علم

القصة الثانية: ذئب في الغابة



القصة الثانية: ذئب في الغابة

القصة
الثانية: ذئب في الغابة

(ما
أعظم أعمالك يا رب، كلها بحكمة صنعت!) (مز24: 104).

صدفت
أثناء مسيري عدة أشياء عجيبة، ولو أردت سرد كل ما حدث لي منها لاقتضى مني ذلك عدة
أيام. فقد كنت، مثلاً، في إحدى أمسيات الشتاء أجتاز الغابة وحيداً وكنت قررت
المبيت في قرية تبعد فرسخين من المكان، قد لاحت بيوتها لي. وفجأة، هجم عليّ ذئب
ضخم، وكان في يدي سبحة الستارتس الصوفية.

 


وكانت دائماً تلازمني – فلوحت بها في وجه الذئب. فهل تصدق؟ انفلتت السبحة من يدي
والتفت حول عنق الوحش، فارتد إلى الوراء، وقفز من فوق العليق وارتبكت قائمتاه
الخليفتان في الأشواك، بينما تعلقت السبحة بغصن شجرة يابسة. فتخبط الذئب بكل قواه،
لكنه لم يستطع التخلص من ورطته لأن السبحة كانت تشد على عنقه. أما أنا، فرسمت
علامة الصليب بإيمان وتقدمت من الحيوان لأخلصه، خاصة وأني خشيت أن ينتزع السبحة
ويفر بها هارباً، وهي لي مقتنى ثمين. وبالفعل، ما كدت أقترب منه وأمسك بالسبحة حتى
قطعها وولى الأدبار لا يلوي على شيء. وهكذا وصلت القرية دون عائق، أحمد الرب وأذكر
بالخير الستارتس المغبوط وأترحم عليه. وذهبت إلى الفندق وسألت صاحبه المبيت.

 

لما
دخلت المكان، كان فيه مسافران يجلسان إلى مائدة في أحد الأركان: أحدهما شيخ تقدم
في السن. والثاني كهل بدين. كانا يشربان الشاي. فسألت الفلاح الذي كان يحرس
جواديهما عنهما، فأخبرني أن أكبرهما سناً معلم مدرسة وأن رفيقه كاتب قاضي محكمة
الصلح، وكلاهما من أصل نبيل. وأضاف: إني أصطحبهما إلى السوق الأسبوعية التي تقام
على بعد عشرين فرسخاً من هنا.

 

أصبت
قليلاً من الراحة ثم طلبت من صاحبة الفندق إبرة وخيطاً، واقتربت من الشمعة وأخذت
في إصلاح ما تقطع من سبحتي. فرمقني كاتب المحكمة بنظرة وقال: يبدو أنك أكثرت من
السجود والصلاة حتى تمزقت سبحتك!

 


ما قطعتها أنا بل الذئب…

 

فقال
الكاتب ضاحكاً: هيه! حتى الذئاب تصلي!

 

فرويت
لهم الحادثة بالتفصيل وأخبرتهم بالقيمة الكبرى التي لهذه السبحة بالنسبة إلي. فعاد
الكاتب إلى الضحك وقال: إن كل شيء، في نظركم، أيها البسطاء أعجوبة وكرامة! أين
العجب في قضية الذئب؟ لوحت له بشيء فخاف وفر هارباً: إن الكلاب والذئاب تخاف دوماً
من هذه الأمور. أما أن ترتبك الأقدام في الغابة فليس أمراً صعباً. يا للسذاجة!
أيليق بنا أن نعتقد بأن كل ما يحدث في العالم إنما يحدث بأعجوبة؟!

 

فأخذ
معلم المدرسة يناقشه، قال: لا تتكلم هكذا، يا سيد! فلست خبيراً في هذه الأمور…
أنا شخصياً أرى في قصة هذا الفلاح عجباً مزدوجاً: عجباً حسياً وآخر روحياً…

 

فسأل
الكاتب: ماذا تعني بذلك؟

 


اسمع: إنك لم تصب من العلم كثيراً، إلا أنك، دون شك، درست التاريخ المقدس في الكتب
المدرسية، على طريقة السؤال والجواب. ولا بد أنك تذكر أن الإنسان الأول، آدم، لما
كان في حالة البراءة الأولى، كانت كل الحيوانات تخضع له: فكانت تقترب منه بوجل
فيطلق عليها أسماءها. والستارتس المتوفي، صاحب هذه السبحة الأول، كان قديساً. فما
هي القداسة؟ ليست إلا انبعاث حالة البراءة الأولى في الإنسان الخاطئ، بفضل ما
يبذله من جهود وما له من فضائل: فالروح تقدس الجسد. وهذه السبحة كانت دوماً بين
يدي قديس، فانتقلت إليها، إذن، لاتصالها الدائم بجسده، قوة قديسة، قوة حالة
البراءة التي كان فيها الإنسان الأول. هذه هي الأعجوبة من الوجهة الروحية… إن
هذه القوة تحس بها كل الحيوانات بصورة طبيعية، بواسطة حاسة الشم خاصة: فالأنف أهم
عضو من أعضاء الحواس لدى الحيوان. هذه هي أعجوبة الطبيعة المحسوسة… فقال كاتب
المحكمة:

 


أنتم معشر المتعلمين ترون في كل شيء عجائب وقصصاً مثل هذه. أما نحن، فإننا ننظر
إلى الأمور نظرة بساطة. وأضاف: أن أصب كأساً ثم أجرعها، هذا أمر يكسب القوة.

 

قال
هذا وقام إلى خزانة المشروب.

 

أجابه
معلم المدرسة: هذا شأنك، ولكن دع لنا، والحالة هذه، المعارف التي فيها شيء من
العلم.

 

أعجبني
كلام المعلم، فاقتربت منه وقلت له: اسمح لي بأن أقص عليك المزيد عن الستارتس.
وحكيت له كيف ظهر لي في الحلم وأرشدني ثم وضع علامة في كتاب الفيلوكاليا. واستمع
المعلم إلى حديثي باهتمام. إلا أن كاتب المحكمة غمغم، وقد استلقى على أحد البنوك:
صحيح أن الإنسان يصاب بلوثة في عقله إذا واصل مطالعة الكتاب المقدس! ثم أشار إلى
السائح وأردف: هاكم (مسطرة) عمن عنيت… قل لي: أي غول يهتم بتسويد صفحات كتابك
ليلاً؟ وقع كتابك منك على الأرض، حين أغفيت، وسقط في الرماد… هذه أعجوبتك! آه
لكل هؤلاء الأوباش: إننا نعرفهم، يا صاح، من هم على شاكلتك!

 

وبعد
أن أنهى كاتب المحكمة قوله هذا دمدم واستدار نحو الجدار ثم غط في النوم.

 

وعلى
هذا، التفت إلى المعلم وقلت له: سأريك الكتاب، إن كنت تريد، وفيه العلامة التي
كلمتك عنها، وما هي بآثار رماد. ثم أخرجت الفيلوكاليا من كيسي وأريته إياها
قائلاً: يدهشني أن تتمكن روح بلا جسد من أن تمسك بقطعة فحم وتكتب…

 

نظر
المعلم إلى العلامة في الكتاب وقال: إنه سر الأرواح. دعني أشرحه لك: عندما تظهر
الأرواح للإنسان بهيئة جسدية، تتخذ جسدها المنظور هذا من النور والهواء، مستخدمة
في ذلك العناصر التي جبل منها جسدها المائت. ولما كان الهواء يتمتع بصفة المرونة،
فإن الروح التي تلبسه يمكنها العمل والكتابة أو الإمساك بالأشياء. ولكن، ما هو هذا
الكتاب الذي معك؟ دعني أرى.

 

فتح
الكتاب ووقع نظره على مقالة سمعان اللاهوتي الجديد فقال: إنه، على ما يظهر، كتاب
في اللاهوت وأنا لا أعرف عنه شيئاً.

 


هذا الكتاب، يا عم، إنما يقتصر مضمونه بكامله تقريباً على تعليم صلاة القلب
الداخلية لاسم يسوع المسيح بحسب ما يفسره خمسة وعشرون من آباء الكنيسة.

 

فقال
المعلم: آه! الصلاة الداخلية! أنا أعرف ما هي…

 

فرجوته
سائلاً إياه أن يحدثني عن الصلاة الداخلية. قال: جاء في العهد الجديد أن كل
الخليقة، بما فيها الإنسان (قد أخضعت للباطل لا عن إرادة) وأن كل شيء يئن ويصبو
إلى انعتاق أبناء الله (رو 19: 8- 20). إن نزوع الخليقة هذا العجيب، هذه الرغبة
الأصيلة في النفس، هي الصلاة الداخلية. ولا يمكن تعلمها لأنها في كل كائن وفي كل
شيء!…

 

سألته:
ولكن كيف يتسنى لنا الحصول عليها، كيف نكتشفها ونحس بها داخل قلبنا؟ كيف نعي
وجودها ونتقبلها بطيبة خاطر ونتوصل إلى أن نجعلها تعمل فينا بقوة فتبهج النفس
وتنيرها وتخلصها؟

 

أجاب
المعلم: لست أدري إن كانت المؤلفات اللاهوتية تبحث في ذلك.

 

فهتفت:
ولكن هنا، في هذا الكتاب، تجد الجواب على كل ما سألته عنه!

 

فتناول
المعلم قلماً وأخذ عنوان الفيلوكاليا وقال: سوف أطلب هذا الكتاب من (توبولسك) وسوف
أطالعه. وعلى هذا افترقنا.

 

ومضيت
أشكر الله على حديثي مع المعلم أسأله تعالى أن يجعل كاتب المحكمة يقرأ الفيلوكاليا
ولو مرة، ويفهم معناها فيجد فيه خير نفسه وصلاحها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى