علم

الكتاب الأول: الفصل الثاني عشر



الكتاب الأول: الفصل الثاني عشر

الكتاب
الأول: الفصل الثاني عشر

12-
إن كانت ولادة السيد من العذراء سرّية
وغير
مدركة فكم بالحري ولادة الابن من الآب

ملخص:

 إن
اعتراضات إضافية بخصوص ألوهة الابن تُقابَل بنفس الإجابة، وهى توضح للذهن الذكي أن
هذه الاعتراضات تكون ضد الآب أيضاً بالتساوي. فإن كان الآب لا يُحد إطلاقاً، لا
بزمن أو بمكان أو بأي شيء آخر مخلوق، فمثل هذه التحديدات ينبغي ألا تُفرض على
الابن أيضاً، الذي ميلاده العجيب ليس هو من الآب فقط، بل ومن العذراء أيضاً. ولذلك
فحيث إنه في ميلاده من الآب لم يكن هناك تمييز في الجنس (ذكر وأنثى) وما شابه ذلك،
فإن هذا التمييز ليس له وجود في حالة ولادته من العذراء.

 

74
إن الاعتراض التالي هو هذا: ” إن لم يكن للابن تلك الصفات التي لجميع
الأبناء، فلن يكون ابناً”. ليت الآب والابن والروح القدس يسامحوني، لأنني
أعرض الاعتراض بكل خشوع وورع. بالتأكيد، فإن الآب كائن وهو دائم إلى الأبد:
والأشياء المخلوقة موجودة كما رسم لها الله أن توجد. هل يوجد أي من هذه المخلوقات
غير خاضع لحدود الزمن أو المكان أو لحقيقة أنه مخلوق، أو لعلة ما أو أصل خالق؟
بالتأكيد، لا يوجد. فماذا إذن؟ هل الله يحتاج إلى أي واحد من هذه المخلوقات؟ إن قلت
هذا، فهذا هو التجديف بعينه. كفّ إذاً عن أن تنسب للألوهة ما هو خاص ومناسب فقط
للموجودات المخلوقة. أما إن كنت تُصّمم على إتمام المقارنة (في الموضوع)، فتفكر
ملياً إلى أين يقودك شرّك هذا. لا سمح الله لنا، حتى أن ترى نهاية هذه الأمور.

75
نحن نؤكد على الجواب الذي تعطيه التقوى. الله كُلَّى القدرة، ولذلك فإن الله الآب
لا يحتاج لأي من تلك الأشياء، إذ لا يوجد في الله أي تغيير أو احتياج إلى مثل هذه
المعونة التي نحتاجها نحن. فإن ضعفنا يتم مساندته بأشياء من هذا القبيل. أمَّا
الذي هو كلّى القدرة، فمن الواضح أنه غير مخلوق، وغير منحصر في مكان بعينه، وهو
يتجاوز الزمن. قبل الله لم يكن شيء. حاشا، فحتى أن تتكلم عن وجود شيء قبل الله
فهذا خطية فظيعة مُهلكة. إذن، فإن كنت تُسلَّم أنه لا يوجد شيء في طبيعة الله الآب
يلمح إلى أنه يحتاج إلى مساندة، بسبب كونه الله، فيتبع ذلك أنه لا شيء من هذا
النوع يمكن أن يُفترض أنه يوجد في ابن الله، لا شيء يدل على بداءة أو ازدياد، من
حيث إنه ” إله حق من إله حق”[1].

76
وإذ نرى إذن، أننا لا نجد النظام المعتاد، سائداً هنا، فإننا نقتنع أيها الآريوسي،
بأن نؤمن بميلاد عجائبي للابن. أقول لك: كن مقتنعاً، وإن كنت لا تُصَّدقني، فاحترم
على الأقل صوت الله الذي يقول: ” بمن تشبهونني لنتشابه؟” (إش5: 46س)،
وأيضاً: ” الله ليس إنساناً فيكذب” (عد19: 23). فإن كان الله حقاً يعمل
بطريقة سرَّية، إذ نراه لا يعمل أي عمل، أو يصنع أي شيء، أو يُحضِره إلى كماله،
بواسطة عمل اليدين أو من خلال سير الزمن، لأنه: ” أَمَرَ فَخُلِقت”
(مز5: 148)، فلماذا لا نصدّق أن هذا الذي نعترف به كخالق يعمل بطريقة سرية مميزين
طريقته هذه في مخلوقاته لماذا لا نصدق أنه قد ولد ابنه أيضاً بطريقة سرية؟ إنه من
المناسب، بالتأكيد أن يُعتبر أنه قد ولد ابنه بطريقة خاصة وسرَّية. فهذا الذي له
الجلال المنقطع النظير، يليق به أيضاً المجد الخاص بالولادة السرَّية.

77
وليس فقط ميلاد المسيح من الآب، بل أيضاً ميلاده من العذراء يدعو إلى تعجبنا. إنك
تقول إن الميلاد الأول يكون بحسب الطريقة التي نولد بها نحن البشر. ولكنني سوف
أُريك بل وسوف أضطرك أنت نفسك أن تعترف، بأن الميلاد من العذراء أيضاً لا يشبه
طريقة ميلادنا نحن. أخبرني كيف وُلد من مريم، وأي قانون يتفق مع الحمل به في رحم
عذراء، كيف تكون هناك أية ولادة بدون زرع رجل، كيف يمكن لعذراء أن تحمل بطفل، وكيف
صارت أماً قبل أن تختبر مثل هذا الاتصال الذي يتم بين الزوجات وأزواجهن. إنه لا
يوجد سبب منظور ومع ذلك فإن ولداً قد وُلد. كيف تم إذن هذا الميلاد تحت قانون
جديد؟.

78
فإن لم يكن هذا النظام البشرى المعروف قائماً في حالة العذراء مريم، فكيف تطلب أنت
أن تكون ولادة الله الآب لابنه بمثل الطريقة التي وُلِدتَ أنت بها؟ وبالتأكيد فإن
النظام المعروف يتحقق بواسطة اختلاف الجنس، إذ أن هذا قد غُرس في طبيعة جسدنا، ولكن
حيث لا يوجد جسد، فكيف يمكن أن تتوقع أن تجد ضعف الجسد. لا يستطيع أحد أن يحاكم
مَن هو أفضل منه. فإن تؤمن فهذا ما أُمرتَ به دون أن يُؤذَن لك بأن تسأل أو
تحاكِم، لأنه مكتوب: ” آمن إبراهيم بالله فحُسب له براً” (تك6: 15). إن
اللغة تقصر عن أن توضح ليس فقط ميلاد الابن بل حتى أعمال الله أيضاً، كما هو
مكتوب: ” كل أعماله تنجز بالأمانة” (مز4: 33س). فأعماله إذن تُصنع
بأمانة، ولكن ليس ميلاده. نحن دُعينا وأُمرنا أن نؤمن، وبدلاً من أن نسأل عن ما
نراه بعيوننا، نجد أنفسنا أننا نفحص ونفتش ونرتاب في ما لا نراه؟

===

[1] انظر قانون الإيمان النيقاوى.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى