علم

القصة الثانية: أعمال روحية



القصة الثانية: أعمال روحية

القصة
الثانية: أعمال روحية

الله!
ما أشد الفرح وما أعظم التعزية والغبطة التي شعرت بها عندما تخطيت عتبة هذا المكان
المظلم أو بالأحرى هذا القبر! كان بالنسبة لي أشبه بقصر منيف مليء بالحبور، وقلت
في نفسي: ينبغي الآن في هذا الهدوء وهذه السكينة أن أنشط للعمل وأصلي حتى ينير
الرب ذهني. وعليه، بدأت بقراءة الفيلوكاليا من أولها إلى آخرها بانتباه كبير.
وانتهيت من قراءتها بعد فترة قصيرة من الزمن، وتحققت مما فيها من حكمة وعمق
وقداسة. ولكن الكتاب يتناول مواضيع شتى عديدة، فلم يتسن لي فهم كل شيء ولا تركيز
كل طاقات عقلي على تعليم الصلاة الداخلية وحدها فأبلغ الصلاة التلقائية الدائمة
داخل القلب، بالرغم من شدة رغبتي في ذلك، تبعاً للوصية الإلهية التي نقلها الرسول
فقال: (أطلبوا المواهب العظمى) (1كو 31: 12)، كما قال: (لا تطفئوا الروح) (1تس 19:
5).

 

وعبثاً
فكرت، فلم أدر ما العمل. ليس لي من الذكاء كفاية ولا من الفطنة، ولا من يعينني.
سوف أكثر من صلواتي إلى الرب وألح، فلعله يرأف بي وينير ذهني. ثم أمضيت يوماً
كاملاً أصلي دون أن أتوقف لحظة، فسكن جائش أفكاري واستسلمت للنوم. وإذا بي أحلم
بأني في حجرة صاحبي الستارتس وهو يشرح لي الفيلوكاليا ويقول: إن هذا الكتاب الشريف
فيه حكمة عظمى. هو كنز ثمين من التعاليم عن مقاصد الله الخفية. وليس كل ما فيه في
متناول فهم الجميع، غير أن فيه حكماً على مستوى كل قارئ: عميقة بالنسبة لأهل العلم
وبسيطة للبسطاء. ولذا كان عليكم، معشر البسطاء، ألا تقرأوا كتب الآباء متوالية حسب
ترتيبها في الفيلوكاليا، فتبويبها فيها كان لغاية لاهوتية. أما غير المثقف، فإن
رغب في تعلم الصلاة الداخلية في الفيلوكاليا، فعليه إتباع الترتيب الآتي:

1-
أن يبدأ بقراءة كتاب الراهب نيكفورس (في القسم الثاني من الفيلوكاليا)، ثم:

2-
يثنيه بكتاب غريغوريوس السينائي بكامله، ما عدا الفصول القصيرة منه.

3-
يتلوه قراءة صيغ صلاة القديس سمعان اللاهوتي الجديد الثلاث، ورسالته في الإيمان،
وبعد هذا:

4-
كتاب كاليستوس واغناطيوس.

 

في
هذه النصوص، يجد المطالع تعليم صلاة القلب الداخلية التام، في مستوى يدركه كل
قارئ.

 

وإن
أردت نصاً أسهل فهماً من هذه النصوص فعليك، في القسم الرابع، بالنموذج المختصر
للصلاة، لكاليستوس بطريرك القسطنطينية.

 

أما
أنا، وكأني كنت أمسك بالفيلوكاليا بيدي حقاً، فأخذت أبحث عن المقطع الذي أشار إليه
الستارتس دون أن أجده، فقلب الستارتس بضع صفحات وقال لي: هاك هو، سأضع لك علامة
عليه! والتقط قطعة فحم كانت على الأرض وسطر خطاً صغيراً على جانب الصفحة مقابل
المقطع المعني. استمعت إلى كلمات الستارتس كلها بانتباه وإمعان واجتهدت في حفظها
في ذاكرتي حفظاً ثابتاً بتفاصيلها.

 

استيقظت
ولم تكن الشمس قد أشرقت بعد فبقيت مستلقياً في الفراش أتذكر كل ما رأيت في الحلم
وأردد ما قاله لي الستارتس. ثم فكرت: الله يعلم إن كانت روح الستارتس هي التي ظهرت
لي أم أنها أفكاري تتخذ هذه الصورة، فإني كثير التفكير في الفيلوكاليا وفي
الستارتس. ونهضت تساورني الحيرة والتشكك وكان النور قد بدأ ينتشر. وفجأة رأيت على
قطعة الحجر التي اتخذتها طاولة، الفيلوكاليا مفتوحة في الصفحة التي عينها الستارتس
والمعلمة بخط رسم بالفحم، تماماً كما كان في حلمي، وكانت حتى قطعة الفحم لم تزل
إلى جانب الكتاب. فذهلت للأمر، إذ تذكرت أن الكتاب لم يكن هنا أمس، بل وضعته
مغلقاً بقربي قبل النوم. وتذكرت أيضاً أنه لم يكن من إشارة في هذه الصفحة المعلمة.
فجعلني هذا الحادث أعتقد بصحة الرؤيا كما ثبتني في اعتقادي بقداسة الستارتس. وهكذا
بدأت أقرأ الفيلوكاليا تبعاً للترتيب المعين. فقرأتها مرة، ثم قرأتها مرة أخرى،
مما زاد في غيرتي ورغبتي في اختبار كل ما قرأته اختباراً عملياً. فانكشفت لي بجلاء
معنى الصلاة الداخلية واتضحت لي وسائل بلوغها وما لها من آثار، وفهمت كيف تفرح
النفس وتبهج الفؤاد وكيف يمكن معرفة ما إذا كانت هذه الغبطة من الله أو من الطبيعة
السليمة أو من الوهم.

 

واجتهدت
بادئ بدء أن أتعرض إلى مكان القلب، حسب تعليم سمعان اللاهوتي الجديد. فأغلقت عيني
ووجهت نظري إلى قلبي، محاولاً تصوره كما هو في الجهة اليسرى من الصدر، وأصغيت إلى
خفقاته بعناية. وقمت بهذا التمرين مدة نصف ساعة، أول الأمر، عدة مرات في اليوم.
ولم أر في البداية إلا ظلمات حالكات، إلا أنه سرعان ما رأيت قلبي وأحسست بخلجاته
العميقة، ثم توصلت إلى أن أدخل فيه صلاة يسوع، وأن أخرجها منه على وزن التنفس، حسب
تعليم القديس غريغوريوس السينائي واحتفظ به في صدري. وأنا أنظر بعين الروح إلى
قلبي، قائلاً: أيها الرب يسوع المسيح، ثم أزفر الهواء قائلاً: ارحمني! وكنت بادئ
الأمر أقوم بهذا التمرين خلال ساعة أو ساعتين، ثم صرت أقضي الكثير من وقتي أقوم
به، وأصبحت أخيراً أمضي فيه كل يومي تقريباً.

 

ولما
كنت أشعر بثقل أو بتعب أو بقلق، كنت أسارع إلى قراءة الفيلوكاليا في مواضيع تتناول
نشاط القلب فكانت رغبتي في الصلاة واندفاعي إليها يتجددان فيّ. وشعرت بعد ثلاثة
أسابيع بألم في قلبي، ثم بدفء لذيذ وأحسست بالتعزية والسلام. فقواني هذا التمرين
على الصلاة التي أصبحت محور كل أفكاري، وأخذت أشعر بالفرح والبهجة. وابتداء من هذه
المرحلة، كنت أشعر من وقت لآخر بأحاسيس جديدة في قلبي وفي ذهني. فكأن قلبي كان
يعمر أحياناً بالغليان والخفة والانعتاق من كل قيد والفرح إلى حد أشعر معه بأني
صرت رجلاً آخر، أو كأني في نشوة. وكنت، أحياناً أخرى أحس بمحبة لاهبة نحو يسوع
المسيح ونحو الخليقة قاطبة. وكانت دموعي {أنظر: اسحق السرياني. (يغدو القلب كطفل صغير،
وتسيل الدموع حينما نبدأ الصلاة). راجع أيضاً بهذا الموضوع: (سر عطية الدموع في
الشرق المسيحي)، منشورات النور} مرات أخرى، تسيل من تلقاء ذاتها عرفاناً بجميل
الرب الذي تحنن علي أنا الغارق في لجج الخطايا، كما كان ذهني المحدود يستنير
أحياناً، فأفهم بوضوح ما لم يكن لي حتى مجرد تصوره قبلاً. وفي بعض الأحيان يدب
الدفء المستطاب من قلبي إلى كل كياني فأشعر، والفرح يغمرني، بحضور الرب، كما كان
يخالجني، في بعض الأوقات، فرح شديد عميق لذكري اسم يسوع المسيح، مما فهمت معه ما
يعنيه قوله تعالى: (إن ملكوت الله في داخلكم) (لوقا21: 17).

 

لاحظت
وأنا في هذا الجو المفعم بالتعزية أن مفاعيل صلاة القلب تتجلى على أشكال ثلاثة: في
الروح، وفي الحواس، وفي العقل.

 

ففي
الروح مثلاً، يشعر المرء بعذوبة محبة الله وبالسلام الداخلي وبتهلل الروح وبصفاء
الأفكار وببهاء حضرة الله. وفي الحواس، نشعر بدفء في القلب مستحب، وبملء العذوبة
السارية في جسمنا، يجيشان السرور في القلب، بالبهجة، بالصحة والقوة وبعدم الاكتراث
بالأمراض والآلام. وأما في العقل، فباستنارة الذهن، وبفهم الكتاب المقدس وفهم لغة
الخليقة، بالتجرد عن المشاغل الباطلة، بالشعور بحلاوة الحياة الروحية وبالتيقن من
قرب الله إلينا ومن محبته لنا {يماثل هذا تقسيم الحياة الروحية ثلاثة أقسام كما
عرفها مكسيموس المعترف وايفاغريوس قبله: (الروح التي تنجح في العمل تسير نحو
الحكمة. فإن نجحت في التأمل، فتتقدم نحو العلم. وأما الأولى فتقود من يكافح إلى
التمييز بين الفضيلة والرذيلة، وأما الثانية فتسير بمن يساهم فيها إلى أعلى
الكائنات اللاجسدية والجسدية. وأما نعمة معرفة الله، فينالها الإنسان إذا ما اجتاز
كل ما عداها بأجنحة المحبة فوصل إلى الله وتأمل بالروح العلم الإلهي، بمقدار ما
يمكن للناس ذلك). (مكسيموس المعترف)}.

 

بعد
خمسة أشهر قضيتها في الخلوة في هذه الأعمال الروحية وفي هذه السعادة، اعتدت على
صلاة القلب بحيث كنت أمارسها دون انقطاع. وشعرت، آخر الأمر، أنها تتردد فيّ من
تلقاء ذاتها دون أدنى جهد مني. كانت تنبعث في الروح مني وفي القلب، لا في اليقظة
وحسب بل حتى أثناء النوم، فلا تعود إلى التوقف لحظة من بعد ذلك. وكانت نفسي تشكر
الرب وقلبي يتهلل بفرح مستديم.

 

وحان
موعد قطع الأشجار، فتجمع الحطابون، واضطررت إلى مغادرة مسكني الهادئ. وبعد أن شكرت
الحارس وصليت، قبلت تراب هذه الأرض التي أظهر فيها الرب نحوي فيضاً من صلاحه
وحسنه، ثم وضعت كيسي على كتفي وانصرفت. وبعد أن سرت طويلاً وجزت دياراً كثيرة،
دخلت مدينة (اركوتسك). وكانت صلاة القلب التلقائية تعزيني طوال مسيري، فما انقطعت
عن التمتع بها، بالرغم من تفاوت درجات سروري فيها. فلم تزعجني أبداً في أي مكان أو
زمان، ولم يؤثر شيء قط فيخفف من فعلها فيّ. ففي أثناء عملي، كانت الصلاة تستمر من
تلقاء ذاتها في قلبي، فأنهي العمل بسرعة. وإن كنت أقرأ أو أستمع إلى قول ما
بانتباه، لا تتوقف الصلاة، بل كنت أشعر في ذات الوقت بالأمرين معاً، كأن شخصيتي
ازدوجت، أو كأن في جسدي روحين اثنتين. سبحان الله! ما أعجب الإنسان وما أعظم
سره!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى