علم الله

الفصُل التاسع



الفصُل التاسع

الفصُل
التاسع

مِن قيَامة المسيح إلى مجيئِه الثاني

“وقام في اليوم الثالث كما في الكتُب، وصعد إلى السماء وجلس عن
يمين اللهِ الآب، وأيضاً يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياءَ والأموات، الذي لا فناء
لملكه”.

 

“لِمَ تطلبنَ بين الأموات مَن هو حيّ؟ انه ليس ههنا، لكنه قد
قام” (لو 24: 5). بهذه الكلمات أعلن الملائكة بشرى قيامة المسيح للنسوة
اللواتي جئن قبره مع فجر اليوم الأول من الأسبوع. وبعد أن ارتفع يسوع عن أبصار
التلاميذ ظهر لهم ملاكان وقالا: “ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء؟ إنّ
يسوع هذا، الذي ارتفع عنكم الى السماء، سيأتي هكذا، كما عاينتموه منطلقاً الى
السماء”. انّ قيامة المسيح وصعوده الى السماء ومجيئه الثاني المجيد هي ثلاثة
أحداث تعبّر من خلالها المسيحية عن إيمانها بمصير يسوع الناصري من بعد موته ودفنه.
وتلك الأحداث الثلاثة مرتبطة بعضها ببعض بحيث لا يمكن أن يُفهَم الواحد منها دون
الآخرَين.

 

انّ يسوع “من بعد تألمه أرى نفسه حيًّا” (أعمال 1: 3) لشهود
كثيرين. فمن هم شهود القيامة وكيف عبّروا عن إيمانهم بقيامة المسيح في مختلف أسفار
العهد الجديد؟ ثمّ ما هي أبعاد قيامة المسيح وعلاقتها بصعوده الى السماء وجلوسه عن
يمين الآب؟ وأخيراً ما هي علاقة هذين الحدثين بالمجيء الثاني المجيد؟

 

القِسم
الأول شهود قيامة المسيح

ان الحدث التاريخي الذي يرتكز عليه إيماننا بقيامة المسيح هو إيمان
الرسل بها. لقد عاش الرسل مع يسوع في حياته وشاهدوا صلبه. ومن بعد موته نسمعهم
يعلنون إيمانهم بقيامته ويشهدون لهذا الايمان حتى الموت. لا يمكن أحداً أن يشكّ
بأنّ الرسل آمنوا بقيامة المسيح. وقد يقدم أحد على التهوّس لأمر يتخيّله، ولكنة لا
يُعقَل أن يقدم الرسل كلهم على الشهادة حتى الموت لأمرٍ ما، إن لم يختبروا في هذا
الأمر اختباراً خاصاً يجدر الموت في سبيله. انّ المسيح قد “أرى نفسه حيًّا
لهم”. لقد اختبروا أنه حيّ وسمعوه يرسلهم الى التبشير وراحوا يعلنون ما
اختبروا ويكرزون بما سمعوا. قبل القيامة كانوا “مختبئين في منزل أبوابه
موصَدة خوفاً من اليهود” (يو 20: 19)، وبعد القيامة نراهم يشهدون لايمانهم
أمام الألوف من اليهود المجتمعين في أورشليم لعيد العنصرة، معلنين أنّ يسوع الذي
صلبه اليهود قد أقامه الله. ومن تلك البشارة نشأت الكنيسة التي يمكن التعريف بها
انها جماعة الذين يؤمنون بأنّ يسوع قد قام ويبنون حياتهم على هذا الايمان.

 

انّ الكرازة بقيامة المسيح قد وصلت الينا في ثلاثة مصادر، كلٌّ منها
يشهد لها بطريقة خاصة: أعمال الرسل ورسائل بولس والأناجيل.

 

1- أعمال الرسل

نجد في سفر الأعمال كرازة الرسل الأولى. في خمس خطب، وفي أوضاع وظروف
مختلفة، نسمع بطرس ويوحنا وبولس يعلنون البشرى نفسها. كتب لوقا سفر أعمال الرسل
حول سنة 80. فيمكننا أن نتساءل: هل الخطب التي يضعها لوقا على لسان الرسل قد فاهوا
بها حقاً أم هي من تأليفه هو؟ انّ دراسة نص الخطب وتصميمها من استهلال وتوسّع
وخاتمة تشير الى أنّ الصيغة التي وردت فيها إلينا هي من وضع لوقا. لكنّ النقد
الأدبي أظهر أنها تحوي عبارات مترجمة من الآرامية. لذلك يجمع أهل الاختصاص على أنّ
لوقا لم يختلقها اختلاقاً بل استند في وضعها الى وثائق قديمة كتابية أو شفوية.
فيمكننا إذن اعتبارها صدى أميناً لكرازة الرسل في السنوات الأولى لكنيسة أورشليم.

 

أ) الخطبة الأولى

فاه بها بطرس يوم العنصرة: “ان يسوع الناصري، الانسان الذي أيّده
الله لديكم بالعجائب والمعجزات والآيات، التي أجراها على يده في ما بينكم، كما
أنتم تعلمون -ذاك الذي أسلم بحسب مشيئة الله المحدودة وعلمه السابق، فقتلتموه
صلباً بأيدي الأثمة، قد أقامه الله، ساحقاً قيود الموت، اذ لم يكن في وسع الموت أن
يضبطه.. فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن جميعاً شهود بذلك.. ان يسوع هذا الذي
صلبتموه أنتم قد جعله الله ربًّا ومسيحاً. فلما سمعوا ذلك انصدعت قلوبهم وقالوا
لبطرس ولسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع، أيها الرجال الاخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا
وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس..
فاعتمد الذين قبلوا كلام، وانضمّ الى الكنيسة في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس”
(2: 22- 41).

 

يمكننا إيجاز هذه البشرى في أربع نقاط: أولاً، انّ يسوع قد صلبه
اليهود؛ ثانياً، لكنّ الله قد أقامه؛ ثالثاً، والرسل جميعا هم شهود بذلك؛ رابعاً،
فتوبوا واعتمدوا باسمه.

 

ب) الخطبة الثانية

ألقاها بطرس أيضاً أمام الشعب، بعد شفائه مقعداً أمام الهيكل، وبهد
فيها النقاط الأربع ذاتها: “لقد قتلتم مُبدِئ الحياة، الذي أقامه الله من بين
الأموات، ونحن شهود بذلك.. فاندموا اذاً وتوبوا لكي تمحى خطاياكم” (3: 15-
19).

 

ج) الخطبة الثالثة

فاه بها بطرس ويوحنا أمام رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة الذين قبضوا
عليهما بعد شفائهما المُقعَد، “مستائين لتعليمهما الشعب وندائهما في يسوع
بالقيامة من بين الأموات.. وسألوهما: بأيّ قوّة وباسم مَن فعلتما هذا؟ فقال لهم
بطرس: انه باسم يسوع المسيح الناصري -الذي صلبتموه أنتم، وأقامه الله من بين
الأموات- به وقف هذا الرجل أمامكم متعافياً. فذاك هو الحجر الذي ازدر يتموه. أيها
البنّاؤون، الذي قد صار رأساً للزاوية، وما من خلاص بأحد غيره، اذ ليس تحت السماء
اسم آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلص.. إنّا لا نقدر أن لا نتكلّم بما عاينّا
وسمعنا” (4: 2- 20).

 

د) الخطبة الرابعة

فاه بها بطرس أمام كرنيليوس قائد المئة: “أنتم تعلمون بما قد جرى
في اليهودية.. كيف مسح الله بالروح القدس والقدرة يسوع الناصري.. ونحن شهود بكل ما
صنع في أرض اليهود وفي أورشليم، هو الذي قتلوه معلّقين إياه على خشبة. فهذا قد
أنهضه الله في اليوم الثالث، وآتاه أن يظهر، لا للشعب كلّه، بل لشهود قد اصطفاهم
الله من قبل، لنا، نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد نهوضه من بين الأموات، وقد
أوصانا أن نكرز للشعب، ونشهد بأنه هو الذي أقامه الله ديّاناً للأحياء والأموات،
وله يشهد جميع الأنبياء، بأن كل من يؤمن به ينال باسمه مغفرة الخطايا” (10: 37-
43).

 

ه) الخطبة الخامسة

ألقاها بولس في مجمع اليهود في انطاكية بيسيذية: “ان القاطنين في
أورشليم ورؤساءهم، اذ لم يعرفوه، أتمّوا، بالقضاء عليه، أقوال الأنبياء التي تتلى
في كل سبت، ومع أنهم لم يجدوا عليه علّة للموت، التمسوا من بيلاطس أن يُقتل، واذ
أتمّوا كل ما كتب عنه، أنزلوه عن الخشبة، وجعلوه في قبر، لكن الله أنهضه من بين
الأموات، وتراءى أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل الى أورشليم، الذين هم
الآن شهوده عند الشعب.. فبه قد بُشِّرتم بمغفرة الخطايا، وبه يتبرّر كل مؤمن، من
كل ما لم تستطيعوا أن تُبرّروا منه بناموس موسى” (13: 27- 39).

 

لقد عبّر الرسل في خطاباتهم هذه الأولى عمّا اختبروه بعد موت يسوع، عن
تلك الحقيقة التي كانت ولا تزال أساس إنشاء الكنيسة، والتي كوّنت ولا تزال تكوّن
جوهر الإيمان المسيحي: انّ يسوع المسيح هو مخلّص العالم. فقد مسحه الله بالروح
القدس والقدرة، فاجتاز وهو يحسن الى الجميع، إلاّ أنّ اليهود قتلوه معلِّقين إيّاه
على خشبة. لكنّ الله قد أقامه، والرسل شهود لقيامته، فقد تراءى لهم وأوصاهم أن
يكرزوا به ويعمّدوا باسمه لمغفرة الخطايا ومنح الروح القدس. كل من يؤمن به ينال
البرّ والخلاص.

 

تلك هي الشهادة الجوهرية التي نجدها أيضاً في رسائل بولس.

 

2- رسائل بولس

انّ أقدم شهادة لقيامة المسيح نجدها في رسالة بولس الأولى الى
الكورنثيين التي كُتب في ربيع سنة 56. يقول فيها: “أُذكّركم، أيها الاخوة.
الإنجيل الذي بشّرتكم به.. وبه تخلّصون.. فإني قد سلّمت اليكم ما قد تسلّمت أنا
نفسي: ان المسيح قد مات من أجل خطايانا، على ما في الكتب؛ وانه قُبِر، وانه قام في
اليوم الثالث على ما في الكتب، وانه تراءى لكيفا ثم للاثني عشر؛ ثم تراءى لأكثر من
خصص مئة أخ معاً -أكثرهم باقٍ حتى الآن وبعضهم رقدوا- ثم تراءى ليعقوب، ثم لجميع
الرسل؛ وآخر الكل، تراءى لي أنا أيضاً كأنّما للسِّقط (1 كور 15: 1- 8).

 

يقول بولس انه سلّم الى الكورنثيين ما تسلّمه هو نفسه: “انّ
المسيح مات وقُبر وقام وتراءى لبطرس وسائر الرسل”. تلك الشهادة قد تسلّمها
بولس في دمشق عند ارتداده، وكان ذلك سنة 34- 35 أي خمس سنوات بعد قيامة المسيح. ثم
يضيف شهادته الخصية: فالمسيح القائم من بين الأموات تراءى آخر الكل له أيضاً. وهذا
الترائي يرويه سفر أعمال الرسل (9: 3- 9): نور من السماء أبرق حول بولس وسمع صوت
المسيح يقول له: “أنا يسوع الذي تضطهده!”.

 

لا نجد في سفر أعمال الرسل ولا في رسائل بولس وصفاً مفصَّلاً لأحداث
قيامة المسيح وظهوراته لتلاميذه. فالاثنا عشر وبولس يقتصرون على تأكيد تلك القيامة
كحقيقة لا جدل فيها، بها يحيون ولها يشهدون حتى الموت، ويعلنون معناها استناداً
الى الكتاب المقدس. فقيامة المسيح هي ينبوع خلاص للانسان على هذه الأرض وعربون
قيامته بعد الموت: “ان اعترفت بفمك أنّ يسوع هو ربّ، وآمنت في قلبك أن الله
قد أقامه من بين الأموات، فإنك تخلص” (روم 10: 9). “إن كنا نؤمن أن يسوع
قد مات ثم قام، فلنؤمن كذلك أن الذين رقدوا في يسوع سيحضرهم الله معه” (1 تسا
4: 14).

 

3- الأناجيل

نجد أيضاً شهادات كثيرة لقيامة المسيح في الأناجيل الأربعة التي تعود
الى الثلث الأخير من القرن الأول. فإنجيل مرقس كُتب سنة 67؛ وانجيل لوقا بين 70
و80، وانجيل متى اليوناني الذي بين أيدينا، وقد تُرجم عن انجيل آرامي مفقود، كُتب
حول سنة 80، وأخيراً انجيل يوحنا كُتب حول سنة 95. إلاّ أنّ هذه الأناجيل قد دوّنت
ما كان الرسل يبشّرون به منذ قيامة المسيح، مستندة في ذلك الى تقاليد شفوية والى
مجموعات كتابية من أقوال يسوع وأحداث حياته وسيرة آلامه وقيامته.

 

انّ من يقرأ سيرة قيامة المسيح في هذه الأناجيل يصطدم أولاً بما فيها
من اختلاف في سرد الأحداث التي رافقت هذا الحدث الأساسي في الإيمان المسيحي.

 

فهنالك أولاً اختلاف في تحديد النسوة اللواتي ذهبن الى القبر: “مريم
المجدلية ومريم الأخرى”، حسب متى (28: 1)، “مريم المجدلية ومريم أمِ
يعقوب وصالومي”، حسب مرقس (16: 1)؛ “مريم المجدلية وحنة ومريم أم يعقوب
وأُخر كنّ معهنّ”، حسب لوقا (24: 10) الذي يضيف أيضاً بطرس الرسول (24: 12)؛
“مريم المجدلية” وحدها، ثم “بطرس والتلميذ الآخر”، حسب يوحنا
(20: 1، 3).

 

هناك أيضاً اختلاف في تحديد الأشخاص الذين ظهر لهم المسيح: النسوة،
حسب متى (28: 9)؛ مريم المجدلية وحدها، حسب مرقس (16: 9) ويوحنا (20: 14)؛ تلميذا
عمّاوس، حسب لوقا (24: 13) ومرقس (16: 12). وتذكر الأناجيل الأربعة ترائي يسوع
للرسل كلهم معاً، وينفرد لوقا في ذكر ظهور خاص لبطرس (24: 34).

 

انّ هذه الاختلافات تبقى ثانوية بالنسبة الى ما يتفق عليه الانجيليون
الأربعة في كرازتهم بقيامة المسيح. وتلك الكرازة تشمل ثلاثة أمور: أوّلاً، انّ
يسوع قد تراءى من بعد موته للرسل الأحد عشر وبعض النسوة والتلاميذ، ثانياً؛ انّ
الرسل قد آمنوا أنّ يسوع قام من بين الأموات وهو الآن حيّ مع الآب؛ ثالثاً، القبر
الذي دُفن فيه يسوع وُجد في اليوم الثالث فارغاً من جسده.

 

سنتوسّع في هذه الأمور الثلاثة لنرى كيف عبّر الانجيليون عن إيمان
الكنيسة الأولى بقيامة المسيح.

 

أ) يسوع تراءى لتلاميذه

نوعان من الترائيات

 

يذكر الانجيليون نوعين من ترائيات يسوع لتلاميذه من بعد قيامته: ترائيات
شخصية لبعض الأفراد، كتلميذي عمّاوس (لو 24: 13- 35) ومريم المجدلية (يو 20: 11-
18)، وهذه الترائيات تعبّر عن الاختبار الشخصي لقيامة المسيح الذي يختبره المؤمنون
لدى سماعهم كلمة الله وتناولهم عشاء الرب في الافخارستيا؛ ثمّ ترائي جماعي للرسل
الأحد عشر (متى 28: 16- 20؛ مر 16: 15- 18؛ لو 24: 36- 53؛ يو 20: 19- 23). في هذه
النصوص يبيّن الانجيليون أن الكرازة بقيامة المسيح مبنية على ترائي المسيح للرسل
الأحد عشر، فهم الشهود الرسميون للقيامة وإليهم وكل المسيح رسالة التبشير باسمه.
وفي رواية هذا الترائي يؤكّد كل انجيلي ناحية خاصة من سرّ المسيح.

 

ففي متى (28: 16- 20) يتراءى يسوع لتلاميذه على جبل الجليل. وهذا
يذكّرنا بعظة يسوع على الجبل التي أعلن فيها شريعته الجديدة (متى 5: 1). فإنّ يسوع
هو موسى الجديد الذي يطلب من تلاميذه أن يعلّموا جميع الأمم وصاياه الجديدة
ويعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. ولكن بينما سجد موسى لله على جبل سيناء،
يسجد التلاميذ هنا ليسوع، فإنه هو ربّ المجد وابن البشر الذي دفع اليه الله كل
سلطان.

 

أمّا في لوقا (24: 36- 49) فالأمر الهام الذي يركَّز الاهتمامُ عليه
هو انّ يسوع يفسّر لتلاميذه الكتب ويزيل الشك من قلوبهم ويعدهم بأن يرسل اليهم
الروح القدس. وبواسطة حضور الروح القدس يتحقق وعد يسوع، الذي تحدث عنه انجيل متى،
“بأن يكون مع تلاميذه كل الأيام الى انقضاء الدهر”.

 

وأمّا في يوحنا (20: 19- 39) فيدور الموضوع حول متابعة رسالة المسيح.
فالرسالة التي يكلها يسوع إلى تلاميذه هي ذاتها التي تلقّاها من الآب: “كما
أنّ الآب أرسلني كذلك أنا أُرسلكم”. ثم يعطيهم الروح القدس وسلطان مغفرة
الخطايا. وهكذا تبدو رسالة الكنيسة دخولاً في سرّ الثالوث الأقدس.

 

كيف تراءى يسوع لتلاميذه؟

ان اللفظة التي استعملها بولس للتعبيرعن اتصال المسيح بتلاميذه من بعد
قيامته هي فعل “تراءى”: “تراءى لكيفا ثم للاثني عشر.. ثم ترائى
ليعقوب ثم لجميع الرسل، وآخر الكل تراءى لي أنا أيضاً” (1 كور 15: 1- 8).
وصيغة الفعل اليونانية المستعملة هنا تعني بالأحرى “أرى نفسه”.

 

وهذه اللفظة يستعملها لوقا في ترائي المسيح لبطرس (لو 24: 34)، وترد
في مواضع مختلفة من العهد القديم: في الحديث عن ترائي الله لابراهيم (“يتراءى
الرب لأبرام”: تك 12: 7؛ 17: 1)، ولمنوح وزوجته في سفر القضاة (“ولم يعد
ملاك الرب يتراءى لمنوح وزوجته”: قض 13: 21). ونجد أيضاً هذه اللفظة في مختلف
أسفار العهد الجديد: فلاك الرب تراءى لزخريا وهو في الهيكل (لو 1: 11)، وفي تجلي
يسوع على جبل ثابور تراءى موسى وايليا في مجد للتلاميذ (لو 9: 31؛ مر 9: 4؛ متى 17:
3)؛ وفي نزاع يسوع في بستان الزيتون تراءى له ملاك من السماء ليشدّده (لو 22: 43)؛
ويوم العنصرة تراءت للرسل ألسنة منقسمة كأنها من نار (أعمال 2: 3)، وهناك نشيد
قديم يستخدمه بولس في رسالته الأولى الى تيموثاوس يتكلم عن يسوع الذي تراءى
للملائكة (1 تيم 3: 16).

 

وهناك تفسير لترائي الله لابراهيم نقرأه في كتابات الفيلسوف اليهودي
فيلون الاسكندري يقول فيه: “ليس ابراهيم هو الذي رأى الله، بل انّ الله هو
الذي أرى نفسه لابراهيم”.

 

انّ استعمال هذه اللفظة في ترائيات يسوع لتلاميذه من بعد قيامته يشير
الى أمرين: الأمر الأول هو الإصرار على أنّ ظهور المسيح لتلاميذه من بعد قيامته
ليس توهماً حصل للتلاميذ ولا نسجاً من خيالهم. فيسوع هو صاحب المبادرة في إظهار
نفسه. وبما أنه قد أرى نفسه للتلاميذ فهذا يعني أنه حيّ، كما أنّ الله الحي قد أرى
نفسه لابراهيم. فالتلاميذ اذاً لم يكونوا ضحية أوهام وتخيلات عندما شهدوا أنّ يسوع
تراءى لهم حياً بعد قيامته.

 

أمّا الأمر الثاني فيتعلّق بكيفيّة تصوّر الحالة التي تراءى فيها يسوع
لتلاميذه. فهل يختلف هذا الترائي عن سائر الترائيات التي يذكرها الكتاب المقدس في
العهد القديم وفي العهد الجديد؟ وهل يختلف عن ترائيه لبولس على طريق دمشق؟ ففي
رواية هذا الترائي يذكر سفر أعمال الرسل ان مرافقي بولس “سمعوا صوتاً، لكنهم
لم يروا أحداً” (أعمال 9: 7)، وفي موضع آخر انّهم “رأوا النور، إلاّ
أنّهم لم يفقهوا صوت الذي يكلّمه” (أعمال 22: 9). فهل كان ترائي المسيح
ترائياً مادياً بحيث يمكن التقاطه بآلة تصوير أو يستطيع أي انسان غير مؤمن أن
يشاهده؟

 

يتجه اليوم معظم مفسّري الكتاب المقدس الى القول بأنّ ترائيات يسوع
لتلاميذه من بعد قيامته لم تكن ترائيات مادية يمكن تيقّنها بأعين الجسد المادي، بل
ترائيات روحية لا يمكن رؤيتها إلا بأعين الايمان.

 

قد يعترض البعض قائلين: ولكن هناك مقاطع في الانجيل تدل على عكس ذلك: “واذ
كانوا بعد غير مصدّقين من الفرح، منذهلين، قال لهم: “هل عندكم ههنا
طعام؟” فقدّموا له قطعة من السمك المشوي. فأخذ وأكل أمامهم” (لو 24: 41-
43). وفي انجيل يوحنا، عندما يظهر لتوما يقول له: “هات إصبعك الى ههنا وانظر
يديّ، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً” (يو 20: 27).

 

لا يمكننا قراءة هذه النصوص قراءة مادية حرفية، بل يجب البحث من
خلالها عن هدف الانجيليين وهو هدف مزدوج: الإصرار أولاً على أنّ الرسل ليسوا أمام
وهم جماعي ولا أمام تخيل شخصي، فقد يتخيّلون وجود روح أمامهم ولكنّهم لا يستطيعون
ان يتخيّلوا انساناً له لحم وعظم ويأكل أمامهم، فإنّ يسوع حقاً أمامهم في روحه وفي
جسده أي في كامل شخصه؛ والإصرار ثانياً على انّ يسوع الذي ظهر للرسل هو نفسه الذي
صُلب، وهذا معنى الاشارة الى آثار المسامير في يديه والحربة في جنبه.

 

ب) الرسل آمنوا أنّ يسوع قد قام

الإيمان اختبار شخصي

يؤكّد جميع الانجيليين أنّ الإيمان عنصر أساسي في ترائي المسيح لرسله.
ففي ترائي يسوع لتوما يقول له: “أفلأنك رأيت آمنت؟ طوبى للذين يؤمنون ولم
يروا!” (يو 20: 27- 29)، وفي إنجيل لوقا يفتح يسوع أذهان تلاميذه ليؤمنوا
استناداً الى الكتاب المقدس: “ثم قال لهم: ذلك ما قلت لكم اذ كنت بعد معكم،
انّه لا بد أن يتمّ جميع ما كتب عني في ناموس موسى، وفي الأنبياء والمزامير”.
عندئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب، وقال لهم: “هكذا كُتِب: انه ينبغي للمسيح
أن يتألّم، وأن يقوم من الأموات في اليوم الثالث” (لو 24: 44- 46).

 

ان الايمان لا يستند الى وقائع مادية يمكن تحققها بالوسائل العلمية
الخارجة عن الانسان. انه نور داخلي يملأ الانسان يقيناً بحضور الله وقدرته. فالرسل
لم يتحققوا حدث القيامة استناداً الى براهين علمية خارجية. انهم أوائل مَن آمنوا
بقيامة المسيح. لقد آمنوا بحضور الله في شخص يسوع المسيح، وآمنوا أن الله قد أقام
يسوع وسحق الموت.

 

يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: “ان اللقاء مع المسيح القائم هو،
في نظر العهد الجديد، لقاء مع الله واختبار لله. انّ ما ظهر للرسل هو حقيقة ملكوت
الله الذي جاء بشكل نهائي في يسوع المسيح بموته. انّ ما تراءى للرسل هو ضياء مجد
الله على وجه المصلوب. ترائيات يسوع هي الوحي الاسكتولوجي، الوحي الأخير، الذي به
يوحي الله بذاته. فالله هو الذي يكشف ذاته، ويكشف مجده على وجه يسوع المسيح. ما
رآه التلاميذ هو مصلوب البارحة في مجد الله. هذا الوحي لله ولمجده هو الأساس
الحقيقي للإيمان الفصحي وللإيمان بوجه عام، لأنّ الإيمان هو اختبار الله غاية
الحياة وهدفها. وهذا الإيمان لا يمكن أن يستند الى أحداث وبراهين خاصة، بل الى
أمانة الله وحقيقته اللتين تفرضان نفسيهما على الانسان”.

 

إنّ الرسل آمنوا بقيامة المسيح، ونحن أيضاً نؤمن اليوم بقيامته. فهل
من فرق بين إيمان الرسل وإيماننا نحن؟

 

الإيمان اختبار شخصي، والاختبار الشخصي يصعب التعبير عنه. وبقدر ما
يكون الاختبار شخصياً وعميقاً، بقدر ذلك يصعب التعبير عنه وإبلاغه بكل أبعاده
للآخرين. اننا نجد بعض الصعوبة للتعبير عن اختبارنا التعبير الملائم، فكم بالأحرى
يصعب علينا إدراك اختبار الرسل والتعبير عنه تعبيراً مطابقاً تمام المطابقة للواقع.

 

كل ما نستطيع قوله عن اختبار الرسل لقيامة المسيح هو أنهم لاقوا
المسيح من بعد موته في لقاء شخصي واختبروا اختباراً جديداً انّ المسيح حيّ وأنه
حاضر بينهم. اختبارنا نحن لا يختلف في أبعاده عن إيمان الرسل. “فإن دخل انسان
غير مؤمن لا يعرف شيئاً عن المسيحية الى مكان يؤدّي فيه المسيحيون شعائر العبادة،
شعر، من خلال موقفهم، أنّ أمراً ما يجري. وان سألهم عنه أجابوا: انّ الرب يسوع حاضر
بيننا، وهو يدعونا الى مائدته، ونحن نأكل معه ونستمع إليه ونخاطبه.. انّ هذا
الجواب يشبه شبهاً مدهشاً روايات الانجيليين. لكنّ هناك فرقاً: يقال في هذه
الروايات انّ الرسل عرفوا انه يسوع. لقد سبقوا وتعرّفوا اليه مدة حياته الأرضية،
فبإمكانهم أن يتحقّقوا أنّ اختبار القائم من بين الأموات الذي يختبرونه الآن يطابق
اختبار يسوع الأرضي الذي اختبروه من قبل. وهذا الأمر لا نقدر عليه نحن. فلكي نتحقق
صدق اختبارنا لا بدّ لنا أن نقارنه باختبار الرسل. لا شكّ أنّ الاختبار نفسه هو
واحد في كلتا الحالتين ولا يختلف أساساً في عمق أبعاده، لكنّ الرجوع الى الماضي
الذي يثبّته ويصدّقه يختلف: إنّه حياة يسوع بالنسبة الى الرسل، واختبار الرسل
بالنسبة إلينا”.

 

إنّ إيماننا نحن يستند الى إيمان الرسل: استناداً الى إيمانهم
واختبارهم نحن أيضاً نؤمن أنّ المسيح حيّ، ونفتح قلوبنا لنلاقيه ونحيا من حياته.

 

إنّ الكنيسة هي جماعة المؤمنين الذين يتناقلون شهادة الرسل بقيامة
المسيح ويحقّقونها في حياتهم، ويشهدون بدورهم أن المسيح حيّ وأنّه بروحه حاضر في
العالم وفي تاريخ البشر.

 

العلاقة بين الظهورات والايمان

قلنا انّ المسيح تراءى للرسل، والرسل آمنوا بأنّه حيّ. فترائي المسيح
وإيمان الرسل هما أمران يجب التمييز بينهما، ولكن دون فصل أحدهما عن الآخر.

 

نقرأ في بعض كتب اللاهوت المعاصرة أنّ المسيح لم يتراءَ لرسله، إنما
هم آمنوا به وآمنوا أنّه قد قام، وما ظهورات المسيح إلا تعبير بأسلوب روائي عن
إيمان الرسل بقيامته. ان هذا التفسير هو ردّة فعل على التفسير الذي يعتبر ظهورات
المسيح أموراً موضوعية يمكن فصلها عن الايمان وتحقّقها ببراهين علمية ثابتة. بين
هذين التفسيرين: التفسير الذي لا يرى في القيامة إلا إيمان الرسل بها، والتفسير
الذي يفصل القيامة عن إيمان الرسل، هناك مجال لتفسير آخر يميّز ظهورات المسيح عن
إيمان الرسل دون أن يفصل بينهما. وهذا التفسير يبدو لنا أقرب الى حقيقة الله
وحقيقة الانسان في آن واحد.

 

يرتكز هذا التفسير على اعتبار الإيمان اختباراً روحياً شخصياً. ولكنّ
الاختبار لا بدّ أن يكون اختباراً لشيء خارج عن الانسان، وإلاّ أصبح توهماً
وتخيّلاً. إنّ الاختبار هو حتماً لقاء بين الانسان وموضوع متميّز عنه.

 

في هذا يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: “يجب ألا نفصل
“الموضوع” (أي قيامة يسوع وارتفاعه الى عند الآب اللذين حدثا في الواقع)
عن “الذات” (أي اختبار الإيمان كما تعبّر عنه روايات الظهورات). دون
اختبار الإيمان المسيحي ينقصنا العنصر القادر على إدراك المسيح القائم. وعلى عكس
ذلك، دون قيامة يسوع نفسه لا وجود لاختبار فصحي. إنّ الحدث الفصحي هو الاختبار
الفصحي الذي اختبره التلاميذ (أي إنّهم اختبروا أنّ يسوع الذي عاشوا معه هو وحده
المسيح المخلّص النهائي للبشر)، ولكنّ منبع هذا الاختبار هو المسيح القائم.

 

“وقيامة المسيح لا تعني فقط انّ الله قد أقامه من بين الأموات،
بل أيضاً انّ الله يعطيه جماعة يكون فيها حاضراً: أخصّاؤه الذين يجتمعون من جديد
ويصبحون كنيسته. وهذا يفرض أن تكون قيامة يسوع هي في الوقت نفسه حضوره السماوي في
ما بيننا.. انّ قيامة يسوع وحضوره السماوي بين أخصّائه الذين على الأرض هما وجهان
لحقيقة واحدة، بحيث إنّ التلاميذ لا يعرفون ما حدث ليسوع نفسه، أي انه قد قام،
إلاّ من خلال حضوره من جديد في ما بينهم وبواسطة هذا الحضور”.

 

يرى هذا اللاهوتي ان ترائيات المسيح للرسل تعني في الواقع خبرة إيمان
الرسل لحضور المسيح بينهم، إلاّ أنه يضيف انّ تلك الخبرة ليست سوى وجه واحد لحقيقة
القيامة. فالوجه الآخر الملازم لتلك الخبرة هو أنّ يسوع قد قام، أي انّه قد دخل في
مجد الآب.

 

ج) القبر الفارغ

وهذان الوجهان هما ما تؤكّدهما الأناجيل في إطار روائي في روايات
القبر الفارغ. يروي الانجيليون انّ بعض النسوة أتين القبر “في اليوم الأول من
الأسبوع”. أمّا سبب مجيئهن الى القبر فيختلف حسب الروايات: فمرقس يقول: “انّ
النسوة أتين “ليحنّطن يسوع” (مر 16: 1)، وكذلك لوقا: “جئن مع الفجر
الى القبر يحملن الحنوط الذي أعددنه” (لو 24: 1)؛ أمّا متى فيقول: “لما
انقضى السبت، عند فجر اليوم الأولى من الأسبوع، جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى
لتنظرا القبر” (متى 28: 1)، وكذلك يوحنا لا يذكر شيئاً عن الحنوط (يو 20: 1).

 

ثم يتّفق الانجيليون في ذكر القبر الفارغ: لمّا وصلت النسوة الى القبر
وجدن الحجر الذي كان على باب القبر قد دُحرج، ودخلن القبر ولم يجدن جسد يسوع.
ولتفسير حدث القبر الفارغ، يظهر لهنّ “شاب جالس الى اليمين، عليه لباس
أبيض”، يقول مرقس (مر 16: 5). هذا الشاب يقول عنه متى انه “ملاك الرب
انحدر من السماء، وأتى ودحرج الحجر وجلس عليه، وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض
كالثلج” (متى 28: 2- 3). أما لوقا فيتكلم عن “رجلين عليهما ثياب
برّاقة” (لو 24: 4)، ويوحنا عن “ملاكين بثياب بيض” (يو 2: 12).

 

هل هذه الرواية تاريخية بكل تفاصيلها؟ هل أتت النسوة الى القبر لتحنيط
جسد يسوع أم لرؤية القبر؟ هل ظهر لهنّ ملائكة، بثياب بيض؟ هل وجدن القبر حقاً
فارغاً من جسد يسوع؟ في الاجابة على هذه الأسئلة يجب التمييز بين فراغ القبر من
جسد يسوع ورواية هذا الحدث كما ورد في الأناجيل.

 

انّ فراغ القبر من جسد يسوع تقليد قديم في أورشليم وأمر يجمع عليه
الانجيليون الأربعة. لذلك، وان كان بعض مفسّري الكتاب المقدس اليوم لا يقرّون
بتاريخية هذا التقليد ويعتبرونه أمراً رمزياً للدلالة على دخول المسيح في حياة
الله، إلاّ أن معظم المفسّرين واللاهوتيين يقولون انه لو لم يوجد القبر في الواقع
فارغاً لما نشأ هذا التقليد القديم ولا استطاع أن يثبت ويصمد.

 

اما رواية هذا الحدث فقد افترض بعض المفسّرين أنها نشأت من عادة قديمة
عند اليهود كانت تقضي بزيارة قبور الأنبياء والصدّيقين والأقرباء للذكرى والصلاة.
تمشياً مع هذه العادة كان المسيحيون الأوّلون يحجّون الى قبر يسوع، الى قبر فارغ،
ويعلنون إيمانهم بقيامته. من هنا نشأت رواية أولى، أعاد كل من الانجيليين النظر
فيها على طريقته وعبّر من خلالها عن فكره اللاهوتي. انها ليست روايات تاريخية بقدر
ما هي روايات لاهوتية. لذلك تتضمّن، الى جانب شهادة الايمان بقيامة المسيح، عناصر
لا يمكن تفسير ها تفسيراً مادياً وحرفياً.

 

فمجيء النسوة الى القبر ليحنّطن ميتاً دُفن منذ ثلاثة أيام، كما يقول
مرقس ولوقا، يناقض كل التقاليد اليهودية ولا يتلاءم مع ما هو معروف عن المناخ
الحار في فلسطين. لكن هذا التحنيط يتخذ معناه الحقيقي اذا فهمناه كتمهيد أدبي
لإعلان قيامة المسيح: جاءت النسوة الى القبر ليحنّطن يسوع أي ليبقينه في الموت،
فاذا هو حيّ قد تغلّب على الموت. كذلك قولهنّ بعضهنّ لبعض “من يدحرج لنا
الحجر عن باب القبر” ليس سوى صيغة أدبية وسؤال تمهيدي للتأكيد أنّ المسيح لم
يُغلَق عليه في القبر بل أُخرج بقدرة الله الى الحياة، إذ لا حجر مهما كان كبيراً
ولا حاجز مهما كان عظيماً يستطيع أن يمنع قدرة الله من أن تعتلن وتنهض يسوع من
الموت.

 

ثمّ انّ فراغ القبر ليس في ذاته برهاناً على قيامة المسيح. انه لا
يأخذ هذا المعنى إلاّ على ضوء الإيمان. أمّا غير المؤمن فقد يقول كما قال اليهود: “انّ
تلاميذه جاءوا ليلاً وسرقوه!..” (متى 28: 13)، أو كما قالت مريم المجدلية: “أخذوا
سيدي ولا أدري أين وضعوه” (يو 20: 13).

 

ان فراغ القبر يحتاج الى تفسير، وهذا التفسير يصفه الانجيليون على
لسان الملائكة. فرسالة الملائكة في الكتاب المقدس تقوم على إعلان ارادة الله
وتفسير معنى الأحداث والتشديد على تدخّل الله في حياة البشر. هذا ما يقوم به
الملائكة الى جانب قبر المسيح: يعلنون للنسوة قيامة يسوع ويطلبون منهنّ تبشير
الرسل بذلك:

 

“لا تخفن أنتنّ! اني أعلم أنّكن تطلبن يسوع المصلوب. انه ليس
ههنا: فقد قام كما قال. لمّ وانظرن الموضع الذي كان مضجعاً فيه. ثم امضين في سعة،
وقلن لتلاميذه: انه قد قام من بين الأموات، وانه يسبقكم الى الجليل. فهناك
ترونه” (متى 28: 5- 7).

 

“لا ترتعدن. انكنّ تطلبن يسوع الناصري، المصلوب: انه قد قام، ليس
هو ههنا. دونكنّ المكان الذي قد وضعوه فيه. فاذهبن الآن، وقلن لتلاميذه، ولبطرس: انه
يسبقكم الى الجليل؛ فهناك ترونه، كما قال لكم” (مر 16: 6- 7).

 

“لِمَ تطلبن بين الأموات مَن هو حيّ؟ انه ليس ههنا، لكنه قد قام.
تذكّرن ما قال لكنّ اذ كان بعد في الجليل: انه ينبغي لابن البشر أن يُسلم الى أيدي
الخطأة ويُصلب، وأن يقوم في اليوم الثالث. فتذكرن كلامه” (لو 24: 5- 8).

 

تؤكّد النصوص الثلاثة التناقض بين طلب النسوة وقيامة المسيح: انكنّ
تطلبن يسوع المصلوب، انه ليس ههنا، فقد قام. ويشير متى ومرقس الى المكان الذي كان
مضجعاً فيه. وبقولهما “قلن لتلاميذه انه يسبقكم الى الجليل، فهناك
ترونه” يمهّدان لترائي المسيح لتلاميذه في الجليل. تلك الجملة الأخيرة تصبح
في انجيل لوقا: “تذكّرن ما قال لكنّ اذ كان بعد في الجليل..”. فلوقا لا
يروي ترائي يسوع لتلاميذه في الجليل، بل في أورشليم التي هي محور لاهوته. فمن
أورشليم سينطلق الرسل للكرازة بالانجيل “في جميع اليهودية والسامرة والى
أقاصي الأرض” (أعمال 1: 8).

 

وهكذا فانّ كلام الملائكة يسلّط الأضواء على جميع مراحل حياة يسوع
ويفسّرها للنسوة: ففي الماضي أنبأ يسوع تلاميذه أنه سيُصلَب ويقوم، وفي الحاضر إنه
ليس في القبر، لكنه قد قام، وفي المستقبل سيظهر لتلاميذه ويرسلهم للكرازة.

 

تلك الرسالة السماوية يوجّهها الانجيليون من خلال النسوة الى جميع
الذين عرفوا يسوع وآمنوا به في حياته وراحوا يتساءلون متحيرين لماذا انتهت حياته
بالصلب والموت، ويوجهونها كذلك الى جميع المؤمنين بيسوع على مدى الأجيال. فيسوع لم
يمت لكنه قام الى مجد الله. والرسالة نفسها يضعها لوقا على فم يسوع في ترائيه
لتلميذي عمّاوس وللرسل: “أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل في
نجده؟” (لو 24: 26)، “هكذا كتب: انه ينبغي للمسيح أن يتألّم، وأن يقوم
من بين الأموات، في اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه، بالتوبة لمغفرة الخطايا، في
جميع الأمم، ابتداء من أورشليم” (لو 24: 46- 47).

 

انّ دخول يسوع الى مجد الله تعبّر عنه أيضاً تفاصيل أخرى في روايات
القبر الفارغ تجدر الاشارة اليها. فالشاب الذي يظهر في رواية مرقس يوحي بالحالة
الجديدة التي أصبح فيها يسوع: “انه جالس الى اليمين” مثل المسيح الممجّد
الجالس الى يمين الآب وعليه “ثوب أبيض” يذكّر بالثوب الذي ظهر فيه يسوع
في تجلّيه أمام تلاميذه على جبل ثابور (مر 9: 3).

 

أمّا متى فيستخدم في روايته الصوَر التقليدية التي تشير الى القيامة
العامة في نهاية العالم: “واذا زلزال عظيم قد انبعث، لأنّ ملاك الرب انحدر من
السماء، وأتى ودحرج الحجر، وجلس عليه” (متى 28: 2). فالزلزال هو من دلائل
نهاية العالم (راجع خطاب يسوع في منتهى العالم، متى 24: 7). وهذا الزلزال يذكره
متى أيضاً لدى موت يسوع: “الأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت،
كثيرون من القديسين الراقدة أجسادهم فيها قاموا وخرجوا من القبور بعد قيامته،
ودخلوا المدينة المقدسة، وتراءوا لكثيرين” (متى 27: 51- 53). فموت يسوع
وقيامته هما نهاية العالم القديم وبدء الأزمنة الجديدة. ويشير الى ذلك أيضاً مجيء
الملاك الذي “كان منظره كالبرق” (كمجيء ابن البشر في نهاية العالم، متى
24: 27). وقد “دحرج الحجر وجلس عليه”. فالحجر الذي يختم القبر ويرمز الى
سلطة الموت قد أُزيل ودُمّرت معه سلطة الموت.

 

د) اليوم الثالث

أتت النسوة الى القبر “في اليوم الأول من الأسبوع، عند
الفجر”، أي صباح نهار الأحد. وهذا اليوم هو اليوم الثالث لموت المسيح الذي
حدث نهار الجمعة (مر 15: 42؛ يو 19: 31). في انجيل لوقا نسمع الملاك يقول للنسوة: “تذكّرن
ما قال لكنّ اذ كان بعد في الجليل: انه ينبغي لابن البشر أن يسلم الى أيدي الخطأة
ويُصلب، وأن يقوم في اليوم الثالث” (لو 24: 6- 7). في هذا تذكير بما تنبّأ به
يسوع أمام تلاميذه عن آلامه وموته وقيامته، وكلّ مرة يذكر الانجيليون أنّ يسوع
سيقوم، يضيفون أنه “سيقوم في اليوم الثالث” (لو 18: 33) أو “بعد
ثلاثة أيام” (مر 10: 34؛ متى 27: 63).

 

لقد اتخذت عبارة “القيامة في اليوم الثالث” معنى زمنياً
بمجيء النسوة الى القبر في اليوم الثالث وتحقّقهنّ فراغه من جسد يسوع، وبظهور يسوع
حياً لتلاميذه في هذا اليوم عينه، حسب لوقا (24: 13، 33، 36)، ويوحنا (20: 19).
إلاّ أنّ هذه العبارة تتضمّن معنى آخر، معنى لاهوتياً يجدر التنبه له. ففي نبوءة
هوشع نقرأ الجملة التالية: “يحيينا (الله) بعد يومين، وفي اليوم الثالث
يقيمنا فنحيا أمامه” (هو 6: 3). تعني عبارة “اليوم الثالث” في هذا
النص “المدّة القصيرة”. فالله لن يبطئ في إحياء شعبه وإقامته من الموت.

 

وقد فسّر الترجوم آية هوشع بقوله: “سيعيدنا الى الحياة في يوم
التعزيات الآتية، وفي اليوم الذي يعيد فيه الأموات الى الحياة سيقيمنا معه”.
كما فسّر الترجوم أيضاً آية سفر التكوين التالية “وفي اليوم الثالث رفع
ابراهيم طرْفه فأبصر الموضع من بعيد” (تك 22: 4)، بقوله: “اليوم الثالث
هو اليوم الذي تُرَدّ فيه الحياة الى الأموات، كما ورد في هوشع: في اليوم الثالث
يقيمنا فنحيا أمامه”.

 

فعبارة اليوم الثالث لم تكن تعني عند اليهود في أيام المسيح وقتاً
زمنياً بل وقتاً لاهوتياً” هو وقت تدخل الله لإعادة الحياة الى الأموات.
فعبارة “القيامة في اليوم الثالث” هي اذاً مرادف لعبارة “القيامة
العامة”، لأنّ اليهود لم يتصوّروا قط أنّ الله سيقيم انساناً من الموت بمفرده
وبمعزل عن الآخرين، بل كانوا يتوقّعون قيامة عامة لجميع الراقدين.

 

من هنا نستنتج أنّه عندما كان التلاميذ يبشّرون أنّ المسيح قام في
اليوم الثالث كانوا يقصدون أولاً التأكيد أنّ القيامة الى حياة الله التي يرجوها
جميع الأموات في الأزمنة الأخيرة قد حدثت ليسوع، فبدأت معه الأزمنة الأخيرة.

 

القِسم الثَاني أبعاد قيامة المسيح

إنّ الرسل قد آمنوا بقيامة المسيح وشهدوا لها وكرزوا بها. فما هي
أبعاد هذا الإيمان وهاتين الشهادة والكرازة؟ واليوم عندما نعلن إيماننا بأنّ
المسيح قد قام ونشهد لهذا الحدث ونكرز به، ماذا نعني في الواقع؟ ما هو مضمون
إيماننا بقيامة المسيح؟

 

انّ قيامة المسيح تحمل في جنباتها ثلاثة أبعاد يُلقى من خلالها الضوء
على ثلاثة أسرار: سرّ الله وسرّ المسيح وسرّ الانسان. ففي هذا الحدث يعلن الله عن
قدرته ويكشف عن ذاته انّه إله الحياة والمحبة؛ وفي هذا الحدث أيضاً يظهر الله صدق
رسالة يسوع ويرفعه إلى المجد؛ وفي هذا الحدث أخيراً ينكشف للانسان بعض الشيء من
مصيره في هذه الحياة وبعد الموت.

 

1-
قيامة المسيح اعتلان لقدرة الله

“انّ الله بإقامة يسوع من بين الأموات لا يقوم بعمل خارق يناقض
نواميس الطبيعة، بل يظهر ذاته إلهاً، ويظهر قدرته، ويكشف المعنى الأخير،
الاسكتولوجي، للحياة برّمتها. الايمان بالقيامة ليس أمراً يضاف إلى الإيمان بالله
وبيسوع المسيح؛ انّه موجز هذا الايمان وجوهره”.

 

 

انّ الله، في قيامة يسوع، يكشف بصورة نهائية عن ذاته انّه الاله الذي
تشمل قدرته الحياة والموت والكيان والعدم، وانّه قوّة الحياة الجديدة والمحبّةُ
الخلاّقة والأمانة الدائمة.

 

من يؤمن أنّ الله أقام يسوع يؤمن انّ الله جدير بأن يثق به الانسان
الثقة التامّة المطلقة. لذلك عندما تنغلق في وجه المؤمن كلُّ الآفاق الزمنية وتزول
من أمام عينيه كلّ الآمال والامكانات البشرية، ويشعر أنّه يسير نحو الموت والتلاشي،
عندئذ يظهر له الله في أزلية محبته ودوام حضوره.

 

2-
قيامة المسيح تصديق لرسالته من قبل الله

انّ موت يسوع على الصليب كان، في أعين الناس، الدليل على أنّ الله قد
أهمله ونبذه، على ما هو مكتوب: “ملعون كلّ من عُلِّق على خشبة” (غلا 3: 13).
لذلك “كان المجتازون أمام صليبه يجدّفون عليه، ويقولون، وهو يهزّون رؤوسهم: أنت
يا هادم هيكل وبانيه في ثلاثة أيام، أنقذ نفسك! إن كنت ابن الله، فانزل اذاً عن
الصليب. وكذلك أيضاً رؤساء الكهنة كانوا يسخرون منه مع الكتبة والشيوخ ويقولون: ..
لقد توكّل على الله، فلينقذه الآن، إن كان راضياً عنه، فإنه قد قال: أنا ابن
الله” (متى 27: 39- 43).

 

لذلك بعد موت يسوع هرب الرسل ورجعوا إلى الجليل، وتحققت فيهم كلمة
يسوع: “كلّكم ستضعفون بسببي، لأنه مكتوب: سأضرب الراعي فتتبدّد الخراف. ولكن
متى قمت أسبقكم الى الجليل” (مر 14: 27؛ متى 26: 31).

 

في الجليل دعا يسوع رسله دعوة أولى ليتبعوه ويبشّروا معه بقرب مجيء
الملكوت، وفي الجليل ظهر لهم من بعد قيامته ودعاهم دعوة ثانية ليبشّروا أنّ ملكوت
الله قد تحقق في قيامته: بالقيامة ظهر يسوع ابن البشر الذي أنبأ عنه دانيال انه
“سيُعطى سلطاناً على ملوك الأرض” (دانيال 7: 14)، وقد أعطي هذا السلطان،
كما قال لتلاميذه في ترائيه لهم على جبل في الجليل: “لقد دُفع إليّ كل سلطان
في السماء وعلى الأرض” (متى 28: 18).

 

وبالقيامة ظهر يسوع حقاً “ابن الله”. في قيامة يسوع أجاب
الله على تساؤلات الناس: ان كان ابن الله فلينزل عن الصليب، إذ قرّب، وهو على
الصليب، “تضرعات وابتهالات، في صراخ شديد ودموع، الى القادر أن يخلّصه من
الموت، فاستجيب له بسبب ورعه. ومع كونه ابناً، تعلّم ممّا تالّمه أن يكون
طائعاً” (عب 5: 7، 8). انّ الله استجاب ابتهالات يسوع ابنه عندما أقامه من
الموت.

 

هذا ما يقوله أيضاً بولس الرسول في خطبته في مجمع اليهود في أنطاكية: “انّ
الوعد الذي صار لآبائنا قد حققه الله لنا نحن أولادهم، اذ أقام يسوع، على ما هو
مكتوب في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك” (أعمال 13: 33). وفي
رسالته الى الرومانيين يبشّر “بيسوع المسيح ربنا ابن الله، المولود بحسب
الجسد من ذرّية داود، المقام بحسب روح القداسة، في قدرة ابن الله، بقيامته من بين
الأموات” (روم 1: 3، 4).

 

انّ كل ما بشَّر به يسوع في حياته عن ملكوت الله قد صدّقه الله بإقامة
يسوع. فالملكوت هو حياة الله تدخل عالمنا المائت وتبعث فيه حياة جديدة، وقد انبعثت
تلك الحياة الجديدة من قبر المسيح. الملكوت هو محبة الله تشرق على عالمنا المظلم
وتزيل عنه عتمة الحقد وظلمة الخطيئة، وقد أشرقت تلك المحبة في قيامة يسوع، كما
أشرقت في حياته. لقد أظهر الله، بإقامة يسوع من الموت، انّ كل ما بشّر به يسوع في
حياته قد بشّر به باسم الله، كلّ ما فعله في حياته قد فعله باسم الله، وانّ موته
على الصليب كان اظهاراً لمحبة الله. لذلك يسوع نفسه هو ملكوت الله: ففي حياته وفي
موته وفي قيامته ظهرت حياة الله وظهرت محبة الله وظهرت قدرة الله.

 

3-
القيامة تمجيد يسوع: صعوده الى السماء وجلوسه عن يمين الله الآب

انّ صعود يسوع الى السماء وجلوسه عن يمين الله الآب أمران مرتبطان
ارتباطاً وثيقاً بالقيامة، كما يقول بطرس الرسول في خطبته الأولى يوم العنصرة: “فيسوع
هذا قد أقامه الله، ونحن جميعاً شهود بذلك. واذ قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب
الروح القدس الموعود به، أفاض ما تنظرون وما تسمعون. فإنّ داود لم يصعد قط الى
السماوات، ومع ذلك فإنّه يقول: قال الربّ لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك
موطئاً لقدميك. فليعم اذاً يقيناً جميع بيت اسرائيل أنّ الله قد جعل يسوع الذي
صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحاً” (أعمال 2: 32- 36).

 

أ) الصعود إلى السماء بعد أربعين يوماً

انّ ارتفاع يسوع ودخوله في مجد الآب يتحدّث عنهما لوقا في موضعين
مختلفين: في الفصل الأخير من انجيله وفي الفصل الأوّل من سفر أعمال الرسل. ففي
الانجيل يذكر لوقا انّ يسوع ارتفع الى السماء في اليوم نفسه الذي قام فيه. فبعد
ترائيه لتلاميذه “خرج بهم نحو بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيمَا هو
يباركهم انتحى عنهم، وصعد الى السماء. أما هم فسجدوا له، ورجعوا الى أورشليم بفرح
عظيم؛ وكانوا بلا انقطاع في الهيكل يباركون الله” (لو 24: 50- 53).

 

أمّا في سفر أعمال الرسل فيذكر لوقا أنّ يسوع بقي “يتراءى
لتلاميذه مدة أربعين يوماً ويكلّمهم عن شؤون ملكوت الله. وفيمَا هم يأكلون أوصاهم
بالبقاء في أورشليم وانتظار موعد الآب.. حلول الروح القدس عليهم. ولما قال هذا
ارتفع على مرأى منهم، وأخذته سحابة عن عيونهم” (أعمال 1: 3- 10).

 

انّ عدد الأربعين في الكتاب المقدّس هو عدد رمزي يدل على مدة طويلة
تمهّد لحدث عظيم. فاليهود ساروا أربعين سنة في الصحراء قبل الدخول الى أرض الميعاد،
ويسوع صام أربعين يوماً قبل البدء برسالته. لم ينتظر يسوع أربعين يوماً للصعود إلى
السماء والدخول في مجد الآب، فقيامته “وصعوده الى السماء هما حدث واحد. أما
الأربعون يوماً فهي المدة التي كان يسوع يتراءى فيها لتلاميذه ويهيّئهم لنوع جديد
من حضوره بينهم؛ انها الفترة الأولى من حياة الكنيسة التي عمّق فيها الرسل إيمانهم
بقيامة المسيح وادراكهم للرسالة التي أوكلها اليهم.

 

أمّا السحابة التي أخذت يسوع عن عيون التلاميذ فهي رمز لحضور الله.
فالله لا يمكن أن يُرى بأعين الجسد، لذلك يُرمَز اليه دوماً في الكتاب المقدس
بالسحابة (في التجلي يقول لنا الانجيل: “واذا سحابة قد ظلَلتهم، وصوت من
السحابة يقول: هذا ابني الحبيب، فاسمعوا له” مر 9: 7). فدخول المسيح في
السحابة يعني دخوله في مجد الله.

 

كذلك القول عن “السماء” و”الصعود الى السماء”.
فالسماء ليست الفضاء الخارجي الذي يحيط بالأرض، وليست مكاناً يمكن الصعود إليه،
انها لفظة رمزية تشير الى الله. فالصعود إلى السماء يعني اذاً الدخول في مجد الله.

 

يقول أحد مفسّري الكتاب المقدس: “عندما نقول ونؤمن مع الكنيسة
انّ المسيح الممجّد صعد الى السماء حيث يقيم مع أبيه، نعني بذلك أنه دخل الى الأبد
في عالم روحي، جديد، نهائي، هو أول خليّة فيه، عالم لا تدركه حواسّنا ومخيلتنا،
ولكنه عالم حقيقي ثابت أكثر حقيقة وثباتاً من عالمنا الحالي. ونعتقد، مع معظم
الشهادات المسيحية القديمة، أنه دشّن هذا العالمَ الجديدَ منذ يوم قيامته، عندما
انتُزع من القبر بالروح القدس ليمجَّد مع الآب”.

 

ب) الجلوس عن يمين الآب

عندما سأل رئيس الكهنة يسوع في أثناء محاكمته: “استحلفك بالله
الحيّ أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله” قال له يسوع: “أنت قلت.
وأيضاً أقول لكما: انكم منذ الآن تبصرون ابن البشر جالساً عن يمين القدرة، وآتياً
على سحاب السماء” (متى 26: 64).

 

انّ الجلوس عن يمين القدرة، أي عن يمين الله، يعني اشتراك يسوع في
سلطة الآب. فالقيامة والارتفاع الى عند الله والجلوس عن يمينه هي نواحٍ مختلفة من
سرّ واحد هو سرّ تمجيد يسوع، وكذلك إعلانه ربًّا ومسيحاً. وهذا السرّ يعبّر عنه
انجيل يوحنا في صلاة يسوع قبيل وفاته: “فالآن، أيها الآب، مجّدني أنت عندك
بالمجد الذي كان لي من قبل كون العالم” (يو 17: 5). ويعبّر عنه بولس الرسول
في النشيد الذي نجده في رسالته الى الفيليبيين: “هو القائم في صورة الله..
صار طائعاً حتى الموت، بل موت الصليب. لذلك رفعه الله رفعة فائقة، وأنعم عليه بالاسم
الذي يفوق كلّ اسم، لكي تجثو لاسم يسوع كلّ ركبة.. ويعترف كل لسان بأنّ يسوع هو
ربّ لمجد الله الآب” (فيل 2: 6- 11). فيسوع قد رفعه الله اليه وأنعم عليه
بالاسم الالهي، اسم “الربّ”.

 

وفي رسالته الى الأفسسيّين يقول إنّ الله قد أظهر قدرته في المسيح
“إذ أنهضه من بين الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماوات، فوق كل رئاسة وسلطان
وقوة وسيادة، وفوق كل اسم يُسمّى، ليس في هذا الدهر فقط، بل في الآتي أيضاً”
(أف 1: 20، 21)

 

فالارتفاع والجلوس الى يمين الله ليسا اختطافاً من الأرض الى سماء
بعيدة عن عالمنا؛ إنهما دخول المسيح في مجد الله واشتراكه في قدرته وسيادته.

 

4- قيامة المسيح
عربون قيامتنا:

يسوع القائم “البكر من بين الأموات”

 

ينظر بولس الرسول الى قيامة المسيح في إطار رجائه بقيامة الأموات: “إن
لم تكن قيامة أموات، فالمسيح اذاً لم يقم.. ولكن لا، فإنّ المسيح قد قام من بين
الأموات، باكورة للراقدين. لأنه، بما أنّ الموت كان بإنسان، فبإنسان أيضاً قيامة
الأموات. فكما أنّه في آدم يموت الجميع، كذلك أيضاً في المسيح سيحيا الجميع”
(1 كور 15: 13، 20- 22). يسوع القائم هو “البكر من بين الأموات” (كولسي
1: 18؛ رؤيا 1: 5).

 

انّ الرجاء اليهودي لم يكن ينتظر قيامة شخص واحد قبل القيامة العامة.
فالكرازة بقيامة المسيح هي اذاً أمر خاص بالمسيحية: انسان واحد، يسوع المسيح، قام
من بين الأموات ودخل في مجد الله. وهذا الانسان هو مستقبل العالم. ما حدث له سيحدث
أيضاً لجميع الذين يؤمنون به.

 

يسوع هو الإنسان الجديد. الإنسان الأول كان بدء الحياة المائتة، أما
يسوع، الإنسان الجديد، فهو بدء الحياة الخالدة. لذلك “من يؤمن به فله الحياة
الأبدية” (يو 3: 36).

 

انّ قيامة المسيح هي حدث منفتح على المستقبل، انها تحقيق مسبّق لما
تئنّ لأجله الخليقة كلّها (روم 8: 19- 23).

 

“ولكن، قد يقول قائل: كيف يقوم الأموات؟ وبأي جسد يرجعون؟”
هذا السؤال الذي طرحه المسيحيون الأولون على بولس، لا نزال نطرحه اليوم أيضاً.
يجيب بولس بتشبيه فيقول: “يا جاهل! انّ ما تزرعه، أنت، لا يحيا إلاّ إذا مات.
وما نزرعه ليس الجسم الذي سيكون، بل مجرّد حبّة من الحنطة، مثلاً، أو غيرها من
البذور. إلاّ أنّ الله يؤتيها جسماً على ما يريد. لكلّ من البذور جسمه المختصّ به..
فهكذا قيامة الأموات: يُزرع الجسد بفساد ويقوم بلا فساد، يُزرع بهوان ويقوم بمجد،
يُزرع بضعف ويقوم بقوة، يُزرع جسد حيواني ويقوم جسد روحاني” (1 كور 15: 39- 44).

 

الجسد، في كلام بولس كما في العقليّة الكتابيّة الساميّة، لا يعني فقط
العنصر المادي في الكائن البشري؛ الجسد هو الانسان بكامله، في جسده وروحه، ولكن من
حيث ظهوره في العالم وعلاقته بالآخرين؛ الجسد هو في الإنسان ما يمكّنه من الاتصال
بالكون وبالآخرين؛ الجسد هو ما تستطيع به الروح أن تنشئ علائق مع الغير. هذا الجسد
خاضع للفساد والانحلال، ولكن بالقيامة يتحول الجسد الفاسد الى جسد روحاني لا يسيطر
عليه الفساد والانحلال. يقول بولس الرسول: “انّ اللحم والدم لا يستطيعان أن
يرثا ملكوت الله، ولا الفساد أن يرث عدم الفساد”. لذلك لا بدّ للإنسان أن
يتحوّل، “ولا بدَّ لهذا الجسد الفاسد أن يلبس عدم الفساد، ولهذا الجسد المائت
أن يلبس عدم الموت” (1 كور 15: 50- 53).

 

الجسد الذي سيتحوّل ليس” الجثّة المائتة”، بل الإنسان
بكامله، في ذاته وفي علاقته بالآخرين، العنصر الشخصي الذي يجعل من الإنسان فرداً
متميزاً عن غيره من الأفراد. هذا “الأنا” الروحي والجسدي سيصبح بالقيامة
على صورة المسيح القائم من بين الأموات.

 

5-
قيامة المسيح حدث الخلاص وبدء الحياة الجديدة

بالقيامة دخل يسوع في مجد الله. وبما أنّ يسوع هو الانسان الجديد ورأس
البشرية، يمكننا القول انّ البشرية كلّها قد دخلت في رأسها الى مجد الله. يقول
بولس الرسول: “انّ الله.. قد أحيانا مع المسيح.. ومعه أقامنا، ومعه أجلسنا في
السماوات في المسيح يسوع” (أف 2: 5، 6)؛ “موطننا نحن هو في
السماوات” (في 3: 20).

 

والليتورجيا تؤكد بقوة تلك الحقيقة، كما نقرأ في صلوات عيد الصعود في
الطقس البيزنطي:

 

“يا يسوع الحلو، غير المنفصل من الأحضان الأبوية، يا من عاش
انساناً على الأرض، لقد صعدت اليوم من جبل الزيتون، وأصعدت بمحبتك طبيعتنا الهابطة
وأجلستها مع الآب..” (الغروب).

 

“أيها الاله، لقد جدّدت في ذاتك طبيعة آدم (أي الانسان) الهابطة
الى أسافل الأرض، وأصعدتها اليوم فوق كل رئاسة وسلطة. لأنّك، لحبّك إياها، أجلستها
معك، ولتحننك عليها وحّدتها بك، ولاتحادك بها تألمت فيها، ولتألمك بها أنت العادم
التألم مجّدتها معك..” (الليتي).

 

إيماننا بقيامة المسيح وبقيامتنا نحن مع المسيح يخلع على حياتنا
الحاضرة معنى جديداً، كما يقول بولس الرسول: “عندما نعم أن الذي أقام الرب
يسوع سيقيمنا نحن أيضاً معه.. عندئذ لا نفشل، بل ولئن كان انساننا الظاهر ينهدم،
فإنساننا الباطن يتجدّد يوماً فيوماً” (2 كور 4: 14- 16).

 

قيامة المسيح تجدّد نظرتنا الى الكون: “وعليه، فمنذ الآن لا نعرف
أحداً بحسب الجسد، وان كنّا قد عرفنا المسيح بحسب الجسد، فالآن لا نعرفه كذلك.
اذاً، ان كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة، فالقديم قد اضمحلّ، وكل شيء قد
تجدّد” (2 كور 5: 16، 17).

 

قيامة المسيح تدفعنا الى السلوك سلوكاً جديداً: “لقد قتم مع
المسيح. فاطلبوا اذاً ما هو فوق حيث يقيم المسيح جالساً عن يمين الله.. لأنّكم قد
متّم للعالم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا،
فحينئذٍ تظهرون أنتم معه في المجد” (كولسي 3: 1- 4).

 

من يؤمن بقيامة يسوع لا يمكن أن يتسرّب اليأس الى قلبه: “نحن
مضايَقون من كل جانب، ولكنّا لا ننحصر؛ حائرون، ولكن على غير يأس؛ مضطهَدون، ولكن
على غير انخذال؛ مطروحون، ولكن على غير تلاشٍ؛ نحمل في الجسد كلّ حين موت يسوع،
لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. لأنّا، نحن الأحياء، نسلم دائماً الى الموت من أجل
يسوع، لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت” (2 كور 4: 8- 11).

 

من يؤمن بقيامة المسيح يؤمن انّ محبة الله التي سيطرت على الموت
وتغلّبت على الخطيئة في قيامة المسيح هي التي سوف تسيطر في النهاية، وأنّ الله
“سيكون كلاًّ في الكلّ” (1 كور 15: 28).

 

ولكنّ هذا لن يتمّ دون مشاركة كل الذين يؤمنون بالمحبة. فقيامة المسيح
هي النور الذي يضيء حياة المسيحي والقوة التي تدفعه الى الاسهام في إحلال ملكوت
الله على الأرض. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني:

 

“اننا نجهل الزمان الذي تبلغ فيه الأرض والبشرية نهايتهما، كما
أننا نجهل طريقة تحويل هذا الكون. انه يزول حقًّا شكل هذا العالم الذي شوّهته
الخطيئة، ولكنّا نعلم أن الله يعدّ لنا مسكنًا جديدًا وأرضًا جديدة.. غير أن
انتظار الأرض الجديدة، بدلاً من أن يضعف فينا الاهتمام باستثمار هذه الأرض، يجب
بالأحرى أن يوقظه فينا. ففي هذه الأرض ينمو جسد العائلة البشرية الجديدة، راسمًا
الخطوط الأولى للعالم الآتي.. ان الملكوت حاضر الآن بشكل سرّي على الأرض، وسيبلغ
كماله عند عودة الرب” (الكنيسة في عالم اليوم، 39).

 

القِسم
الثَالث المجيء الثاني

“وأيضاً يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياءَ والأموات، الذي لا فناء
لملكه”.

 

نعلن في قانون الإيمان أنّ يسوع الذي مات وقام وصعد الى السماوات سوف
يأتي من جديد ليدين الأحياء والأموات. هذا ما يدعوه التقليد الكنسي “المجيء
الثاني”، بالنسبة إلى المجيء الأوّل أي إلى الزمن الذي قضاه يسوع على الأرض.
ماذا يعني هذا الإيمان بالمجيء الثاني؟

 

لا بدّ لنا أوّلاً من التذكير بما قلناه مراراً في الفصول السابقة انّ
الإيمان ليس علماً يكشف لنا بالتدقيق غوامض الماضي فيعلمنا كيف نشأ الكون ووجد
الانسان، ولا غوامض المستقبل فينبئنا كيف ستكون نهاية العالم وحياة الانسان بعد
الموت. فإنّمَا الإيمان علاقة حياة بين الانسان والله. فالمؤمن يرى أنّ الله مبدأ
وجوده ومصير حياته؛ والمسيحي يؤمن أنّ الله قد ظهر في العالم ظهوراً نهائياً (أو،
حسب التعبير اللاهوتي اليوناني، ظهوراً إسختولوجياً) في شخص يسوع المسيح. فالمسيح
هو “الألف والياء، الأوّل والآخر، المبدأ والغاية” (رؤيا 22: 13). لذلك
تبدأ الإسختولوجيا، أي الأزمنة الأخيرة والنهائية، بمجيء المسيح الأوّل. فلِمَ
اذاً المجيء الثاني؟ ماذا نعني بهذه العبارة؟ ماذا نعني بقولنا انّ يسوع سيأتي
ليدين الأحياء والأموات؟ وكيف يصوّر الكتاب المقدس هذا المجيء؟

 

1-
المجيء الثاني هو تأكيد الانتصار النهائي للمحبة

لفهم معنى المجيء الثاني لا بدّ من تذكار تلك الحقيقة الاساسية في
إيماننا: انّ يسوع قد جاء أوّلاً مرسلاً من قبل الله، مخلِّصاً ومنقذاً العالم: “فلقد
أحبّ الله العالم حتى انّه بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له
الحياة الأبديّة” (يو 3: 16). وبولس يؤكّد: “ان الله قد برهن على محبته
لنا بأنّ المسيح قد مات عنّا ونحن بعد خطأة. فكم بالأحرى، وقد بُرّرنا الآن بدمه،
نخلص به من الغضب” (روم 5: 8).

 

انّ حياة يسوع وموته هما الدليل الثابت على محبة الله وأمانته. قد
يبدو القول ان الله محبة قولاً نظرياً، إلاّ أنّ يسوع الذي عاش بين البشر وأحبّ،
وتعذّب واحتمل الظلم، وبقي محباً للجميع، ليس كائناً نظرياً، بل هو الحقيقة الحيّة
والمحسوسة لمحبة الله لنا. عندما ننظر اليه تستنير النواحي القاتمة من الحياة
البشرية. وحتى العذاب الذي لا معنى له، والشرّ الذي كثيراً ما يهدم إرادة الخير،
يأخذان معنى على ضوء صليب المسيح. فالله قد أقام المصلوب ورفعه اليه وجعله راعي
الحياة والبكر الأوّل من بين اخوة كثيرين. لذلك نشهد أنّ يسوع المسيح، المصلوب
والقائم من بين الأموات، هو رجاء العالم ورجاء التاريخ ورجاء كلّ مؤمن.

 

أ) المسيح رجاء العالم والتاريخ

المجيء الثاني هو ترقّب ما سيصنعه الله للعالم في المستقبل على ضوء ما
صنعه لأجله في الماضي. في مجيء يسوع الأوّل وفي كل أحداث حياته وموته أظهر لنا
الله محبته ظهوراً خفياً وجزئياً في بقعة من الأرض وفي قلوب عدد يسير من المؤمنين.
إيماننا بالمجيء الثاني هو الإيمان بأنّ تلك المحبة ستظهر ظهوراً علانياً نهائياً
شاملاً: “يشبه ملكوت السماوات حبّة خردل أخذها انسان وزرعها في حقله. انّها
أصغر البذور جميعاً؛ بيد أنّها اذا نمت تصير أكبر البقول جميعاً؛ ثم تصبح شجرة حتى
انّ طيور السماء تأني وتعشّش في أغصانها” (متى 13: 31، 32).

 

إيماننا بالمجيء الثاني هو الإيمان بأنّ تاريخ العالم القاتم سيصل الى
نهايته حيث ستشرق عليه محبة الله. ايماننا بالمجيء الثاني هو تفسير للتاريخ
انطلاقاً من الإيمان، ولكن هذا التفسير ليس تفسيراً اعتباطياً، بل يستند الى
التاريخ: الى حياة يسوع التي أظهرت قوة الخير، والى موته الذي أعلن قوة المحبة
الفدائية. بموت يسوع وقيامته دمّرت سلطة الشر، وبدا أنّ المحبّة أقوى من الموت
وأقوى من الحقد. تلك هي العقيدة التي خطّها المسيح بدمه على أخاديد التاريخ.
الغلبة هي في النهاية للحياة على الموت وللمحبة على الحقد والشر. ذلك هو اليقين
الذي يرسخ في كياننا من بعد قيامة المسيح. وهذا اليقين هوما يؤكّده الايمان
بالمجيء الثاني.

 

ب) المسيح رجاء كل مؤمن

يسوع هو اذاً رجاء العالم ومستقبل التاريخ. وهو أيضاً رجاء كل واحد
منا، في حياته وموته نجد معنى حياتنا وموتنا، وفي قيامته نضع رجاء قيامتنا. لقد
أظهر لنا الله في مصير يسوع المسيح مصير كلّ منا. انّه أخونا البكر الذي فتح لنا
طريق الحياة التي لا نهاية لها: “منيتي اذاً، يقول بولس الرسول، هي أن أعرفه
هو، وأعرف قدرة قيامته، والشركة في آلامه، فأصير على صورته في الموت، على رجاء
البلوغ الى القيامة من بين الأموات” (في 3: 10، 11).

 

مجيء يسوع الثاني يعني لكل من يؤمن بيسوع الانتصارعلى مصيرالموت،
ورجاء حياة تكتمل فيها الحياة التي نقضيها على الأرض.

 

2- المجيء الثاني والدينونة

ولكنّ المجيء الثاني هو أيضاً دينونة. من سيدين العالم؟ ماذا سيكون
مضمون الدينونة؟ وكيف يصوّر العهد الجديد الدينونة؟

 

أ) من سيدين العالم؟

الله الآب

يصف العهد الجديد الدينونة كأنّها أوّلاً عمل الله؛ فالله هو الذي
سيدين جميع الناس. يقول بولس الرسول:

 

“أوَ تظنّ أيها الإنسان الذي يدين من يعمل مثل هذه الأعمال، وهو
يفعلها، أنك تنجو من دينونة الله؟.. إنّك بنصلّبك وقساوة قلبك الغير التائب تدّخر
لنفسك غضباً ليوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كلّ واحد بحسب
أعماله: بالحياة الأبدية للذين، بالصبر على العمل الصالح، يطلبون المجد والكرامة
والخلود، وبالغضب والسخط على الذين هم من أهل المخاصمة، الذين لا ينقادون للحق بل
ينقادون للشرّ.. فكل الذين خطئوا بمعزل عن الناموس، فبمعزل عن الناموس أيضاً
يهلكون؛ وكلّ الذين خطئوا وهم تحت الناموس، فبمقتضى الناموس يُدانون؛ لأنّه ليس
السامعون للناموس هم أبراراً عند الله، إنما العاملون بالناموس يبرَّرون”
(روم 2: 3- 13).

 

ويسوع في حديثه عن الصدقة والصلاة والصوم يطلب أن يقوم الانسان بهذه
الأعمال في الخفية، ثم يضيف: “وأبوك الذي يرى في الخفية هو الذي يجازيك”،
أي يوم الدينونة (متى 6: 4، 6، 15، 18).

 

يسوع المسيح

في مقاطع أخرى يُسنَد عمل الدينونة الى المسيح. فالمسيح هو ابن البشر
الذي سيدين جميع الأمم في الدينونة العامة، كما يقول انجيل متى: “متى جاء ابن
البشر بمجده، وجميع الملائكة معه، حينئذٍ يجلس على عرش مجده، وتحشر لديه جميع
الأمم، فيفصل بعضهم عن بعض، كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء، ويقيم الخراف عن
يمينه والجداء عن يساره” (متى 25: 31- 33).

 

وكذلك في تفسير مَثَل الزؤان يقول يسوع: “كما أنّ الزؤان يُجمَع
ويُحرَق بالنار، كذلك يكون في منتهى الدهر، يرسل ابن البشر ملائكته، فيجمعون من
مملكته كل المعاثر وفاعلي الإثم، ويلقونهم في أتون النار” (متى 13: 40- 42).
وفي حديثه عن ضرورة العمل بارادة الآب يقول: “ليس كل من يقول: يا رب، يا رب!
يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي
دنن ذلك اليوم: يا رب، يا رب! ألم نكن باسمك قد تنبّأنا؟ وباسمك قد أخرجنا الشياطين؟
وباسمك صنعنا عجائب كثيرة؟ فحينئذٍ اعلن لهم: اني ما عرفتكم قط؛ أبعدوا عني، يا
فاعلي الإثم!” (متى 7: 21- 23).

 

وبولس الرسول يذكّر مراراً انّ الذي سيدين العالم هو الرب. وبتلك
اللفظة يعني يسوع المسيح: “لا تحكموا بشيء قبل الأوان، الى أن يأتي الرب.
فانه هو الذي سينير خفايا الظلام، ويوضح أفكار القلوب، وحينئذٍ يكون لكل واحد مدحه
من الله” (1 كور 4: 5)، “إذ لا بدّ أن نظهر جميعاً أمام منبر المسيح،
لينال كل واحد على حسب ما صنع بالجسد، خيراً كان أم شراً” (2 كور 5: 10).

 

الرسل والقديسون

يُسنَد أيضاً عمل الدينونة في بعض مقاطع من العهد الجديد الى الرسل،
كما جاء مثلاً في قول يسوع لرسله الاثني عشر: “الحق أقول لكم: إنكم، أنتم
الذين تبعوني، متى جلس ابن البشر، في عهد التجديد، على عرش مجده، تجلسون أنتم
أيضاً على اثني عشر كرسياً، لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر” (متى 19: 28).

 

وبولس الرسول يضيف انّ جميع القدّيسين، ويعني بالقديسين جميع
المسيحيين، سيدينون العالم والملائكة: “أيجترئ أحدكم، وله دعوى على آخر، أن
يحاكمه لدى الخطأة، لا لدى القديسين؟ أوَ ما تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟
وإن كان العالم بكم يُدان، أفتكونون غير أهل لأن تقضوا في الدعاوى الصغرى؟ أوَ ما
تعلمون أنّا سندين الملائكة؟ فكم بالأحرى نقضي في شؤون هذه الحياة” (1 كور 6:
1- 3).

 

الانسان يدين نفسه

في انجيل يوحنا تأخذ الدينونة طابعاً ذاتياً. فالانسان هو الذي يدين
نفسه برفضه كلمة المسيح: “ان الله لم يرسل ابنه الى العالم ليدين العالم، بل
ليخلّص به العالم. فمن آمن به فلا يُدان، ومن لا يؤمن به فقد دِيْنَ، لأنه لم يؤمن
باسم ابن الله الوحيد”. ثم يتابع انجيل يوحنا معرّفاً بمضمون الدينونة: “وعلى
هذا تقوم الدينونة: انّ النور قد جاء الى العالم، والناس آثروا الظلمة على النور،
لأن أعمالهم كانت شريرة. لأنّ كل من يفعل الشر يبغض النور، ولا يقبل البتة الى
النور لئلا تفضح أعاله. وأمّا من يعمل الحق فانه يُقبِل الى النور، لكي يثبت أنّ
أعماله مصنوعة في الله” (يو 3: 17- 21).

 

وفي موضع آخر يقول يسوع: “لقد جئت الى العالم، أنا النور، لكي لا
يمكث في الظلام كلّ من يؤمن بي. إن كان أحد يسمع أقوالي ولا يحفظها، فلست أنا
أدينه، لأني لم آتِ لأدين العالم، بل لأخلّص العالم. فمن نبذني ولم يقبل أقوالي،
فله ديّانه: الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الأخير، لأنّي لم أتكلّم من
نفسي، بل الآب الذي أرسلني هو حدّد لي ما أقول وما أُبشّر به” (يو 12: 46-
49).

 

انّ المسيح لم يأتِ للدينونة بل للخلاص. فمن يقبل كلامه ويؤمن به يخلص:
انه منذ الآن في النور. وأمّا الذي يرفض كلامه ولا يؤمن به “فَقَدْ
دِينَ”. انّ صيغة الماضي التي يستعملها يوحنا تعني انّ الدينونة تبدأ منذ هذه
الحياة بمجرّد رفض الإيمان بالمسيح. فالانسان اذاً هو الذي يدين نفسه بانفصاله عن
المسيح وعن. كلامه. وبانفصاله عن المسيح ينفصل معاً عن الله، لأنّ المسيح لم يتكلم
من نفسه، بل هو كلمة الله: “مَن آمن بي فليس بي يؤمن، بل بالذي أرسلني. ومن
رآني فقد رأى الذي أرسلني” (يو 12: 44).

 

هكذا يتضح لنا ان لا تناقض بين اسناد عمل الدينونة الى الله أو الى
المسيح أو الرسل أو جميع المسيحيين، لأنّ الحقيقة هي التي في الواقع ستدين العالم.
والحقيقة واحدة: انها حقيقة الله التي يحملها يسوع، كلمة الله، في كيانه وفي
تعاليمه، والتي آمن بها الرسل والقديسون وجميع المسيحيّين، وعاشوا بموجبها.

 

ب) ما هي الدينونة؟

الدينونة في هذه الحياة

نستطيع الآن تحديد الدينونة. من خلال تعابير مختلفة نصل إلى فكرة
أساسية واحدة، وهي انّ الانسان، في كل لحظة من لحظات حياته أوّلاً، ثم لدى موته
أخيراً، يواجه الحقيقة التي تدعوه الى التزام الخير. ودينونته تبدأ على هذه الأرض
في موقفه تجاه الحقيقة. ولكن ما هي الحقيقة؟

 

قد يبدو للبعض أنّ الحقيقة أمر مهبهم غامض، ولكنّ الايمان المسيحي يرى
أنّ الحقيقة ليست لفظة مبهمة؛ انها الله نفسه، والله ليس كائناً مبهماً، فلقد ظهر
في واقع الزمن والتاريخ في شخص يسوع المسيح الذي نؤمن به ابن الله وكلمة الله
وصورة الله. بهذا تتميّز المسيحية عن سائر الديانات التي تؤمن أيضاً بالدينونة
الأخيرة. ففي المسيحية، الحقيقة التي ستدين العالم في نهاية الأزمنة قد أتت في
الزمن لتخلّص العالم، وقد أعطت ذاتها حتى الموت في سبيل هذا الخلاص. لذلك فانّ
الدينونة، في نظر المسيحية، هي أولاً محبة وخلاص.

 

لذلك لا نستطيع الفصل بين مجيء يسوع الأوّل وموته وقيامته ومجيئه
الثاني؛ انها مراحل متعددة من سر واحد هو سر محبة الله التي تنسكب على الانسان
لتمنحه الحياة والفداء والخلاص. والدينونة ترافق كسل مراحل هذا السرّ. فمن يؤمن
بأنّ يسوع هو المسيح كلمة الله، لا يُدان، ومن لا يؤمن فقد دِيْنَ.

 

لذلك أيضاً لا تقتصر الدينونة على نهاية العالم، ولا حتى على موت
الانسان، لأنّ الموت الحقيقي ليس موت الجسد بل رفض الايمان بالمسيح. ومن يؤمن
بيسوع لا يموت. قال يسوع: “أنا القيامة والحياة. من آمن بي، وان مات، فسيحيا؛
وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت أبداً” (يو 11: 25، 26). كلّ من يؤمن بيسوع
في حياته لن يعرف الموت، لأنّ إيمانه بيسوع يمنحه الحياة، ولن يكون موته الا
انتقالاً من الحياة الحاضرة الى الحياة الأبدية.

 

الدينونة بعد الموت

انّ الدينونة بعد الموت ستقتصر على “الذين عملوا السيّئات”.
امّا المؤمنون بالمسيح “فلن يخضعوا للدينونة”، حسب قول يسوع في انجيل
يوحنا: “الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني له الحياة
الأبدية، ولا يخضع لدينونة، لكنّه قد انتقل من الموت الى الحياة. الحق الحق أقول
لكم: انها تأتي الساعة -وها هي ذي حاضرة- التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله،
والذين يسمعون يحيون. فكما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له
الحياة في ذاته، وآتاه سلطاناً أن يدين لأنّه ابن البشر. فلا تدهشوا من هذا، لأنها
تأتي الساعة التي يسمع فيها جميع من في القبور صوته، فيخرجون منها. فالذين عملوا
الصالحات ينهضون للحياة، والذين عملوا السيّئات ينهضون للدينونة” (يو 5: 24-
29).

 

على أيّ شيء ستقوم دينونة الذين عملوا السيّئات؟ ان الانسان، لدى موته،
يواجه الحقيقة مواجهة صريحة لا مواربة فيها. عندئذٍ تنزع عن عينيه الغشاوة التي
كانت تفسد أمامه الرؤية، ويسقط من أمام وجهه القناع الذي كان مستتراً وراءه،
فينكشف كما هو أمام الحقيقة. وتلك ستكون دينونته. هذا ما يصفه أحد اللاهوتيين
المعاصرين بلغة وجودية، فيقول:

 

“ان مجرّد انتصار الخير على الشر يكوّن الحكم الساحق على الذين
يمارسون الشر. انهم قد أخطأوا هدفهم، وحياتهم، التي فقدت معناها، قد آلت الى العدم.
انّ عبث حياة قُضيت في الشر لهو أردأ عقاب. حياة كهذه تنتهي وفق ما جاء في المزمور:
“كحلم عند الاستيقاظ، أيها السيّد، تحتقر خيالهم في المدينة” (مز 72: 20).
ان إدراك الانسان ذاته قد سقط في أقصى العبث وغرق في العدم والتلاشي. ذاك هو مصير
الذين يرفضون محبة الله ويرفضون دعوته الى الحياة”.

 

ثم يضيف الكاتب: “ولكن ما العلاقة بين هذا كلّه ومجيء المسيح
الذي يترقبّه المؤمنون؟ ربمّا تتضح لنا تلك العلاقة، اذا تأمّلنا قول بولس الرسول:
لا تحكموا بشيء قبل الأوان، الى أن يأتي الرب. فإنه هو الذي سينير خفايا الظلام،
ويوضح أفكار القلوب، وحينئذٍ يكون لكل واحد مدحه من الله (1 كور 4: 5). بقولنا انّ
المسيح سيأتي ليدين الأحياء والأموات نؤكد يقيننا ان كل ما هو خفي سيظهر كل ما هو
مكتوم سيعلن (متى 10: 26) بواسطة المسيح الذي هو نور الله وحقيقة الله”.

 

إمكانية جهنم

في لحظة الحقيقة هذه، هل من مجال بعد للتوبة والاختيار؟ يرى بعض
اللاهوتيين المعاصرين انّ الموقف الذي يقفه الانسان من الحقيقة في هذه الحياة موقف
معرّض للخطأ. والحرّية التي بها يختار الشرَّ حرّية ناقصة مجزّأة مشوّهة.
“الموت وحده يتيح للانسان امكان أوّل عمل له يقوم به بملء حرّيته واختياره.
فهو اذاً الوقت المناسب الذي يستطيع فيه الانسان ملاقاة الله وتقرير مصيره
الأبدي”. انّ الانسان، بموجب تلك النظرية، لا يمكنه، في أثناء حياته على
الأرض، أن يرى الحقيقة رؤية واضحة. لذلك فانّ اختياره الشرّ اختيار غير حرّ وغير
واعٍ، ولا يمكنه من ثمّ تقرير مصيره الأبدي استناداً الى هذا الاختيار.

 

تعليقاً على هذا الافتراض اللاهوتي، نكتفي بالعودة الى قول بولس
الرسول الذي ذكرناه سابقاً: “لا تحكموا بشيء قبل الأوان..” (1 كور 4: 5).
فلنترك لله أن يحكم على سلوك الانسان وعلى مدى حريته. ان امكان رفض الله رفضاً
مطلقاً، ومن ثمّ امكان اختيار طريق الهلاك والعدم في ما يدعوه التقليد
“جهنّم”، يجب أن يبقى امكاناً مفتوحاً أمام الانسان، كما يقول اللاهوتي
الألماني المعاصر كارل راهنر، وذلك لضمان اختياره الله اختيارا حرّاً. ولكنّه يبقى
امكاناً نظرياً. أمّا الخلاص بالمسيح، الخلاص الشخصي للانسان، والخلاص للبشرية
بمجملها، فهو يقين ثابت. وهذا هو موضوع إيماننا بالمجيء الثاني. انّ تاريخ البشرية
والعالم صائر الى الحياة مع الله.

 

ج) تصوّرات المجيء الثاني

تلك الحقيقة الايمانية يصوّرها الكتاب المقدّس بتصاوير مختلفة، لا
يهدف منها إلى وصف نهاية الأزمنة وصفاً علمياً دقيقاً، بقدر ما يقصد إظهار رهبة
هذا الحدث الأخير وخطورته بالنسبة إلى مصير الانسان.

 

يتكلم العهد القديم عن “يوم الرب” ويعني بذلك يوم الدينونة
الذي فيه سيكافئ الله شعبه وأبراره. انّه “يوم ظلمة” (عاموس 5: 20)،
“يوم غمام” (حزقيال 30: 2)، “يوم نار تأكل جميع الأرض” (صفنيا
1: 18)، “يوم قاسٍ ذو سخط واضطرام غضب، ليجعل الأرض خراباً ويبيد خطأتها
منها” (اشعيا 13: 9). “فمن يحتمل يوم مجيئه ومن يقوم عند ظهوره، فانّه
مثل النار الممحّص” (ملاخي 3: 2).

 

هذا اليوم أصبح في العهد الجديد “يوم المسيح”. انه يوم
فدائنا الأبدي: “ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا، فحينئذٍ تظهرون أنتم أيضاً
معه في المجد” (كو 3: 4). ومجيء المسيح يصفه العهد الجديد بطرق مختلفة. فهو
تارة “يأتي على سحب السماء في كثير من القدرة والمجد”، وفي ذلك اشارة
الى تحقيق نبوءة دانيال في شخص المسيح ابن البشر: “ورأيت في رؤى الليل فاذا
بمثل ابن البشر آتياً على سحاب السماء، فبلغ الى القديم الأيام وقُرّب الى أمامه،
وأوتي سلطاناً ومجداً وملكاً، فجميع الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه
سلطان أبدي لا يزول، وملكه لا ينقرض” (دانيال 7: 13، 14). “ويرسل
ملائكته بالبوق العظيم، فيجمعون مختاريه من مهاب الريح الأربعة، من أقصى السماوات
الى أقصاها” (متى 24: 30، 31).

 

وفي بعض الأمثال، كظهر يسوع كالعريس الذي يأتي الى العرس (مثل وليمة
العرس: متى 22: 1- 14، مثل العذارى العشر: متى 25: 1- 13)؛ أو “كإنسان كريم
العنصر قصد الى بلد بعيد ليتولّى ملكاً ثم يعود” (لو 19: 12)؛ أو “كرجل
مسافر ترك بيته وصرّف عبيده كل واحد في عمله، وأوصى البوّاب بالسهر..” وسوف
يعود بغتة دون أن يعرف أحد زمن عودته: “في المساء أم في منتصف الليل، أم عند
صياح الديك أم في الصباح” (مر 3: 34- 36).

 

وتارة يصوّر لنا المسيح الدينونة كمحكمة يجلس فيها الملك على عرشه
ويعلن حكمه على الصدّيقين والأشرار (متى 25: 31- 45). وفي سفر الرؤيا تأخذ
الدينونة صورة قتال ينشب في السماء ينتصر فيه المسيح على أعداء الله (رؤيا 12).

 

تهدف كل من هذه التصاوير الى تأكيد وجه من حقيقة المسيح، إلاّ أنها
تبقى صوراً رمزية يجب ألاّ يُساء فهمها، فتفسّر تفسيراً حرفياً، أو يُفصَل أحدُ
عناصرها وتحاك حوله قصة تدّعي وصف نهاية العالم وصفاً علمياً دقيقاً.

 

كذلك القول عن زمن مجيء المسيح وزمن نهاية العالم. انّ هذين الأمرين
لا يزالان يثيران فضولية الانسان، وقد أثارا فضولية الرسل أنفسهم، فسألوا يسوع: “قل
لنا متى بكون هذا، وما تكون علامة مجيئك ومنتهى الدهر؟” (متى 3: 24). يجيبهم
يسوع بإلقاء بعض الأضواء على ما ينتظرهم من حروب ومجاعات وزلازل. وينهي بقوله: “أما
ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يعلمهما أحد، ولا ملائكة السماوات، ولا الابن، إلا
الآب وحده” (متى 24: 36)، ثم يخلص الى القول، وهذا هو المهمّ بالنسبة الينا: “فاسهروا
اذاً، لأنكم لا تعلمون في أي وقت يأتي سيّدكم. وتيقّنوا أنه، لو علم رب البيت في
أي هزيع يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته يُنقَب. فكونوا اذاً، أنتم أيضاً،
مستعدّين، لأنّ ابن البشر يأتي في ساعة لا تظنونها” (متى 24: 42- 44).

 

يرى معظم اللاهوتيين اليوم انّ المجيء الثاني سيتحقق لكل انسان في
ساعة موته، لأنّه إذّاك يلاقي المسيح. هذه النظرية ممكنة، ولكن شرط ألا ننسى أنّ
المجيء الثاني لا يحقّق فقط مصير كل انسان، بل يعني أيضاً اكتمال تاريخ البشر في
المسيح. فالمسيح لم يتلاشَ في غياهب الموت. وقصة ارتفاعه يوم الصعود الى السماء
تعني أنه دخل في مجد الآب وأنه لا يزال حياً وانّ تاريخ البشر سيكتمل فيه. هذا
معنى قول الملائكة للرسل في رواية الصعود: “أيها الرجال الجليليون، ما بالكم
واقفين تنظرون الى السماء؟ ان يسوع هذا، الذي ارتفع عنكم الى السماء، سيأتي هكذا،
كما عاينتموه منطلقاً الى السماء” (أعمال 1: 11- 12). “ان يسوع هو هو
أمس واليوم والى الدهور” (عب 13: 8)، ومجيئه الثاني يعني ان الله سيكمل فيه
عمل الفداء والخلاص الذي بدأه فيه.

 

3- خلاصة

المجيء الثاني هو العمل الأخير الذي سيقوم به الله خاتماً به سلسلة
أعمال محبة بدأت بخلق العالم وتتالت عبر التاريخ وبلغت ذروتها في حياة يسوع المسيح
وموته وقيامته. الله محبة، وقد ظهرت تلك المحبة في العالم والتاريخ، وستظهر ظهوراً
نهائياً في كمال العالم والتاريخ. إيمانا بالمجيء الثاني هو يقيننا أنّ العالم لن
يجد ملئه بقوّته الذاتية، والتاريخ لن يجد اكتماله بتطوّر شرائعه ونواميسه.
فالعالم والتاريخ بحاجة إلى قوّة تفوقها وتمنحها الملء والكمال. انّ تلك القوّة قد
دخلت العالم والتاريخ؛ انها ضمن العالم والتاريخ، ولكنها تسمو العالم والتاريخ.
الله ليس عنصراً من عناصر العالم، انه خالق العالم. والله ليس شريعة من شرائع
التاريخ، انه مستقبل التاريخ وانفتاحه الى اللانهاية.

 

انّ لهذه العقيدة نتائج خطيرة بالنسبة الى علاقات البشر بعضهم ببعض
والى علاقاتهم بالعالم. والنتيجة الكبرى هي اقتناعنا انّ خلاص العالم والبشرية لن
يتحقّق بمجرّد اتّباع شرائع التاريخ. فخلاص العالم لن يتحقق إلاّ اذا تجاوز العالم
ذاته، وخلاص البشرية لن يتحقق إلاّ اذا نسمت فيها روح الله.

 

لذلك بعد أن قام المسيح وارتفع الى مجد الآب أرسل للعالم من عند الآب
الروح القدس. وهذا الروح هو الذي يستقرّ في داخل الانسان وفي داخل البشرية وفي
داخل العالم ليبلغ بكل تلك العناصر البشرية والدنيوية الى التألّه، الى حياة الله.

 

لقد جاء المسيح ليبني لذاته جسداً، ويصل هذا الجسد الى ملئه وكماله.
جسده هو جميع الذين يؤمنون به؛ جسده هو العالم الجديد الممتلئ من الله، جسده هو
الكنيسة، شعب الله الجديد.

 

كيف يعمل الروح في العالم؟ وكيف تتكوّن الكنيسة، جسد المسيح وشعب
الله؟ هذا ما سيكون موضوع مقالاتنا القادمة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى