لبوق التعليم الواضح والرنان.

169.
إن الذي تنقى ولديه سمع حاد في قلبه يسمع هذا الصوت (أقصد به معرفة القوة الإلهية
التي تأتي من معرفة الحقيقة) وهو يقوده إلى المكان الذي يسمح فكره له بالدخول إلى
حيث يوجد الله. ويسمي الكتاب المقدس هذا المكان “الضباب” أو
“الظلمة” (خر 20: 21) والتي تعني- كما قلت- المجهول وغير المرئي وعندما
يصل إلى هناك يرى ذلك المسكن الذي لم تصنعه يد، والذي يريه للناس أسفل الجبل من
خلال شبيه مادي له (خر 25-27).

170.
ما هو ذلك المسكن الذي لم تصنعه يد، والذي أظهر لموسى على الجبل وأمره الله أن
يأخذه كنموذج لكي يصنع مثيلاً يدويًا له؟ يقول الله: “وأنظر فاصنعها على
مثالها الذي أظهر لك في الجبل” (خر 25: 40). كانت هناك أعمدة ذهبية قائمة على
قواعد من الفضة ومزينة برؤوس فضية مماثلة، كما كانت هناك أعمدة أخرى من رؤوس
وقواعد من البرونز (النحاس) ولكن قضبانها من فضه. وكان قلب كل الأعمدة من خشب لا
يسوس. وفي كل أرجاء المكان كان يسطع بريق هذه المعادن الثمينة.

171.
وبالمثل كان هناك تابوت من الخشب الذي لا يسوس، مغطى بذهب نقي لامع. وبالإضافة إلى
ذلك كانت هناك منارة بقاعدة واحدة مقسمة في أعلاها إلى سبعة سرج (فروع)، وكانت
المنارة من الذهب الصافي وليست من الخشب المغطى بالذهب. وكذلك كان هناك مذبح وغطاء
(بساط الرحمة) وفوقه الكاروبان اللذان تغطي أجنحتهما التابوت (عب 9: 5). وكانت كل
هذه من الذهب، ليس فقط مظهر خارجي للذهب، ولكن ذهب خالص.

172.
كانت هناك أيضًا ستائر منسوجة بفنٍ من ألوان مختلفة، منسوجة معًا بحيث تنتج نسيجًا
جميلاً، وكانت الستائر تفصل المسكن إلى جزئين: جزء مرئي ويمكن لكهنة معينين دخوله،
وجزء أخر سري ولا يمكن دخوله وكان اسم الجزء الأمامي (الذي يمكن دخوله) القدس،
والجزء المخفي “قدس الأقداس” وكانت هناك مغاسل ومجامر وأستار معلقة حول
الفناء الخارجي وستائر من الشعر والجلد مصبوغة باللون الأحمر وجميع الأشياء الأخرى
الوارد وصفها في النص. أي كلمات تستطيع أن تصف كل هذا بدقة؟

173.
ما هي الأشياء غير المصنوعة بيد التي كانت كل هذه ترمز إليها؟ وما هي فائدة
التقليد المادي للأشياء التي رآها موسى في أعلى الجبل بالنسبة لمن يشاهدون الأشياء
المقلدة، أستسحن أن أترك المعنى الدقيق لهذه الأشياء للذين يهبهم الروح القوة
“لفحص أعماق الله” (1 كو 2: 10)، لشخص يستطيع – كما يقول الرسول – أن
يتكلم بأسرار بالروح. سنترك ما نقوله بالتخمين والافتراض حول هذا الموضوع لحكم
قرائنا، فإن فكرهم الناقد يمكن أن يقرر إذا ما كان سيرفضه أو يقبله.

174.
كشف بولس الرسول – جزئيًا – سرّ هذه الأشياء، ومن اللمحات التي ذكرها يمكننا أن
نقول إن الله قد أعلم موسى – عن طريق نموذج – بسرّ المسكن الذي يستوعب الكون. كان
هذا المسكن هو المسيح “قوة الله وحكمة الله” (1 كو 1: 24)، الذي بطبيعته
لم يُصنع بيدٍ، ولكن كان يمكن أن يُصنع عندما تدعو الضرورة لإقامة هذا المسكن
بيننا. وهكذا فإن نفس هذا المسكن هو مصنوع وغير مصنوع، لم يُخلق فيما قبل الوجود
(بكونه الابن الإزلي)، لكنه خُلق (جسده) عندما ظهر بهذا التكوين المادي.

175.
ما نقوله ليس غامضًا بالطبع لمن تلقوا سرّ إيماننا بدقة. فإن هناك شيء واحد فقط من
بين كل الأشياء كان يوجد قبل الزمان ثم أتى إلى الوجود في نهاية الأزمنة (كو 1:
17). كان لا يحتاج بداية زمنية (إذ كيف يحتاج من كان قبل كل الأزمنة والعصور إلى
أصل زمني؟) ولكن من أجلنا نحن، الذين كنا قد فقدنا وجودنا نتيجة لانعدام التفكير
لدينا، وافق على أن يولد مثلنا لكي يرد الذين تركوا الحقيقة مرة ثانية إلى
الحقيقة. هذا هو الإله الوحيد المولود الذي يجمع كل شيء في نفسه، لكنه أيضًا أقام
مسكنه في وسطنا (يو 1: 14).

176.
إذا سمينا الإله “مسكنًا” فإن هذا يجب ألا يزعج أي شخص محب للمسيح أو
يجد في هذه الفكرة تقليلاً من عظمة طبيعة الله. فليس هناك أي أسم أخر جدير بهذه
الطبيعة، فإن جميع الأسماء تعجز عن الوصف الدقيق لطبيعة الله، سواء تلك التي يوجد
فيها بعض العمق أو التي تعتبر غير مناسبة.

177.
تستخدم كل الأسماء الأخرى التي تصف طبيعة الله بخشوعٍ وتدينٍ للتعبير عن القوة
الإلهية: الطبيب، الراعي، الحارس، الخبز، الكرم، الطريق، الباب، الماء، الصخرة،
الينبوع، وأي أوصاف أخرى مماثله. وبنفس الطريقة نسمي الله “المسكن”، فإن
القوة التي تحيط بالكون كله، هي “الذي يحل فيه كل ملء اللاهوت” (كو 2:
9) حامي الجميع، الذي يضم كل شيء فيه، ولذا يسمى بحق “المسكن”.

178.
يجب أن تتناسب الرؤية مع اسم “المسكن” بحيث يؤدي كل شيء يشاهد إلى إدراك
مفهوم يليق بالله. ويقول الرسول العظيم أن حجاب المسكن الأسفل (الأرضي) هو جسد
المسيح (عب 10: 20)، واعتقد أنه يقول ذلك لأنه يكون من ألوان مختلفة، من العناصر
الأربعة وبدون شك فقد رأى بولس الرسول بنفسه رؤية للمسكن عندما دخل القدس الذي في
السماوات العليا حيث كشف له الروح (2 كو 12: 4) أسرار الفردوس لذا يحسن عند تأمل
التفسير الجزئي أن نطبق عليه التأمل الكلي للمسكن.

179.
يمكننا من نفس كلمات الرسول أن نكون صورة واضحة للصور المتعلقة بالمسكن، فإنه يقول
عن الابن الوحيد المولود الذي يرمز إليه بالمسكن “فإنه فيه خلق الكل ما في
السماوات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشًا أم سيادات أم
رياسات أم سلاطين (كو 1: 16) أو قوات. إذًا فإن الأعمدة التي تلمع بالذهب والفضة
وكذلك العوارض الحاملة والحلقات والكاروبين اللذين يظللان التابوت بأجنحتهما وكل
الأشياء الأخرى الموجودة في الوصف الخاص بإنشاء المسكن – إذا رفعنا نظرنا إلى أعلى
إلى الأمور السماوية، فإننا ندرك أن هذه هي القوى السماوية المرموز لها في المسكن
والتي تدعم الكون طبقًا للإرادة الإلهية.

180.
إن هذه الأشياء هي الأعمدة الحقيقية التي تسندنا، “مرسلة للخدمة لأجل
العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب 1: 14) وهي تدخل في أرواح من يتم إنقاذهم
كأنها تدخل في “الحلقات”، وترفع الراقدين على الأرض إلى سمو الفضيلة.
وعندما يخبرنا النص أن الكاروبين يغطيان أسرار التابوت بجناحيهما فإنه يؤكد
مفهومنا للمسكن. فقد تعلمنا أن “الكاروبيم” هو اسم القوات التي نراها
حول الطبيعة الإلهية. والتي رآها إشعياء وحرقيال (اش 6: 2؛ حز 5: 4 ؛ 10: 1 الخ)

181.
ليس تابوت العهد المغطى بأجنحة الكاروبيم غريبًا على سمعك، فإن هذا موجود في سفر
إشعياء، الذي يتكلم بصور عن الأجنحة، ويسمى نفس الشيء “تابوت العهد” في
موضع، و”الوجه” في موضع آخر، وفي الموضع الأول التابوت مغطى بأجنحة، وفي
الثاني الوجه مغطى بأجنحة، فكأن الذي يرى في الموضعين هو شيء واحد، مما يوحي لي
باستحالة إدراك الأسرار التي لا يُنطق بها. وعندما تسمع عن المنارة ذات الأفرع
الكثيرة الخارجة من أصلٍ واحدٍ، وتلقي بضوءٍ ساطعٍ في كل المكان حولها، فإنك
ستستنتج – وأنت على حق – أن هذه هي الأشعة المختلفة للروح، التي تسطع ببريق في هذا
المسكن. وهذا هو ما يتحدث عنه إشعياء عندما يقسم أنوار الروح إلى سبعة (رؤ 4: 5
وزك 4: 2)

182.
إن غطاء التابوت (أو عرش الرحمة) لا يحتاج في نظري إلى تفسير، فإن الرسول قد أوضح
ما هو مخفي حين قال “الذي قدمه الله كفارة” لأرواحنا (رو 3: 25). وعندما
أسمع عن مذبح الذبائح ومذبح البخور فإني أفهم التسبيح الذي يقوم باستمرارٍ من
القوات السمائية في هذا المسكن، فإن من في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض
يسبحون من هو بداية كل شيء (في 2: 10)، وهذه هي الذبيحة التي يسر بها الله – كما
يقول الرسول – “ذبيحة التسبيح، ثمر شفاه معترفة باسمه” جامات من ذهب
مملوءة بخورًا هي صلوات القديسين (عب 13: 15؛ رؤ 5: 8).

183.
وحتى عندما نرى الجلد مصبوغًا باللون الأحمر والشعر منسوجًا (خر 25: 4 و5)، فإن
تسلسل الصورة الرمزية لا ينقطع بهذا، فإن عين النبي التي توصلت إلى رؤية الأمور الإلهية
قد شاهدت تنبؤًا بإنقاذ البشرية من خلال عاطفة الحب المتقذة، ويرمز اللون الأحمر
إلى الدم، كما يرمز الشعر إلى الموت، فالشعر على الجسم لا يحس، ولذلك فهو رمز
للموت.

 

المسكن
الأرضي

184.
كلما نظر النبي إلى المسكن السمائي الذي فوق، رأى الحقائق السماوية من خلال هذه
الرموز، ولكن إذا نظر الإنسان إلى المسكن الذي في الأسفل (يسمي بولس الرسول
الكنيسة “المسيح” في مواضع كثيرة) فإنه يجب أن يعتبر أن الأسماء
“رسل – معلمين – أنبياء” تشير إلى خدام السرّ الإلهي الذين يسميهم
الكتاب المقدس أيضًا أعمدة الكنيسة (1 كو 12: 28 الخ). فليس بطرس ويوحنا ويعقوب
فقط أعمدة الكنيسة، ولم يكن يوحنا المعمدان فقط هو “السراج الموقد
المنير” (يو 9: 35)، ولكن كل من ساندوا الكنيسة وبأعمالهم الصالحة صاروا
“أنوارًا في العالم” (في 2: 15) يسمون “أعمدة” و”أنوارًا”.
ويقول رب الرسل لهم: “أنتم نور العالم” (مت 5: 14). مرة أخرى يدعو
الرسول الآخرين أن يكونوا أعمدة بقوله: “كونوا راسخين غير متزعزعين” (1
كو 15: 58)، وجعل من تيموثاوس عمودًا متميزًا، حين جعله كما قال: “عمود الحق
وقاعدته” (1 تي 3: 15).

185.
في هذا المسكن تقدم ذبيحة التسبيح وبخور الصلوات باستمرار في الصباح والمساء. وقد
جعلنا داود العظيم ندرك هذه الأشياء عندما قال: “لتستقم صلاتي كالبخور قدامك،
وليكن رفع يدي كذبيحة مسائية” (مز 141: 2). وعندما نسمع عن مرحضة الاغتسال
فبلا شك سنرى أنها ترمز لمن يغسلون أدران الخطايا بالماء المقدس. كان يوحنا المعمدان
يغسل الناس في الأردن بمعمودية التوبة (يو 1: 4-5)، مثلما كان بطرس الذي قاد ثلاثة
آلاف مرة واحدة إلى الماء (أع 2: 41)، وكذلك كان فيلبس مع وزير كنداكة (أع 8: 27
الخ)، وكل من يقدمون النعمة هم كمرحضة الاغتسال لمن يشاركون في العطية المجانية.

186.
ترمز الساحات المترابطة للدار المحيطة بالخيمة إلى التفاهم والمحبة والسلام بين
المؤمنين ويفسرها داود بهذه الطريقة عندما يقول: “الذي يجعل تخومك
سلامًا” (مز 147: 14).

187.
يرمز الجلد المصبوغ باللون الأحمر وأغطية الخيمة المصنوعة من الشعر – والتي تزين
الخيمة – إلى إماتة الجسد الخاطئ (الجلد المصبوغ باللون الأحمر) وحياة النسك، وهما
ما يجَّمل مسكن الكنيسة بوجه خاص، ولا تملك هذه الجلود قوة حيوية في حد ذاتها بحكم
الطبيعة، ولكنها تصبح ذات لون أحمر زاهٍ بسبب الصبغة الحمراء. ويعلمنا هذا أن
النعمة – التي تزدهر من خلال الروح – لا توجد في الناس إلا إذا ماتوا أولاً عن
الخطية. وبالنسبة لما إذا كان الكتاب المقدس يعني بالصبغة الحمراء التواضع العفيف،
سأترك الحكم على هذا لمن يرغب. أما الشعر المنسوج الذي كان ينتج نسيجًا خشنًا صعب
اللمس، فإن هذا يرمز للتحكم في النفس الذي يُعد قاسيًا، ويوقف العواطف والشهوات
المعتادة. ويظهر كل هذا في حياة البتولية، التي تهذب أجساد من يعيشونها (1 كو 9:
27).

188.
إذا كان لا يمكن لجموع الشعب دخول الجزء الداخلي من الخيمة – قدس الأقداس -، فإن
هذا لا يتعارض مع الصورة التي تأملناها. فإن حقيقة الحقيقة هي حقًا شيء مقدس، قدس
أقداس، ولا يمكن للجموع فهمها أو التوصل إليها. ويجب عدم التدخل في أمور معرفة
الحقائق التي تتجاوز الفهم البشري، حيث أنها توجد في المناطق السرية وغير المنظورة
من مسكن الأسرار، وبدلاً من ذلك على الإنسان أن يؤمن بأن ما يبحث عنه موجود، ولكنه
ليس منظورًا للجميع، بل هو في المناطق السرية وغير المنظورة من الفكر.

 

ملابس
الكهنوت

189.
بعد أن تلقى موسى التعليمات عن هذه الأمور وغيرها من خلال رؤيا الخيمة، وبعد أن
تطهرت وسمت عين النفس لديه بهذه المناظر، ارتفع مرة ثانية إلى سمو مفاهيم أخرى
عندما تلقى تعليمات عن ملابس الكهنوت، ومنها الجبة والأفود والصورة التي تبرق
بأشعة مختلفة من الأحجار الكريمة والعمامة للرأس وعليها صفيحة من ذهب والسراويل
والرمانات والأجراس، وفوق كل هذا الأوريم والتميم، وهما التعقل والعقيدة (والحق
الذي يتميز فيهما) والكتفان المربوطان من الجانبين والمثبتين بأسماء الآباء.

190.
إن أسماء الملابس نفسها تجعل معظم الناس لا يدركون تفاصيلها بدقة. فأي ملابس مادية
هذه التي يمكن تسميتها العقلانية والعقيدة والصدق؟ ولكن الواقع أن بعض هذه الأسماء
تصور بوضوح أن الكتاب المقدس لا يقصد الملابس المادية، ولكن زينة معينة للنفس
منسوجة بالأعمال الفاضلة.

191.
لون الجبة أزرق وقد حضر بعض من تأملوا هذا النص من قبل اللون على أنه يعني
الهواء[150]، وأنا لا أجد شيئًا مشتركًا بين هذا اللون ولون الهواء، ولكن لا أرفض
تفسيرهم وهذه الفكرة تؤدي إلى تفكير في الفضيلة، لأنها تتطلب ممن يريد أن يكون
كاهنًا لله أن يحضر جسده إلى المذبح كقربان. ليس بأن يموت، بل أن يصبح ذبيحة حية
مقدسة مرضية عند الله بالعبادة العقلية (رو 12: 1-2). ولا يجب أن يثقل على نفسه
بملابس الحياة الجسدية الثقيلة، ولكن بحياته الطاهرة يجعل كل أعمال حياته ومساعيه
خفيفة كخيوط العنكبوت، وعلينا أن نعيد نسج طبيعتنا البشرية الجسدية بحيث نكون
خفيفي الوزن مثل الهواء، لكي عندما نسمع صوت البوق الأخير، نكون بلا وزن ونستجيب
بسرعة لصوت الله الذي يدعونا، فنرتفع إلى أعلى في الهواء لنكون مع الرب (1 تس 4:
17) ولا يجذبنا أي شيء ثقيل نحو الأرض. والإنسان الذي يتمثل بداود النبي
“ويفنى مثل العث مشتهى نفسه” (مز 39: 11)، يكون قد ارتدى تلك الجبة
الهوائية التي تمتد من رأسه حتى قدميه، لأن الناموس لا يريد أن يكون ثوب الفضيلة
قصيرًا (بل تكون الفضائل كاملة).

192.
تمثل الأجراس الذهبية (الجلاجل) التي كانت توضع بالتبادل مع الرمانات بريق الأعمال
الصالحة، وهي تمثل الطريقين اللذين من خلالهما تُكتسب الفضيلة: الإيمان بالإلهيات
والضمير الصالح في الحياة. يضيف بولس الرسول هذه الرمانات والجلاجل إلى رداء
تيموثاوس حين يقول إنه يجب أن يكون لديه إيمان وضمير صالح (1 تي 1: 19). إذًا لندع
الإيمان يرن بصوت نقي ومرتفع كالجلاجل في تعليم الثالوث القدوس، ولتكن الحياة في
طبيعتها مثل ثمر الرمان.

193.
لأن الرمانة مغطاة بقشرة جامدة ومرّة، فإن هذه القشرة الخارجية غير صالحة للأكل،
ولكن الداخل جميل المنظر، وبه بذور منسقة بعناية، وطعمه حلو. وهكذا حياة الفلسفة
(الحكمة الروحية)، تبدو من الخارج جافة وغير مبهجة، ولكن عندما تنضج تكون مليئة
بالآمال الطيبة. وعندما يفتح البستاني (الله) رمانة الحياة في الوقت المناسب ويظهر
جمالها المخفي، فإن الذين يذوقونها يستمتعون بحلاوتها. ويقول بولس الرسول:
“وأي تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن (أي أول انطباع عن الرمان
بالنسبة لقشرته)، أما أخيرًا فيعطي الذين يتدربون به ثمر برّ السلام” (عب 12:
11) (حلاوة الثمرة من الداخل).

194.
يأمر الكتاب المقدس بعمل حواشي (شرابات) للجبة. وحواشي الجبة هي دلايات مستديرة
ليس هناك هدف منها سوى الزينة فقط. نتعلم من هذا أن الفضيلة يجب ألا تقاس بما هو
مطلوب فقط، وإنما يجب أن نكتشف شيئًا إضافيًا نزيده بمجهودنا الخاص لكي نضيف زينة
إضافية للملابس. وهكذا فعل بولس الذي أضاف هذه الحواشي الجميلة إلى الوصايا. ففي
حين يأمر الناموس بأن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون، والذين
ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون (1 كو 9: 13، 14)، فإن بولس يقدم الإنجيل
مجانًا (كو 9: 18؛ 2 كو 11: 7)، وكان هو نفسه “يجوع ويعطش ويُعرى” (1 كو
4: 11). هذه هي الحواشي (الدلايات) الجميلة التي تزين رداء (جبة) الوصايا عندما
تضاف إليها.

195.
كانت تلبس فوق الجبة قطعتان من القماش تصلان من الكتفين إلى الصدر وفي الظهر إلى
أسفل وتوصلان ببعضهما بمشبك على كل كتف. وكانت المشابك عبارة عن حجارة كريمة منقوش
عليها أسماء ستة من الآباء على كل حجر. وكانت الأقمشة منسوجة من ألوان كثيرة،
إسمانجوني مع أرجواني وقرمزي مع كتان، وكانت خيوط الذهب متداخلة في كل هذه، فينتج
عن مزج الألوان المختلفة جمال فريد أخاذ.

196.
نتعلم من هذا أن الجزء العلوي من الرداء الخارجي، الذي هو رمز لزينة القلب، يتكون
من فضائل كثيرة متنوعة. فاللون البنفسجي منسوج مع الأرجواني، لأن الملوكية ترتبط
بطهارة القلب. ويمتزج القرمزي مع الكتان، لأن سمة الحياة المضيئة النقية تمتزج
باحمرار التواضع (الحياء). ويرمز الذهب الذي يعطي البريق لهذه الألوان إلى الكنز
المختزن لهذه الحياة النقية، كما أن أسماء الآباء المنقوشة على الكتفين تسهم
إسهامًا عظيمًا في الزينة التي نتزين بها، فإن حياة الناس تتحلى بالقدوة الصالحة
لمن سبقوا من الرجال الصالحين.

197.
بالإضافة إلى ذلك، هناك زينة أخرى تلبس فوق هذه الملابس الجميلة، فكانت توجد حليات
صغيرة تشبه الدروع مدلاة من كلا الكتفين وتمسك بشيءٍ ذي أربعة أركان من الذهب
(صدرة)، يزيد من بريقه اثنا عشر حجرًا مرصعة في صفوف. توجد أربعة صفوف، بكل منها
ثلاثة أحجار، لم يكن هناك اثنان متشابهان، ولكن كل منها يحمل بريقه الخاص به.

198.
هذا هو المظهر الخارجي للحلية، وهذا هو معناها: ترمز الحليات المدلاة من الكتفين
التي على شكل دروع إلى الطبيعة المزدوجة لتسلحنا ضد العدو. وكما أسلفت، يوجد شقان
لحياة الفضيلة: الإيمان والضمير الصالح في الحياة، ولذلك فإننا نؤَّمن أنفسنا من
هاتين الناحيتين في حماية الدروع، وننقي أنفسنا من جروح سهام العدو “بسلاح
البرّ لليمين ولليسار” (2 كو 6: 7).

199.
الحلية ذات الأربعة أركان (الصدرة) المدلاة من حليتي الكتفين والتي كان عليها
حجارة كريمة منقوش عليها أسماء آباء الأسباط تحمي القلب. ويعلمنا الكتاب المقدس في
هذه الصورة الرمزية أن من يصد سهام الشرير باستخدام هذين الدرعين يحلي نفسه بجميع
فضائل الآباء، لأن كل حجر يسطع ببريقه الخاص على قماش الفضيلة، ولنأخذ الصورة
المربعة على أنها رمز للثبات في الخير، لأن مثل هذا الشكل من الصعب تحريكه، حيث
أنه مثبت من الأربعة أركان بالتساوي.

200.
تُعلمنا الأربطة التي تُشد بها هذه الحليات للذراعين عن الحياة الأسمى، وبالتحديد
أن الفلسفة العملية يجب أن ترتبط بالفلسفة التأمُلية، فيصبح القلب رمزًا للتأمل
والذراعين للأعمال.

201.
ترمز الرأس المزينة بالإكليل للتاج المُعد للذين عاشوا حياة صالحة. ويُجمل هذا
التاج بنقش لحروف غير منظورة على صفيحة من الذهب. ومن يرتدي هذه الحلي لا يلبس
نعالاً، حتى لا يتعطل في السباق وتعوقه الأغطية القديمة المصنوعة من الجلود الميتة
(كما ذكرنا في التأمل عن الجبل). فلا يمكن أن يكون النعل زينة للقدم وهو يُخلع عند
بداية التكريس، إذ يعوق الصعود.

 

اللوحان
الحجريان (لوحا الشهادة)

202.
مَنْ تقدم في الصعود حتى هذا الحد الذي وصلنا إليه في تأملنا، يحمل في يديه
اللوحين المكتوبين بواسطة الله، والمحتويين على ناموس الله. ولكنهما ينكسران، إذ
تحطمهما المقاومة القاسية من الخطاة. كانت خطية هؤلاء الخطاة هي أنهم صنعوا وثنًا
في صورة عجل ليعبدوه. سحق موسى العجل، وذراه في الماء، وشرب الذين أخطأوا، وهكذا
قضى تمامًا على المادة التي استخدمها الناس في إنكار الله.

203.
في هذه الواقعة يتنبأ الكتاب المقدس بما حدث في أيامنا هذه، فإن خطية عبادة
الأوثان قد اختفت تمامًا من الحياة وابتلعتها الأفواه التقية التي تقضي على إنكار
الله بالاعتراف الحسن (1 تي 6: 13)، وبالنسبة للأسرار والعبادات التي أسسها
الوثنيون قديمًا، فقد ذابت وتحولت إلى ماءٍ جارٍ تشربه نفس الأفواه التي كانت في
وقتٍ ما مجنونة بالوثنية. وعندما نرى هؤلاء الناس الذين كانوا ينحنون من قبل لهذه
الأوثان يدمرون ما كانوا يؤمنون به، ألا نرى التاريخ يصيح قائلاً إن كل وثنٍ
ستبتلعه أفواه الذين يتوبون عن خطيتهم ويعودون إلى الدين الحقيقي؟

204.
سلّح موسى اللاويين ليقتلوا مواطنيهم، وعبروا المحلة من أولها إلى آخرها يقتلون
بدون أسئلة، كانت سيوفهم تجد ضحاياها، وقتل كل مَنْ قابلوه، دون تمييز بين عدو
وصديق، بين غريب وقريب، أو بين غريبٍ وذي قرابة (كان القتل بضربة واحدة للجميع)،
وكانت الضربة تقع بنفس الهمة على كل مَنْ يقابلونه (خر 32: 27).

205.
من هذا الوصف نتعلم الدرس النافع التالي: حيث اتفق الإسرائيليون جميعًا على الشر،
وشاركوا جميعًا فيه، لذلك حلت عليهم الضربات بلا تفرقة. ويشبه هذا شخصًا يعاقب
شخصًا آخر ضُبط متلبسًا بعملٍ شريرٍ، وذلك بجلده، ويمزق أي جزء من جسمه يقع عليه
السوط، عالمًا أن الألم الذي يحل بجزء يمتد خلال الجسم كله. ويحدث نفس الشيءٍ
عندما يُعاقب الجسم كله لاتحاده في الشر، فإن الضربة التي تقع على الجزء تؤدب
الكل.

206.
لذلك فإذا رأى أحد في أي وقت الشر في أشخاص كثيرين، ولكن غضب الله لا يحل على
الجميع، وإنما على البعض فقط، يجب أن يُدرك أن التأديب يُطبق بحبٍ على الجنس
البشري. فإن الضربات لا تحل على الجميع، ولكن الضربات التي تحل على البعض تؤدب
الجميع ليرجعوا عن الشر.

207.
يخص هذا الفهم القصة حرفيًا، ولكن المعنى الحرفي يفيدنا من الناحية التالية: يقول
مُعطي الناموس في نداء عام للجميع: “من للرب فإليّ” (خر 32: 26). كأن
موسى يأمر الجميع: “إذا أراد أحد أن يكون صديقًا لله، فليكن صديقًا لي؛ أنا
الناموس”. (ذلك لأن صديق الناموس هو بالتأكيد صديق لله). وأمر موسى الذين
تجمعوا على النداء، أن يستخدموا السيف ضد إخوتهم وأصدقائهم وأقربائهم.

208.
عندما نتأمل في هذه النقطة ندرك أن كل شخصٍ يتطلع إلى الله وإلى الناموس، يتطهر
بموت عاداته السيئة. فليس كل مَنْ يسميه الكتاب المقدس أخًا أو صديقًا أو قريبًا
يقصد به المعنى الطيب للكلمة. ويمكن أن يكون لنفس الشخص أخ وغريب، وصديق وعدو،
وقريب وخصم. ويرمز هؤلاء لأفكارنا الداخلية التي تشبه أشخاصًا تسبب حياتهم الموت
لنا، ويسبب موتهم حياتنا.

هرون
كأخٍ لموسى يقتل الطغاة المصريين، ويصنع الوثن للإسرائيليين

209.
يتفق هذا المفهوم مع دراستنا السابقة لهرون، فعندما قابل موسى رأينا الملاك كنصيرٍ
ومُساعدٍ تعاون في الضربات ضد المصريين. ويُنظر لهرون على أنه أكبر من موسى حيث أن
الطبيعة الملائكية وغير المنظورة قد خُلقت قبل طبيعتنا، ولكن من الواضح أنه أخ
بحكم صلة طبيعته الفكرية بطبيعتنا.

210.
مع وجود تناقضٍ في هذا الشأن (إذ كيف يمكن النظر بنظرة طيبة لمقابلة موسى لهرون
الذي أصبح خادمًا للإسرائيليين في عمل الوثن؟) إلا أن الكتاب المقدس يشير هنا –
بشكلٍ محدودٍ – إلى المعنى المزدوج للأخوة، فإن كلمة “أخ” لا تعني نفس
المعنى، وإنما يمكن أن تعني معنى معينًا وعكسه. فهنا نرى هرون مرة كأخ لموسى يقتل
الطغاة المصريين، ومرة أخرى يصنع الوثن للإسرائيليين، وفي الحالتين هو نفسه هرون
الأخ.

211.
عندما أمر موسى بشهر السيوف على الإخوة، كان يقصد هذا النوع من الإخوة: ويفرض موسى
على نفسه بوضوح ما يطلبه من الآخرين. وبالنسبة للإنسان فإن بقتله الخطية يقتل أخاه
الشرير، وكل مَنْ يقضي على الشر الذي يضعه فيه عدو الخير بقتل الأخ أو الملاك
الشرير الذي يعيش داخله عن طريق الخطية.

212.
سنورد مزيدًا من التفاصيل حول تأملنا لزيادة التأكيد. يورد الكتاب أنه بُناء على
أمر هرون خلع الشعب أقراطهم التي صنع منها الوثن. ماذا يمكن أن نقول عن هذا؟ لقد
زيّن موسى آذان الإسرائيليين بحلي هي الناموس، ولكن الأخ الزائف ارتكب خطية
المعصية وخلع الأقراط التي في آذانهم وصنع بها تمثالاً.

213.
عند بدء دخول الخطية للعالم (تك 3: 1 الخ) وُجدت نصيحة الحية بعدم إطاعة وصية
الله، ونتج عن ذلك وضع مماثل لخلع الأقراط. كان أول البشر (آدم وحواء) يعتبران
الحية صديقًا وجارًا، ونصحتهما بتعدي الوصية الإلهيّة، حيث يكون ذلك نافعًا لهما.
كأن الحية كانت تنصحهما بنزع قرط الوصية من آذانهما. ولذلك فإن مَنْ يقتل مثل
هؤلاء الأخوة والأصدقاء والأقرباء الأشرار سيسمع من الناموس العبارة التي قالها
موسى للذين قتلوا هؤلاء الأشرار: “املأوا أيديكم اليوم للرب حتى كل واحد
بابنه وبأخيه فيعطيكم اليوم بركة” (خر 32: 29).

كيف
استعاد موسى اللوحين الذين كتب عليهما الله الناموس الإلهي؟

214.
حان الوقت لنلفت الانتباه إلى أولئك الذين أسلموا أنفسهم للخطية، لنعرف كيف استعاد
موسى اللوحين الذين كتب عليهما الله الناموس الإلهي، واللذين سقطا من يد موسى إلى
الأرض، وانكسرا بفعل السقوط. لم يكن اللوحان الجديدان مطابقين تمامًا للذين
انكسرا، ولكن كانت الكتابة هي نفسها. فبعد أن صنع موسى اللوحين من مواد أرضية،
أسلمهما لقوة الإله لينقش ناموسه عليهما، وهكذا فإنه كان يحمل في يده حجارة، ولكنه
استعاد النعمة حيث أن الله نفسه نقش الكلمات على الحجارة.

215.
يمكن من هذه الأحداث إدراك الاهتمام الإلهي بنا. فإذا كان بولس الرسول يدعو
اللوحين “قلوبًا” (2 كو 3: 3)، أي أهم جزء في النفس، ويقول “الروح
يفحص كل شيء، حتى أعماق الله” (1 كو 2: 10) يمكننا أن نعلم من هذا أن الطبيعة
البشرية كانت في بدايتها كانت غير مكسورة وتتمتع بالخلود. وحيث كانت الطبيعة
البشرية مشَّكلة بيد الإله ومجَّملة بحروف الناموس غير المكتوبة، كان قصد الناموس
هو أن يبعد طبيعتنا عن الشر، وتكرم الإله.

 

اللوحان
والتجسد الإلهي

216.
عندما وصل صوت الخطية إلى آذاننا – ذلك الصوت يسميه سفر التكوين “صوت
الحية” (تك 3: 4)، ولكن يسميه الكتاب في قصة اللوحين “صوت غناء
مخمور” (خر 32: 18 الخ) سقط اللوحان على الأرض وتحطما. لكن معطي الناموس
الحقيقي – الذي كان موسى رمزًا له – صنع لنفسه لوحين بطبيعة بشرية من أرضنا. لم
يأتي جسده الذي استقبل الله من زواجٍ، بل كان هو قاطع الأحجار لجسده، الذي نقشه
إصبع الله، لأن الروح القدس حلّ على العذراء وظللتها قوة العلي (لو 1: 35). وعندما
حدث هذا استعادت طبيعتنا الخلود واكتسبته من خلال الحروف التي كتبها إصبع الله.
ويسمى الروح القدس “إصبعًا” في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس. (لو 11:
20؛ مت 12: 28؛ خر 8: 19؛ تث 9: 10).

217.
تحول موسى إلى نوعٍ من المجد لا يمكن لعين مخلوق النظر إليه (خر 32: 29).
وبالتأكيد فإن من تعلموا السرّ الإلهي لإيماننا يرون كيف يتفق المعنى الروحي لهذا
مع الوصف الحرفي. فعندما رد المخلص لوح طبيعتنا المكسور إلى جماله الأصلي – بواسطة
إصبع الله – فإن عيون غير المستحقين لم تعد قادرة على النظر إليه، وأصبح هذا
المخلص غير منظور لهم في بهائه الذي لا نظير له.

218.
لأنه كما يقول الإنجيل “ومتى جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة
القديسين معه” (مت 25: 31) حينئذ بالكاد يستطيع الأتقياء أن يتحملوا النظر
إليه، أما غير الأتقياء ومن يتبعون الهرطقة اليهودية (الأريوسية) فلن يكون لهم
نصيب في رؤيته، لأن الشرير كما يقول إشعياء: “لا يرى جلال الرب” (إش 26:
10).

 

التقدم
المستمر

219.
لنرجع إلى موضوعنا، كيف يطلب شخص أن يظهر له الله (خر 33: 18)، وقد رأى الله بوضوح
في مثل هذه الظهورات الإلهية – وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه (خر 33: 11)، كأن
موسى لم يبلغ بعد إلى ما يقول الكتاب أنه توصل إليه؟

220.
استجاب الصوت السماوي لطلب الملتمس (موسى)، ولم يمنع عنه هذه النعمة الإضافية،
لكنه يدفعه مرة أخرى إلى اليأس عندما يؤكد له أن ما يسعى إليه (رؤية الله) لا
يُمكن استيعابه في حياة البشر. ولكن الله يقول أنه يوجد عنده مكان حيث توجد صخرة
بها نقرة (فتحة) يأمر الله موسى أن يدخلها (خر 33: 21)، ووضع الله يده على الفتحة،
ونادى على موسى أثناء اجتياز مجد الله، وبعد اجتياز مجد الله خرج موسى من الفتحة
ونظر، فرأى الله من الخلف (خر 33: 23). بهذا اعتقد أنه رأى ما كان يسعى إليه ولم
يخلف الله وعده.

221.
لن تساعد النظرة الحرفية لهذه الأمور من يبحثون عن الله، بل تجعل فهمهم غير واضحٍ.
فإن كلمتي “الأمام” و”الخلف” تنتميان إلى الأشياء التي لها
شكل مرئي فقط، وكل شكل يحدد جسمًا. ومن الخطأ النظر إلى لله على أن له شكل، لأنه
لا تنطبق عليه الطبيعة الجسدية، ومن الحقائق الثابتة عن الأجسام أنها مركبة، وكل
ما هو مركب يوجد باتصال عناصره المختلفة. ولا يمكن لأحد أن يقول أن ما هو مركب لا
يمكن تحلله، وما يتحلل يمكن أن يفسد، لأن الفساد هو تحلل المركب.

222.
إذا فكر أحد في ظهر الله بالمعنى الحرفي، فسيصل إلى استنتاج خاطئ. فإن الظهر
والأمام ينتميان إلى شكل، والشكل ينتمي إلى جسم، والجسم بطبيعته يمكن أن يكون
مركبًا، وكل شيءٍ مركب يمكن أن يتحلل، وما يتحلل لا يمكن أن يكون غير قابلٍ
للفساد، ولذلك فإن التفسير الحرفي يقود إلى فهم أن الإله قابل للفساد، ولكن في
الحقيقة الله غير قابلٍ للفساد وهو غير منظور.

223.
لذلك من الأفضل تأمل كل ما حدث بالمعنى الروحي: المكان الذي حدده الله لموسى في
الصخرة والفتحة الموجودة بها، ودخول موسى فيها، ووضع الله يده عليها، واجتيازه،
ومناداته لموسى، ثم رؤية موسى لله من الخلف.

224.
ما هو المعني المقصود إذًا؟ إن الأجسام إذا دُفعت إلى أسفل تنحدر بسرعة متزايدة
دون أية مساعدة طالما كان السطح الذي تتحرك عليه منحدرًا بانتظام ولم تواجه
مقاومة. وتتحرك النفس في الاتجاه العكسي. فعندما تنطلق من رباطها الأرضي تزيد
خفتها وسرعتها في الحركة إلى أعلى، منطلقة من أسفل لتلحق بالأعالي.

225.
إذا لم يأتِ شيء من أعلى ليعوق حركة النفس في صعودها (طبيعة الخير هي أن يجذب إليه
من يتطلعون إليه)، فإن النفس تظل ترتفع باستمرار – بحكم رغبتها في الأشياء
السماوية، وهنا نتذكر “أمتد إلى ما هو قدام” كما يقول الرسول (في 3:
13).

226.
كلما توصلت النفس إلى شيءٍ ما، زادت رغبتها إلى الارتفاع أكثر، وليس إلى ترك
الصعود. وهي تواصل طريقها إلى أعلى بلا توقف، وتساعد الإنجازات التي تحققها في
تجديد طاقتها على الطيران. والنشاط المُوجه نحو الفضيلة يزيد طاقتها عن طريق الجهد
المبذول، وهذا النوع من النشاط هو وحده الذي لا يقل ببذل الجهد بل يزيد[151].

227.
لهذا نقول أن موسى العظيم، وهو يزداد عظمة، لم يتوقف أبدًا عن الصعود، ولم يضع
لنفسه حدًا في مساره إلى أعلى. بمجرد أن وضع قدمه على السلم الذي أقامه الله (كما
يقول يعقوب تك 28: 12) استمر في الصعود ولم يتوقف أبدًا عن الارتفاع إلى أعلى،
لأنه كان دائمًا يجد أمامه خطوة أخرى أعلى من التي بلغ إليها.

228.
تخلى موسى عن قرابته الظاهرية للملكة المصرية، وانتقم للعبراني، واختار الصحراء
للحياة حيث لا يزعجه بشر، ورعى قطيعًا من الحيوانات المستأنسة، وشاهد بريق النور،
وبعد أن خلع نعليه وأصبح بلا عائق اقترب من النور. وأتى بأقربائه ومواطنيه إلى
الحرية، ورأى العدو يغرق في البحر.

229.
أقام موسى المحلة تحت عمود السحاب، وأطفأ العطش من الصخرة، وجاء بالخبز من السماء،
وعندما بسط يديه تغلبوا على الغرباء، وسمع البوق، ودخل الضباب (الظلمة)، ودخل إلى
المقدس الداخلي للمسكن الذي لم تصنعه يد. وتعلم أسرار الكهنوت الإلهي المقدس، وحطم
الوثن، وتضرع وتشفع في شعبه للإله، واستعاد الناموس الذي دُمَّر بفعل شر اليهود.

 

الحاجة
إلى مزيدٍ من المجد

230.
أضاء وجه موسى بالمجد، وبالرغم من ارتفاعه إلى أعلى بهذه الخبرات السامية، إلا أنه
كان مازال غير قانعٍ، ولديه رغبة في المزيد. كان مازال متعطشًا لما كان يملأ نفسه
به تمامًا باستمرار، ويطلب الحصول عليه كأنه لم يشرب منه أبدًا. ويطلب من الله أن
يظهر له، ليس تبعًا لقدرة موسى على الاستيعاب، ولكن تبعًا للكيان الحقيقي لله.

 

الجمال
المنظور والجمال المختفي

231.
يبدو أن هذه الخبرة تنتمي إلى النفس التي تحب الجمال. فهذه النفس دائمًا تجعل رؤية
الجمال المنظور تأمل في رؤية الجمال المختفي، لذلك من يحب الجمال بحماس يرى الجمال
المنظور دائمًا صورة لما يرغب فيه ويشتاق للأصل.

232.
كان الطلب الجريء الذي ارتفع به صوت موسى إلى أعلى الجبل يرمز للارتفاع إلى جبال
الرغبة بطلب الاستمتاع بالجمال، ليس في مرايا وانعكاسات، بل وجهًا لوجه. وجاء
الصوت الإلهي ليمنح موسى ما كان مطلوبًا في شكل حظر، بينما أظهر في كلمات قليلة
عمقًا للفكر لا يمكن قياسه. ووافق سخاء الله وكرمه على تحقيق رغبة موسى دون أن
يَعِدْ بأي إنهاء أو إشباع تام للرغبة.

233.
ما كان الله يظهر نفسه لعبده لو كان ذلك سينهي رغبة موسى في المشاهدة بعد ذلك، حيث
أن المشاهدة الحقيقية لله تجعل من يتطلع إلى الله لا يتوقف عن الرغبة في المشاهدة.
فهو يقول “لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش” (خر 33:
20).

كيف
يمكن لوجه الحياة أن يكون سبب موت من يقتربون منه؟

234.
لا يقصد الكتاب المقدس بهذا أن هذه الرؤية تسبب الموت لمن يتطلعون لها، إذ كيف
يمكن لوجه الحياة أن يكون سبب موت من يقتربون منه؟ على العكس، فإن الإله بطبيعته
معطي للحياة. ولكن خاصية الطبيعة الإلهية هي تجاوز كل الخواص، لذلك فمن يظن أن
الله هو شيء يمكن معرفته ليس له حياة، لأنه تحول من الكائن الحقيقي (الله) إلى ما
يعتقد أنه كائن بسبب إدراكه له بالحواس.

235.
الكائن الحقيقي هو الحياة الحقيقية، ولا يمكن الوصول إلى هذا الكائن بالمعرفة.
فإذا كانت الطبيعة المعطية للحياة تتجاوز المعرفة، فإن ما يمكن إدراكه ليس هو
الحياة بالتأكيد. فليس في طبيعة شيء ليس به حياة أن يكون سببًا للحياة. وهكذا فإن
ما أشبع رغبة موسى كان هو نفس الأشياء التي تركت رغبته دون إشباع.

236.
تعلم موسى أن الإله بطبيعته لانهائي، ولا تحيط به حدود تحده. وإذا فكر الإنسان في
الإله ككائنٍ محدودٍ بشيءٍ ما، فلابد أن ينظر إلى ما وراء هذا الحد. فالشيء
المحدود يقف عند نقطة معينة، فالهواء وهو الحد لكل ما يطير، والماء هو الحد لكل ما
يعيش فيه. الهواء هو الحد لما يطير والماء لما يسبح. وبنفس الطريقة، إذا نظر
الإنسان إلى لله على أنه محدود بحدودٍ، فلابد أنه سيكون محاطًا بشيء يختلف عنه في
طبيعته. ومن المنطقي أن يكون الشيء المحيط أكبر بكثير من المُحاط.

237.
من المتفق عليه أن الإله خير بطبيعته، وحيث أن ما يحيط به مختلف عنه في طبيعته،
إذًا فإن ما يحيط بالإله مختلف في طبيعته عن الخير، ولذلك يُنظر إليه على أنه شر
وهو أكبر من الخير الذي يحيط به.

238.
حيث أن الشيء المُحاط أقل من الشيء المحيط به، فإن الأكبر سيكون أقوى ويسود. لذلك
فإن من يعتقد أن الله مُحاط بحدود يعتقد أن الخير محاط بعكسه (الشر)، ولكن هذا غير
وارد. لذلك فمن الخطأ الاعتقاد بأنه يوجد شيء يمكن أن يحد بالطبيعة اللانهائية
ويحيط بها. وليس من طبيعة غير المحدود أن يمكن لمسه أو إدراكه. ولكن كل رغبة في
الخير تنجذب نحو ذلك الصعود تزيد باستمرار كلما تقدم الإنسان في التمسك بالخير.

239.
هذه هي حقًا رؤية الله، ألا يشبع الإنسان أبدًا من الرغبة في رؤيته، بل بالنظر إلى
ما يستطيع أن يراه تشتعل رغبته في أن يرى أكثر. وهكذا لن يكون هناك حد يوقف التقدم
في الصعود نحو الله، حيث أنه ليس هناك حد للخير، كما أن الرغبة في الخير لا تنتهي
عند إشباع هذه الرغبة بل تزيد.

 

ما
هو ذلك المكان الذي عند الله؟

240.
ولكن، ما هو ذلك المكان الذي عند الله؟ وما هي الصخرة؟ وما هي الفتحة التي في
الصخرة؟ وما هي يد الله التي تغطي مدخل هذه الفتحة؟ وما هو اجتياز الله مارًا
بالصخرة؟ وما هو ظهر الله الذي وعد الله موسى برؤيته عندما طلب موسى أن يرى الله
وجهًا لوجه؟

241.
لابد أن لكل من هذه الأشياء أهمية كبيرة، تستحق سخاء الإله العاطي. يُعتبر وعد
الله هذا أعظم وأسمى من كل تجلٍ سبق أن أظهره الله لعبده موسى. كيف يمكن أن نفهم
مما قيل لموسى إن الارتفاع الذي أراد موسى أن يصل إليه بعد ما وصل إليه في صعوده
السابق، والذي يمكن أن يصعد إليه كل من يحبون الله بسهولة تحت قيادة الله، حيث:
“إن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله” (رو 8: 28): يقول
الله “لك مكان عندي” (خر 33: 21)

242.
تتفق هذه الفكرة مع ما سبق أن تأملناه، فعندما تحدث الله عن “مكان” لم
يحدد المكان تحديدًا كميًا، وليس هناك قياس لغير الكمي. بل على العكس، باستخدام
كلمة “مكان” التي تعني سطحًا يمكن قياسه، فإن الحديث هنا يقود السامعين
إلى غير المحدود واللانهائي. ويمكن فهم النص الكتابي بهذا الشكل: “يا موسى،
حيث أن رغبتك في أن تمتد إلى ما هو قدام (في 3: 13)، قد زادت ولم تصل إلى الشبع
بعد في تقدمك، وحيث أنك لا ترى حدًا للخير، بل إن اشتياقك دائمًا يريد المزيد، فإن
المكان الذي عندي كبير لدرجة أن الذي يعدو فيه لن يستطيع التوقف أبدًا”.

 

صعود
مع سكون

243.
في موضع آخر في الكتاب المقدس نجد التقدم يتم في سكون، بلا حركة. وهذا هو أعجب ما
في الموضوع، فنجد الكتاب يقول “فتقف على الصخرة” (خر 33: 21). وهذا هو
أعجب ما في الموضوع، إذ كيف يكون نفس الشيء سكونًا وحركة؟ فإن من يصعد لا يمكن
بالتأكيد أن يقف ساكنًا، ومن يقف ساكنًا لا يمكن أن يتحرك إلى أعلى. ولكننا نجد أن
الصعود يتم هنا بالوقوف في سكون، وأعني بذلك أنه كلما كان الإنسان أكثر ثباتًا في
الخير، كلما تقدم في مسار الفضيلة. وبالنسبة للشخص الغير واثق من أفكاره
ومجادلاته، والمعرض للخطأ حيث أنه غير ثابت في الخير، بل “مضطرب ومحمول بكل
ريح تعليم” (أف 4: 14) كما يقول بولس الرسول، وهو كثير الشك ومتردد في آرائه
بخصوص الحقيقة، مثل هذا الشخص لا يصل إلى السمو في الفضيلة.

244.
يشبه هذا الشخص من يبذل جهدًا للتسلق إلى أعلى في الرمال، فإنه يخطو خطوات طويلة
ولكن قدمه تنزلق دائمًا إلى أسفل، فهو يقوم بكثير من الحركة ولكنه لا يحرز تقدمًا.
ولكن إذا انتزع شخص رجله من طين الحمأة – كما يقول المزمور – وأقامها على الصخرة
(مز 2: 40) (الصخرة هي المسيح- كما في (1 كو 10: 4)- الذي هو الفضيلة المطلقة)،
فكلما كان راسخًا غير متزعزع في الخير (1 كو 15: 58)، استطاع أن يكمل المسار أسرع.
إن عدم التزعزع هنا كأنه جناح يستخدمه القلب في الطيران إلى أعلى من خلال ثباته في
الخير.

245.
أظهر الله لموسى المكان وحثه على مواصلة المسار، وعندما وعده بأنه سيوقفه على
الصخرة أظهر له طبيعة ذلك السباق الإلهي. وبالنسبة للفتحة التي في الصخرة فإن بولس
الرسول يفسرها تفسيرًا جيدًا عندما يتحدث عن المسكن السماوي غير المصنوع بيد الذي
يبنيه الأمل والرجاء لمن نقضوا بيت خيمتهم الأرضية (2 كو 5: 1).

246.
بالنسبة لمن أكمل السعي (أي السباق) كما يقول بولس الرسول (2 تي 4: 7) في ذلك
الاستاد الواسع والعريض الذي يسميه الصوت الإلهي “مكانًا”، وحفظ الإيمان
وثبت أقدامه على الصخرة، فإن مثل هذا الشخص سيُوضع له إكليل البرّ بيد حكم
المسابقة. ويصف الكتاب المقدس هذه الجائزة بطرقٍ مختلفةٍ.

247.
تسمى الفتحة (النقرة) التي في الصخرة في مواضيع أخرى من الكتاب المقدس
“جنة” (تك 2: 15، 3: 23) و”الخيمة الأبدية” (2 كو 5: 1)
و”منزلاً مع الآب” (يو 14: 2، 23)، و”حضن الآب (إبراهيم)” (لو
16: 22)، و”أرض الأحياء” (مز 27: 13)، و”مياه الراحة” (مز 23:
2)، و”ملكوت السماوات” (مت 13: 44) و”جعالة (مكافأة) دعوة
الله” (في 3: 14) و”إكليل نعمة” (أم 1: 9؛ 4: 9) و”تاج
جمال” (أم 4: 9)، و”برج قوة” (مز 61: 3) و”مائدة للسعد
الأكبر” (إش 65: 11) وكراسي للحكم (لإدانة أسباط بنى إسرائيل) (مت 19: 28، لو
22: 30) ومكان الاسم (اسم الرب) (تث 12: 5)، و”الخيمة المخفية” (مز 27:
5).

248.
لدخول موسى في الصخرة نفس الأهمية مثل هذه الأوصاف. الصخرة في مفهوم بولس الرسول
هي المسيح، لذلك نؤمن أن كل الرجاء في الأشياء الخيرة هو في المسيح، الذي تعلمنا
أن كل كنوز الصلاح موجودة فيه (كو 2: 3؛ أف 1: 3)، ومن يجد الخير يجده في المسيح
الذي يحتوي الخير كل الخير.

 

يلزم
أن يكون ظهر المرشد مرئيًا باستمرار

249.
من يصل إلى هذه الصخرة وتستره يد الله كما يعد النص المقدس. يد الله هي القوة
الخلاقة للكائن، الابن الوحيد المولود الذي به كان كل شيء (يو 1: 18) وهو
“المكان” للذين يعدون نحو الله، وهو “الطريق” (يو 14: 6؛ تي
4: 7) وهو “الصخرة” للراسخة و”البيت” (يو 14: 2) لمن
يستريحون، هذا الشخص هو الذي سيسمع نداء الله، ويرى من يناديه من الخلف، إذ يقول
له الله في الناموس “وراء الرب إلهكم تسيرون” (تث 13: 4).

250.
عندما سمع داود العظيم هذا وفهمه قال: “الساكن في ستر العلي، في ظل القدير
يبيت، بخوافيه يظللك” (مز 91: 1، 4). وتعنى “بخوافيه”
“بكتفيه” – وهذا هو نفس الشيء مثل السير وراء الله، لأن الكتف في ظهر
الجسم، ويقول داود عن نفسه: “التصقت نفسي بك يمينك تعضدنني” (مز 63: 8).
وأنت ترى كيف تتفق المزامير مع التاريخ في الكتاب المقدس. فيقول المزمور أن اليد
اليمنى لله تساعد الشخص الذي التصق بالله وسار وراءه، ويقول التاريخ في الكتاب أن
اليد تلمس الشخص الذي ينتظر في الصخرة عند سماع الصوت الإلهي، ويصلي لكي يسير وراء
الله.

251.
عندما جاء الرب – الذي تكلم مع موسى – بنفسه إلى الأرض لينفذ ناموسه الخاص، قدم
لتلاميذه تفسيرًا واضحًا، وكشف لهم معنى ما قيل سابقًا بالرمز. فقد قال لهم:
“إن أراد أحد أن يأتي ورائي” (لو 9: 23)، ولم يقل لهم: “إن أراد
أحد أن يسير قدامي”. وذكر نفس الشيء لمن سأل عن الحياة الأبدية فقد قال له: “تعال
اتبعني” (لو 18: 22). ومن يتبع شخصًا يراه من الخلف.

252.
كان موسى متلهفًا لرؤية الله، وعلمه الله كيف يراه، فإن رؤية الله هي أن يتبعه
الإنسان ويسير أينما يوجهه. واجتياز الله بجوار الإنسان هو إرشاد لمن يتبعه، فلا
يستطيع إنسان أن يكمل رحلة بسلام وهو لا يعرف الطريق إلا إذا تبع مرشدًا. والمرشد
يبين الطريق لمن يتبعه، ومن يتبع المرشد لن يضل الطريق إذا حرص على أن يكون ظهر
المرشد مرئيًا له باستمرار.

253.
وإذا اتجه الشخص وجهة أخرى أو سار في مواجهة المرشد وليس خلفه، فإنه سيتخذ طريقًا
آخر، ولذلك يقول له المرشد “أما وجهي فلا يُرى” (خر 33: 23) أي “لا
تواجه مرشدك”. وإذا واجه المرشد فإنه قطعًا سيسير في الطريق المعاكس، فإن
الخير لا يواجه الخير بل يتبعه.

254.
ما يواجه الخير وجهًا لوجه هو عكسه، فما يواجه الفضيلة هو الشر، ولا تقف الفضيلة
في وجه الفضيلة، ولذلك لا ينظر موسى إلى وجه الله، بل يراه من وراء. فإن من ينظر
إلى الله وجهًا لوجه لا يمكن أن يعيش، كما يقول الصوت الإلهي “لأن الإنسان لا
يراني ويعيش” (خر 33: 20).

255.
من هذا ترى أنه لشيء عظيم أن تتعلم كيف تتبع الله، فإنه حتى ذلك الرجل الذي صعد
إلى تلك المرتفعات العالية (موسى) وظهرت له التجليات المجيدة المثيرة للرهبة قرب
نهاية حياته كان لا يكاد يعتبر مستحقًا لهذه النعمة.

 

الحسد
ضد موسى

256.
بعد أن تبع موسى الله بهذه الطريقة، لم تعد هناك خطية تحدث من خلال الشر تقاوم من
يتبع الله بهذه الطريقة. بعد ذلك أثارت هذه الأشياء الحسد ضد موسى من إخوته،
والحسد شعور يسبب الشر، وهو أبو الموت، وكان به أول دخول للخطية، وهو أصل الشر
ومولد للأسى، ويُعتبر والدًا للمصائب وأساس المعصية وبداية العار. الحسد هو الذي
أخرجنا من الفردوس بعد أن أصبح حية ليواجه حواء، وهو الذي حجبنا عن شجرة الحياة
وخلع عنا الثياب الإلهية وقادنا إلى الخارج بعيدًا في خجلٍ، مكتسين بأوراق التوت.

257.
سلَّح الحسد قايين على خلاف الطبيعة، وأسس الموت الذي ينتقم له سبعة أضعاف (تك 4:
24). والحسد هو الذي جعل يوسف عبدًا. والحسد هو اللدغة القاتلة والسلاح المخفي،
ومرض الطبيعة والسم الزعاف، والضعف الإرادي، والسهم المر، والمسمار الذي يُدق في
النعش، ونار في القلب ولهب يحترق من الداخل.

258.
لا يعتبر الحسود الكوارث التي تحل به محنة، بل المحنة عنده هو الخير الذي يحل على
غيره، وبالعكس النجاح ليس هو أن يكون سعيدًا، بل أن تحل المحن بغيره. يحزن الحسد
لرؤية الأعمال الطيبة للناس، ويسر بالكوارث التي تحل بهم. ويقال أن الجوارح التي
تلتهم الجثث الميتة تقضي عليها الرائحة الطيبة (العطر)، فإن طبيعتها تتفق مع ما هو
شرير وفاسد. وأي شخص يقع تحت سيطرة هذا المرض (الحسد) تقضي عليه سعادة أقربائه
وجيرانه، ولكنه إذا رأى تجربة شريرة يطير إليها ويضع منقاره المعوج فيها ويخرج
الكوارث المخفية.

259.
حارب الحسد كثيرين ممن عاشوا قبل موسى، لكنه عندما هاجم موسى انكسر كما ينكسر إناء
من الخزف عندما يرتطم بصخرة. وقد أظهر ذلك بوجه خاص التقدم الذي أحرزه موسى في
رحلته مع الله. لقد جرى موسى في المكان الإلهي ووقف على الصخرة وأبقاه الله في
الفتحة التي بها، وغطاه الله بيده، وسار وراء مرشده، ولم ينظر إلى وجهه بل إلى
ظهره.

260.
وصل موسى إلى ارتفاع جعله أعلى من أن يصيبه سهم الحسد. ويظهر ذلك أنه قد أصبح
مباركًا عندما تبع الله. كان قوس الشر أكثر ارتخاء من أن يطلق عاطفة الحسد بحيث
تصل إلى موسى من أولئك الذين أصيبوا بالمرض من قبل. ولكن هرون ومريم أصابهما
التأثير الشرير. وأصبحا مثل قوس الحسد، يطلقان الكلمات على موسى بدل السهام.

261.
لم يرتفع موسى فقط عن الانغماس في هذا الشر، بل إنه قدم العون لمن أصابهم مرض
الحسد. ولم يقتصر الأمر على أنه لم يحاول الدفاع عن نفسه ضد من سببوا له الحزن
والأسى، بل إنه تشفع لله طالبًا الرحمة لهم. وقد أظهر بما فعله أن الشخص المسلح
بدرع الفضيلة لن تؤذيه السهام التي تطلق عليه.

262.
كسر موسى حدة حرابهم وجعلها تطيش بفضل صلابة درعه. والدرع الذي يقي من هذه السهام
هو الله نفسه، الذي يلبسه جندي الفضيلة. ويقول الكتاب: “البسوا الرب يسوع
المسيح (كدرعٍ) (رو 13: 14)، أي الدرع الكامل الذي لا يُخترق. كان موسى محميًا
جيدًا بهذا الشكل، لذا كانت سهام الشر غير فعالة معه.

263.
لم يسرع موسى بالدفاع عن نفسه ضد أولئك الذين سببوا له الحزن، بالرغم من أن الحكم
غير المتحيز قد أدانهم، وأنه كان يعرف ما يجب أن يفعله. وبالرغم من ذلك فقد تشفَّع
لإخوته لدى الله. ولم يكن موسى يفعل هذا لولا أنه كان يتبع الله، الذي أظهر له
ظهره (أعماله) كمرشد آمن للفضيلة.

 

موسى
والجواسيس

264.
لنواصل حديثنا. عندما لم يجد العدو الطبيعي للبشر فرصة لإيذاء موسى، وجه المعركة
ضد الأكثر تعرضًا للإصابة، وعندما رمى سهم شهوة الجشع على الناس، جعلهم يشتهون ما
كانوا يجدونه في مصر، لدرجة أنهم فضلوا اللحم الذي كان يأكله المصريون عن الخبز
النازل من السماء.

265.
لكن موسى كانت روحه سامية وفوق تلك الشهوة، وكان مُكرسًا تمامًا للميراث الآتي
الذي وعد به الله الذين خرجوا من مصر (بالمفهوم الروحي) وشقوا طريقهم إلى الأرض
التي تفيض لبنًا وعسلاً، ولهذا السبب عيَّن بعض الجواسيس ليعلموا الشعب عن مباهج
تلك الأرض.

266.
ويرمز الجواسيس – في نظري – إلى شيئين: من ناحية يرمز أولئك الذين بشروا بالخيرات
للأفكار النابعة من الإيمان والتي تؤكد الرجاء في الخيرات المعدة لنا، ومن ناحية
أخرى يرمز أولئك الذين يرفضون الآمال الطيبة ويغرسون الشك في الأخبار التي بشر بها
الفريق الأول إلى أفكار عدو الخير. وقد رفض موسى تصديق ما قاله الخصوم، وقبل ما
سمعه من الرجل الذي قدم تقريرًا طيبًا عن تلك الأرض.

 

يشوع
وعنقود العنب

267.
كان يشوع هو الذي قاد المجموعة الأفضل، وجعل الأشياء الموصوفة أهلاً للثقة بتأكيده
لها. وعندما نظر موسى إلى يشوع امتلأ برجاءٍ ثابتٍ في المستقبل، ووجد في كلام يشوع
عن عنقود العنب دليلاً على خيرات الأرض، فقد حمل يشوع عنقود عنب معه على عصا خشبية
من تلك الأرض. وعندما تسمع عن يشوع يخبر عن الأرض وعنقود عنب معلق على خشبة، فإنك
تدرك ما رآه يشوع وملأه بالرجاء.

268.
ما هو عنقود العنب المعلق من على الخشبة إلا ذلك العنقود المعلق في الأيام
الأخيرة، الذي صار دمه شرابًا منقذًا لمن يؤمن به (يو 15: 1) لقد تكلم موسى عن هذا
قبل حدوثه حيث قال “ودم العنب شربت خمرًا” (تث 32: 14).

 

الحية
النحاسية

269.
أخذ الشعب طريقه مرة أخرى في الصحراء، وفقد الرجاء في الخيرات الموعود بها وشعر
بالعطش. مرة أخرى جعل موسى الماء يتدفق لهم في الصحراء. ومن الناحية الروحية فإن
هذا يعلمنا ما هو سرّ التوبة. فإن من يتجهون مرة ثانية إلى بطونهم وأجسادهم
والملذات المصرية بعد أن ذاقوا ماء الصخرة، محكوم عليهم أن يُحرموا من الخيرات.

270.
لكن إذا تابوا يمكنهم أن يجدوا مرة أخرى الصخرة التي تركوها، ويمكن أن يُفتح لهم
ينبوع الماء مرة أخرى ويرتووا حتى الشبع. لقد أعطت الصخرة ماءً لموسى الذي آمن أن
أقوال يشوع عن أرض الموعد أصدق مما قاله خصومه، فقد نظر موسى إلى عنقود العنب –
رمز من عُلق لأجلنا على الخشبة وأراق دمه – وبالخشبة جعل الماء يتدفق من الصخرة
مرة أخرى للشعب.

271.
لكن الشعب لم يكن قد تعلم بعد كيف يتمشى مع عظمة موسى. كانوا ما زالوا منجذبين
لمشاعر العبودية وميالين للملذات التي كانوا يستمتعون بها في مصر. ونرى من هذا أن
الطبيعة البشرية تنجذب بوجه خاص إلى هذه المشاعر التي تعتبر مرضًا بآلاف الطرق.

272-
كما يمنع الطبيب بعلاجه المرض من أن يتمكن من الناس، هكذا لم يسمح موسى للمرض أن
يسبب الموت. لقد تسببت الرغبات الجامحة للشعب في ظهور حيات نفثت سمها القاتل في من
لدغتهم. ولكن معطي الناموس العظيم (يسوع) قد نزع قوة الحيات الحقيقية بصورة حية.

273.
لنشرح الآن هذه الصورة البلاغية. هناك ترياق (علاج) واحد لهذه الرغبات الشريرة،
وهو تطهير نفوسنا الذي يحدث بسرّ التقوى. والعمل الأساسي في الإيمان في هذا السرّ
هو النظر إلى من قاسى لأجلنا. والصليب هو المعاناة التي عاناها، ويعلمنا الكتاب
المقدس أن من ينظر إليه لا يؤذيه سم الرغبات الشريرة (عدد 21: 8).

274.
النظر إلى الصليب يعني إماتة حياة الإنسان كلها وصلبها لتموت عن العالم ولا تتأثر
بالشهوات الشريرة (غل 6: 14)، لأنه حقا كما يقول داود النبي: “قد اقشعر لحمي
من رعبك” (مز 119: 120) فكأن اللحم قد سُمر بمسامير هي ضبط النفس عن العالم.

275.
كما يوضح الكتاب المقدس أن الشهوات الشريرة قد أخرجت الحيات من الأرض (لأن كل نتاج
لشهوة شريرة هو حية)، فقد بيّن الناموس أن الحيّة رمز واضح لخشبة الصليب. وصورة
الصليب هي شبه للحية وليست هي نفسها حية – كما يقول بولس الرسول “في شبه جسد
الخطية” (رو 8: 3). فالخطية هي الحية الحقيقية، ومن يتجه إلى الخطية يأخذ
طبيعة الحية.

276.
إذًا يتحرر الإنسان من الخطية بمن أخذ شكل الخطية وأصبح مثلنا وتحول إلى شكل حية،
وهو يجعل لدغات الحيات لا تسبب الموت، ولكن الحيات نفسها لا تموت – والحيات هي رمز
للشهوات. فبالرغم من أن شر الموت الذي ينشأ عن الخطية لا يؤثر على من ينظرون إلى
الصليب، فإن الجسد يشتهى ضد الروح (غل 5: 16) وشهوة الجسد تظل موجودة.

277.
في الواقع لدغات الشهوة كثيرًا ما تكون نشطة حتى في المؤمنين. ولكن من ينظر إلى من
رُفع على الخشبة يرفض الشهوات ويخفف سم اللدغات بالخوف من الوصية الذي يُعتبر
دواء. ويعلمنا صوت الرب بوضوح أن الحية المرفوعة في الصحراء هي رمز لسرّ الصليب
فيقول: “وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن
الإنسان” (يو 3: 14).

 

اغتصاب
الكهنوت

278.
مرة أخرى.. بعد إثارة الشهوات الشريرة – عادت الخطية في تتابعها الشرير تتقدم بنفس
الطريقة كما لو كانت في سلسلة للشر، ومرة أخرى استخدم معطي الناموس العلاج لمداواة
ما سببه الشر، فعندما فقدت لدغات الحيات فاعليتها مع الذين نظروا إلى شبه الحية –
وأنت تعلم معنى الرمز هنا مما سبق أن قلناه – لجأ عدو الخير إلى استراتيجية أخرى
ضمن وسائله اللانهائية التي لا يكف عن ابتكارها ضدنا.

279.
ويمكننا أن نرى هذا يحدث الآن في مناسبات كثيرة. فعندما يكبح بعض الأفراد عاطفة
الشهوة لديهم بالحياة المستقيمة فإنهم يقحمون أنفسهم في الكهنوت وينتحلون لأنفسهم
صفة كهنة الله. ونقرأ في الكتاب المقدس في قصة موسى كيف دفع الشيطان أمثال هؤلاء
إلى الشر الناجم عن ذلك.

280.
عندما آمن الذين لدغتهم الحيات بسبب الشهوات التي كانت لديهم إلى المعلق على
الخشبة، توقفت الأرض عن إخراج الحيات التي تلدغهم. وعندئذ ظنوا أنهم أعلى من أن
تلدغهم الحيات، أي أنه في الوقت الذي تركتهم فيه رغبات الشهوة، دخل الكبرياء ليحل
محلها. اعتقد هؤلاء أنه لم يكن لائقًا أن يظلوا في أماكنهم، فإنها كانت أقل من
مستواهم، وزجوا بأنفسهم في كرامة الكهنوت، واستمروا في طرد الذين كانوا قد حصلوا
على هذا الكهنوت من الله. وكانت النتيجة أن ابتلعتهم الهاوية السحيقة وأُبيدوا.
كما أحرقت صاعقة كل الذين بقوا منهم على الأرض (عد 16: 31-35). وأعتقد أن الكتاب
المقدس يعلمنا هنا أن الإنسان عندما يرفع نفسه بكبرياء ينتهي بالسقوط تحت الأرض.
من هذا يمكن تعريف الكبرياء بأنه الصعود إلى الهاوية.

281.
لا تدهش إذا كان الرأي العام يعتقد العكس، لأن أغلب الناس يعتقدون أن كلمة كبرياء
تعني “الارتفاع عن الآخرين”، ولكن حقيقة القصة في الكتاب المقدس تؤكد
تعريفنا للكبرياء. فإن من يرفع نفسه فوق الآخرين إنما يهبط إلى أسفل حيث تفتح
الأرض هوة له، لذلك فإن الكبرياء هو سقوط وضيع.

282.
يعلم موسى من يرون هذا أن يعتدلوا وألا يصيبهم الغرور بسبب سلوكهم القويم، بل أن
يحتفظوا دائمًا بالطبع الحسن. ولا يعني التغلب على شهوة الإنسان في المتع أنه لم
يعد معرضًا لتغلب نوع آخر من العاطفة عليه، فإن أية شهوة عاطفية هي سقطة طالما
كانت شهوة، وتنوع الشهوات لا يعني نوعًا مختلفًا من السقوط، فالشخص الذي تزل قدمه
على عاطفة زلقة قد سقط، مثل الشخص الذي سقط بالكبرياء. ويجب ألا يفضل الشخص الذكي
نوعًا من السقوط على آخر، بل أن يتجنب أية سقطة على الإطلاق.

283.
فإذا رأيت شخصًا يطهر نفسه من مرض اللذة إلى حدٍ ما، ويزج بنفسه في الكهنوت
معتبرًا نفسه فوق الآخرين، فإنك تدرك أنه سيسقط إلى الأرض بكبريائه وتعاليه. ففي
الجزء التالي للقصة في الكتاب المقدس يعلمنا الناموس أن الكهنوت شيء إلهي وليس
بشريًا، وهو يعلمنا ذلك بالطريقة التالية:

 

عصا
هرون وثمرة اللوز

284.
بعد أن تم تمييز العصي التي تلقاها موسى من كل سبط باسم من أعطى العصا، وضع موسى
العصي على المذبح، وكانت النتيجة هي أن عصا واحدة أصبحت شاهدًا على التكريس
(السيامة) السماوي، فقد تم تمييزها عن العصي الأخرى بمعجزة سماوية، وهذا ما حدث:
ظلت العصي الأخرى كما هي، ولكن عصا الكاهن أفرخت من تلقاء نفسها (وليس بسبب مياه
من الخارج، بل من خلال القوة التي وضعها الله فيها)، وأخرجت فروعًا وثمارًا ونضجت
الثمار، وكانت الثمار لوزًا.

285.
من هذا الحدث تعلم الشعب كله وتلقوا تأديبًا. ويجب أن ندرك أن نوع الثمرة التي
أخرجتها عصا هرون تمثل نوع الحياة اللائق بالكهنوت، حياة تتميز بضبط النفس
والخشونة وجفاف المظهر ولكنها تحتوي من الداخل الثمر الذي يمكن أن يؤكل (مخفيًا
وغير منظور). ويظهر هذا الجزء الداخلي عندما تنضج الثمرة وتُزال القشرة الصلبة
التي تشبه الخشب.

286.
وإذا اكتشفت أن حياة الكاهن من النوع الذي ذكرنا أنه يزج بنفسه في الكهنوت تشبه
ثمرة السفرجل، عطرية ولونها وردي – كحياة الناس الذين يتزينون بالملابس المصنوعة
من الكتان والقرمز ويتخمون أنفسهم على موائد الأغنياء ويشربون الخمر الخالص
ويعطرون أنفسهم بأفخر الطيب (قارن لو 16: 19, عا 6: 6)، ويستخدمون كل ما يبدو
طيبًا لمن يميلون لحياة الترف، عندئذ يحق لك أن تطبق على هذا الموقف كلمة الإنجيل:
“كل شجرة تُُعرف من ثمارها” (لو 6: 43) وأن تقول لهذا النوع:
“عندما أنظر إلى ثماركم، لا أتعرف على شجرة الكهنوت”. ثمرة الكهنوت لا
تنضج بفعل مياه أرضية، ولكن ثمرة هذا النوع من الكهنوت لها مجاري كثيرة ترويها من
الملذات التي تتدفق من أسفل، تنضج بفعلها ثمرة الحياة بهذا الشكل.

 

طريق
الملك

287.
عندما تطهر الشعب من عاطفة الكبرياء، عبروا إلى الحياة في بلاد أجنبية. وكان
الناموس يقودهم على طريق الملك دون أن يحيدوا عنه على الإطلاق (عد 20: 17). ومن
السهل على المسافر أن ينحرف جانبًا. ولنفترض أن هناك جرفين وبينهما ممر ضيق في
الوسط، فإن أي شخص يعبر هذا لو انحرف عن الوسط في أي اتجاه يعرض نفسه للخطر، لأن
الهوة على كلا الجانبين تبتلع من ينحرف جانبًا. وبنفس الطريقة يتطلب الناموس ممن
يتبعه ألا يحيد يمينًا أو يسارًا عن الطريق – الذي يقول عنه الرب أنه ضيق وصعب (مت
7: 14، تث 7: 14).

 

الطريق
الوسط للفضيلة

288.
نتعلم من هذا أن الفضيلة توجد في الوسط. لذلك فإن كل الشر يوجد في نقص الفضيلة أو
الإفراط الزائد فيها. وفي حالة الشجاعة يمثل الجبن نقص الفضيلة والتهور الإفراط
فيها. والفضيلة هي الوضع الطاهر النقي الذي يوجد في وسط هذين الشرين المتقابلين.
وبنفس الطريقة فإن كل أمر فيه سعي للأفضل يأخذ الطريق الوسط بين شرين متجاورين.

289.
تقف الحكمة في المنتصف بين الدهاء والبساطة. ولا تمتدح حكمة الحيات ولا بساطة
الحمام (مت 10: 16)، إذا كان الإنسان سيختار أحدهما منفردًا، ولكن الطبع الذي يجمع
بينهما ويكون وسطًا هو الفضيلة. الشخص الذي ينقصه الاعتدال متسيب، ومن يتجاوزون
حدود الاعتدال يقول عنهم بولس الرسول “موسومة ضمائرهم” (1 تي 4: 2)، فإن
المتسيب يسلم نفسه للمتعة بلا حدود ولا قيود، وعكسه ينتقد الزواج على أنه دنس
وكأنه زنا. والطبع الذي نلاحظه في الوسط بين هذين الاثنين هو الاعتدال.

290.
كما يقول الرب فإن العالم غارق في الشر (1 يو 5: 19)، وكل شيء مضاد للفضيلة (وهو
الشر) غريب عن الذين يتبعون الناموس، فإن الإنسان الذي يشق طريقه في هذا العالم
سينهي رحلة الفضيلة الضرورية بسلام إذا اتبع الطريق الرئيسي الذي مهدته الفضيلة
ولم ينحرف جانبًا في أي ظروف إلى طريق جانبي بفعل الشر.

 

بلعام
وموآب

291.
حيث أن هجوم عدونا (الشيطان) يصاحب الصعود نحو الفضيلة ويتحين الفرص لتحويل الصاعد
نحو الشر، فإن العدو عندما يجد أن الناس يتقدمون في حياة التقوى، يشن هجومًا آخر
مثل المتمرسين في فنون الحرب، وهؤلاء عندما يقدرون أن خصمهم يتفوق في ميادين
المعارك المفتوحة، فإنهم يلجأون إلى وضع خطط لكمائن. بنفس الطريقة فإن قائد الشر
يتوقف عن استخدام قوته علانية ضد من يكتسبون قوة من الناموس والفضيلة، ولكنه ينفذ
هجومه سرًا بوضع كمائنٍ لهم.

292.
يستخدم الشيطان السحر كحليفٍ له ضد من يهاجمهم. وفي الكتاب المقدس نرى السحر في
شكل عراف متنبئ يستمد قوته المؤذية من أعمال الشياطين، وقد دفع حاكم مديان له
أموالاً لكي يلعن الذين يعيشون مع الله، ولكنه في الواقع حوّل اللعنة إلى بركة.
وندرك من هذا أن السحر عديم الفاعلية ضد من يعيشون في الفضيلة. بل إن من يتقوون
بالمساعدة الإلهية ينتصرون على كل هجوم.

293.
ويخبرنا الكتاب المقدس عن العرافة بمراقبة الطيور عندما يذكر أن بلعام كان لديه
القدرة على العرافة[152]، وكان يستمد المشورة من الطيور. وقبل ذلك قال عنه أنه عرف
أشياء عن المهمة التي كان ذاهبًا إليها من نهيق أتانه. ولأنه كان عادة يستمد
النصيحة من أصوات الحيوانات غير العاقلة الواقعة تحت تأثير الشيطان، فإن الكتاب يصف
بوضوح ما نطقت به الأتان. وهو يبين بهذا أن الذين سبق لهم أن خدعوا من الشيطان قد
وصلوا إلى درجة أنهم استبدلوا التفكير المنطقي بقبول التعليم الذي يستمدونه من
أصوات الحيوانات غير العاقلة. وعندما استمع بلعام إلى الأتان، فإنه تلقى التعليمات
من الأشياء التي كانت قد خدعته، وعلم أن قوة الشعب الذي استأجره بالاق ليلعنه كانت
لا تُقدر.

294.
نعرف من الكتاب أيضًا أن لجئون – قطيع الشياطين – كان مستعدًا لمعارضة سلطة الرب.
وعندما اقترب الرب الذي له سلطان على كل شيء، اعترف لجئون بقوة الرب العليا ولم
يخفِ حقيقة أن هذه كانت هي الطبيعة الإلهية التي تعاقب من يخطئ- في الوقت المناسب.
فيقول صوت الشياطين: “أه ما لنا ولك يا يسوع الناصري، أتيت لتهلكنا! أنا
أعرفك من أنت؟ قدوس الله” (مر 1: 24) و”مالنا ولك يا يسوع ابن الله،
أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟” (مت 8: 29). وحدث نفس الشيء قبل ذلك عندما
علمت القوة الشيطانية العراف بلعام أن شعب الله لا يُقهر.

295.
لكي نخرج بنتيجة مما سبق أن قلناه في هذه النقطة نقول إن من يريد أن يتفوه بلغته
ضد من يعيشون في الفضيلة لن يمكنه أن يخرج صوتًا مؤذيًا بالمرة، بل ستؤول اللعنة
إلى بركة، ويعني هذا أن اللوم والاستهزاء لا يؤثران على من يعيشون في الفضيلة.

296.
في هذا الشأن كيف يمكن أن نذم رجلاً ليس لديه أي ممتلكات على الجشع؟ وكيف يمكن أن
نعظ رجلاً يعيش حياة وحدة وعزلة عن الانحلال؟ أو نعظ رجلاً هادئًا معتدلاً عن
العصبية؟ أو رجلاً معتدلاً في عاداته عن الإفراط في الرفاهية؟ أو تعظ أشخاصًا عن
أشياء خطأ تجلب اللوم ونحن نعرف أنهم يتصرفون عكسها؟ إن هدف هؤلاء الناس الذين
يعيشون في الفضيلة هو أن يعيشوا حياة بلا لوم، كما يقول بولس الرسول: “لكي
يخزى المضاد، إذ ليس له شيء رديء يقوله عنكم” (تي 2: 8). ولذلك يقول بلعام –
الذي استدعاه بالاق ليلعن الشعب: “كيف ألعن من لم يلعنه الله” (عد 23:
8) وهو يعني: “كيف أذم شخصًا لم يفعل شيئًا يستوجب الذم وحياته منيعة ضد
الشر، لأنه ينظر إلى الله؟”

 

سلاح
الشهوات الجسدية الشرير

297.
وعندما فشل مخترع الشر في ذلك، لم يتوقف تمامًا عن التآمر ضد من كان يهاجمهم، لكنه
لجأ إلى الخداع الذي يميزه، وجذب الطبيعة مرة أخرى إلى الشر من خلال المتعة.
والمتعة هي حقًا مثل الطعم المستخدم في الصيد، يستخدمها الشر للصيد، عندما تلقى
بخفة فتجذب النفوس الجشعة إلى شص (سنارة) الهلاك، وتجذب المتعة المنحلة بوجه خاص
الطبيعة للشر، عندما لا تأخذ حذرها. وهذا هو ما حدث لبني إسرائيل مع الموآبيات.

298.
ما حدث هو أن بني إسرائيل الذين تغلبوا على أسلحة العدو والذين قهروا الهجمات التي
شنت عليهم بالأسلحة الحديدية، والذين بقوتهم غيروا خط قتال أعدائهم، جرحوا هم
أنفسهم من سهام المتعة مع النساء. والذين كانوا أقوى من الرجال قهرتهم النساء.
وبمجرد أن ظهرت لهم النساء بجمالهن بدل الأسلحة، نسوا قوتهم كرجالٍ وانغمسوا في
المتع.

299.
كان المتوقع أن يمتلئ البعض منهم بالرغبة في العلاقات المحرمة مع الغريبات، ولكن
معرفة الشر كانت تعني الانفصال عن الخير، ولذلك بدأ الله فورًا الحرب عليهم. ومع
ذلك لم ينتظر فينحاس الغيور أن يتم تطهير الخطية بقرار سماوي، ولكنه أخذ في الحال
دور القاضي والمحلف.

 

غيرة
فينحاس

300.
ثار غضب فينحاس ضد الرجال الذين امتلأوا بالشهوة، وقام بعمل الكاهن بتطهير الخطية
بالدم، ليس بدم حيوان لم يرتكب ذنبًا ولم يشترك في عار الانحلال، ولكن دم الاثنين
الذين اتحدا في الشر. واخترقت الحرية الجسدين معًا محافظة على العدل الإلهي،
معاقبة الشهوة بموت الذين أخطأوا.

301.
تقدم لنا القصة التاريخية نصيحة نافعة للناس، وهي تعلمنا أنه ليس بين العواطف التي
تؤثر على تفكير الناس شيء أقوى من مرض الشهوة. ونحن نرى أن الإسرائيليين الذين
كانوا أقوى بوضوح من فرسان المصريين وانتصروا على عماليق وأرهبوا الأمة التالية
التي واجهوها بعد ذلك وتغلبوا على قوات المديانيين – هؤلاء اُستعبدوا لمرض الشهوة
بمجرد أن شاهدوا النساء الغريبات مما يبين كما قلت أن الشهوة عدو لنا من الصعب
محاربته والانتصار عليه.

302.
انتصرت الشهوة بمظهرها فقط على أولئك الذين لم تهزمهم الأسلحة، ووصمتهم بالعار،
وأعلنت عارهم علانية، وأظهرت الشهوة أنها تحول الناس إلى حيوانات، فقد جعلهم الميل
الحيواني غير العقلاني للانحلال ينسون طبيعتهم البشرية. ولم يحاولوا أن يخفوا
إفراطهم في الشهوة، بل زينوا أنفسهم بعار الشهوة، وجملوا أنفسهم بالعار المخجل،
وهم يتمرغون كالخنازير في حمأة القذارة علنًا والكل يراهم.

303.
ماذا نتعلم إذًَا من هذه القصة؟ نتعلم أنه بعد أن عرفنا القوة الكبيرة لمرض الشهوة
يجب أن نبعد حياتنا بقدر الإمكان عنه. وإلا فإن المرض يمكن أن يجد ثغرة يتسلل منها
إلينا، مثل النار التي يسبب قربها من الإنسان لهبًا ضارًا. ويعلمنا سليمان هذا في
سفر الأمثال عندما يقول أن الإنسان لا يجب أن يمشي على الجمر فتكتوي رجلاه، أو
يأخذ نارًا في حضنه (أم 6: 27-28). ونحن يمكننا أن نحمي أنفسنا من التأثر بالعاطفة
طالما ابتعدنا عما يشغل نارها. وإذا اقتربنا بحيث نخطو على الحرارة المحرقة، فإن
نار الشهوة سيشتعل في صدورنا، وتكون النتيجة أن تحترق أقدامنا وصدورنا.

304.
لكي نبعد عن هذا الشر، يقطع الرب بصوته في الإنجيل جذر الشر نفسه – وهو الشهوة
التي تنشأ من النظر– عندما يعلمنا أن الشخص الذي يرحب بالشهوة بأن ينظر إنما يفتح
ثغرة للمرض ليؤذيه (مت 5: 28 وما يليها)، فإن شرور الشهوة مثل الوباء، إذا تمكنت
من الوصول للأجزاء الحرجة في الجسم لا تتوقف إلا عند الموت.

 

موسى
النبي وطريق الكمال (النمو المستمر للحياة)

305.
أعتقد أنه لا داعي لإطالة الحديث بتقديم حياة موسى بأكملها للقارئ كمثال للفضيلة.
فإن من يسعى لحياة أسمى يكفيه ما قلناه للوصول إلى الحكمة الحقيقية، ولكن من يضعف
عن الجهاد من أجل الفضيلة لن يستفيد حتى ولو كتبنا أكثر بكثير مما قلناه.

306.
ويجب ألا ننسى التعريف الذي أوردناه في المقدمة، حيث أكدنا أنه ليس هناك حد للحياة
الفاضلة أو وصف للكمال يمكن أن يقف عنده ويتوقف التقدم في طريق الفضيلة. وطريق
النفس إلى الكمال هو النمو المستمر للحياة إلى ما هو أفضل. وسنصل بحديثنا إلى
نهاية حياة موسى لنبين تعريف الكمال الذي ذكرناه.

307.
إن من يسمو بحياته فوق الأشياء الأرضية بالصعود إلى أعلى كما فعل موسى، لن يتوقف
أبدًا عن الارتفاع أكثر حتى يصبح كل شيء في حياته فوق السحابة التي تحيط وتلتف
بمجرد الصعود الروحي.

308.
لقد وُلد موسى في وقت كان المصريون يعتبرون فيه أن ولادة طفل عبراني أمرًا غير
مرغوب فيه. وكان الطاغية الذي كان يحكم في ذلك الوقت قد أصدر قانونًا يعاقب كل ذكر
عبراني يولد، ولكن موسى انتصر على القانون القاتل، حيث أُنقذ بواسطة والديه. مرة
أخرى بواسطة نفس الأشخاص الذين سنوا القانون، وكان الذين يريدون موته بحكم القانون
هم بالفعل الذين حرصوا حرصًا كبيرًا على حياته، واهتموا بتعليمه حيث تلقى كشابٍ
تعليمًا في كل فروع الحكمة.

309.
بعد ذلك وقف موسى موقفًا فوق الكرامة البشرية والعظمة الملكية. معتبرًا أن الحرص
على الفضيلة والتجمل بزينتها كانا أقوى وأكثر لياقة بالملكية من أن يكون راميًا
بالرمح ويرتدي زينة ملكية.

310.
بعد ذلك أنقذ موسى مواطنه العبراني وقتل المصري، اللذين يرمزان في تفسيرنا التأملي
لصديق النفس وعدوها، وانعزل في البرية واتخذ من عزلته معلمًا للأمور السامية،
وبهذه الطريقة استنار فهمه بالنور الذي سطع من العليقة. ثم أسرع ليشرك مواطنيه
العبرانيين معه في الخيرات التي وهبها له الله.

311.
في تلك المناسبة أظهر موسى قوته بطريقتين، بصد أعدائه بضربات بارعة واحدة تلو
الأخرى، وبفعل الخير لمواطنيه العبرانيين، فقاد هذا الشعب عابرًا البحر سيرًا على
الأقدام دون أن يصنع أسطولاً من السفن، بل بدلاً من ذلك جعل إيمانهم سفينة لعبور
البحر، لقد جعل قاع البحر أرضًا جافة للعبرانيين والأرض الجافة بحرًا للمصريين.

312.
أنشد موسى أنشودة النصرة، وسار تحت إرشاد عمود الغمام واستنار بالنار السماوية في
العليقة، وأعد مائدة طعام نزلت عليه من فوق، وأخرج ماءً من الصخرة، ومد يديه
للقضاء على عماليق، وصعد الجبل ودخل في الضباب (الظلمة) وسمع البوق، واقترب من
الطبيعة الإلهية، وأحيط بالبيت الإلهي، وزين الكهنوت بزي الكهنوت، وبنى البيت (على
الأرض)، وأمر الشعب أن يحيا طبقًا للناموس، وحارب حروبه الأخيرة بالطريقة التي
وصفناها.

313.
كان آخر أعماله الصالحة هو معاقبة الانحلال عن طريق الكهنوت، بالغضب الذي أظهره
فينحاس ضد الشهوة. وبعد كل هذه الأعمال ذهب إلى جبل الراحة، ولم يطأ أرض الموعد
التي كانت موعودة للشعب وكانوا يشتاقون لها. وهذا رمز لأن موسى الذي فضل أن يعيش
على ما كان يأتي له من فوق لم يعد يذوق الطعام الأرضي، ولكنه كان كمثَّال (صانع
تماثيل) ماهر، فقد شكَّل تمثالاً جيدًا بحياته، ولم يكتف بالانتهاء من صنع
التمثال، ولكنه وضع اللمسة النهائية عليه.

 

موت
موسى عبد الرب

314.
ماذا يخبرنا الكتاب هنا؟ “فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول
الرب… ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم… ولم تَكِلْ عينه، ولا ذهبت
نضارته” (تث 34: 5-7). من هذا نعرف أن الإنسان الذي يعمل مثل هذه الأعمال
النبيلة يستحق أن يدعى “عبد الرب” (عد 12: 7)، مما يعني أنه أفضل من كل
الآخرين، فالإنسان لا يخدم الرب، إلا إذا تميز عن كل من في العالم. وهذا هو مرامه
وهدفه من الحياة الفاضلة ونهاية الحياة التي تحددها كلمة من الله. والموت الذي
نقرأ عنه في قصة موسى هو موت حياة، ليس بعده قبر ولا يملأ قبرًا أو يطفئ نور
العينين أو يجلب شيخوخة للإنسان.

315.
ماذا نتعلم إذًا مما سبق؟ أن يكون لنا هدف واحد في الحياة، أن نستحق اسم
“عبيد الرب” بحكم الحياة التي نحياها. ذلك عندما نحذو حذو موسى، ونهزم
كل الأعداء (المصريين وعماليق والأدوميين والمديانيين)، ونعبر البحر، ونسترشد
بعمود الغمام، ونحلي مياهنا بالخشبة، ونشرب من الصخرة، ونذوق الطعام النازل من
فوق، ونصعد الجبل بالطهارة والقداسة، ونصل إلى فوق، ونتعلم السرّ الإلهي من صوت
البوق، ونقترب إلى الله في الظلمة التي لا يمكن اختراقها وذلك عن طريق إيماننا،
هناك نتعلم أسرار البيت وكرامة الكهنوت.

316.
وعندما تنقش – كمثَّال – الوحي الإلهي الذي تسلمته من الله في قلبك، وعندما تحطم
الوثن الذهبي، أي عندما تحطم من حياتك رغبة الجشع، وعندما تسمو إلى مرتفعات لا
يرقى إليها سحر بلعام (السحر هنا رمز للخداع الماكر الذي نتعرض له في الحياة،
والذي يحدر الناس كأنه الشراب السحري الذي كانت الساحرة في الأساطير القديمة تحذر
الناس به وتجعلهم يتحولون إلى حيوانات غير عاقلة ويتركون طبيعتهم السليمة)، عندما
تمر بكل هذه التجارب وتزهر عصا الكهنوت في يدك بلا ماء من الأرض بل بقوتها الفريدة
على الإثمار (الثمرة هي اللوزة التي مذاق قشرتها مُرْ وصلب ولكنها من الداخل حلوة
وصالحة للأكل)، وعندما تقضي على كل شيء يقلل من شأنك، كما ابتلعت الأرض داثان
وأحرقت النار قورح– عندئذ ستقترب من الهدف.

317.
أعنى ب “الهدف” الغاية التي يفعل كل شيء لأجلها، فغاية الزراعة هي
الاستمتاع بثمارها، والغاية من بناء منزل هي السكن فيه، والغاية من التنافس في
المسابقات هي الحصول على الجائزة. والغاية من الحياة السامية هي استحقاق اسم عبيد
الرب، ومع هذه الكرامة في استحقاق هذا الاسم هناك هدف آخر هو الحياة البسيطة
الخالية من الشر.

318.
يصف الكتاب المقدس خاصية أخرى لخدمة الرب، فإن العين لا تكل ولا يشيخ الشخص. إذ
كيف يمكن لعين موجودة دائمًا في النور أن تكل من الظلام الذي هو دائمًا بعيد عنه؟
والشخص الذي يمنع الفساد في حياته كلها بكل الطرق لا يسمح بدخول الفساد إلى حياته.
ومن بلغ حقًا أن يكون في صورة الله ولم يحد بأي شكل جانبًا عن الطريق الإلهي يحمل
في ذاته العلامات المميزة للشخصية الإلهية ويظهر في كل شيء تمسكه بالنموذج الإلهي،
فيُجَمِل نفسه بكل ما هو غير فاسد ولا متغير ولا يشارك في أي شر على الإطلاق.

 

خاتمة

319.
يا سيزاريوس، يا رجل الله، لقد كتبت لك هذا بإيجاز عن الأمور الخاصة بكمال حياة الفضيلة
ورسمت ما يشبه نمطًا لحياة موسى العظيم بحيث يمكن لكل منا أن يقلد صورة الجمال
الذي يظهر لنا فيها بتقليد أسلوب حياة موسى. وليس هناك دليل على أن موسى قد بلغ
الكمال أكثر من الصوت الإلهي الذي قال له: “لأنك وجدت نعمة في عيني وعرفتك
باسمك” (خر 33: 12، 17)، وكذلك أنه قد سمي صديق الرب: “ويكلم الرب موسى
وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه” (خر 33: 11)، وأنه فضل أن يهلك مع الآخرين
إذا لم يعفُ الله برحمته عن خطاياهم، وهدَّأ غضب الله على الإسرائيليين. وعدل الله
عن حكمه على الإسرائيليين لئلا يحزن صاحبه. كل هذه الأمور هي شهادة واضحة ودليل
على أن موسى قد بلغ أعلى قمم الكمال.

320.
وحيث أن الغاية من حديثنا هي الوصول إلى طريق الحياة الفاضلة، وحيث أننا قد وجدنا
هدفنا، لذلك يجب يا صديقي النبيل أن تنظر إلى هذه القدوة وتطبق في حياتك التفسير
الروحي للأحداث الحرفية التي تحدثنا عنها: أن يصير الإنسان معروفًا للرب وصديقًا
له. هذا هو الكمال الحقيقي، وليس تجنب حياة الشر لأننا نخاف مثل العبيد من العقاب،
ولا فعل الخير لأننا نأمل في الحصول على مكافأة، كأننا نحصل على ثمن الحياة
الفاضلة، وكأنها إجراءات صفقة تجارية، بل على العكس، فإننا لا ننظر إلى كل الأشياء
التي نأمل فيها والمحجوزة لنا طبقًا للوعد، ونعتبر السقوط من صداقة الرب هو الشيء
الوحيد المخيف، ونعتبر صداقة الرب الشيء الوحيد الذي يستحق أن نرغبه ونكرمه، وهذا
هو الكمال في الحياة.

321.
عندما يرتفع فهمك إلى الأمور العالية والإلهية، فإن ما ستجده (وأنا واثق أنك ستجد
الكثير) سيكون للفائدة المشتركة في المسيح يسوع، آمين.