علم

القصة الرابعة



القصة الرابعة

القصة
الرابعة

(وأنا
فحسن لي القرب من الله وقد جعلت في الرب معتصمي ورجائي) (مز28: 72).

 

قلت،
وقد عدت إلى بيت أبي الروحي: إن المثل القائل (وتقدرون فتضحك الأقدار) لعلى حق.
كنت أعتقد أنني سأبدأ رحلتي إلى مدينة أورشليم المقدسة، لكنني كان علي أن أغير
رأيي. فقد أستجد أمر لم أكن أتوقعه يقتضي بقائي هنا يومين آخرين أو ثلاثة. ولم أطق
البقاء دون المجيء إليك لأطلعك على الأمر وأسألك النصح بصدده. إليك ما جرى:

 

ودعت
الجميع وعدت إلى السير مستعيناً بالله. وكنت على وشك الخروج من المدينة وإذا بي
ألمح، واقفاً بباب أقصى بيوت البلد، سائحاً متقدماً لم أره منذ ثلاث سنين. فذهبت
إليه وتبادلنا التحية وسألني أين أمضي فأجبته: إلى أورشليم المقدسة. إن شاء الله.

 

فقال:
حسن! إني أقترح عليك رفيق درب لك ممتازاً. فقلت: شكراً جزيلاً! أفلا تعرف أني لا
أتخذ رفيقاً أبداً، وأني أسير بمفردي دائماً؟

 


أجل! لكن اسمع: أنا أعرف أن هذا الرفيق يناسبك ويلائمك. وسيكون كل شيء على ما يرام
بالنسبة له معك وبالنسبة لك بصحبته. إن أبا صاحب هذا البيت – وأنا أعمل هنا كفاعل
– قد نذر أن يحج إلى أورشليم، ولن يزعجك شيء برفقته. إنه أحد تجار البلد، وهو شيخ
طيب، وهو، إلى ذلك، أصم لا يسمع حتى ولو صرخت بأعلى صوتك. وإن أراد منه أحد شيئاً،
كتبه له على ورقة. إنه دائم السكوت، فلن يزعجك في رحلتك. هذا، إلى أن وجودك كرفيق
له لا بد له منه. لقد أعطاه ابنه حصاناً وعربة سيبيعهما في أوديسا. والعجوز يريد
الذهاب سيراً على قدميه، أما العربة فسيوضع فيها متاعه وبعض الهدايا لقبر المسيح.
وسيكون بوسعك وضع كيسك فيها… الآن، فكر. أتظن أن من الممكن أن ندع هذا الشيخ
الأصم يسافر وحده؟… بحثنا كثيراً عن سائق، ولكنهم يطلبون أجراً باهظاً. ثم إنه
من الخطر أن نتركه يذهب مع شخص مجهول، فإن في حوزته مالاً وبعض الحاجات الثمينة.
إلا أني سكون لك ضامناً وسيسر مني معلمي، إنهم أناس طيبون يحبونني كثيراً. لي
سنتان في خدمتهم.

 

وبعد
أن قال هذا ونحن بالباب، أدخلني على معلمه. ورأيت أن العائلة معتبرة، فقبلت عرضهم.
ولقد قررنا أن نسافر بعد عيد الميلاد بيومين، إن شاء الله، بعد حضورنا القداس
الإلهي.

 

هذه
هي الأحداث غير المنتظرة التي تقع لنا على دروب الحياة! غير أن من يعمل بواسطة
أفعالنا ونياتنا إنما هو دوماً الله تعالى وعنايته الإلهية، كما كتب: (فإن الله هو
الذي يعمل فيكم الإرادة والعمل…) (فيلبي 13: 2).

 

قال
لي أبي الروحي: سر قلبي أيها الأخ الحبيب، إذ سمح لي الله بأن أعود فأراك من جديد.
وبما أن ليس لك ما يشغلك فسأبقيك بعض الوقت تروي لي فيه بعض ما لقيت خلال حياة
التجوال التي عشتها، فلقد طاب لي أن أسمع قصصك السابقة.

 

فأجبته:
بكل سرور وبدأت أتكلم.

 

جرى
لي من خير الأمور ما جرى لي من شرها، ولا يستطيع المرء أن يروي كل شيء. فإن أموراً
كثيرة قد نسيتها وأنا إنما سعيت إلى استذكار ما كان من شأنه أن يعيد نفسي الكسولة
إلى الصلاة. وأما كل ما تبقى، فنادراً ما خطر ببالي، أو بالأحرى: حاولت نسيان
الماضي، وفقاً لتعليم الرسول بولس وهو القائل: (… لكن أمراً واحداً أجتهد فيه
وهو أن أنسى ما ورائي وأمتد إلى ما أمامي فأسعى نحو الهدف…) (فيلبي 13: 3). وقد
كان الستارتس المغبوط يقول لي إن ما يحول دون بلوغ الصلاة من عقبات قد يأتي من
اليمين ومن اليسار {أنظر: ايفاغريوس البنطي (توفي 399): (رسالة في الصلاة). (حينما
يتوصل العقل إلى الصلاة الصافية الحقيقية، لا يعود الشياطين يقربونه من اليسار بل
من اليمين. فيصورون له رؤيا وهمية لله، أو مرأى مستحباً للحواس، بصورة تجعله يظن
أنه أصاب الغاية من الصلاة بالتمام…)} أي من المعاند. فإن لم يستطع أن يصرف
النفس عن الصلاة بالأفكار الباطلة أو التصورات الآثمة، بعث فينا ذكريات صالحة أو
أفكاراً جميلة لكيما يبعد الذهن عن الصلاة فهو لا يطيق سماعها. إن هذا يدعى
التحويل من اليمين: تستخف النفس فيه بالحديث مع الله، وتبدأ بحديث مستعذب مع ذاتها
أو مع المخلوقات. ولذا، فقد علمني ألا أترك في ذهني مجالاً، أثناء الصلاة، لأية
فكرة مهما بلغ جمالها وسموها. وإن وجدنا، في آخر النهار، أننا أنفقنا في التأمل أو
في الأحاديث الروحية من الوقت أكثر مما أنفقنا في الصلاة المجردة النقية، فينبغي
اعتبار ذلك من قبيل عدم التبصر أو الجشع الروحي الإنساني، خاصة عند المبتدئين
الذين يجب أن يفوق ما يمضون من وقت في الصلاة، الوقت لأوجه النشاط الروحي الأخرى.

 

لكن
المرء لا يمكنه أن ينسى كل شيء. فبعض الذكريات ترسخ في أعماق الذاكرة حتى أنها
تبقى حية دون أن تستدعى، كذكرى تلك العائلة البارة، مثلاً، التي قيض لي الله أن
أمضي بضعة أيام بين أفرادها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى