علم

الكتاب الثاني: الفصل الثاني عشر



الكتاب الثاني: الفصل الثاني عشر

الكتاب
الثاني: الفصل الثاني عشر

12-
الديّان الجالس عن يمين الآب
الذي
هو واحد مع الآب والروح القدس

ملخص:

 هل
الأرثوذكس أم الآريوسيون هم الذين يضمنون لأنفسهم فضل المسيح كديَّان لهم؟ إن
الاعتراض المؤَّسس على المزمور 1: 110 باطل، إذ يمكن أن نبيّن أن الابن عندما
يُدعى بواسطة الآب أن يجلس عن يمينه، فإنه لا يقصد بهذا أي إخضاع، بل ولا أي
أفضلية له وعلى الابن، بسبب أن الابن يجلس عن يمينه. إن الحق الخاص بالأقانيم
الثلاثة في الله ووحدة طبيعتهم يبرهن عليها بالتسبحة الملائكية ذات الثلاثة
تقديسات.

 

100
إن كان لا يمكن أن يتحوَّل مقاومونا باللطف، فلنستدعِهم أمام القاضي. إلى أيّ قاضٍ
إذاً سنذهب؟ بالتأكيد إلى مَنْ له الدينونة. هل إلى الآب؟ كلاَّ، ” لأن الآب
لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة للابن” (يو22: 5). إن الابن أُعطى هذا
ليس كإنعام، بل في ولادته من الآب. انظر إذن كيف أنه، غير راضٍ عن إهانتك لابنه،
ومع ذلك فإنه أعطاه أن يكون ديَّاناً لك.

101
دعنا إذن في موقف القضاء، مَنْ يكون له الدعوى الأفضل، أنت أم أنا؟ بالتأكيد إن
اهتمام الفريق الحكيم وهو يعرض الدعوى أن ينال أولاً رضا القاضي. أنت الذي تُكرِّم
الإنسان ألا تكرِّم الله؟ إنني أسألك أيهما سوف يجد قبولاً عند القاضي: الاحترام
أم الازدراء؟ افترض إنني على خطأ، ومع أنني بالتأكيد لست هكذا، هل المسيح لا
يُسرُّ بالكرامة التي نقدمها؟ نحن كلنا خطاة، فمن الذي سيكون جديراً بالغفران: هل
الذي يُقدِّم العبادة أم الذي يظهر العجرفة؟

102
أمّا إذا كان العقل لا يستحثَّك، فعلى الأقل دع وجه الدينونة الواضح يحركك! ارفع
عينيك إلى الديَّان وانظر مَنْ هو الجالس، ومع مَنْ هو جالس وأين. المسيح يجلس عن
يمين الآب. إن كنت لا تستطيع بعينيك أن ترى هذا، فاسمع كلمات النبى: ” قال
الرب لربى اجلس عن يميني” (مز1: 110). فالابن إذاً جالس عن يمين الآب.
وإلاَّ، قُل لي يا مًن تتمسَّك بأن أمور الله يُحكم عليها من أشياء هذا العالم،
فأخبرني إذاً هل أنت تفكر أنه الجالس عن اليمين هو أقل؟ هل هو أمر مهين للآب أن
يجلس عن يسار الابن؟ إن الآب يكرِّم الابن وأنت تجعل هذا الإكرام إهانة! إن الآب
يجعل هذه الدعوة علامة حب وتقدير، وأنت تعتبرها أمراً مِن سيد متسلط على غيره!
المسيح قام من الأموات وجلس عن يمين الله.

103
ولكنك تعترض وتقول، حسناً، اسمع الآن عبارة لم ينطق بها الآب، ولكن الابن يتنبأ
ويقول: ” مِن الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة” (مت64:
26)، وله يقول الآب: ” اجلس عن يميني”[1]. إن كنت حقاً تسأل عن السكن
الأبدي للألوهة، فإنه قال عندما سأله بيلاطس ما إذا كان هو ملك اليهود: ”
لهذا وُلِدت”[2]، وهكذا فإن الرسول حقاً يوضح أنه من الجيد لنا أن نؤمن أن
المسيح يجلس عن يمين الآب، ليس كأمر ولا كنعمة، ولكن كابن الله الحبيب العزيز
جداً، لأنه مكتوب: ” اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتموا
بالأشياء التي هي فوق” (كو1: 3و2). وأن تهتم بالأشياء التي هي فوق هو أن تؤمن
أن المسيح في جلوسه، لا يطيع كمن يتلقَّى أمراً، بل هو مكرَّم كابن محبوب جداً،
إذاً، إنه من جهة جسد المسيح يقول الآب: ” اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك
موطئاً لقدميك”.

104
أمّا إذا كنت تسعى مرة أخرى أن تقلب معنى هذه الكلمات: ” أضع أعداءك تحت موطئ
قدميك”، فإنني أجيب أن الآب أيضاً يعطى للابن أن يقيم الأموات ويُحيى، ويقول
المسيح: ” لا يقدر أحد أن يُقبِل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني، وأنا
أقيمه في اليوم الأخير” (يو44: 6). وأنتَ تقول إن ابن الله خاضع بسبب الضعف،
وهو الابن الذي يجذب الآب إليه الناس ليقيمهم في اليوم الأخير. أتوسل إليك، هل
يبدو لعينيك أن هذا خضوع، بينما الملكوت هو معدٌّ للآب والآب يعطيه للابن، ولا
مجال لقلب الكلمات، لأن الابن يعطى الملكوت للآب، ولا يوجد من يُفضَّل عليه؟ وبما
أن الآب يقدِّم للابن والابن أيضاً يقدِّم للآب، فإنه توجد هنا براهين واضحة على
الحب والاعتبار، إذ نرى أن الواحد هكذا يقدم للآخر، فلا يكون الذي يأخذ كأنه يحصل
على شيء كما لو كان يخص الآخر، ولا الذي يقدم يَفقد.

105
وعلاوة على ذلك، فالجلوس عن اليمين ليس هو أفضلية ولا الجلوس عن اليسار يدل على
الازدراء، لأنه لا توجد درجات في الألوهة التي لا تُحدّ بمكان أو بزمان، هذه
الأمور التي هي معايير وقياسات الأذهان البشرية الناقصة. إنه لا يوجد اختلاف في
الحب، ولا ما يقسم الوحدة.

106
فلماذا إذن الجولان بعيداً؟ وأنت قد رأيت كل شيء حولك، رأيت الديَّان، ولاحظت
الملائكة وهم يسبحونه، هل هم يسبحون وأنت تسيء إليه؟ السلاطين والقوات تنطرح أمامه
وأنت تتكلم بالشر على اسمه! جميع القديسين يعبدونه وأنتَ لا تعبد ابن الله ولا
الروح القدس، بينما السارافيم يقولون ” قدوس، قدوس، قدوس” (إش3: 6).

107
ماذا يعنى هذا النطق المثلث لنفس الاسم: ” قدوس”؟ فإن كان يكرر ثلاثاً،
فلماذا يكرر إلاّ لأنه فعل تسبيح واحد. وإن كان فعل تسبيح واحد، فلماذا يُكرَّر
إذاً ثلاث مرات، لماذا التكرار المثلث إن لم يكن الآب والابن والروح القدس واحد في
القداسة؟ إن الساروف ينطق بالاسم ليس مرَّة واحدة لئلا يستبعد الابن، ولا مرتين
لئلا يتغاضى عن الروح القدس، وليس أربع مرات لئلا يضيف الكائنات المخلوقة (في
تسبيح الخالق). وعلاوة على ذلك، فلكي يبيّن أن ألوهية الثالوث واحدة، فإن بعد
الثلاثة تقديسات يضيف في عدد مفرد: “رب الصباؤوت” فالآب إذن قدوس،
والابن قدوس، وروح الله قدوس بالمثل، ولهذا فإن الثالوث يُعبَد ولا يَعبُد،
ويُسبَّح ولا يسبِّح. أمَّا بالنسبة لي، فإنني أومن مثل السارافيم، وأعبد بحسب
طريقة كل الرئاسات والقوات السمائية.

===

[1]
قال هذا للمسيح المُقام أف20: 1: ” إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في
السماويات”.

[2]
يفهم القديس أمبروسيوس من هذه الآية أن المسيح يجلس عن يمين الآب.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى