علم

القصة الرابعة: كاهن قروي



القصة الرابعة: كاهن قروي

القصة
الرابعة: كاهن قروي

قلت،
موجهاً حديثي إلى أبي الروحي: حدث لي أشياء أخرى كثيرة. وأنا، لو أردت سرد كل ما
وقع لي متصلاً متسلسلاً لاقتضى مني ذلك أكثر من ثلاثة أيام. سأروي لك واقعة أخرى،
إن كنت تريد.

 

لاح
لي، في أحد أيام الصيف المشمسة، على مسافة من الطريق، مقبرة، أو بالحري مركز رعوي،
أي كنيسة مع بيوت من يقوم بالخدمة فيها، ومقبرة. وكانت الأجراس تقرع للصلاة،
فأسرعت الخطى نحو الكنيسة. وكان أهالي الجوار يقصدونها أيضاً. غير أن كثيرين منهم
كانوا مستلقين على العشب، استلقوا قبل بلوغهم الكنيسة. ولما رأوني أحث الخطى قالوا
لي: لا تستعجل! فأمامك من الوقت متسع. الصلاة هنا بطيئة جداً، فالكاهن مريض ثم إنه
يتمهل بصلاته أي تمهل!

 

وبالفعل،
لم يكن القداس يصلى بسرعة، فقد كان الكاهن – وهو شاب، إلا أنه نحيل الجسم، شاحب
اللون – يخدم القداس ببطء شديد، بخشوع وتحسس. وفي نهاية الصلاة، ألقى عظة بليغة عن
الوسائل التي تمكن الإنسان من الحصول على محبة الله.

 

دعاني
الكاهن، بعد الصلاة، لتناول الطعام في بيته. قلت له أثناء الأكل: أنت، يا أبانا،
تخدم القداس بورع عظيم ولكن ببطء شديد أيضاً.

 

فأجاب:
صحيح! وهذا لا يرضي رعيتي قط، والمصلون يتذمرون أحياناً. ولكن لي من وراء ذلك
مقصداً، فإني أحب أن أتأمل كل كلمة من كلمات القداس الإلهي وأن أزينها قبل
ترتيلها، فلا قيمة للكمات إن تجردت من هذا الإحساس الداخلي لا بالنسبة لمرتلها ولا
للمستمعين إليها. والمهم في الصلاة هو أن نحياها من داخل وأن نفهمها ونعيها. ثم أردف:
ما أقل ما يعنى الناس بالحياة الداخلية! فهم، لأنهم لا يريدون ذلك، لا يهتمون
بالاستنارة الروحية الداخلية.

 

سألته
مجدداً: ولكن كيف السبيل إلى بلوغها؟… إن الوصول إليها أمر جد عسير!

 


كلا! إطلاقاً! فلكي يحظى المرء بالاستنارة الروحية، ويصبح إنساناً داخلياً روحياً،
ما عليه إلا أن يختار نصاً من الكتاب المقدس ويركز عليه انتباهه أطول وقت ممكن.
بهذا يكشف المرء استنارة الذكاء. وأما لكي نصلي، فينبغي أن نفعل نفس الشيء أيضاً.
إن أردت أن تكون صلاتك نقية مستقيمة ومفيدة، فعليك أن تختار صلاة مقتضبة، قوامها
بضع كلمات قصيرة، على أن تكون جزلة، وأن ترددها طويلاً وفي أحيان كثيرة، فإنما
يعتاد المرء الصلاة بهذه الصورة.

 

أعجبني
تعليم الكاهن هذا كثيراً لأنه عملي بسيط وعميق حكيم في آن واحد. وشكرت الله في سري
لأنه جعلني أتعرف على أحد رعاة كنيسته الحقيقيين.

 

قال
لي الكاهن وقد انتهينا من الأكل: خذ لك قسطاً من الراحة، فعلي أن أقرأ كلام الله
وأهيئ عظتي ليوم غد.

 

فذهبت
إلى المطبخ. لم يكن فيه سوى طباخة مسنة تقوس ظهرها وانحنى، تسعل في إحدى الزوايا.
فجلست تحت الطاقة وأخرجت الفيلوكاليا من كيسي، وأخذت أقرأ لنفسي بصوت منخفض.
وتحققت بعد لحظات أن العجوز الجالسة في الزاوية كانت تتلو صلاة يسوع دون توقف،
فاغتبطت لسماعي ذكر اسم الرب القدوس، وقلت لها: يجمل بك، يا خالتي، أن تتلي الصلاة
هكذا! إنه أفضل الأعمال التي يمكن أن نقوم بها وأكثرها مطابقة لتعاليم المسيح!

 

فأجابت:
نعم يا عم! إنها تعزيتي في آخرتي هذه. فليرحمني الله!

 


وهل مضى عليك زمان طويل كنت فيه تصلين هكذا؟

 


منذ حداثتي، يا عم. أنا لا أستطيع الحياة بدونها، فقد أنقذتني صلاة يسوع من
المصائب والموت.

 


وكيف ذلك؟… أرجوك أن تخبريني إكراماً لله ولصلاة يسوع القديرة.

 

أعدت
الفيلوكاليا إلى مكانها في كيسي، وقعدت قرب المرأة، فبدأت قصتها. قالت:

 

(كنت
شابة فتية جميلة. خطبني أهلي، وفي ليلة الزفاف كان خطيبي على وشك دخول بيتنا، وإذا
به – ولم يكن باقياً له إلا عشر خطوات ليصل بيتنا – سقط فجأة على الأرض جثة هامدة.

 

وأخافني
هذا كثيراً حتى أنني صممت على البقاء عذراء أقصد الأماكن المقدسة أصلي فيها. إلا
أني كنت أخاف أن أسير في الدروب وحدي، فربما اعتدى علي بعض الأشرار بالنظر لصباي.
وعلمتني امرأة طاعنة في السن، كانت تعيش منذ زمان طويل حياة التطواف، علمتني أنه
ينبغي أن نتلو صلاة يسوع دون توقف، وطمأنتني مؤكدة لي مشددة على أن هذه الصلاة
ستقيني كل غوائل الطريق. وصدقت ما قالت وعملت بما أوصتني به فلم يحدث لي أبداً أن
صادفني أمر مكروه، حتى في الأصقاع النائية، وكان أهلي أثناء ذلك، يمدونني بالمال
إذا ما احتجت إليه.

 

ثم
إني مرضت عند شيخوختي، ولكن الكاهن هنا رجل الله محسن لحسن الحظ، وهو يوفر لي
الغذاء ويعيلني).

 

استمعت
إلى حديث المرأة بسرور ولم أدر كيف أشكر الرب على هذا النهار الذي تكشف عن نماذج
سامية للحياة البناءة.

 

وبعد
أن طلبت من ذاك الكاهن الورع القديس أن يباركني تابعت طريقي وقد غمرني الفرح
والحبور.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى