علم

القصة الرابعة: على طريق كازان



القصة الرابعة: على طريق كازان

القصة
الرابعة: على طريق كازان

أتيح
لي، منذ مدة غير طويلة، وقد كنت أجتاز مقاطعة (كازان) للمجيء إلى هنا، معرفة آثار
صلاة يسوع ومفاعيلها. فهي، حتى بالنسبة لمن يمارسها دون انتباه، أضمن الوسائل
وأسرع ما يوصل إلى الخيرات الروحية.

 

اضطررت
ذات مساء إلى التوقف في إحدى قرى التتار. ورأيت، وأنا أدخل شارع القرية الوحيد،
عربة وسائقها الروسي، وكانت الجياد محلولة القيود طليقة ترتعي إلى جانب العربة.
ففرحت وقررت أن أسأل هل يسمح لي بالمبيت في هذا المنزل، والذي أنا وجدت فيه على
الأقل أناساً مسيحيين. فاقتربت وسألت السائق عمن كان يوصل في عربته. فأجاب بأن
معلمه مسافر من كازان إلى القرم. وبينما أنا أتكلم مع السائق، أزاح السيد ستارة
البوابة الجلدية وألقى إلي بنظرة وقال: سأمضي الليلة هنا، ولكني لن أدخل بيتاً
للتتار لأن منازلهم قذرة وسخة، ولذا تراني مصمماً على النوم في العربة.

 

خرج
السيد، بعد حين، ليتمشى قليلاً – وكانت الأمسية جميلة – وتبادلنا الحديث. تطرقنا
إلى الكثير من المواضيع، أذكر منها ما قاله لي محدثي كما يلي على وجه التقريب:

 

(كنت
حتى الخامسة والستين من عمري أخدم في الأسطول الإمبراطوري بصفتي قبطان مركب. ولكني
أصبت في كبري بداء النقرس، وأنا الآن متقاعد في القرم، على أرزاق تملكها زوجتي.
وكنت دائماً، تقريباً، مريضاً. كانت زوجتي مولعة بحفلات الاستقبال ومغرمة باللعب
بالورق. وانتهى بها الأمر إلى أن سئمت العيش الطويل مع رجل عليل، فذهبت إلى كازان،
عند ابنتنا المتزوجة هناك من أحد الموظفين. وأخذت امرأتي كل شيء معها، حتى الخدم،
وتركت لي كخادم خاص صبياً عمره ثماني سنوات، وكان فليوني.

 

عشت
هكذا وحيداً مدة ثلاث سنوات. وكان الصبي واسع الحيلة: فكان يرتب غرفتي ويشعل النار
ويطبخ لي الجريشة ويسخن (الساموار). ولكنه كان في ذات الوقت عنيفاً ملآن حيوية.
فكان يركض ويصرخ ويلعب ويخبط أينما اتفق، مما كان يزعجني أيما إزعاج. وأنا، بسبب
مرضي وفراغي، أحب قراءة المؤلفات الروحية. كان لدي منها كتاب ممتاز لغريغوريوس
بالاماس عن صلاة يسوع. كنت أقرأه باستمرار تقريباً، وأتلو الصلاة بعض الشيء. وكانت
الجلبة التي يحدثها الصغير تنفرني وتزعجني. إلا أنه، مهما اتخذت من تدابير أو مهما
عاقبته، لم يكف عن العبث وتعكير صفو بيتي. فكان لا بد لي من مخرج، وفقت إليه آخر
الأمر: كانت الطريقة الوحيدة الناجحة في تلافي إزعاجي أن أجبره على الجلوس على
مقعد صغير في غرفتي، آمره بأن يردد صلاة يسوع دون انقطاع. وساءه هذا، أول الأمر،
إلى أبعد الحدود، فكان يلزم الصمت تهرباً منه.

 

ولكني
وضعت بعض القضبان في غرفتي لكي ألزمه على تنفيذ أمري. فلما كان يتلو الصلاة، كنت
أقرأ بهدوء أو استمع إلى ما يقول. ولكن، ما إن يسكب حتى أريه العصي فيعود إلى
الصلاة وقد تملكه الخوف من أن يضرب. وكان في هذا خير لي كبير، فإن السكينة استتبت
آخر الأمر في بيتي. ولاحظت، بعد مضي وقت قصير، أنه لم يعد هناك من حاجة إلى العصي،
فقد صار الصبي يعمل بأوامري بمزيد من الفرح والغيرة. بل إن طبعه تغير بعد ذلك
تغيراً كلياً، فغدا دمث الخلق هادئاً، وأخذ يتمم أعمال المنزل أحسن بكثير من ذي
قبل. فبعث فيّ هذا الأمر الرضى والانشراح وأطلقت للغلام حرية كبرى في تصرفه. أتدري
ما كانت النتيجة؟ لقد اعتاد الفتى على الصلاة وألفها حتى أنه كان يرددها دون توقف
بلا أدنى إرغام من قبلي. ولما حدثته في الأمر أجابني أن به رغبة في تلاوة الصلاة
لا تقاوم.

 


وبماذا تشعر؟

 


ليس من إحساس خاص… ولكني أشعر بالانشراح أثناء ترديدي الصلاة.

 


ماذا تعني بالانشراح؟

 


لا أدري كيف أشرح لك يا سيدي…

 


هل تشعر بالمرح؟

 


نعم… بالمرح.

 

وكان
في الثانية عشر عندما اندلعت حرب القرم. فرحلت إلى (كازان) وأخذته معي عند ابنتي
حيث أنزلناه المطبخ مع باقي الخدم. فكان تعساً حزيناً لأنهم كانوا يمضون وقتهم
بالتسلية واللعب بعضهم مع بعض وبالهزء به أيضاً، مما كان يعوقه عن الاهتمام
بالصلاة. ومضى عليه ثلاثة أشهر على هذه الحال… ثم جاء إلي في أحد الأيام وقال:

 


أنا راجع إلى البيت، فلست أطيق الحياة هنا تحيط بي هذه الضجة الكبرى.

 


كيف لك أن تقطع كل هذه المسافة وحدك وفي قسوة الشتاء؟… انتظر حتى أعود وسوف
ترافقني.

 

إلا
أن الطفل اختفى في اليوم التالي. أرسلنا الخدم يبحثون عنه في كل الجهات، ولكن دون
جدوى. وفي أحد الأيام، جاءني كتاب من القرم: كان حراس البيت هناك يخبروني أنهم، في
الرابع من نيسان – وكان اثنين الباعوث {اثنين الفصح. يعيننا هذا على تحديد تاريخ
الواقعة: فليس في التقويم الشرقي بين سنة 1850 و 1870 سنة وقع فيها الفصح في
الثالث من نيسان إلا عام 1860} – قد وجدوا الغلام ميتاً في البيت وقد خلا من
سكانه. كان ممدداً على الأرض في غرفتي وقد تصالبت يداه فوق صدره. وكانت قبعته
الصغيرة تحت رأسه، لا رداء له يدفئ أوصاله إلا تلك القميص التي كانت دوماً على
بدنه لاتقاء غائلة البرد، وقد فر بها. ودفن في الثياب التي وجد فيها في حديقة
منزلي.

 

لما
جاءني هذا الخبر، دهشت للسرعة التي وصل بها الطفل إلى هناك. فلقد ذهب في الرابع
والعشرين من شهر شباط ووجد في الرابع من نيسان. أي أنه قطع مسافة ثلاثة آلاف فرسخ
في مدة شهر واحد! هذه المسافة لا يكاد الخيال يجتازها بمثل هذا الزمن القصير: مئة
فرسخ في اليوم! يزيد في صعوبة السير أن الغلام كان يلبس ثياباً خفيفة، وليس معه
أوراق هوية، ولا قرش في جيبه. فلنفرض أنه وجد عربة للسفر: فلن يكون هذا إلا بمشيئة
الله.

 

قال
السيد مختتماً كلامه: هكذا تذوق خادمي الصغير ثمار الصلاة، أما أنا، حتى في آخر
حياتي، فلم أبلغ منن العلو والسمو ما بلغ هو.

 

قلت
للسيد عندها: إنني أعرف كتاب غريغوريوس بالاماس الممتاز الذي قرأته. ولكن البحث
فيه يدور حول الصلاة الشفهية خاصة. عليك بقراءة ذلك الكتاب المسمى (فيلوكاليا)،
ففيه تجد كل ما يتعلق بصلاة يسوع في الروح والقلب ودروساً وتعاليم.

 

وأريته
في نفس الوقت كتاب الفيلوكاليا خاصتي. فاقتبل نصيحتي بفرح ظهر على محياه وقال لي
أنه سوف يبتاع الكتاب.

 

فقلت
في نفسي: الله! ما أعجب مظاهر القدرة الإلهية التي تتكشف عنها هذه الصلاة! ما أعمق
ما رواه لي هذا الرجل وما أحفله بالعبرة: فقد تعلم الغلام الصلاة خوفاً من العصي،
فقادته رغم ذلك إلى السعادة. أو ليست المصائب والأحزان التي نصادفها في درب
الصلاة، أليست عصي الله؟ وعليه ففيم الخوف حين ترينا يد الله العصي؟ إنه تعالى
مليء نحونا بمحبة لا متناهية، وهذه القضبان إنما تعلمنا الصلاة بمزيد من النشاط فتقودنا
إلى الأفراح التي لا توصف.

 

لما
فرغت من أحاديثي هذه ومن أقاصيصي قلت لأبي الروحي: سامحني بحق الله، فلقد أطلت
الثرثرة. ويقول آباء الكنيسة إن الحديث – وإن يكن روحياً – ليس إلا باطلاً إن
استطال أكثر مما ينبغي. وقد آن لي أن أمضي إلى من سيرافقني في طريقي إلى أورشليم.
صل لأجلي أنا الخاطئ الحقير لكي يوفق الله برحمته طريقي ويسهل خطواتي.

 

فأجاب:
أرجو لك ذلك من صميم الفؤاد، أيها الأخ الحبيب بالرب. ألا فلتنر نعمة الله العزيزة
أمامك السبيل، ولترافقك في سيرك كما سار الملاك روفائيل مع طوبيا!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى