علم

القصة الثانية



القصة الثانية

القصة
الثانية

طالما
سحت أتنقل من مكان إلى مكان ترافقني صلاة يسوع التي كانت تشددني وتعزيني على كل
الدروب، في كل حين وعند كل اتصال بالناس. وبدا لي آخر الأمر أنه يجمل بي التوقف في
مكان ما حتى تتاح لي عزلة أكبر، لدراسة الفيلوكاليا التي لم يكن بإمكاني قراءتها إلا
مساء، عند توقفي للنوم، أو خلال راحة الظهيرة. وكانت فيّ رغبة ملحة تحدوني إلى
الغوص فيها طويلاً أستقي منها بإيمان حقيقة التعليم المتعلق بخلاص النفس، بواسطة
صلاة القلب.

 

إلا
أني، مع الأسف، لم يكن بوسعي القيام بأي عمل يدوي. لكي يتيسر لي إرضاء رغبتي هذه:
فقد كان ذراعي الأيسر مشلولاً منذ طفولتي. ولما لم يكن بإمكاني الإقامة في أي
مكان، قصدت البلاد السيبيرية، وتوجهت إلى مقام القديس إينوكنديوس الإركوتسكي
{إينوكنديوس (كولتشيسكي) هو أول أسقف على اركوتسك، نشأ في مقاطعة تشرنيكوف في
روسيا الصغرى. طلب العلم في مدرسة كييف الثانوية ثم صار أستاذاً في الأكاديمية
السلافية اليونانية اللاتينية في موسكو، ثم راهباً ورئيساً لدير القديس ألكسندروس
نفسكي في مدينة بطرسبرج. وقد أوفد إلى الصين مرسلاً برتبة أسقف فأقام قرابة الخمس
سنين في سلنجنسك ثم عين عام 1727 أسقفاً على اركوتسك. وقد ذاعت شهرته كقديس
لمكافحته المساوئ ولغيرته في نشر الإيمان وتقديم الأخلاق ولصبره ووداعته ومحبته.
وقد سمح رسمياً بتكريم بقاياه من قبل المؤمنين عام 1805 ويحتفل بعيده يوم 26 تشرين
الثاني بلقب رئيس كهنة وصانع العجائب} على أمل ن أجد في سهول سيبيريا وغاباتها
المزيد من الهدوء، فأتفرغ للقراءة والصلاة بصورة أيسر. وهكذا مضيت أتلو صلاتي بلا
انقطاع.

 

لم
ينقض طويل وقت حتى شعرت بالصلاة تنتقل، من تلقاء ذاتها، إلى قلبي: أي إن قلبي، وهو
يخفق بانتظام، كان وكأنه يردد في ذاته كلمات الصلاة المقدسة ترافق كل خفقة نحو: 1-
أيها الرب، 2- يسوع، 3- المسيح… إلى آخره. ولم أعد أحرك شفتي، فأصغيت بانتباه
إلى ما كان يقوله قلبي، مختبراً، بذلك، الفرح الذي حدثني عنه الستارتس. ثم أحسست
بألم خفيف في قلبي، وبحب ليسوع في فؤادي مضطرم إلى حد تصورت معه أنني، لو رأيته،
لانطرحت على قدميه وأمسكت بهما أقبلهما وأغسلهما بدموعي شاكراً إياه على ما يهبه
لنا، باسمه، من تعزية، لصلاحه ومحبته لخليقته المذنبة غير المستحقة.

 

وسرعان
ما غمر قلبي دفء مستطاب وملأ جوانحي، مما ساقني إلى التمعن بقراءة الفيلوكاليا لا
تحقق من أصالة هذه الإحساسات ودراسة تطور صلاة القلب الداخلية. فقد كنت أخشى أن
أقع، دون رجوعي هذا إلى الفيلوكاليا في الأوهام، وأن أحسب عمل الطبيعة وكأنه عمل
النعمة الإلهية فأنتفخ كبراً لبلوغي الصلاة الداخلية بسرعة، وقد حذرني الستارتس من
ذلك. لذا، كنت أسير في الليل خاصة، وأقضي النهار في قراءة الفيلوكاليا، جالساً تحت
الأشجار، في الغابات. كم اكتشفت من أمور جديدة عميقة ومجهولة في قراءتي هذه! كنت
أتذوق فيها غبطة ما كان لي أن أتصور مداها فيما مضى. ولا شك بأنه فات عقلي المحدود
فهم بعض المقاطع، غير أن مفعول صلاة القلب كان يزيل غموض ما أشكل علي. وإلى هذا
كثيراً ما كنت أرى الستارتس في الحلم فيشرح لي الكثير مما استعصى على فهمه، ويوجه
نفسي القليلة الفهم إلى التواضع والانسحاق.

 

قضيت
شهرين من الصيف طويلين في هذا الهناء البالغ، وكنت أسعى خاصة في المسير عبر
الغابات والحقول. وعندما كنت أصل إلى قرية، كنت أستعطي ملء كيسي خبزاً وحفنة من
الملح، وأملأ قربتي الصغيرة ماء، ومن ثم انطلق من جديد في مسيرة مئة فرسخ.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى