علم

الكتاب الأول: الفصل الثالث عشر



الكتاب الأول: الفصل الثالث عشر

الكتاب
الأول: الفصل الثالث عشر

13-
أزلية المسيح وبنوته للآب
ومقارنة
الآريوسيين بالوثنيين

ملخص:

 لا
يزال الحديث عن الولادة الإلهية مستمراً في هذا الفصل. والقديس أمبروسيوس يوضح
طريقة هذا الميلاد بنفس المثال الذي استخدمه كاتب الرسالة إلى العبرانيين. ويُبيِّن
وجوب الإيمان بما أُعلن باستخدام مثال نبوخذنصر والقديس بطرس. ومن خلال الرؤيا
التي وُهِبت للقديس بطرس تُظهر أزلية الابن وألوهيته، وينبغي أن نصدق بطرس الرسول
أكثر من معلمي الفلسفة، الذين تهاوت سلطتهم في كل مكان ولم يعد أحد يصدقهم. ومن
الجهة الأخرى، يوضح أن الآريوسيين هم كالوثنيين.

 

79
سوف يُطرح السؤال: ” بأي طريقة وُلِدَ الابن؟ (فنجيب) لقد وُلِدَ كائناً له
دوام أبدى، وُلِدَ كلمة، وُلِدَ كبهاء النور الأزلي[1]. فالبهاء يكون فاعلاً في
لحظة مجيئه إلى الوجود. هذا المثل ليس من عندي ولكنه من عند الرسول (بولس). فلا
تفكر إذن أنه كانت هناك لحظة من الزمان على الإطلاق كان الله فيها بدون حكمة،
مثلما لم يكن هناك زمن على الإطلاق كان النور فيه بلا إشعاع. لا تحكم أيها
الآريوسي على الأمور الإلهية بمقاييس بشرية، ولكن آمن بالأمور الإلهية عندما لا
تجد (ما يماثلها في) الأمور البشرية.

80
لقد أبصر الملك الوثني في النار التي أُلقى فيها الثلاثة فتية اليهود رابعاً معهم
شبيهاً بملاك[2]، ولأنه ظن أن هذا الملاك يفوق جميع الملائكة، فإنه حكم بأنه ابن
الله، وهو الذي لم يكن قد سمع عنه، ولكنه آمن به، وإبراهيم أيضاً أبصر ثلاثة وسجد
لواحد[3].

81
بطرس لما رأى موسى وإيليا على الجبل مع ابن الله، لم ينخدع بسبب طبيعتهما ومجدهما.
وهو لم يسأل أحداً منهما، إنما سأل المسيح عما يجب أن يعمله، فمع كونه قدَّم
الاحترام والوقار للثلاثة، ولكنه انتظر الأمر من واحد. ولكن بسبب أنه بجهالة فكر
بأن يصنع ثلاث مظال، إلاَّ أن الصوت الإلهي المهيمن الذي لله الآب قد صحح وتدارك
هذا بقوله: ” هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا” (مت5: 17)، أي: ”
لماذا تضع إخوتك العبيد على قدم المساواة مع سيدك؟”، إن ” هذا (وحده) هو
ابني”، ” موسى ليس ابني”، ” وإيليا ليس ابني” بل ”
هذا هو ابني”. ولم يكن الرسول غبياً بل فهم التوبيخ، لذلك فإنه سقط على وجهه
وانحنى متضعاً لصوت الآب وللجمال المُمجد الذي للابن، ولكن الابن أقامه، الذي
يُسرّ بأن يقيم الساقطين[4]. وبعد هذا فإنه رأى واحداً فقط[5]، ابن الله فقط، لأن
العبيد انسحبوا، ليظهر أنه هو الرب وحده، وهو وحده الذي سُمِّي ”
الابن”.

82
ماذا إذن كان الغرض من هذه الرؤيا والتي بيّنت أن المسيح وعبيده هم غير متساوين،
بل وتدل على سر، إذ ينبغي أن يصير جلياً لنا أن الناموس والأنبياء متفقون مع
الإنجيل، ويعلنون أن المسيح هو ابن الله الأزلي، الذي سبق أن بُشروا به. لذلك
فعندما نسمع أن الابن يخرج من الرحم، كما أن الكلمة يخرج من القلب، فليتنا نؤمن أن
الابن المبارك ليس مخلوقاً بل هو مولود من الآب، ليس هو عمل صانع ماهر، ولكنه
مولود الآب.

83
فذاك الذي قال: ” هذا هو ابني” لم يقل: ” هذا مخلوق في الزمن”
ولم يقل: ” هذا الكائن هو خليقتي، ولا هو من من صنعي، ولا هو خادمي”،
ولكنه قال: ” هذا هو ابني الذي ترونه مُمجداً”. هذا هو إله إبراهيم وإله
إسحق وإله يعقوب الذي ظهر لموسى في العليقة[6]، والذي قال عنه موسى: ” الذي
هو الكائن قد أرسلني”. لم يكن الآب هو الذي تكلم مع موسى في العليقة أو
البرية، بل الابن. وعن موسي هذا تكلم اسطفانوس قائلاً: ” هذا هو الذي كان في
الكنيسة في البرية مع الملاك”[7]. إذن، فهذا هو الذي أعطى الناموس، والذي
تكلم مع موسى قائلاً: ” أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب”. هذا هو،
إذن، إله الآباء البطاركة، هذا هو إله الأنبياء.

84
لذلك، فعن الابن نحن نقرأ، فليفهم عقلك القراءة، ودع لسانك يعترف ابتعد عن
المجادلات حيث يكون الإيمان مطلوباً. دع المنطق الجدلي يهدأ حتى في وسط مدارسه
الخاصة. أنا لا أسأل ما الذي يقوله الفلاسفة، ولكنني أريد أن أعرف ماذا يعملون.
إنهم يقفون مهجورين في مدارسهم. انظر إلى نصرة الإيمان على المجادلات. إن هؤلاء
الذين يجادلون بدقة، إنما يهجرهم زملاؤهم كل يوم، وأولئك الذين يؤمنون ببساطة
يزدادون كل يوم. إن الذين يُصدقهم الناس الآن ليسوا هم الفلاسفة بل صيادي السمك،
ليس المتمرسون في المنطق ولكن جباة الضرائب. إن أولئك بالملذات والترف قد وضعوا
ثقل العالم على أنفسهم، والآخرون بالصوم وإماتة الشهوات قد طرحوا هذا الحمل عنهم،
وهكذا يبدو أن الحزن قد أخذ يربح أتباعاً أكثر من أتباع اللذة.

85
دعنا الآن نرى إلى أي مدى يختلف الآريوسيون عن الوثنيين. إن الوثنيين يتخذون
لأنفسهم آلهة مختلفة في الجنس وغير متساوية في القوة، بينما يؤكد الآريوسيون ويقرون
(إيمانهم) بثالوث ولكن بدون تساوي في القوة، وتنُّوع في الألوهية. يؤكد الوثنيون
أن آلهتهم قد بدأت وجودها في زمن ما، والآريوسيون يجاهرون كاذبين أن المسيح بدأ في
الوجود في زمن ما. ألم يصبغ الجميع عقوقهم وعدم تقواهم في أوعية الفلسفة؟ ولكن في
الحقيقة، فإن الوثنيين يمجدون ويُرفِّعون ما يعبدونه[8]، بينما يقول الآريوسيون إن
ابن الله، الذي هو إله، إنما هو مخلوق.

===

[1] انظر عب3: 1

[2] انظر دا25: 3.

[3] تك1: 183.

[4] مت6: 178.

[5] مت7: 17.

[6] خر14: 3.

[7] أع38: 7.

[8] المقصود بهذا الكلام أن الوثنيين يعبدون آلهة غير حقيقية، ولكنهم على الأقل لديهم
الاحتشام والتوقير ليعتبروها فى درجة أعلى من المخلوقات البشرية، ولا ينقصون بعناد
من قدرها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى