علم

القصة الرابعة: الفلاح الأعمى



القصة الرابعة: الفلاح الأعمى

القصة
الرابعة: الفلاح الأعمى

كنا
نتمهل أنا والأعمى بالسير، فلم نجتز أكثر من عشرة فراسخ أو خمسة عشر في اليوم
الواحد، وفيما تبقى من الوقت، كنا نقعد في الأماكن المنعزلة ونقرأ الفيلوكاليا.
قرأت له كل ما يتصل بصلاة القلب، متبعاً في ذلك الترتيب الذي عينه لي الستارتس، أي
أني بدأت بقراءة كتب الراهب نيكفورس وغريغوريوس السينائي… وهلم جرا. ما كان أشد
انتباهه وغيرته على سماع كل هذه الأقوال! وما كان أشد انتباهه وتأثره! وكان، وهو
يستمع إلي بانتباه، يطرح علي أحياناً من الأسئلة حول الصلاة ما لم يستطع عقلي
الإجابة عليه كله.

 

وبعد
أن فرغت من القراءة، طلب مني الأعمى أن أعلمه طريقة عملية للوصول إلى قلبه بالروح،
لإدخال اسم يسوع المسيح الإلهي فيه فيتيسر له بهذه الصورة أن يصلي صلاة داخلية.
فقلت له: إنك لا ترى البتة، بالطبع، ولكنك تستطيع أن تتخيل بذهنك ما رأيت قبل أن
تعمى: رجلاً مثلاً، أو حاجة ما أو عضواً من أعضائك كذراعك أو ساقك، فهل يمكنك
تصوره بوضوح كما لو كنت تنظر إليه، وهل يمكنك، بالرغم من كونك أعمى، أن توجه بصرك
نحوه؟

 

فأجاب
الأعمى: يمكنني ذلك.

 


إذن تخيل قلبك، وأدر عينيك كأنك تنظر إليه مخترقاً صدرك، واستمع بكل أذنيك كيف ينبض
خفقة خفقة. وحينما تجد نفسك قد اعتدت ذلك، اجتهد على أن تطابق على كل خفقة من
خفقات قلبك، وأنت ما تزال تنظر إليه، كلمات الصلاة. يعني: تقول مع أول خفقة وتفكر:
أيها الرب، ومع ثاني نبضة: يسوع، ومع الثالثة: المسيح، ومع الرابعة: ارحمني، ومع
الخامسة: أنا الخاطئ… ردد هذا التمرين ما استطعت، ولن يصعب عليك، لأن لديك
استعداداً لتقبل صلاة القلب. وبعد أن تعتاد هذا، ابدأ بتلاوة صلاة يسوع من قلبك
على وتيرة التنفس. أي قل أو فكر، أثناء استنشاقك الهواء: أيها الرب يسوع المسيح،
وأثناء الزفير: ارحمني أنا الخاطئ! وإن رددت فعل هذا مدة كافية فستشعر، بسرعة،
بألم خفيف في قلبك، ثم يتولد فيه، شيئاً فشيئاً، دفء منعش. وهكذا تتوصل بعون الله
إلى أن تفعل الصلاة داخل قلبك بصورة مستديمة. ولكن حذار من كل تخيل ومن كل صورة قد
تتكون في ذهنك وأنت تصلي. اطرح عنك كل التصورات فإن الآباء يوصونا بأن نحتفظ
بعقلنا خالياً من كل تصور أثناء الصلاة، لئلا نسقط في الأوهام.

 

وتدرب
الأعمى، وقد أصغى إلي بانتباه، بجد واندفاع على ما قلته له، وكان في الليل، أثناء
توقفنا، يقضي ساعات طوالاً في ذلك. وشعر بعد خمسة أيام بدفء في قلبه عظيم وبغبطة
لا توصف، ثم أنه كان به، بالإضافة إلى ذلك، رغبة شديدة في القيام دون انقطاع
بالصلاة التي كشفت له ما كان يكن من حب ليسوع المسيح. وكان يرى فوراً في بعض
الأحيان ولكن دون أن يظهر له شيء قط، ولما كان يلج قلبه كان يبدو له أنه يرى فيه
نور شمعة كبيرة يشع، ويفيض خارجاً فينيره بكليته، حتى أن هذا النور جعله يرى أشياء
بعيدة عنه، كما حدث ذات مرة.

 

كنا
نجتاز غابة، وكان مستغرقاً في الصلاة بصمت، وفجأة قال لي: يا للمصيبة! إن الكنيسة
تحترق ولقد تهدمت قبة الجرس! فقلت له: كفاك تفكير بهذه الصورة الفارغة، فإنها
تجربة الشيطان. يجب أن تدفع عنك كل تخيل بأسرع ما يمكن فكيف لك أن ترى ما يحدث في
المدينة؟ إنها لا تزال على بعد اثني عشر فرسخاً منا.

 

وعمل
بنصيحتي، وصمت وقد عاد إلى الصلاة. وصلنا المدينة عند المساء، وبالفعل رأيت العديد
من البيوت قد احترق، وقبة الجرس قد انهارت – وكانت مبنية على عمد خشبية – وكان
الناس حولها يتحدثون ويعجبون من أن القبة لم تؤذ بسقوطها أحداً. وقد حدثت الكارثة،
على ما فهمت، في الوقت الذي تكلم فيه الأعمى في الغابة. وإذا بي أسمعه يقول: كانت
رؤياي، بحسب ريك، باطلة، ولكن الأمر صحيح. أفلا يليق بنا أن نشكر الرب يسوع المسيح
ونحبه هو الذي يكشف نعمه للخطأة وللعميان والقليلي الفهم! شكراً لك أنت أيضاً، فقد
علمتني الصلاة الداخلية!

 

فأجبته:
تريد أن تحب يسوع المسيح: هذا حق وواجب، ولكن إياك أن تعتبر الرؤى العادية كشفاً
مباشراً للنعمة، فإن ذلك كثيراً ما يحدث بصورة طبيعية لا تخالف نواميس الكون
المألوفة. وليست النفس البشرية مرتبطة بالجسد ارتباطاً كلياً، فبوسعها أن ترى في
الظلام، وحتى الأشياء البعيدة، رؤيتها الأشياء القريبة. غير أننا لا نذكي مقدرة
النفس هذه، بل نثقلها بوزن جسدنا الغليظ أو بتشويش أفكارنا المشتتة الطائشة. وأما
إن ركزنا حواسنا وجمعناها منطوين على أنفسنا، وإن تجردنا وابتعدنا عن كل ما يحيط
بنا وشحذنا ذهننا، فعندها تعود النفس بتمامها إلى ذاتها وتفعل بكل ما تطيق من قوة،
ويكون فعلها هذا طبيعياً عادياً. قال لي الستارتس أن أهل الصلاة ليسوا وحدهم يرون،
بل هنالك مرضى أو أناس ذوو إحساس خاص، يرون النور الصادر عن كل شيء عندما يكونون
في غرفة مظلمة ويشعرون بوجود القرينة ويدركون ما يجول ببال الغير من خواطر. لكن
المفاعيل المباشرة لنعمة الله أثناء صلاة القلب على حد كبير من العذوبة لا تستطيع
معه أية لغة أن تفي بوصفها. فمن المستحيل تشبيهها بأي شيء مادي، وذلك لأن العالم
الحسي يبدو دنيئاً إذا قيس بما تبعثه النعمة في القلب من أحاسيس.

 

استمع
الأعمى بانتباه إلى هذه الأقوال وازداد تواضعاً وكانت الصلاة تتردد في قلبه دون
انقطاع فتسبب له غبطة لا توصف. واغتبطت نفسي لذلك وشكرت الرب الذي جعلني ألمس هذه
التقوى عند أحد خدامه الصالحين.

 

ووصلنا
(توبولسك) آخر الأمر، فقدته إلى المأوى، وبعد أن ودعته وداع الصديق عدت إلى السير
وحدي.

 

سرت
مدة شهر دون تعجل وكنت أشعر بعظم فائدة الأمثلة الحية وخيرها. وكثيراً ما كنت أقرأ
الفيلوكاليا أتحقق فيها من صحة ما قلته للأعمى. وقد كان لي عبرة ألهبتني غيرة
وزادت من إخلاصي للرب ومن حبي له. وأسعدتني صلاة قلبي سعادة اعتقدت معها أن لا
مزيد عليها على الأرض وتساءلت كيف لملاذ ملكوت السموات أن تفوقها. بل كان العالم
الخارجي يبدو لي أيضاً بمظهر خلاب، يدعوني كل شيء فيه إلى محبة الله وتسبيحه. فكان
الناس والأشجار والنباتات والحيوانات، كل شيء بدا وكأنه قريب إلي. وفي كل مكان
وجدت صورة اسم يسوع المسيح. وكنت أحياناً أشعر بأني خفيف لدرجة اعتقدت معها أنه لم
يعد لي من جسد وظننت أني أطير في لهواء. وكنت أحياناً أخرى أدخل إلى ذاتي دخولاً
عميقاً، فكنت أرى داخلي بوضوح، وأعجب بذاك البنيان المدهش ألا وهو جسم الإنسان.
وكنت مرات أخرى أشعر بفرح عظيم كما لو كنت صرت ملكاً. كنت أرجو الله وسط أسباب
الهناء هذه كلها أن يسمح بموتي بأسرع ما يمكن لكي يتيسر حمدي له وشكراني بالانصباب
على قدميه في عالم الروح.

 

وربما
تلذذت أكثر مما ينبغي بهذه الأحاسيس، أو لعل الله شاء ذلك، فخالج قلبي بعد حين ما
يشبه الخوف والرعشة. فتساءلت: أتراها مصيبة جديدة أو محنة كتلك التي قاسيت بسبب
الفتاة التي علمتها صلاة يسوع في الكنيسة؟ وثقلت علي الهموم وكأنها السحب المتلبدة
وذكرت ما قال المغبوط يوحنا أسقف جزيرة كرباتوس من أن من يعلم الصلاة يتعرض
للإهانة والخزي، ويتحمل الشدائد والمحن من أجل الذين أعانهم روحياً. وبعد أن حاربت
هذه الأفكار، استغرقت في الصلاة التي لاشتها وبددتها، وشعرت بأني أتقوى وأتشدد،
فقلت في نفسي: فلتكن مشيئة الله! أنا على استعداد لأن أتحمل كل ما سوف يأتي من يسوع
المسيح لأكفر عن كبريائي وقساوة قلبي. على كل حال، أنا ليس لي من فضل في ما فعلت،
فقد كان كل الذين كشفت لهم مؤخراً عن خفايا الصلاة الداخلية ممن هيئوا قبلاً،
هيأهم فعل الله العجيب قبل أن يجتمعوا بي. وهدأت هذه الفكرة من روعي، فجعلت أسير
أسعد من ذي قبل تفيض في قلبي الصلاة ويتجلى الفرح. وبقي الطقس ممطراً مدة يومين،
كانت الطريق خلالهما موحلة، حتى أنه كان يتعذر علي التخلص من ورطاتها وردغاتها.
فسرت في البوادي المقفرة، لم أصدف مكاناً مأهولاً بعد مسيرة خمسة عشر فرسخاً.
وأخيراً لمحت عند المساء فندقاً على الطريق، ففرحت: فسيمكنني الاستراحة فيه، على
الأقل، وقضاء ليلتي. وأما الغد، فعلى الله!… ربما تحسن الطقس.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى