علم

القصة الثانية: عزلة



القصة الثانية: عزلة

القصة
الثانية: عزلة

تركت
الطريق العام، بعد أن اجتزت عليه مسافة خمسين فرسخاً، وجعلت أسلك الدروب الصغيرة
لعدم تكاثر المارة عليها لمؤاتاة هدوئها للقراءة والتأمل. سرت طويلاً في الغابات
وكنت، من وقت لآخر، أجوز ببعض القرى الصغيرة. وغالباً ما كنت أقضي نهاري في الغابة،
أقرأ الفيلوكاليا في ظلال أشجارها، فاستقيت من هذا الكتاب الكثير من المعارف
العجيبة العميقة. ولقد التهب قلبي بشوقي إلى اتحادي بالله بواسطة الصلاة الداخلية
التي جهدت في دراستها ومراقبة مفعولها فيّ، كما ورد في الفيلوكاليا، وكان يحز في
نفسي، في ذات الوقت، إنني ما وجدت مأوى أستطيع أن أقرأ فيه بسلام وبصورة مستمرة.

 

كنت،
في تلك الفترة، أقرأ الكتاب المقدس، وشعرت أني صرت أفهمه بصورة أفضل من ذي قبل:
وجدت فيه من المقاطع الغمضة أقل مما كنت ألاقيه قبلاً. إن الآباء على حق إذ يرون
أن الفيلوكاليا هي المفتاح الذي يكشف عما طوى الكتاب المقدس من خفايا، فلقد بدأت
أفهم على ضوئها ما خفي علي من معاني كلام الله، واكتشفت ما تعنيه عبارات كهذه:
(… إنسان القلب المستتر) (1بطرس 4: 3)، (… الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب
بالروح والحق) (يوحنا 23: 4)، (ملكوت الله في داخلكم) (لوقا21: 17)، و(شفاعة الروح
القدس) (رو26: 8). كما صرت أفهم معنى هذه الكلمات: (أنتم فيّ) (يوحنا4: 15)،
(أعطني قلبك) (أمثال26: 23)، (التسربل بالمسيح) (رو14: 13) و(غلاطية 27: 3)، (عرس
الروح في قلوبنا) (رؤيا17: 22)، ودعوة (أبا أيها الآب) (رو15: 8- 16) ومعنى الكثير
غيرها. ولما كنت أصلي داخلياً، كان كل ما يحيط بي يبدو لي خلاباً: الأشجار
والأعشاب والطيور والأرض والنور والهواء، فكأنها جميعاً تقول لي إنها إنما وجدت من
أجل الإنسان، إنها تشهد بمحبة الله للناس، فكان كل شيء يسبح بحمد الله. وهكذا
أدركت ما تدعوه الفيلوكاليا: (معرفة لغة الخليقة) وعرفت كيف يمكن للإنسان أن
يتبادل الحديث مع مخلوقات الله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى