علم

القصة الثانية: حادثتا شفاء



القصة الثانية: حادثتا شفاء

القصة
الثانية: حادثتا شفاء

جرى
لي، بعد هذا بزمان طويل، أمر سأرويه لك، لو سمحت. شعرت ذات يوم، وكان ذلك في
الرابع والعشرين من آذار، بحاجة لا تقاوم إلى تناول أسرار المسيح المقدسة في ذلك
اليوم المكرس لوالدة الإله، بذكرى بشارتها الإلهية. فسألت عما إذا كان في المنطقة
من كنيسة، فقيل لي إن هنالك كنيسة على بعد ثلاثين فرسخاً.

 

سرت
ما بقي من النهار، والليل كله، لكي أصل الكنيسة عند صلاة السحر. كان الطقس على
أردأ ما يكون: مثلجاً تارة وممطراً طوراً، يزيده سوءاً ريح عاتية جليدية وبرد قار
قارص. كانت الطريق تقطع جدولاً. لكني ما خطوت عليه بضع خطوات حتى انكسر الجليد تحت
رجلي وخضت في الماء حتى حزامي. ووصلت مبتلاً إلى صلاة السحر، فحضرتها وحضرت القداس
الإلهي الذي أتاح لي الله فيه المناولة.

 

طلبت
من الحارس أن يبقيني حتى الغداة في كوخ الحراسة، وذلك لأقضي يومي بسلام دون ما
يكدر هناء روحي. وقضيت النهار كله في فرح يفوق الوصف وفي صفاء القلب. كنت مستلقياً
على بنك في هذا الكوخ دون تدفئة كما لو رقدت أرتاح في حضن ابراهيم. وكانت الصلاة
تعمل بقوة محبتي ليسوع المسيح ولوالدة الإله، كانت تعبر قلبي، أمواجاً منعشة،
وتغمس نفسي في نشوة هانئة. وعند دنو الليل، شعرت فجأة بألم مبرح في ساقي فتذكرت
أنهما مبلولتان. لكني دفعت غفلة فكري عن هذه وعدت إلى الانغماس في الصلاة فلم أعد
أشعر بالألم. وفي الصباح، لما أردت النهوض، لم أستطع تحريك ساقي: كانتا بلا حول
وفي مثل رخاوة المرس. وأنزلني الحارس عن البنك وبقيت هكذا يومين دون حراك. وفي
اليوم الثالث، طردني الحارس من كوخه قائلاً: إن مت هنا كان علي أن أتعب من أجلك
وأهتم بأمرك. وتوصلت أن أجر نفسي على يدي جراً حتى باب الكنيسة حيث بقيت منطرحاً
قرابة اليومين. ولم يكن المارة يعيرون أدنى التفات لا إلى شخصي ولا إلى طلباتي.

 

أخيراً!
اقترب مني أحد الفلاحين وأخذ يحادثني. وقال لي: ماذا تعطيني؟ سوف أشفيك. لقد ألم
بي مرة نفس ما أصابك، وأنا أعرف لدائك علاجاً. فأجبته ليس لي ما أعطيك.

 


وماذا يوجد في كيسك؟

 


لا شيء سوى الخبز الحاف وبعض الكتب.

 


طيب، ستشتغل عندي مدة الصيف إن أنا شفيتك.

 


لا يمكنني حتى العمل. أنت ترى أن ليس لي إلا يد واحدة سليمة.

 


وماذا يمكنك فعله إذن؟

 


لا شيء إلا القراءة والكتابة.

 


هاه! الكتابة! طيب! ستعلم ابني الكتابة. إنه قد بدأ يتعلم القراءة، وحبذا لو تعلم
الكتابة. لكن المعلمين طلبوا مني أجراً غالياً: عشرين روبلاً، لتعليم ابني الخط.

 

فاتفقت
معه. ونقلني إلى بيته. بمساعدة الحارس، ووضعاني في حمام {الحمام بناء خاص
للاستحمام بالبخار، كان دارج الاستعمال في روسيا كلها. وكانوا يبعدونه عن باقي
أجزاء البيت لتجنب أخطار الحريق} عتيق في أحد أركان الفناء القصية.

 

وبدأ
مضيفي في علاجي: جمع من الحقول والباحات وحفر الأقذار كمية لا بأس بها من عظام
الحيوانات القديمة، وعظام الطيور ومن كل الأنواع، فغسلها وكسرها قطعاً صغيرة بحجر
ووضعها في طنجرة كبيرة، غطاها بغطاء به ثقب وقلبها جميعاً فوق إناء وضعه في الأرض.
ودهن قعر الطنجرة بعناية بطبقة من الآجر سميكة وغطاها بقطع من الحطب تركها تحترق
أكثر من 24 ساعة. وقال، وهو يرتب الحطبات: (سينتج من هذا كله قطران العظم).

 

وفي
الغد، نبش القدر، وكان قد سال به من فوهة الغطاء قرابة اللتر من سائل غليظ ضارب
إلى الحمرة، قوامه دهني، رائحته كرائحة اللحم الطازج. وأما العظام الباقية في
الطنجرة، فقد صارت بيضاء اللون شفافة كقلب الصدف أو اللؤلؤ، بعد أن كانت سوداء
عفنة. كنت أدلك جسمي بهذا السائل خمس مرات يومياً. أفتصدق؟ شعرت ثاني يوم أنه
بإمكاني تحريك أصابعي، وفي اليوم الثالث، كنت أثني ساقي، وفي الخامس، قمت واقفاً وأخذت
أمشي في الباحة متوكئاً على عصا. وبعد أسبوع عاد ساقاي إلى حالتهما الطبيعية.
فشكرت الله على ذلك مفكراً: إن حكمة الله تظهر في مخلوقاته! فالعظام الرميمة
اليابسة العفنة التي أوشكت أن تعود إلى التراب تحتفظ بحيوية قوية ولون ورائحة. بل
تفعل في الأجسام الحية، فيمكنها أن تعيدها إلى الحياة! إن هذا عربون القيامة في
الدهر الآتي. ليتني أستطيع إطلاع حارس الأحراج، الذي عشت في كوخه، على هذا، فقد
كان يشك في قيامة الأجساد!

 

بعد
شفائي هذا، أخذت أعنى بالولد الصغير. كتبت كنموذج للخط صلاة يسوع، وطلبت منه أن
ينسخها بعد أن أريته كيف يكتب الأحرف بصورة جميلة. وكان هذا لي عملاً مريحاً، لأن
الغلام كان يخدم، طوال النهار في بيت وكيل الأملاك، فما كان يأتي إلي إلا عندما
ينام معلمه، أي في الصباح الباكر. كان الصبي ذكياً، وسرعان ما تعلم الكتابة على
وجه صحيح تقريباً.

 

سأله
الوكيل مرة وقد رآه يكتب: من ذا الذي يعطيك الدروس؟ فأخبره الطفل أنه السائح الأشل
الذي يعيش في منزلهم في الحمام العتيق. فأتى المدير مستطلعاً – وكان بولونياً –
ليراني ووجدني أقرأ الفيلوكاليا. فحدثني قليلاً وقال: ماذا تقرأ؟ فأريته الكتاب.
فال: آه! إنها الفيلوكاليا! إني رأيت هذا الكتاب عند كاهن بلدتنا، عندما كنت أقيم
في (فلنا)، ولكن قيل لي إنه يحوي وصفات غريبة، وطرائق للصلاة، أوجدها رهبان من
بلاد الروم، على غرار متصوفة الهند وبخارى، الذين ينفخون رئاتهم ويعتقدون ببلاهة،
إذا توصلوا إلى الشعور بدغدغة طفيفة في قلبهم، إن هذا الإحساس الطبيعي هو صلاة
وهبها الله لهم. إنما ينبغي الصلاة ببساطة، لكي نتمم واجبنا نحو الله. فعند النهوض
من النوم، علينا تلاوة (أبانا الذي…) كما علمنا المسيح. وهذا يكفي طوال اليوم.
ولكن إن نحن رددنا نفس الصلاة كل حين، ففي هذا خطر إصابتنا بالجنون وإتلاف قلبنا.

 


لا تتكلم بهذه الصورة عن هذا الكتاب الشريف يا عم! فما كتبه رهبان أروام بسطاء بل
أشخاص عريقون قديسون تكرمهم كنيستكم أيضاً كأنطونيوس الكبير ومكاريوس الكبير {راهب
(300- 390) متوحد طيلة 60 سنة في صحراء سكيتيا وأصله من صعيد مصر، تتلمذ على يد
القديس أنطونيوس الكبير} ومرقس الزاهد {هو مؤلف كتب في الزهد. يبدو أنه عاش في
مطلع القرن الخامس، وهو من تلاميذ الذهبي الفم. كان رئيس دير أنقره من أعمال
غلاطية ثم تنسك في صحراء اليهودية} ويوحنا الذهبي الفم {من كبار الآباء الشرقيين.
واعظ في أنطاكية ثم بطريرك القسطنطينية. مات في المنفى عام 407. راجع: (في
الكهنوت، أحاديث عن الزواج والرسائل إلى أولمبيا)، منشورات النور} وغيرهم. إن
رهبان الهند وبخارى قد اقتبسوا منهم طرائق صلاة القلب غير أن هؤلاء الرهبان شوهوها
وأفسدوها كما قال لي الستارتس. كل ما في الفيلوكاليا من تعاليم عن الصلاة الداخلية
مستقى من كلام الله، من الكتاب المقدس، الذي شدد فيه يسوع على وجوب الصلاة دون
انقطاع. مع وصيته بتلاوة (أبانا الذي…) فقد قال: (أحب الرب إلهك من كل قلبك ومن
كل نفسك وكل ذهنك) (متى37: 22)، كما قال: (فاحذروا واسهروا وصلوا…) (مرقس33:
13)، و(اثبتوا فيّ وأنا فيكم…) (يوحنا4: 15). وآباء الكنيسة، إذ يستشهدون بالملك
داود في المزامير: (ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب) (مزامير9: 34)، يفسرون هذا الكلام
بأن على المسيحي أن يعمل كل شيء حتى يعرف عذوبة الصلاة. فيجب عليه أن يبحث فيها عن
تعزيته بصورة مستديمة لا أن يكتفي بتلاوة صلاة (أبانا الذي…) مرة واحدة.

 

اسمع!
سأقرأ لك ما يقوله الآباء فيمن لا يسعى إلى دراسة صلاة القلب الخيرة. إن هؤلاء
يرتكبون ثلاث خطايا: 1- فهم يخالفون وصايا الكتب المقدسة، 2- لا يقرون بأن للنفس
حالات سمو وكمال: فإنهم، باكتفائهم بالفضائل الخارجية، يتجاهلون الجوع والعطش إلى
البر ويحرمون أنفسهم الغبطة بالله، 3- وهم، بنظرهم إلى فضائلهم الخارجية وحدها،
غالباً ما يتردون في الاكتفاء وفي الغرور.

 

قال
الوكيل: إن ما تقرأ له معنى سام، ولكن كيف لنا، نحن العلمانيين، أن نسلك هذا
السبيل؟

 


اسمع! سأقرأ لك كيف توصل بعض أهل الصلاح إلى تعلم الصلاة المستديمة، بالرغم من
كونهم علمانيين.

 

وفتحت،
في الفيلوكاليا، رسالة سمعان اللاهوتي الجديد عن شاب يدعى جاورجيوس وأخذت أقرأ.
فأعجب الوكيل بما قرأت وقال لي:

 


أعطني هذا الكتاب وسأقرأه في أوقات فراغي.

 


سأعيرك إياه، إن كنت تريده ليوم واحد، فأنا أقرأه باستمرار، وليس لي عنه غنى.

 


ولكن تستطيع، على الأقل، فيما أظن، أن تنسخ لي هذا المقطع، وسوف أدفع لك أجرك.

 


لست بحاجة إلى مالك، ولكني سأنسخه لك بكل سرور آملاً أن يهبك الله غيرة للصلاة.

 

ونسخت
على الفور المقطع الذي قرأته. فقرأه بدوره لزوجته، فاستحسنته وأعجبها كما نال
استحسان زوجها. فكانا، بعد ذلك اليوم، يستدعياني من وقت لآخر فآتي إليهما
بالفيلوكاليا، وأقرأ فيستمعان وهما يتناولان الشاي. وأبقياني، ذات يوم، على
العشاء. وكانت زوجة الوكيل، وهي سيدة مسنة لطيفة، تأكل سمكاً مشوياً، وإذا بها تبتلع
حسكة ما استطعنا إخراجها من حلقها رغم كل جهودنا. وآلمتها حنجرتها شديد الألم حتى
أنها اضطرت، بعد ساعتين، إلى أن تلزم الفراش. وأرسل زوجها في طلب طبيب يسكن على
بعد ثلاثين فرسخاً من المكان، وعدت إلى البيت حزيناً مكتئباً.

 

نمت،
ليلتها، نوماً خفيفاً متقطعاً، وإذا بي أسمع بغتة صوت الستارتس دون أن أنظر أحداً.
قال الصوت: (لقد شفاك معلمك ولا تستطيع فعل شيء لزوجة الوكيل؟ لقد أوصانا الله أن
نتوجع لمصائب القريب).

 


سأساعدها بسرور، ولكن كيف لي ذلك؟

 


إليك ما يجب فعله: هذه المرأة كانت دوماً شديدة القرف من زيت الخروع، فبمجرد أن
تشم رائحته ينتابها الغثيان. جرعها إذن ملعقة زيت خروع، وسوف تستفرغ فتخرج الحسكة،
والزيت سيلين جرحها وستشفى.

 


ولكن كيف أسقيها الزيت ما دامت تتقزز منه وتقرف؟

 


أطلب من زوجها أن يمسك رأسها وصب السائل في فمها قسراً.

 

استفقت
من نومي وأسرعت إلى الوكيل أقص عليه كل هذا بالتفصيل، فقال لي:

 


ما عسى يكون نفع زيتك؟ فقد ألمت بها الحمى وها هي تهذي وقد تورم عنقها كما ترى.
ولكن، على كل حال، لا بأس من المحاولة، فإن لم يفدها الزيت، فهو، في أي حال، لن
يضرها بشيء.

 

وصب
شيئاً من زيت الخروع في كأس صغير وتمكنا بعد جهد من تجريعها إياه. فبدأت تقيء في
الحال قيئاً شديداً وبصقت الحسكة {في حياة رئيس الكهنة حبقوق واقعة مماثلة لهذه:
فقد كاد هذا أن يختنق بقطعة من السمك، لكن ابنته أغربينا (أسرعت إليه، كما يقول
الكتاب، وضربت على ظهره بمرفقيها الصغيران، فخرج من حلقه خثرة دم واستطاع أن
يتنفس} مع قليل من الدم. وبعد، شعرت بتحسن حالها ونامت نوماً عميقاً.

 

جئت
في صبيحة الغد أستطلع أخبارها فوجدتها مع زوجها تتناول الشاي. كانا يتعجبان من
شفائها وخاصة مما قيل لي في الحلم عن قرفها من زيت الخروع، لأنهما لم يحدثا أحداً
بشيء من هذا أبداً. وفيما نحن كذلك وصل الطبيب. فحكت له زوجة الوكيل كيف شفيت،
وأنا رويت له كيف عالج الفلاح ساقي، فأعلن الطبيب قائلاً: ليست هاتان الحادثتان،
بالأمر المدهش، فإنما سبب الشفاء في المرتين قوة طبيعية، لكني سأسجلهما للذكرى.
وأخرج قلماً من جيبه ودوّن بضع كلمات في دفتر صغير.

 

وسرعان
ما شاع في تلك الديار أني عراف ومطبب وساحر، وتوافد الناس من كل حدب وصوب
لاستشارتي يجلبون لي الهدايا. وبدأوا بتكريمي كقديس وولي. ومضى أسبوع على ذلك
ففكرت في الأمر وتخوفت من السقوط في الغرور والتشتت، وفي الليلة التالية، غادرت
القرية خفية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى