علم

القصة الثانية: الوصول إلى اركوتسك (1)



القصة الثانية: الوصول إلى اركوتسك (1)

القصة
الثانية: الوصول إلى اركوتسك (1)

هكذا
عدت، مرة أخرى، أسير على الطريق وحيداً. شعرت بأني فرح خفيف كما لو انزاح عن كتفي
ثقل جبل. وكانت تعزية الصلاة لي في ازدياد مطرد: كان قلبي يجيش أحياناً بمحبة
لامتناهية ليسوع المسيح، وكانت أمواج منعشة تنبعث من هذا الجيشان فتنتشر في كل
كياني. وكانت صورة يسوع المسيح ماثلة في نفسي بصورة شديدة حتى أني كنت وكأني أرى
أحداث الإنجيل بأم عيني بمجرد التفكر بها. وكنت طرباً أبكي فرحاً، أشعر أحياناً
بسعادة في قلبي كبيرة لدرجة لا أستطيع معها وصفها. وكنت أحياناً أبقى ثلاثة أيام
بعيداً عن منازل الناس وبيوتهم فأشعر منتشياً بأني وحيد وخاطئ حقير أمام الله
المتحنن والمحب البشر.

 

وكانت
في هذه الوحدة سعادتي. وعذوبة الصلاة فيها كانت أوضح مما كانت عليه عند احتكاكي
بالناس.

 

أخيراً
وصلت إلى (اركوتسك). وركعت مصلياً أمام ذخائر القديس انوكنديوس، وتساءلت أين
الذهاب من بعد. ولم أكن أرغب في البقاء في المدينة طويلاً لأنها كانت آهلة
بالسكان. وسرت في الشارع أفكر، وإذا بي ألتقي فجأة بأحد تجار المدينة، فاستوقفني
وقال لي: أنت سائح؟ لماذا لا تجيء إلى بيتي؟

 

ووصلنا
بيته الفخم، وسألني من أكون، فرويت له رحلتي. ولما انتهيت قال لي: يجدر بك أن تذهب
إلى مدينة أورشليم، ففيها قداسة لا مثيل لها!

 

فأجبته:
الذهاب إليها مما يسرني، ولكني لا أملك من المال ما أدفعه أجرة الطريق، فإن ذلك
يتطلب المال الكثير.

 

فقال
التاجر: سأخبرك عن طريقة للذهاب، إن تشأ. ولقد أوصلت في العام الماضي إلى القديس
شيخاً من أصدقائنا.

 

فانطرحت
على قدميه، فقال لي: اسمع، سأرسل معك كتاباً إلى ابني وهو في أوروبا يتاجر مع
القسطنطينية. إنه يملك بعض المراكب وسوف يوصلك إلى القسطنطينية وهناك تدفع لك
مكاتبه فيها أجرة السفر حتى القدس، وما هذا بالباهظ الغالي.

 

لما
سمعت هذه الكلمات، أفعم قلبي فرحاً وشكرت هذا المحسن شكراً جزيلاً، وشكرت الله
خاصة لإظهاره لي حبه الأبوي الجم نحوي، أنا البائس الغارق في الخطايا، لا أحسن
صنعاً تجاهه تعالى ولا نحو سواي من الناس، وآكل خبز الغير بلا جدوى.

 

ونزلت
ثلاثة أيام على هذا التاجر الكريم، ثم أعطاني كتاباً إلى ابنه… ها أنا ذاهب إلى
أوروبا على أمل أن أبلغ مدينة أورشليم المقدسة… غير أني لست أدري إن كان الرب
سيسمح لي بالسجود أمام ضريحه المحيي.

————–

(1)
إحدى مدن سيبيريا الشرقية وتقع على نهر انغرا، بالقرب من بحيرة بايكال. تقع
اركوتسك وسط منطقة مناجم هامة مما جعل منها مركزاً صناعياً مزدحماً بالسكان نسبة
لما يجاورها

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى