علم

الفصل العاشِر



الفصل العاشِر

الفصل
العاشِر

القديس
يوحنَّا فم الذَّهب (347 – 407م)

 

القديس
يوحنَّا فم الذَّهب

التقى
القديس يوحنَّا فم الذهب، بالأب ثيئودور الذي كان يُدافِع عن قانون الإيمان
النيقوي ضد الوثنيين والهراطِقة (1)، والذي تزوَّد بلِسانه المملوء حُجة ضد
الآلِهة القديمة، ودافع
Diodore of
Tarsus
عن لاهوت المسيح في
كِتابه ” صخرة عظيمة في المحيط “.

أدرك القديس فم الذَّهب أنَّ التلمذة والنُّسك مدخله إلى الاقتراب من
الثيولوچيا، مُعتبِراً أنَّ البتولية تهدِم طُغيان الشيطان فيُشرِق لاهوت المسيح
ببهائِهِ (2).

كتب القديس مقالاً ضد اليهود والأُمم مُبرهِناً على لاهوت المسيح، من
نُبوات العهد القديم ومُعجِزات السيِّد المسيح في العهد الجديد (3).

كتب أيضاً تِسَع مقالات عن ” استحالِة ادراك طبيعِة الله “ إذ
كان البعض يظُن أنَّ الإنسان قادِر على فهم جوهر الله بعقله، لذا اهتم القديس
بتوظيف الثيولوچيا، ليجذِب الوثنيين والهراطِقة، ففي كل عصر يمنح الله كنيسته ذات
النِّعمة، لكي يحفظ جسده كامِلاً،
لا يقوى عليه سُم الأفكار الهرطوقية في أي
موضوع.

كان
القديس يوحنَّا لاهوتياً ثالوثياً، تحدَّث بدقة عن علاقِة الأقانيم ببعضهم البعض
كما ركِّز على كمال لاهوت المسيح ضد الأريوسيين، وكمال ناسوته ضد الأبوليناريين
(4).

اهتم
اهتماماً خاصاً بعدم ازدواج شخصيِة السيِّد المسيح وعدم الاختلاط بين لاهوته
وناسوته، مُؤكِداً على عدم الخلط بين الأقانيم، ووحدِة الجوهر مع تمايُز الأقانيم
(5).

تحدَّث
عن لاهوت السيِّد المسيح: ” الكلِمة أُقنوم مولود من
الآب نفسه، الآب والابن هما واحِد، لكن كلٍ منهما أُقنوم مُتمايِز، لم يكن الآب قط
بدون الابن، الابن أزلي كائِن مع الآب على الدوام “ (6).

رأى في الابن الوحيد أنه المسيح الكاهِن والذَّبيحة، الكاهِن
حسب الروح، والذَّبيحة حسب الجسد، كان يكهِّن وكان يُذبح حسب الجسد، ودفع السيِّد
المسيح أكثر مِمَّا نستحِق بمقدار ما يتعدَّى المُحيط قطرة.

وعن ادراك الله يقول أنَّ الأنبياء رأوا الله ولكنهم لم يروا جوهره
إنما بدى لهم ذلك قدر ما يستطيعون، واعتبر البحث عن جوهر الله خِدعة شيطانية (7).

وتحدَّث القديس يوحنَّا ذهبي الفم عن لاهوت ربنا يسوع المسيح
قائِلاً:

” عندما يُعاقِب ويُكافِئ، يغفِر الخطايا، يشرَّع أو يعمل شيئاً أعظم
من هذا كله لا يلجأ إلى الآب في أي شئ ولا يُصلِّي إليه إنما يصنع كل شئ بسلطان “
(8).

ربط القديس فم الذَّهب بين الثيولوچيا والإنجيل البِشارة المُفرِحة
السَّارة الحاوِية للكنوز غير المحصية ذات البركة الثابِتة غير المُتغيِرة (9).

ميَّز
القديس بين الثيولوچيا العبرانية و الثيولوچيا الحقيقية فعلَّق قائِلاً ” الله يُريد أن يصنع أعمالاً عظيمة علانية ويسبِق فيُعلِن
عنها زماناً طويلاً ليُهيِّئ مسامِع البشر لقبولِها، فالأنبياء لم يتكلَّموا فقط
وإنما كتبوا ما نطقوا به، بل وقدَّموا ظِلالاً لها خلال الأعمال مثل إبراهيم الذي
رفع إسحق، وموسى الذي رفع الحية، وبسط يديهِ ضد عماليق، وقدَّم خروف الفِصح “
(10).

ركِّز
القديس فم الذَّهب على عظمِة اللاهوت، وعلى أنَّ الله مُبارك إلى الأبد فقال ” إن كان الفيلسوف لا يتأثر بإهانِة الجُهلاء له فكم بالحري
الله الأزلي غير المُستحيل لا تبلُغ وقاحِة الناس إلى طبيعته المجيدة التي لا
يعتريها ظِل دوران “ (11).

اعتبر
القديس يوحنا ذهبي الفم أنَّ الثيولوچيا لابد أن تُلازِمها الفضيلة ” أنَّ الفضيلة تجعل صاحِبها في أمان كامِل وبهاء عظيم، إنَّ
الرب يُقدِّم نفسه كثوب، الملِك نفسه، من يلتحِف به تكون له الفضيلة مُطلقاً “
(12).

يتكلَّم
القديس عن أسرار اللاهوت فيقول ” أنَّ الله يُسرِع
إلينا الآن لكي نلتصِق به وعندئذٍ نعرِف الكثير من الأمور التي تُحسب سِراً، وننعم
بالحياة المطلوبة جداً والحِكمة “ (13).

ركِّز
القديس يوحنَّا على شخص المسيح فقال:

” لماذا دُعِيَ الطريق؟ لأنه حافِظ الإيمان

 لماذا دُعِيَ الصَّخرة؟ لأنه مصدر كل شئ

 لماذا دُعِيَ الأصل؟ لأنه قُوة النمو

 لماذا دُعِيَ الرَّاعي؟ لأنه يرعانا

 لماذا دُعِيَ الحَمَل؟ لأنه فِصحُنا

 لماذا دُعِيَ الحياة؟ لأنه قيامتُنا

 لماذا دُعِيَ النُّور؟ لأنه نور العالم

 لماذا دُعِيَ الذِراع؟ لأنه مع الآب جوهر واحِد

 لماذا دُعِيَ الكلِمة؟ لأنه مولود من الآب

 لماذا دُعِيَ العريس؟ لأنه عريس نِفوسنا

 لماذا دُعِيَ السيِّد؟ لأنه عَبْد له “ (14).

ومن
المعالِم الأساسية في الثيولوچيا عن القديس فم الذَّهب، ردُّه على تلك الأسئِلة
التي أُثيرت بخصوص رؤيِة الله وادراكه، فواجه بدعِة أُونوميوس الذي ادَّعى
معقوليِة الله وامكانيِة ادراك جوهره بالذهن البشري، لذلك رد عليه القديس في عدم
ادراك طبيعِة الله (الثيولوچيا).

ربط
القديس يوحنا فم الذَّهب الثيولوچيا بالذُّكصولوجية: ” يليق بنا أن نتشبه بالسمائيين فهم يطلُبون أن يتعرَّفوا على
جوهر الله، بتمجيد وتسبيح لا ينقطِع “ (15).

يرى
القديس يوحنَّا ذهبي الفم أنَّ إشعياء وغيره من الأنبياء لم يروا جوهر اللاهوت كما
هو إنما ظهر الله لهم خلال تنازُله قدر ما يحتمِلون الرؤيا وذلك من أجل محبته
لخليقته، حتى بالنسبة للسمائيين وحاملي عرشه فإنَّ كلٍ منهم يراه قدر احتماله
أمَّا الجوهر في ذاته أي في كماله المُطلق فلا يمكن ادراكه.

إنَّ
القُّوات العُلُوِية يأخذ منها الرعب كل مأخذ بغير انقطاع، فهي تُدير وجهها وتبسِط
أجنِحتها كحائِط، يقيها من الإشعاع غير المُحتمَل الصَّادِر من قِبَل الله، ومع
ذلك فما تراه إنما هو صورة مُصغرة للحقيقة، وبينما لا يقوَ السيرافيم حتى على
مشاهدة الله الذي لا يتجلَّى لهم إلاَّ كتنازُل منه حسب ضعفهم، نرى أُناس يتجاسرون
مُتصورين في عقلِهِم الطبيعة عينها التي يعجز السيرافيم عن ادراكها، إنهم يزعمون
أنهم قادِرون على التطلُّع بوضوح وبغير حدود!

إنَّ
الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مُدرك، ولا يمكن الدنو منه.. لا يحدُّه مكان
ولا يجلِس على عرش إنما رُؤى الأنبياء وإعلاناتِهِم أمثِلة عن تنازُله وليست رُؤى
لجوهره بالكشف عنه، لأنهم لو نظروا جوهره لِمَا رأوه تحت أشكال مختلِفة إذ هو
بسيط، بغير شكل ولا أعضاء ولا أساليب مُحدَّدة، طبيعته لا تجلِس ولا تقِف ولا تمشي
(16).

===

مراجِع
الفصل

1)           
SOC. 6: 3 SOZ
8: 2
.

2)           
Mat. P.G.
58: 87 (hom. 8: 6)
.

3)           
PC. 48: 813
– 838
.

4)           
Contra Amon,
hom. 4: 4. P.G. 48: 732
.

5)           
In 2 Cor.
P.G. 61: 608
.

6)           
P. G. 59: 47.

7)           
In Joan,
hom. 74: 1
.

8)           
De Incomp.
Of God, p. G. 48: 787
.

9)           
In Rome.,
hom. 1
.

10)       
In Rome.,
hom. 1
.

11)       
In Rome.,
hom. 3
.

12)       
Pasch. Ep.
4: 3
.

13)       
In 1 Cor.
hom 34: 2
.

14)       
In Mat. P.G.
58: 700
.

15)       
In John,
hom. 15: 1
.

16)       
In John,
hom. 15: 1 & In Isai., hom. 2: 2 & In Incomp. of God 5: 4. P.G. 48: 740
.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى