علم

الكتاب الأول: الفصل التاسع عشر



الكتاب الأول: الفصل التاسع عشر

الكتاب
الأول: الفصل التاسع عشر

19-
متابعة أخطاء أريوس والرد عليها
مقارنة
موت أريوس بموت يهوذا الخائن

ملخص:

 اتُهِمَ
آريوس بالخطأ الأول من الأخطاء المذكورة سابقاً، وقد دُحِضَ هذا الخطأ بشهادة
القديس يوحنا. إن الموت الشنيع التعيس للزعيم الهرطوقي موصوف هنا، وكذلك تُفَحص
هنا باقي الأخطاء التجديفية واحدة بواحدة ويُردُّ عليها.

.

123
يقول آريوس: ” كان هناك زمن لم يكن فيه ابن الله موجوداً”، ولكن الكُتب
المقدسة تقول: “كان”، ولا تقول: ” لم يكن”. وعلاوة على ذلك.
فإن القديس يوحنا كَتَب: ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله، وكان
الكلمة الله، هذا كان في البدء مع الله” (يو1: 12). لاحظ كم مرة يظهر الفعل
“كان”، بينما لم يوجد أي مكان يُذكر فيه “لم يكن”. مَن مِنْ
الاثنين إذن يجب علينا أن نصدِّقه؟ القديس يوحنا الذي كان يتكئ في حضن المسيح، أم آريوس
الذي غاص متمرغاً وسط أحشائه المنسكبة؟ إن تمرُّغه يجعلنا نفهم كيف أظهر آريوس
نفسه بتعاليمه أنه كان مشابهاً ليهوذا، إذ عاقبه الله بعقاب مشابه.

124
إن أحشاء آريوس انسكبت أيضاً خارجاً، والحياء يمنعنا أن نذكر أين حدث هذا، وهكذا
فإنه انفجر مشطوراً في الوسط، وسقط منطرحاً على وجهه، وتلوثت تلك الشفاه الشريرة
التي أنكر بها المسيح. لقد انشق تماماً كما قال القديس بطرس عن يهوذا، ” لأنه
اقتني حقلاً من أجرة الظلم وفِعل الشر، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت
أحشاؤه كلها”[1]. لم يحدث هذا الموت مصادفة، لأنه قد عوقب مثل هذا الشر بعقاب
مُشابه، بهدف أن أولئك الذين ينكرون ويخونون نفس الرب سوف ينالون نفس العذاب.

125
دعنا الآن ننتقل إلى نقاط أخرى. يقول آريوس: ” إن ابن الله لم يكن موجوداً
قبل أن يُولد”، ولكن الكتب المقدسة تقول إن كل الأشياء إنما تقوم في
الوجود[2] (أي خُلِقَت) عن طريق الابن، فكيف يمكن إذن لهذا الذي لم يكن موجوداً أن
يمنح الوجود لغيره؟ ومرة أخرى نقول إن المجدِّف عندما يستخدم الكلمات:
“عندما” و “قبل”، فهو بالتأكيد يستخدم كلمات تشير إلى الزمن.
كيف يقول الآريوسيون إن الزمن كان موجوداً قبل الابن، وهناك أشياء مخلوقة في الزمن
أي أنها بذلك تكون موجودة قبل الابن، بينما نعرف من الكتب المقدسة أن كل الأشياء
قد خُلِقت عن طريق الابن؟

126
يقول آريوس إن ابن الله جاء للوجود من لا شيء، فكيف يكون إذن هو ابن الله، كيف
وُلد من داخل الآب، كيف نقرأ عنه أنه الكلمة الذي خرج من عند الآب كفيض[3] صادر من
صميم طبيعته، إلاّ إذا أقررنا بأنه يجب أن نؤمن أنه خرج كما هو مكتوب من عمق أعماق
أقداس الآب الذي لا يُدنى منه؟ أن يُدعى شخص ما ابناً، فهذا يكون إما بسبب التبني
أو بسبب الطبيعة. فنحن نُسمَّى أبناء (لله) بالتبني[4]. أما المسيح فهو ابن الله
بمقتضى طبيعته الحقيقية الأزلية والدائمة. فكيف يمكن إذن لهذا الذي خلق كل الأشياء
من العدم أن يكون هو نفسه مخلوقاً من العدم؟

127
إن مَن لا يعرف ما هو مصدر الابن ليس له الابن، لذلك فإن اليهود ليس لهم الابن؛
لأنهم لم يعرفوا من أين هو، لذلك فإن الرب قال لهم: ” أنتم لا تعلمون من أين
آتى”[5]، وأيضاً قال: ” لستم تعرفونني أنا ولا أبى” (يو19: 8)، لأن
الذي ينكر أن الابن من الآب لا يعرف الآب الذي منه (جاء) الابن، وأيضاً لا يعرف
الابن لأنه لا يعرف الآب[6].

128
يقول آريوس: [ إن الابن من طبيعة أخرى ]، ولكن أي طبيعة أخرى يمكن أن تُرفع إلى
درجة المساواة مع ابن الله والتي بمقتضاها يصير هو ابن الله؟! وبأي حق يلومنا
الآريوسيون عندما نتكلم باليونانية عن جوهر الله بكلمة
oÙs…a أو عندما نُعبِّر باللاتينية بكلمة substantia عن جوهره، إن كانوا هم أنفسهم بقولهم إن ابن الله هو من
“جوهر” آخر إنما يؤكدون وجود “جوهر” إلهي.

129
ومع أنهم يرغبون في المجادلة بخصوص استخدام الكلمات: “جوهر إلهي” أو
“طبيعة إلهية”، فإنهم سوف يُدحَضون بسهولة، لأن الكتابات المقدسة
القديمة إنما قد تكلَّمت عن الجوهر
oÙs…a باليونانية وعن الطبيعة substantia
باللاتينية. فنحن نقرأ أن القديس بطرس يقول إننا شركاء في الطبيعة الإلهية. أما إن
قالوا إن الابن هو من طبيعة أخرى، فإنهم بشفاههم يردُّون على أنفسهم، لأنهم بينما
يعترفون بالتعبير “طبيعة”، إلاّ أنهم يخافون منه، وهم يضعون الابن في
مستوى الخلائق التي يدّعون بأنهم يرفعون الابن إلى مستوى أعلى منها.

130
إن آريوس يدعو الابن مخلوقاً، ولكن [ليس مثل باقى المخلوقات]، ولكن في أي شيء لا
تختلف المخلوقات عن بعضها؟ فالإنسان ليس ملاكاً، ولا الأرض سماء، والشمس ليست مثل
الماء، ولا النور مثل الظلام (ولكنها كلها مخلوقة) ومن ثم فإن تمييز آريوس للابن
إنما هو عقيم، لأنه إنما يكون كمَن أخفى بصبغة حقيرة كئيبة تجاديفه الغاشة
والخادعة ليصطاد البسطاء.

131
يُصَّرح آريوس بأن ابن الله يمكنه أن يتغير وينحرف، فكيف يمكن له أن يكون إلهاً إن
كان هو متغيراً، ونحن نراه يقول: ” أنا الكائن، أنا الكائن، لا
أتغير”[7]؟.

===

[1] أع18: 1. يبدو أن آريوس انتابته إصابة مرعبة بالكوليرا أو بميكروب من نفس النوع.
انظر:

Newman, Arians of the
Fourth century chII: 2 & Robertson, History of The Christian Church: vol.
I, pp 301-2, ed. 1875
.

[2] كو17: 1 ” فيه يقوم الكل “.

[3] مز1: 45س “فاض قلبى بكلام صالح”

[4] غل4: 45 “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه: مولوداً من امرأة،
مولوداً تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى”.

[5] انظر يو14: 8

[6] انظر 1يو23: 2

[7] قارن خر14: 3 ” أهيه الذي أهيه” أي “أكون الذي أكون” مع ملا6:
3 ” أنا الرب لا أتغيَّر”، حيث يجمعهما القديس أمبروسيوس في تعبير واحد.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى