علم

القصة السادسة



القصة السادسة

القصة
السادسة

السائح:
كما وعدتك أمس، طلبت من رفيق سفري الموقر الذي تفضل علي بأحاديثه الروحية، والذي
كنت تريد رؤيته، أن يصحبني إلى هنا.

 

الستارتس:
سيكون من دواعي سروري، وسرور زائري الأكارم أيضاً، على ما آمله، أن نراكما أنتما
الاثنين، وأن ننعم بسماع رواية اختباراتكما. معي ههنا راهب محترم، هذا هو، وكاهن
كبير الورع، هذا هو. وحيث يجتمع اثنان أو ثلاثة باسم يسوع المسيح، فقد وعد أنه
سيكون هو فيما بينهم. ونحن الآن خمسة باسمه، فلا شك، لذا، إنه سيتكرم بمباركتنا
بغزارة أكبر. إن القصة التي رواها لي رفيق سفرك أمس مساء، يا أخي العزيز، بشأن
تعلقك الحار بالإنجيل المقدس تلفت النظر، وفيها الكثير من العبر، ومن المثير جداً
للاهتمام أن نعرف كيف كشف لك عن هذا السر المبارك.

 

الأستاذ:
إن الله المنعم محبة، الذي يرغب لكل الناس أن يخلصوا ويتوصلوا إلى معرفة الحق قد
كشف لي ذلك، بصلاحه، بصورة رائعة ومن غير أي تدخل إنساني. كنت أستاذاً لمدة خمس
سنين، وكانت حياتي كئيبة مشتتة، وقد سحرتني فلسفة العالم الباطلة، لا المسيح.
ولربما كنت هلكت تماماً لو لم يساعدني، إلى حد، كوني كنت أعيش مع أمي الشديدة
التقوى وأختي، وهي فتاة ناضجة الذهن.

 

في
ذات يوم، وقد كنت أتمشى في منتزه عام، تعرفت إلى شاب ممتاز قال لي أنه فرنسي،
وطالب، وقد وصل منذ قليل من باريس، وأنه يبحث عن عمل كمرب. فتنني ما كان عليه من
ثقافة عالية. ولما كان غريباً في هذا البلد، دعوته إلى بيتي، وصرنا صديقين. وطوال
شهرين، كان يأتي لزيارتي مراراً. وكنا نقوم معاً بنزهة، أحياناً، وكنا نتلهى،
ونذهب معاً إلى معاشرة أناس، أترك لكم تصور مدى انعدام أخلاقهم. وفي ذات يوم، أتى
يراني ويدعوني دعوة من هذا القبيل. لكيما يقنعني بصورة أسرع، جعل يمتدح المرح
الخاص والمتعة المنتظرة في صحبة القوم الذين يدعوني إليهم. وبعد أن تحدث في هذا
فترة قصيرة، طلب مني فجأة أن أخرج معه من مكتبي، حيث كنا، لنجلس في غرفة الاستقبال.

 

بدا
لي الأمر في غاية الغرابة، وقلت له إنه لم يسبق لي قط أن لاحظت لديه أي مانع من
البقاء في مكتبي، وسألته ماذا جد الآن. وأضفت أن غرفة الاستقبال بجانب الغرفة التي
تشغلها أمي وأختي، وأنه من غير اللائق أن نتابع فيها حديثاً من هذا النوع. فأصر،
متذرعاً بذرائع مختلفة، واعترف – آخر الأمر – بهذا:

 

(بين
كتبك، على الرفوف هنا، نسخة من الأناجيل. وأنا أكن لهذا الكتاب من الاحترام ما
يجعلني أشعر بشيء من الانزعاج إن تحدثت في قضايانا الطائشة في حضرته. ارفعه من هنا
حتى نستطيع الكلام بحرية).

 

فتبسمت،
لخفتي، لدى سماعي هذه الكلمات. وأخرجت الإنجيل من الرف قائلاً: (كان ينبغي أن تقول
لي هذا من زمان). وناولته الكتاب قائلاً: (إليك هو، خذه بنفسك، وضعه حيثما تريد،
في الغرفة). وما إن لمسته بالإنجيل حتى أخذته الرعدة، وللحال اختفى.

 

فأذهلني
هذا ذهولاً شديداً، بحيث سقطت، من الرعب، فاقد الوعي. عند سماع صوت سقوطي، تراكض
من في البيت، واستحال عليهم إنعاشي طوال نصف ساعة. وعندما عدت أخيراً إلى الوعي،
كنت مذعوراً مرتعداً، وكنت أشعر باضطراب كبير، لا تحس يداي ورجلاي بشيء، كما كنت
عاجزاً عن تحريكها. واستدعي الطبيب فشخص شللاً حصل على أثر صدمة أو خوف شديد.

 

وظللت
طريح الفراش عاماً كاملاً بعد هذه الحادثة، ورغم العناية الفائقة التي قدمها أطباء
كثيرون لم يحصل لي أدنى تحسن، بحيث اضطررت، بسبب مرضي، إلى التخلي عن وظيفتي.
وطعنت أمي في السن وماتت في تلك الحقبة. وكانت أختي تستعد لدخول الدير. فكان من
شأن هذا كله أن يزيد في خطورة مرضي. ولم يكن لي في تلك الفترة إلا تعزية واحدة هي
قراءة الإنجيل الذي لم يفارق يدي لحظة منذ بداية مرضي. كان وكأنه نوع من الدليل
على الحدث الهائل الذي وقع لي. وفي ذات يوم أتى يزورني ناسك مجهول، كان يقوم بجمع
التبرعات لديره. وخاطبني بلهجة قوية الإقناع وقال إنه يجب عدم الاتكال على الأدوية
وحدها، وهي لا يمكنها التخفيف عني من غير عون الله، وأنه يجب علي أن أصلي إلى الله،
وأن أصلي بجد من أجل هذا الذي حصل بعينه، إذ إن الصلاة هي أقدر الوسائل على شفاء
العلل كلها، جسدية كانت أم روحية.

 

أجبته
في حيرتي: كيف تريدني أن أصلي في هذه الحال، وأنا لا أقوى على القيام بأدنى حركة
للعبادة، بل لا أستطيع حتى رفع يدي لرسم إشارة الصليب؟

 

فكان
رده: صل مهما كلفك الأمر، صل بأية طريقة. ولم يذهب أبعد من هذا في تفسيره، ولا هو
شرح لي حقاً كيف أصلي. وبعد أن تركني زائري، بدأت أفكر بالصلاة بصورة تكاد تكون لا
إرادية، وفي سلطانها وفي آثارها متذكراً التعليم الديني الذي تلقنته منذ أمد طويل،
إذ كنت لم أزل طالباً. فشغلني هذا انشغالاً رقيقاً، وجدد معلوماتي حول الموضوعات
الدينية، وبث في القلب دفئاً.

 

وفي
الوقت ذاته بدأت أحس بشيء من التحسن في صحتي. ولما كان الإنجيل معي دائماً، بسبب
عظم إيماني فيه على أثر الأعجوبة، وإذ تذكرت أيضاً أن كامل الشرح عن الصلاة الذي
سمعته في الدروس يقوم أساساً على نص الأناجيل، فكرت أن أحسن ما أفعله سيكون دراسة
الصلاة والروحانية المسيحية تبعاً لتعليم الإنجيل وحسب. وإذ كنت أدأب لاجتناء
المعنى، كنت أنهل منه وكأنه نبع غزير. ووجدت فيه نهجاً كاملاً للحياة الروحية
وللصلاة الداخلية الحقيقية. وعلمت بحرارة المقاطع المتصلة بهذا الموضوع، وقد حاولت
بحمية منذ ذلك الحين تلقن هذا التعليم الإلهي، بكل ما أوتيت من قوة – ولم يكن ذاك
بلا عناء – وأن أضعه موضع العمل والممارسة.

 

وفيما
كنت منشغلاً بهذه الصورة، تحسنت صحتي شيئاً فشيئاً، وانتهى بي الأمر إلى البرء
تماماً، كما يمكنكم أن تروا. وكنت ما أزال أعيش وحيداً. فقررت، شكراً لله على عطفه
الأبوي الذي أدين له بعودتي إلى العافية وباستنارة ذهني، أن أحذوا حذو أختي، وأتبع
ميل قلبي، فأكرس ذاتي لحياة متوحدة، لكيما أتمكن أن أتلقى من غير مانع، وأن أجعل
خاصتي، كلمات الحياة الأبدية هذه التي كان كلمة الله يعطيني.

 

وهاأنذا
الآن، أمضي نحو المنسك المنعزل المسمى (آنزرسكي) بالقرب من دير (سولوفتسكي) في
البحر الأبيض. ولقد سمعت من مصدر ثقة أنه مكان مناسب جداً لحياة التأمل. يجب أن
أضيف هذا أيضاً: إن الإنجيل المقدس يوفر لي أكثر من تعزية في رحلتي هذه، وينشر
نوراً غزيراً في عقلي الجاهل ويدفئ قلبي الفاتر. ولكن الواقع هو أني، رغم كل هذا،
أقر بصراحة بضعفي، وأعترف تلقائياً أن الشروط المطلوبة للقيام بالعمل الروحي
ولبلوغ الخلاص: ضرورة التخلي الكلي عن الذات، والتجرد والتواضع اللذين يعرفهما
الإنجيل، تخيفني بعظمتها وبسبب ضعف قلبي. بحيث أني بت الآن ما بين الأمل واليأس.
ولا أدري ما سيحل بي في المستقبل.

 

الراهب:
مع دليل بهذا الوضوح على رحمة الله، وبسبب ثقافتك، سيكون أمراً لا يغتفر لا أن تدع
مجالاً للتخاذل وحسب، بل حتى أن تسمح بالتسرب إلى نفسك لظل من الشك حول رعاية الله
وعونه. أتعرف ما يقول الذهبي الفم المستنير بالله بهذا الصدد؟ إنه يعلم أن (ليس
لأي كان أن يفقد الشجاعة، ويترك الانطباع الخاطئ بأن تعاليم الإنجيل مستحيلة
التطبيق أو الممارسة. فإن الله الذي سبق فقدر الخلاص للإنسان، لم يفرض – وهذا أمر
بديهي – وصايا على الإنسان مخالفتها بسبب عدم التمكن من العمل بها. كلا! وإنما فعل
لكيما تكون، بقداستها وضرورتها في حياة حقيقية، بركة لنا في هذه الحياة كما في
الحياة الأبدية). وواضح جداً أن التطبيق المنتظم والمتشدد لوصايا الله أمر بالغ
الصعوبة لطبيعتنا الساقطة، ولهذا لم يكن من السهل بلوغ الخلاص، لكن كلمة الله ذاته
الذي يفرض الوصايا ييسر سبل العمل بها بسهولة، بل أكثر: يجعلنا نجد فيها الرضى.
ولكن بدا لنا هذا الأمر، للوهلة الأولى، مختفياً وراء حجاب من السرية، فإنما كان
ذلك بالطبع لنكون أكثر تواضعاً، ولكي يقودنا بسهولة أكبر إلى الاتحاد بالله
بإرشادنا إلى اللجوء المباشر إليه في الصلاة وإلى طلب عونه الأبوي. هنا، هنا سر
الخلاص، لا في الاستعانة بجهودنا الخاصة.

 

السائح:
كم كنت أحب، أنا الضعيف العاجز، أن يتسنى لي معرفة هذا السر حتى أتمكن – ولو إلى
حد، بالأقل – أن أقوِّم حياتي الخاملة لما فيه مجد الله وخلاصي.

 

الراهب:
هذا السر تعرفه، أيها الأخ العزيز، من كتابك، الفيلوكاليا. وهو موجود في هذه
الصلاة الدائمة التي درستها دراسة راسخة والتي وضعت فيها الكثير من الحماس ووجدت
الغزير من الرضى.

 

السائح:
إني أرتمي على قدميك، يا أبت، كرمى لله! أسمعني من شفتيك شيئاً فيه الخير لي، عن
هذا السر المخلص للصلاة المقدسة التي أشتاق إلى سماع الحديث عنها أكثر من شوقي إلى
أي شيء آخر، والتي أحب كثيراً أن أقرأ الشروح لها، حتى أعطي نفسي الخاطئة القوة
والعزاء.

 

الراهب:
لا يمكنني أن أروي رغبتك بأفكاري الخاصة حول هذا الموضوع الخطير، لأن خبرتي الشخصية
فيه قليلة محدودة. لكن لدي حواشي واضحة الإنشاء كتبها كاتب ديني، وتتصل، تحديداً،
بهذا الموضوع. إن وافق أصحابنا، سآتي بها للحال، وبإذنكم، سأقرأها على مسمعكم
أجمعين.

 

الكل:
تكرم، بهذا، أيها الأب، لا تخف عنا علماً جم الفائدة للخلاص.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى