علم

الكتاب الأول: الفصل الرابع عشر



الكتاب الأول: الفصل الرابع عشر

الكتاب
الأول: الفصل الرابع عشر

14-
ابن الله ليس كائناً مخلوقاً
وهذا
ما يبرهن عليه بالتالي

ملخص:

 ابن
الله ليس كائناً مخلوقاً، هذا ما يمكن أن يُبَرهنُ عليه بالحجج التالية:

1
أنه أمر تلاميذه أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها وليس لنفسه.

2
أن الكائن المخلوق مُستعبد للبُطل.

3
أن الابن قد خلق كل الأشياء.

4
أننا نقرأ عنه أنه مولود.

5
أن الفرق بين الميلاد والتبني، كان دائماً مفهوماً في تلك الشواهد، التي يتضح منها
أن كلا الطبيعتين الإلهية والبشرية متواجدتان معاً فيه.

 كل
الشواهد الخاصة بهذه الأمور تُثبت بواسطة تفسيرات الرسول.

 

86
أعتقد أنه قد صار واضحاً الآن، لجلالتك المقدسة، أن الرب يسوع ليس مختلفاً عن
الآب، كما أنه لم يبدأ وجوده أثناء الزمن. ومع ذلك، فلا يزال علينا أن ندحض
تجديفاً آخر، وأن نوضح أن ابن الله ليس كائناً مخلوقاً. نجد هنا الكلمة الحية التي
نقرأها كمعين لنا، لأننا قد سمعنا العبارة التي يقول فيها الرب: ” اذهبوا إلى
العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر15: 16). إن الذي يقول ”
للخليقة كلها” لا يستثنى شيئاً، فكيف يتأتى لهم أن يدّعوا على المسيح أنه
“مخلوق”؟، لأنه لو كان مخلوقاً، فهل كان يمكنه أن يأمر أن يُكرز
بالإنجيل له هو نفسه؟، لذلك، فالذي يسلّم لتلاميذه عمل الكرازة للمخلوقات، ليس
مخلوقاً بل خالقاً.

87
فالمسيح، إذن، ليس كائناً مخلوقاً، لأن الأشياء المخلوقة كما يقول الرسول: ”
قد أُخضِعت للبُطل” (رو20: 8)، فهل المسيح أُخضِع للبُطل؟ وأيضاً، ” فإن
الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن” (رو22: 8) كما يقول نفس الرسول، ماذا إذن؟
هل المسيح له نصيب في هذا الأنين والمخاض، وهو الذي حرّرنا نحن الباكين البؤساء من
الموت؟ يقول الرسول: ” الخليقة سوف تُعتق من عبودية الفساد” (رو21: 8).
نحن نرى إذن أنه بين الخليقة وخالقها يوجد اختلاف شاسع، لأن الخليقة مستعبدة،
” أما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب فهناك حرية” (2كو17: 3).

88
مَن هو ذاك الذي قاد أولاً إلى هذا الضلال بإعلانه أن الذي خلق الأشياء وصنعها،
يكون مخلوقاً؟ إنني أتساءل: هل الرب يخلق نفسه؟ إننا نقرأ: ” كل شيءبه كان
وبغيره لم يكن شيءمما كان” (انظر يو3: 1). وإن كان هو هكذا، فهل هو خلق نفسه؟
نحن نقرأ: ” الله بالحكمة صنع كل شيء” (مز24: 104)، ومن يستطيع أن ينكر
المكتوب؟ فإن كان الأمر هكذا فكيف يمكننا أن نفترض أن الحكمة قد خُلِقت بنفسها؟

89
إننا نقرأ أن الابن مولود، بحسب ما يقول الآب: ” مِن الرحم قبل كوكب الصبح
ولدتك” (مز3: 109س). ونقرأ عن ” الابن البكر”[1] وعن “الابن
الوحيد”[2] فهو البكر لأنه لا يوجد أحد قبله، وهو “الابن الوحيد”،
لأنه لا يوجد بعده أحد. ونقرأ أيضاً: ” وميلاده
generation من يُخبِر به” (إش8: 53س). لاحظ أنه مكتوب:
“ميلاده” وليس “خلقته”. وأي مجادلات يمكن أن تقف أمام شهادات
عظيمة وقوية جداً مثل هذه.

90
وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله يكشف الفرق بين الميلاد والنعمة عندما يقول: ”
إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو17: 20)[3]. فهو لم يقل: “إني
أصعد إلى أبينا”، وإنما قال: ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم”. هذا
التمييز إنما هو برهان على الفرق، فالذي هو أب المسيح هو خالقنا نحن.

91
وعلاوة على ذلك، فإنه يقول: ” وإلهي وإلهكم”، لأنه رغم أنه هو والآب
واحد، والآب هو أبوه إذ له نفس طبيعة أبيه بينما قد بدأ الله أن يصير أباً لنا
بواسطة عمل الابن، ليس بفضل الطبيعة بل بالنعمة، إلاّ أنه ينبهنا هنا إلى وجود
طبيعتين معاً في المسيح، اللاهوت والناسوت، اللاهوت من أبيه، والناسوت من أمه.
الأولى كائنة قبل الأشياء، والثانية مأخوذة من العذراء. بسبب الأولى إذ هو يتكلم
على أنه الابن، فهو يدعو الله أباه، وبعد ذلك، إذ يتكلم كإنسان، فإنه يدعوه إلهاً
له.

92
ففي الحقيقة نجد في مواضع كثيرة، شهادات في الكتب المقدسة تبين أن المسيح، عندما
يدعو الله إلهه، فإنه يفعل هذا كإنسان، مثل: ” إلهي إلهي لماذا تركتني”
(مز1: 22)[4]، وأيضاً: ” من بطن أمي أنت إلهي” (مز10: 22). ففي الشاهد
الأول، فإنه يتألم كإنسان، وفي الثاني، فإن إنساناً هو الذي خرج من رحِم أمه.
وهكذا، فإنه عندما يقول: ” من بطن أمي أنت إلهي”، فهو يعني أن هذا الذي
كان أبوه على الدوام، هو أيضاً إلهه من لحظة خروجه من بطن أمه.

93
وهكذا نرى أننا عندما نقرأ في الأناجيل وفي الرسائل وفي الأنبياء، فإننا نجد انه
مكتوب عن المسيح أنه “مولود”، فكيف يجرؤ الآريوسيون أن يقولوا إنه مخلوق
أو مصنوع؟ كان يجب عليهم في الحقيقة أن يفكروا ويتأملوا ملياً في هذه الشهادات،
وأين يقرأوا فيها عنه أنه مخلوق أو مصنوع؟ وإذ قد بيّنا بوضوح أن ابن الله، مولود
من الله، دعهم إذن يفكرون ويفحصون فيما هو مكتوب، أين قرأوا أنه مصنوع، وسوف يرون
أنه لم يصر إلهاً ولكنه وُلِدَ إلهاً، وهو ابن الله، وبعد ذلك، صار إنساناً من
مريم، حسب الجسد.

94
” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت
الناموس” (غل4: 4). لاحظ جيداً القول، فإنه يقول ابنه، فهو ليس واحداً من
كثيرين، ولا هو شريك مع آخر، ولكنه ابنه الخاص. وكذلك، فإنه في القول
“ابنه”، فإن الرسول هنا يوضِّح أنه من جهة طبيعة الابن فإن ميلاده كان
أزلياً، ويؤكد عنه الرسول أنه بعد ذلك صار من امرأة، حتى لا يُفهم أن الصيرورة
خاصة بالألوهة، ولكن بسبب لبسه جسداً “مصنوعاً من امرأة” بأخذه جسداً
“مصنوعاً تحت الناموس” أي بواسطة حفظ الناموس. وهكذا فإنه بينما الأولى،
أي الولادة الروحية هي قبل وجود الناموس، فإن الأخرى هي بعده.

===

[1] كو15: 1.

[2] يو14: 1.

[3] النعمة التي يتكلم عنها القديس أمبروسيوس هى نعمة التبنى. إن يسوع المسيح هو ابن
الله “بالطبيعة” (
fÚsi) أمّا نحن فأبناء الله “بالتبنى” (uƒoqes…v).

[4] وانظر مت46: 27، مر24: 15.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى