علم

الكتاب الأول: الفصل السادس عشر



الكتاب الأول: الفصل السادس عشر

الكتاب
الأول: الفصل السادس عشر

16-
بولس يمنعنا أن نعبد مخلوقاً ويحثنا على
عبادة
المسيح. فكيف يقولون إن المسيح مخلوقاً؟

ملخص:

 يُجدف
الآريوسيون على المسيح إذ يفهمون كلمتَي “مخلوق” و”مولود”
بنفس المعنى. ولكن لو كانوا يعتبرون الكلمات مختلفة عن بعضها في المعنى، فعندئذ
يجب ألاّ يتكلموا عن المسيح المولود كما لو كان كائناً مخلوقاً. إن هذه القاعدة
تستند على شهادة القديس بولس الذي بينما يُصرح عن نفسه أنه عبد للمسيح، فهو ينهي
عن عبادة أي مخلوق. إن الله إذ هو جوهر خالص وغير مُركَّب، فلا توجد فيه طبيعة
مخلوقة؛ وبالإضافة إلى ذلك، يجب ألاَّ يُحط بالابن إلى مستوى المخلوقات، فنحن نرى
أن الآب قد سُرَّ به.

 

100
والآن أود أن أسأل الآريوسيين بالذات إن كانوا يعتقدون أن مولود ومخلوق لهما نفس
المعنى. إذا كانوا يعتبرونهما بنفس المعنى الواحد، فلا يكون هناك إذن فرق بين
الولادة والخلقة. وعليه لأننا نحن أيضاً مخلوقون، فلا يكون بيننا وبين المسيح أي
فرق. ومهما كان جنون الآريوسيين عظيماً، إلاّ أنهم لن يتجاسروا أن يقولوا هذا.

101
وبالإضافة إلى ذلك، إذا ما وافقنا على ما هو ليس حقيقياً وأخذنا بغبائهم، أود أن
أسألهم إن كان لا يوجد فرق في الألفاظ كما يظنون، فلماذا لا ينادون الذي يعبدونه
باللقب الأفضل؟ لماذا لا ينتفعون من ” كلمة الآب”؟ ولماذا يرفضون لقب
الكرامة ويستعملون اسماً مهيناً؟

102
وإن كان يوجد مع ذلك تمييز كما أظن بين كلمة “مخلوق” وكلمة
“مولود”، فإننا عندما نقرأ عنه أنه “مولود”، فبالتأكيد سوف لا
نفهم نفس الشيء من كلمتَي: “مولود” و”مخلوق”. دعهم إذن
يعترفون به بأنه مولود
begotten من الآب ومولود born من العذراء، أو فليقولوا لنا كيف أن ابن الله يمكن أن يكون
مولوداً ومخلوقاً معاً؟ إن الطبيعة الواحدة التي هي فوق الكل، أي الكائن الإلهي،
لا تقبل أي صراع أو تناقض (في داخلها).

103
على أي حال، فلندع جانباً رأينا الخاص، ولنسأل بولس هذا الإنسان المملوء بروح
الله، والذي إذ قد سبق فرأي هذه التساؤلات فإنه حكم ضد الوثنيين عامة وعلى
الآريوسيين خاصة قائلاً إن الذين يعبدون المخلوق دون الخالق هم مُدانون بحسب قضاء
الله. ويمكنك في الواقع أن تقرأ: ” لذلك أسلمهم الله أيضا في شهوات قلوبهم
إلى النجاسة لإهانة أجسادهم الواحد مع الآخر، هؤلاء الذين استبدلوا حق الله
بالكذب، وعبدوا وخدموا المخلوق دون الخالق، الذي هو الله المبارك إلى الأبد”
(انظر رو25،24: 1).

104
إن بولس يمنعني أن أعبد مخلوقاً، ويحثني على عمل واجبي، بأن أعبد المسيح. يتبع ذلك
أن المسيح ليس كائناً مخلوقاً. إن الرسول يدعو نفسه: ” بولس عبد ليسوع
المسيح” (رو1: 1)، وهذا العبد الصالح الذي يعترف بإلهه، يريدنا بالمثل ألاّ
نعبد ما هو مخلوق. كيف إذن يتأتَّى أن يكون الرسول نفسه عبداً للمسيح لو كان بولس
يعتقد أن المسيح شخص مخلوق؟ دع هؤلاء الهراطقة يكفُّون عن أن يعبدوه، هذا الذي
يدعونه “كائناً مخلوقاً” أو يسمونه مخلوقاً هذا الذي يتظاهرون أنهم
يعبدونه، لئلا تحت شكل أنهم عابدون فإنهم يسقطون في عبادة رديئة، لأن ما يظهر
للعيان أنه قريب هو أردأ من العدو الغريب. وكون هؤلاء القوم يستخدمون اسم المسيح
لإهانة المسيح، فإن هذا يزيد إثمهم.

105
أيُّ شارح للكتب المقدسة سنجده أفضل من رسول الأمم، ذاك الإناء المختار، والمختار
من ضمن كثير من المضطهدين؟ إن ذاك الذي كان يضطهد المسيح صار يعترف به، إنه على أي
حال قرأ سليمان أكثر مما فعل آريوس، وكان متعلماً حسناً في الناموس، ولذلك فهو لم
يقل إن المسيح كان مخلوقاً، بل إنه كان مولوداً. إنه قرأ: ” لأنه قال فكان،
وأمر فخُلِقت”[1]. وأنا أسأل: ” هل المسيح صُنِع بكلمة؟ خُلِق بأمر؟”.

106
وبالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن أن توجد طبيعة مخلوقة داخل الله؟ وفي الحقيقة فإن
طبيعة الله ليست مُركَّبة، ولا يمكن أن يُضاف إليه شيء، وهو لا يحوي في طبيعته سوى
ما هو إلهي فقط، يملأ كل الأشياء[2]، دون أن يختلط بأي شيء. هو يتخلل كل الأشياء،
ولكن لا يتخلله شيء أبداً. موجود بكل ملئه في نفس اللحظة، في السماء وعلى الأرض
وفي عمق أعماق البحر[3]. هو غير مرئي للعيون ولا يُعبَّر عنه بالنطق، ولا يُقاس
بالإحساس، ولكن يُقتفى أثره بالإيمان، ويُعبد بالورع، حتى إنه مهما كان هناك من
ألقاب تفوق في عمقها كل ما عُرف في الإدراك الروحي، من حيث المجد والكرامة وعظمة
القوة، فهذا عليك أن تعرف أنه يخص الله بحق.

107
حيث إن الآب قد سُرَّ بالابن، فآمن أن الابن جدير بالآب، وأنه خرج من الآب كما
يشهد هو لنفسه قائلاً: ” لأني خرجت من قِبل الله وأتيت” (يو42: 8)،
وأيضاً ” من عند الله خرجت” (يو27: 16). فالذي خرج من الله، أيمكن أن
تكون له صفات سوى صفات الله؟!

===

[1] مز9: 33، مز5: 148.

[2] عد21: 14 ” ولكن حيٌّ أنا فتُملأ كل الأرض من مجد الرب”.

[3] مز19: 72 ” ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتلئ الأرض كلها من مجده”؛
إش3: 6 ” وهذا نادي ذاك وقال: قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجده ملء كل
الأرض”؛ زك9: 14 ” ويكون الرب ملكاً على كل الأرض، في ذلك اليوم يكون
الرب وحده واسمه وحده”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى