علم

الكتاب الثاني: الفصل السابع



الكتاب الثاني: الفصل السابع

الكتاب
الثاني: الفصل السابع

7-
ربّ المجد الذي نزل من السماء
قد
صُلِبَ بحسب طبيعته البشرية

ملخص:

 رب
المجد الذي نزل من السماء قد صُلِبَ بحسب طبيعته البشرية…

 

52
لذلك، فإنه توجد وحدة في المشيئة حيث توجد وحدة في العمل، لأنه في الله، فإن
مشيئته يصدر عنها مباشرة فعل حقيقي، ولكن مشيئة الله شيء، والمشيئة البشرية شيء
آخر. وعلاوة على ذلك، فإن الحياة هي هدف المشيئة البشرية، فنحن نخاف الموت، بينما
آلام المسيح كانت تعتمد على المشيئة الإلهية بأن يتألم لأجلنا، ولكي يوضح الرب
ذلك، فعندما حاول بطرس أن يثنيه عن الآلام، قال له: ” أنت لا تهتم بما لله.
بل بما للناس” (مت23: 16).

53
ولذلك، أخذ مشيئتي لنفسه، أخذ أحزاني وبثقة أدعوها أحزاني، لأنني أكرز بصليبه. إن
ما هو خاص بي هو المشيئة التي سمّاها مشيئته، لأنه كإنسان هو حمل أحزانى، وكإنسان
تكلَّم ولذلك قال: ” لا مشيئتي بل مشيئتك”. الأحزان هي أحزانى، وما هو
خاص بي والحِمل الثقيل الذي حمله بسبب حزني هو حملي أنا، لأنه لا يوجد مًن يتهلّل
عندما يكون على حافة الموت. هو يتألم معي ويتألم لأجلى، فهو حزن لأجلى. وتثقل
لأجلى. لذلك فهو حزن بدلاً منى وحزن فيّ، هو الذي لم يكن هناك سبب يجعله يحزن لأجل
نفسه.

54
ليست جروحك هي التي آلمتك أيها الرب يسوع، بل جروحي؛ ليس هو موتك بل هو ضعفنا الذي
تسبب في آلامك، كما يقول النبى: ” ضُرِبَ لأجلنا” (إش4: 53س)، ونحن
يارب، حسبناك مضروباً عندما تألمت ليس لأجل نفسك بل لأجلى.

55
وما الغرابة إن كان الذي بكى لأجل واحد، يحزن لأجل الجميع؟، وما الغرابة إن كان قد
تثقل لأجل الجميع ساعة الموت هذا الذي بكى وهو مزمع أن يُقيم لعازر من الموت؟ حقاً
لقد تحرَّكت مشاعره بتأثير دموع أخت لعازر المُحِبَّة، لأن هذه الدموع مسَّت قلبه
الإنساني، وهنا وبحزن سِرِّى سمح للمشاعر الإنسانية أن تُعبِّر عن نفسها، حيث كما
أن موته وضع نهاية للموت، وجلداته شفت جروحنا، هكذا أيضاً فإن حزنه أزال
أحزاننا[1].

56
لذلك، فهو كإنسان، كان يشكّ، وكإنسان كان يندهش، ولكن لا قوَّته ولا ألوهيته
تُدهش، ولكن نفسه. لقد دُهِشَ نتيجة أنه أخذ ضعفنا البشرى على عاتقه، وإذ ترى أنه
اتخذ نفساً، فقد اتخذ أيضاً مشاعر النفس الإنسانية[2]، لأنه لا يمكن لله أن يتألم
أو يموت من جهة كونه الله. وأخيراً، فإنه صرخ: ” إلهي إلهي لماذا
تركتني”؟ (مز1: 22، مت46: 27، مر34: 15). فهو يتكلَّم هكذا كإنسان حاملاً معه
مخاوفي، لأننا عندما نكون وسط المخاطر، فإننا ربما نظن في أنفسنا أن الله قد
تركنا. فهو قد تألم كإنسان، وبكى كإنسان وصُلِبَ كإنسان.

57
وهكذا فإن الرسول بولس يقول: ” لأنهم صلبوا جسد المسيح” (غلا24: 5)[3]،
ويقول القديس بطرس أيضاً: ” إذ قد تألم المسيح.. بالجسد” (1بط1: 4).
لذلك فالجسد هو الذي تألم، بينما اللاهوت هو فوق في أمان مِن الموت، وقد خضع جسده
للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أن يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا:
” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها”
(مت28: 10). فإن كانت النفس لا يمكن أن تُقتل، فكيف يمكن أن يموت اللاهوت؟

58
إذن، فعندما نقرأ أن رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما في
مجده[4]، ولكن لأن الذي هو الله هو أيضاً إنسان، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد
لنفسه هو: الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إن رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه
الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام في بشريته، حتى يمكننا القول إن
الذي تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معاً في نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما
هو مكتوب: ” الذي نزل من السماء” (يو13: 3).

===

[1]
إنه تعليم جميل جداً للآباء أن المسيح أخضع ذاته لظروف وتجارب حياتنا كي يعيدها
ويقدِّسها ويمدها بفاعلية استحقاقاته، وكان الآباء حريصون أن ينسبوا لكلمة الله
المتجسد ليس فقط الأجزاء الطبيعية في الجسد والنفس، بل وحتى أصغر الأشياء والخاصة
جداً مثل: الحزن، الخوف، الدموع؛ وكذلك جميع المشاعر البشرية: الحَمْل، الميلاد،
الطفولة؛ وجميع مراحل الحياة والنمو: الجوع والعطش، التعب والحزن كي يجد علاجاً
لكل ما زحفت إليه الخطية. وكما أفسد الموت الكل، هكذا يلزم أن يُرش ماء الحياة.
ويقول القديس غريغوريوس النزينزى بطريقة مُلفتة للنظر: ” لقد نام حقاً ليبارك
نومنا، وتعب ليقدِّس تعبنا، وبكى ليكرِّم الدموع”. ويقول القديس كيرلس الكبير
في شرح (يو27: 12): ” سوف تجد كل أنواع الاختبارات البشرية ممثلة كما يجب في
المسيح، وأن المشاعر الجسدية قد تسربلت بالقوة، ولكن ليس مثلنا، لكى تحصل على
السلطة والسيادة والاستعلاء. ولكن بقوة الكلمة الساكن في الجسد يمكن لهذه المشاعر
أن تُذلَّل وتُضبَط، وتتحوَّل طبيعتنا إلى حالة أفضل.

[2]
يعدد ذلك أريستوتل في الأخلاقيات
Aristotle,
Ethics II.
Ch. 4 (5).

[3]
يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلى مُلفت للنظر حيث يقول النص: ”
ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد”.

[4]
انظر 1كو8: 2.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى