اللاهوت الروحي

الفصل العاشر



الفصل العاشر

الفصل
العاشر

حياة
الانتصار

96-
الانتصار في الحياة الروحية

إجابة
سؤال كيف اصلي؟ وماذا أقول؟

الإنسان
الروحي هو إنسان منتصر في كل حروبه الروحية: منتصر على نفسه، ومنتصر على المادة،
ومنتصر على الشياطين. ونتيجة لهذا الانتصار ينال الأكاليل في السماء في ذلك اليوم.

ولذلك
فإن البعض يسقم الكنيسة إلى مجموعتين: أحدهما على الأرض وتسمي الكنيسة المجاهدة في
السماء، بعد فترة الجهاد على الأرض وتسمي الكنيسة المنتصرة هذه التي جاهدت وغلبت.

 

97-
أهمية الانتصار وبركاته

وسفر
الرؤيا، يشرح لنا الرب فيه البركات التي يحصل عليها الغالبون..

ففي
الرسائل التي أرسلها إلى الكنائس السبع، يكرر في كل رسالة عبارة ” من يغلب
” فأعطية، أو سيكون ” من يغلب أن يأكل من شجرة الحياة..” (رؤ2: 7).

 


من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني ” ” من يغلب فسأعطية أن يأكل من المن
المخفي “.. ” من يغلب فذلك سيلبس ثياباً بيضاء، ولن امحو أسمه من سفر
الحياة ” ” من يغلب فسأجعله عموداً في هيكل إلهي”.

 


من يغلب فسأعطية أن يجلس معي في عرشي، كما غلبت أنا وجلست مع أبي في عرشه”
(رؤ3: 21).

 

 كل
هذه النعم أعدها الرب للذين يجاهدون ويغلبون، ويحيون حياة الانتصار. ولم يستثن
أحداً من هذه القاعدة. فالكل أعطى لهم أن يجاهدوا ويغلبوا لكي يكللوا.

 

ولهذا
فإن القديس بولس الرسول عندما كان يسكب سكيباً، ووقت انحلاله قد حضر، قال ”
جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي، حفظت الإيمان. وأخيراً قد وضع لي إكليل البر الذي
يهبه لي في ذلك اليوم، الديان العادل..” (2تى4: 6 8).

 

لذلك
كله سمح الله بوجود الحروب الروحية، والاغراءات، والشياطين إنه يختبر أرادتنا،
ومدي استحقاقاتنا لأكاليله..

 

ولهذا
قال أحد الآباء: لا يكلل إلا الذي انتصر. ولا ينتصر إلا الذي حارب. ولا يحارب إلا
الذي له عدو.. وقال القديس بولس الرسول ” البسوا سلاح الله الكامل، لكي
تقدروا أن تثبتوا ضد كل مكايد أبليس، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء
مع السلاطين.. مع أجناد الشر الروحية في السماويات..” (اف6: 11، 12).

 

98-
لست وحدك في الحروب

والله
يرقب حربنا وانتصارنا، وترقبه أيضاً الملائكة وكل أرواح القديسين.

كلهم
يتطلعون إلى جهادنا، ويفرحون بنا إذا انتصرنا. وكما قال الكتاب إنه يكون فرح في
السماء بخاطئ واحد يتوب..” (لو15: 10).

 

والله
وملائكته يرقبون حروبنا الروحية ليسوا وهم صامتون، وإنما وهم يقدمون لنا المعونة
في حربنا.

 

حقاً
إن الله قد سمح بوجود العدو ولكنه لم يعطه سلطاناً علينا.. وسمح بالحروب الروحية،
ولكن منح القوة للانتصار فيها: قوة من الروح القدس وقوة من عمل النعمة، وقوة في
الطبيعة البشرية التي تجددت وعادت على صورة الله كما كانت..

 

كل
هذه القوي منحها لنا أيضاً أعطانا سلطاناً على جميع الشياطين نستطيع به أن ندوس كل
قوة العدو.

 

ونحن
نذكر هذه النعمة في آخر صلاة الشكر التي نصليها كل يوم ونذكر مهما القوة التي
منحها الرب لتلاميذه القديسين، حسبما يروي الإنجيل المقدس، أن الرب قال لهم: “ها
أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو” (لو10: 19).

 

عبارة
” وكل قوة العدو ” هي عبارة معزية بلا شك، إذا وضعت إلى جوارها عبارة
“تدوسوا”.. إذن فالشيطان ليس مخيفاً كما يتصور البعض، مهما كان يبدو مثل
أسد زأر ويبحث عن فريسة ويبتلعها.. لقد أعطانا الرب سلطاناً عليه.

 

لقد
غلب الرب الشيطان في طبيعتنا هذه التي سبق أن غلبها الشيطان وهكذا أعطي طبيعتنا
روح الغلبة والانتصار..

 

أعطانا
نحن أيضاً أن نغلب. وأرانا صورة الشيطان مهزوماً ومغلوباً حتى لا نخافه في
المستقبل. بل أعطي طبيعتنا القوة على إخراج الشياطين. ورأى آباؤنا الرسل كيف أن
الشياطين تخضع لهم باسم الرب ” لو10: 17). وما أجمل قول الرب عن ضياع قوة
الشيطان:

 


رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء” (لو10: 18). إذن فلا تخافوا
الشياطين.

 

إنها
لسيت أقوى منكم مادمتم تحاربوها بقدرتكم الإنسانية المجردة. أما إن حاربتموها
فبسلاح الله الكامل” (أف6: 11) وبقوة الله العالم فيكم وبكم، فحينئذ ستخضع
لكم، وستغلبونها في حروبكم..

 

الله
الذي يعمل فيكم سوف يغلبها لقد قال الرب لنا ” في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن
ثقوا أنا قد غلبت العالم” (يو16: 33).

 

ولم
يقصد بهذا مجرد غلبته الشخصية للعالم، وإنما أيضاً غلبته للعالم فينا ولهذا حسناً
قال الرسول عن الرب إنه ” يقودنا في موكب نصرته” (2كو2: 14).

 

نعم
هذا هو المسيح المنتصر دوماً، الذي انتصر على العالم وعلى الشيطان وعلى الموت،
والذي يقودنا معه دوماً في موكب نصرته. كما قال موسى النبي ” الرب يقاتل عنكم
وأنتم تصمتون” (خر14: 14). إنه يحبنا، ويحب لنا حياة النصرة، وهو الذي يقاتل
عنا أما نحن فنقول مع الرسول:

 

ولكننا
في هذه جميعنا، يعظم انتصارنا بالذي أحبنا” (رو8: 37).

 

حقاً
لقد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا (رؤ5: 5). وسنغلب نحن أيضاً طالما كنا ثابتين فيه،
آخذين لنا قوة منه. لأنه لم يعطنا مطلقاً روح الفشل، بل أعطانا أن نغني قائلين:

 


استطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني” (في4: 13).

 

حروبنا
الروحية هذه، ليست مجرد حروب بيننا وبين الشيطان. إنما هي في أصلها حروب من
الشيطان ضد الله وملكوته. وهو يحاربنا كجزء من محاربته لملكوت الله لذلك فغن الرب
لا يتركه لينتصر علينا، إنها حربه كما قال داود النبي: “الحرب للرب”
(صم17: 47).

وشعر
موسى بهذا أثناء حبه مع عماليق فقال ” للرب حرب مع عماليق.. ” (خر 17: 16).

 

99-
لا تخف مهما سقطت

إن
الشيطان باستمرار يريد أن يشيع فيك روح الهزيمة وروح الضعف، لكي تيأس وتستسلم له!
فلا تصدقه كلما قال إن التوبة صعبة وإن حياة البر غير ممكنة في عالم شرير مثل
عالمنا.. ولا تصدقة إن قال لك لا فائدة، فأرادتك ضعيفة لابد ستسقط!! قل له: ليس
المهم إرادتي، إنما في عمل الله من أجلي وحتى إن سقطت فلا بد سأقوم بعدها كما قال
الكتاب:

 


الصديق يسقط سبع مرات ويقوم” (أم24: 16). كما قال النبي أيضاً ” لا
تشمتي بي يا عدوتي. فإني إن سقطت أقوم” (مى7: 8).

 

لا
تزعجك إذن السقطة بعد كل قيام.. إنما افرح بالقيام بعد كل سقطة وتأكد أن الله
أعطاك القوة التي بها يمكنك أن تقوم، مهما سقطت ” سبع مرات ” أي عدداً
كاملاً من السقطات.

 

إن
السقوط غير الهزيمة. إنه مجرد مرحلة، تقوم منها لتنتصر أخيراً.

 

والله
يعرف قوة عدونا، وضعف طبيعتنا. لذلك هو يشفق علينا في حروبنا، ويرسل إلينا قوة من
عنده تسند ضعفاتنا. وهو الذي يقيمنا. وكما نقول له في القداس الإلهي “عرفتني
القيام من سقطتي..

 

حولت
لي العقوبة خلاصاً. كأب حقيقي تعبت أنا الذي سقطت. ربطتني بكل الأدوية المؤدية إلى
الحياة.. “.

 

وما
اجمل قول أحد الآباء: إن الجندي الذي جرحه العدو، يكافأ أيضاً بالنياشين، وليس فقط
الجندي الذي انتصر وقتل أعداءه.

 

طالما
لم يهرب من الميدان، وإنما حارب وقاتل، فله مكافأته مهما جرحه العدو. ليست هذه
هزيمة. إنما هو جهاد.

 

ضع
أمامك قول الكتاب ” الله يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون
(1تي2: 4). فلتكن من هؤلاء واطمئن من جهة إرادة الله الصالحة.

وإن
تأخرت معونة الله في الوصول إليك فلا تيأس.

إن
الله قد يأتي في الهزيع الرابع ولكنه لابد سيأتي..

 

كان
خلاص اوغسطينس بعد سنوات طويلة جداً في الخطية. ولكنه نال الخلاص أخيراً مهما بدأ
أن معونة الله قد وصلته متأخرة! وبنفس الوضع نتكلم عن مريم القبطية، وعن موسى
الأسود، وعن شاول الطرسوسى، وعن أريانوس والى أنصنا.

 

إن
الله قد ذهب ليعد لنا مكاناً، وسيأتي ليأخذنا إليه (يو14: 3).

فليكن
لنا الرجاء إذن في حياة الغلبة “لا تخش من خوف الليل، وملا من سهم يطير
بالنهار، ولا من أمر يسلك في الظلمة” (مز91) وإنما قل مع داود النبي: “وإن
قام على جيش، ففي ذلك أنا مطمئن ” ” إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف
شراً لأنك معي” (مز23). املأ قلبك بمواعيد الله المشجعة. وثق أنك لابد ستنتصر.

 

100-
مقوِّمات الانتصار

قلنا
أن أهم شئ هو أن يحارب الرب فيك، ويحارب عنك. لذلك اسكب نفسك أمامه ليعطيك القوة
والنصرة. على أنه مع معونة الله، ينبغي لك الحرص الكامل الذي من وسائله..

 

1
البعد عن أسباب الخطية.. والهروب منها على قدر استطاعتك.

قال
الملاك للوط ” أهرب لحياتك، ولا تقف في كل الدائرة” (تك19: 17). وبولس
الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس ” أما الشهوات الشبابية، فاهرب منها”
(2تى2: 22). وقد رأينا مثالاً عملياً في يوسف الصديق الذي هرب لحياته لكيلا يسقط.
وقد قال أحد الآباء:

 

الذي
يكون قريباً من مادة الخطية، تكون له حربان: إحداهما من الخارج والأخرى من الداخل.
أما البعيد فإن حصلت له حرب تكون داخلية فقط.

 

فابحث
من أين يأتيك السقوط، وابعد عن الأسباب. وتذكر قول الكتاب ” فصل الله بين
النور والظلمة” (تك1: 4). وقوله ” إن كانت يدك اليمني تعثرك، فاقطعها
والقها عنك” (متى5: 30).

 

2
كن مدققاً في حياتك، واحترس حتى من الأشياء إلى تبدو صغيرة.

 

وذلك
كما يقول الوحي الإلهي ” خذوا لنا الثعالب الصغار المفسدة للكروم” (نش2:
15) ” ولا تأخذ وتعطي مع إنسان يقاتلك به العدو ” كما قال أحد الآباء:

 

3
كذلك لكي تنتصر، جاهد بكل قوتك ولا تستسلم في الحروب.

 

قاوم
الأفكار، ولا تعطها مجالاً، ولا تتركها تنمو في داخلك. وقاوم الشهوات والرغبات
الخاطئة، ولا تدخل في مجال تنفيذها مهما ألحت عليك. هوذا بولس الرسول يوبخ
العبرانيين قائلاً: “لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية (عب12: 4).

 

إن
هروبك من الخطية، وجهادك ضدها، وتدقيقك.. كل ذلك دليل على أنك تعلن أنك متمسك
بالله، وأن إرادتك صالحة. وهذا يشجع النعمة أن تعمل فيك.

 

4
ولكي تنتصر عليك بتقوية محبة الله في قلبك بالمواظبة على وسائط النعمة.

 

فالغالبية
الذين يسقطون، يكونون بعيدين عن وسائط النعمة من صلاة وتأمل وقراءة وصوم واجتماعات
روحية واعتراف وتناول. فتمسك بكل هذه الوسائط الروحية، بأن تجعل فكرك مع الله
باستمرار، وتدخل في قلبك المشاعر الروحية التي تبعدك عن الخطية.

 

5
لتكن مبادؤك الروحية سليمة: وليكن هدفك هو الله وملكوته.

 

واعلم
أنه كلما كانت لك أهداف أخري، فإنها تسيطر على عواطفك وتبعدها عن الله. وحينئذ لا
تستطيع أن تعبد ربين: الله، وأهدافك العالمية..

 

حاول
باستمرار أن تجعل العمق لله وحده. وكلما تزحف إلى أعماقك أهداف غريبة، كن متيقظاً
لها، ولا تعطها مجالاً..

 

6
وإذا أرادت أن تنتصر، احتفظ بتواضع قلبك باستمرار.

 

فالتواضع
يجعلك تستشير، ولا تعتمد على فهمك الخاص، والتواضع يجعلك تعترف بخطاياك، ويهبك
انسحاق القلب، فيقترب الله منك بنعمه ومعوناته. والتواضع يجعلك تصلى طالباً تدخل
الله في حياتك، بدلاً من الالتجاء إلى ذكائك ومقدرتك.

 

7
واشعر باستمرار أنك مبتدئ فإن ذلك يدفعك إلى قدام لكي تنمو فإن الذين وقف نموهم،
وقفت حرارتهم، وفتروا وضعفوا، وتعرضوا للسقوط..

 

101-
الفصل بين النور والظلمة

الإنسان
الذي يبدأ طريقة الروحي مع الله، لابد أن يقطع كل وصله له بالخطية واسبابها.
ويحترس من كل خلطة خاطئة. ويستمع في ذلك إلى قول الكتاب:

 


لأنه أية خلطة للبر والإثم؟ وأية شركة للنور مع الظلمة؟؟ وأي اتفاق للمسيح مع
بليعال؟” (2كو6: 14، 15).

 

إذن
لابد أن يفصل نفسه تماماً عن كل المجالات الخاطئة، ويبعد عن مادة الحرب الروحية.
لأن لا يستطيع أن يجمع بين محبة العالميات في وقت واحد. وهذا الأمر واضح منذ بادية
قصة الخليقة، إذ يقول الوحي الإلهي:

 

وقال
الله ليكن نور، فكان نور. ورأي الله النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة
(تك1: 3، 4).

 

واستمر
هذا الأمر، من جهة الرمز، كقاعدة ثابته سار عليها الله في معاملاته لأولاده في كل
جيل، فلما انتشر الشر في العالم قبل الطوفان، ماذا حدث؟

 

كان
الفلك رمزاً لهذه القاعدة.

فيه
انفصل نوح وبنوه عن كل خلطة خاطئة في العالم الشرير الذي حل عليه غضب الله. وهكذا
خلصوا من الهلاك.

 

وحدث
نفسه الأمر مع أبينا إبراهيم. قال له الله في بداية دعوته ” اذهب من أرضك
وعشيرتك ومن بيت أبيك، إلى الأرض التي أريك” (تك12: 1). وهكذا ابتعد أبونا
إبراهيم عن الوثنية الموجودة في أيامه، وتغرب في أرض مقدسة يستطيع فيها أن يعبد
الله ويحيا في بر.

 

ولما
خالف أبونا إبراهيم هذه القاعدة الروحية، تعب في حياته: حدث ذلك لما نزل إلى أرض
جرار، فأتته تجربة شديدة من أبيمالك، تدخل فيها الله لإنقاذه (تك20). وحدث ذلك
قبلاً لما نزل إلى مصر وقت المجاعة. فنالته تجربة من فرعون، أنقذه الرب منها
بمعجزات (تك12: 14 20). وأخذ إبرام من هذين الحادثتين درساً في حياته.

 

ونفس
المشكلة بوضع أخطر تعرض لها لوط في أرض سدوم.

 

كانت
معيشته في بيئة شريرة سبب تعب روحي له. وقال عنه القديس بطرس الرسول ” كان
البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم.. يعذب يوماً فيوماً نفسه البارة بالأفعال
الأثيمة” (2بط2: 8). ثم تطور معه إلى وقوعه في السبي، ثم احتراق المدينة بغضب
الله، وإنقاذه بمعجزة إلهية بشفاعة أبينا إبرام الذي كان بعيداً عن خلطة الشر
والأشرار.

 

102-
فصل النور عن الظلمة هو أوامر إلهية وكنسيَّة

ووضع
الله قواعد روحية لوجوب الانفصال عن العشرة الخاطئة، منها عدم الزواج بالنساء
الأجنبيات.

 

ولما
وقع سليمان الحكيم في هذا الخطأ، انحرف بسبب نسائه الغريبات اللائى أملن قلبه وراء
آلهة أخري.. وأقام المرتفعات ” لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدون
ويذبحن لألهتهن” (1مل11: 1 8).

 

وعاد
سليمان ليحارب هذا الخطأ في مواضع كثيرة من سفر الأمثال (أم2: 16 ؛ 7: 5 ؛ 5: 20 ؛
6: 24 ؛ 22: 14).

 

كما
حورب هذا الأمر من عزرا ونحميا (عز10: 2 ؛ نح13: 16).

 

وقد
وضع لنا القديس بولس الرسول مبدأ روحياً هاماً قال فيه: “لا تضلوا. فإن
المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 33). ويقول ايضاً ” لا
تخالطوا الزناة” (1كو5: 9)، كما يقول ” اعزلوا الخبيث من وسطكم”
(1كو5: 13). وقال بالتفصيل ” إن كان أحد مدعواً أخاً، زانياً، أو طماعاً أو
عابد وثن، أو شتاماً، أو سكيراً، أو خاطفاً، أن لا تخالطوا ولا تؤكلوا مثل
هذا” (1كو5: 11).

 

ووردت
نفس النصيحة في المزمور الأول. ” طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الشرار،
وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس” (مز1).

 

لاشك
أن الإنسان يتأثر بالبيئة المحيطة. وكما قال الأباء أن الشخص البعيد عن مادة
الخطية، إذا حورب بها أنما يحارب من الداخل فقط. أما إذا كان قريباً من مادة
الخطية، فتكون أمامه حربان أحدهما من الخارج. والأخرى من الداخل. ويصبح الأمر
صعباً عليه.

 

إذن
البعد عن المجال الخاطئ أنفع.

 

لذلك
كانت الكنيسة في أجيالها الأولي تعزل الخطاة عن جماعة المؤمنين.

 

وتسمح
مطلقاً بتواجدهم داخل الكنيسة. ويبقي حضور الكنيسة وقداساتها للقديسين فقط. وكان
نظام العقوبات شديداً جداً في الكنيسة في العصور الأولي للمسيحية واقصى ما كان
يسمح به هو قداس الموعوظين، وفي الغالبية كان يحضره الداخلون جديداً في الإيمان
وليس الخطاة هؤلاء يحضرون القراءات الكنسية من الرسائل والسنكسار والإنجيل ثم
العظة. وينصرفون..

 

والعزل
لم يكن يشمل فقط المنحرفين في سلوكهم، وإنما أيضاً المنحرفين في الإيمان وفي الفكر
والعقيدة.

 

وقد
قال القديس يوحنا الحبيب في ذلك ” إن كان أحد يأتيكم ولا يجئ بهذا التعليم،
فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يسلم عليه، يشترك معه في أعماله
الشريرة. (2يو10: 11).

 

وكان
هذا الأمر خاصاً بأصحاب البدع والهرطقات، حتى لا ينشروا فكرهم وسط الجماعة
المؤمنين ويؤثروا عليهم.

 

ولعل
وصية القديس يوحنا حالياً مع الذين ينشرون الشكوك في الدين من أمثلة الملحدين،
وشهود يهوه، وكل من يبتدع أفكاراً منافية للإيمان المسلم به مرة للقديسين (ية3).

 

ولعل
من أشهر أمثلة العزل في العصر الرسل، قصة حنانيا وسفيرة.

 

حيث
لم يقبل القديس بطرس الرسول أن يكذب هذان على روح الله القدوس (أع5: 1 11).

 

ومن
اشهر الأمثلة أيضاً العقوبة التي أوقعها القديس بولس الرسول على خاطئ كورنثوس
(1كو5: 1 5).

 

وأقدم
مثال للعزل، هو طرد آدم وحواء من الجنة.

حيث
فصلهما الله عن شجرة الحياة، وفصلهما عن الفردوس، وجعلهما خارجاً.. والخطية عموماً
هي انفصال عن الله، وعن ملكوته وملائكته وقديسيه. وحياة البر هي انفصال عن الخطية
وعن مشاركة الخطاة.

 

وفي
المعمودية يبدأ الإنسان الروحي اعتزاله الأول عن الشيطان والخطيئة: ففي المعمودية
يجحده إنسان علناً، هو وكل أعماله الشريرة، وكل جنده وكل سلطانه، وكل بقية نفاقه.

 

ويعتزل
ايضاً عن إنسانه العتيق، فيموت هذا الإنسان في المعمودية، ليولد إنسان جديد على
صورة الله. وكذلك ينفصل الإنسان عن كل الخطايا السابقة للمعمودية، سواء الخطية
الأصلية أو كل الخطايا الفعلية، ليحيا الإنسان حياة جديدة طاهرة ثابتة في الله.
وهكذا يتحقق أيضاً قول الكتاب ” وفصل الله بين النور والظلمة “.

 

103-
فصل أخطر بين النور والظلمة في الأبدية

وكما
يوجد فصل بين النور والظلمة هنا على الأرض، يوجد فصص من نوع أعمق في العالم.

ويتضح
هذا جيداً من قصة الغني ولعازر المسكين. حيث قال أبونا إبراهيم لذلك الغني ”
بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أثبتت. حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا
يقدرون زلا الذين من هناك يجتازون إلينا” (لو16: 26).

 

وفي
الدينونة يوجد فصل بين الذين عن اليمين، والذين عن اليسار.

 سيفصل
الله في يوم الدينونة الرهيب بين الخراف والجداء، وسيفصل ما بين الحنطة والزوان،
وبين الأبرار والأشرار. ولا يعود هؤلاء وأولئك يعيشون معاً كما كانوا يختلطون معاً
على الأرض فيمضي هؤلاء إلى النعيم الأبدي. ويمضي أولئك إلى النار المعدة لأبليس
وملائكته.

 

ويعيش
الأبرار في كورة الأحياء. بينما يطرح الأشرار في الظلمة الخارجية.

 

الآن
يستطيع أي خاطئ أن يقابل أي قديس، ويسلم عليه، ويجلس معه ويتحدث إليه، ويطلب منه
الصلاة لأجله. أما في الأبدية، فإن الخطاة لا يستطيعون اللقاء بالقديسين. لا
يستطيع الغني أن يجلس مع لعازر، بل ينظره من بعيد. وربما لا يستطيع رؤية الأبرار
على الإطلاق.

 

ويكون
حرمانهم من عشرة الملائكة والقديسين جزءاً من عذابهم الأبدي.

 

إنه
فصل بين النور والظلمة حسبما شاء الله منذ قصة الخليقة.

 

فإن
كنت تحرص على محبة إنسان، وداوم المعيشة معه، هنا وفي العالم الآخر أيضاً، ليس
أمامك سوى هذه النصيحة، عيشا ههنا في حياة روحية ترضي الله، لكي تعيشا معاً في
الحياة الأبدية.

 

أما
إن سرتما كل واحد في طريق يختلف عن الآخر من جهة البر والقداسة فلن تلتقيا في
الأبدية. وإن عشتما هنا في طريق واحد في حياة الخطية، فإن عذاب الأبدية سيشغل كلاً
منكما عن التمتع بالآخر في الأبدية. وإن لم تستطع أن تجتمع بمن تحبه في الأبدية،
فعلي الأقل اهتم بأبديتك أنت وبمحبتك لله، بدلاً من أن تخسر نفسك.

 

104-
كيف أبتعد عن الظلمة؟

إن
لم تستطع أن تعتزل عملياً عن الخطاة، فعلي الأقل اعتزل عن طرقهم.. إن كنت لابد لك
أن تعيش في بيئة غير روحية، إذ العالم غالبيته هكذا، وليس بإمكانك أن تخرج من
العالم كما قال معلمنا بولس الرسول..

وإن
كنت لا تستطيع الانفصال عن الخطاة جسدياً، فانفصل بالقلب والفكر..

افصل
قلبك عن شهوة شريرة، وافصل عقلك عن كل فكر خاطئ. وافصل حواسك بقدر الإمكان عن رؤية
وعن سماع ما يتعبك روحياً. وتذكر قول القديس بولس الرسول ” والذين يستعلمون
هذا العالم كأنهم لا يستعملونه” (1كو7: 31). واستمع أيضاً إلى قوله: “لا
تشاكلوا أهل هذا الدهر” (رو12: 2). أي لا تصيروا في شكله وشبهه، بل كونوا
مميزين بطريقكم الروحي. وكما قيل “لغتك تظهرك” (متى26: 73) أوم كما قال
القديس يوحنا الحبيب “كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية.. بهذا أولاد الله
ظاهرون، وأولاد أبليس (ظاهرون)” (1يو3: 9، 10). أولاد الله قد ارتفعوا عن
مستوي العالم وشهواته، لأنهم ركزوا كل محبتهم في الله وحده يرفضون الوضع الذي
انتقده إيليا النبي حينما قال:

 

“حتى
متى تعرجون بين الفرقتين؟ إن كان الرب هو الله فاتبعوه. وإن كان البعل
فاتبعوه” (1مل18: 21).

 

لا
يمكن للمؤمن الحقيقي أن يجمع بين الأمرين معاً: الله والعالم. فيعطي ساعة للصلاة،
وأخري للمتع العالمية دون أن يثبت على حال.. فقد قال الكتاب ” تحب الرب إلهك
من كل قلبك، ومن كل نفسك ومن كل قدرتك” (تث6: 5). وعبارة ” كل ”
هنا، تعني أنه لا توجد محبة أخري إلى جوار الله تنافسه.. لا توجد ظلمة تشترك مع
نوره العجيب داخلك. وانفصالك عن الظلمة، ليس هو مجرد عمل سلبي، وإنما له إيجابياته
حسبما قال الرسول:

 


لا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة، بل بالحري وبخوها” (أف5: 11).

 

وتوبيخ
الظلمة يعني أنك لا تقبلها فيك ولا غيرك، وتعنى حرصك على ملكوت الله وانتشاره.
وتوبيخ الظلمة يعني قوة في القلب من الداخل، لا تضعف أمام سلطان الظلام (لو22: 53)،
وإنما تتصدى للظلمة وتقاومها، ومثلما وقف إيليا ضد آخاب وأنبياء البعل”
(1مل18). ومثلما وقف المعمدان ضد هيرودس وهيروديا (متى14: 3، 4).

 

أنت
نور. والخطية ظلمة. النور يستطيع أن يقشع الظلام.

 

أنت
نور، لأن السيد المسيح قد قال لنا ” أنتم نور العالم” (متى5: 14). وقال
بعدها ” فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروأ أعمالكم الحسنة، ويمجدوا
أباكم الذي في السموات (متى5: 16). ونورك هذا حينما يضئ، سيبدد الظلمة التي حوله.
لا تغطي هي عليه، بل هو الذي يبددها..

 

فهل
لك هذه الهيبة الروحية التي تبدد الظلمة التي حولها؟

هل
في مجرد وجودك يشعر من حولك أنهم لا يستطيعون أن يلفظوا بكلمة خارجة أو كلمة نابية،
ولا يستطيعون أن يتصرفوا أي تصرف غير لائق.

 

هل
وجودك يشعرهم أنك تنقل إليهم حضور الله في وسطهم فيقولون لك العبارة التي قيلت
لذلك المتنيح.. إننا عرفنا الله اليوم عرفناك..؟

 

هل
أنت لا تنفصل فقط عن الظلمة أم أنت تقضى على الظلمة؟

هل
أنت مصباح يوضع على المنارة، فلا تكون ظلمة، لأنه ينير لكل من في البيت (متى5: 15)
أو هل أنت حتى مجرد شمعة، تضئ فتطرد الظلمة.

 

قد
يكون تعليمك نوراً. وهذا حسن، وما هو بأحسن من ذلك أن تكون حياتك نفسها نوراً تضئ
للآخرين.

 

ولا
يمكن أن تكون نوراً، إلا إذا أحببت النور. ولا يمكن أن تبدد الظلمة إلا إذا كنت
تكرهها من أعماقك.

 

لذلك
افحص قلبك جيداً، وتأكد من سلامة مشاعره، واطرد منه كل ظلمة، بمحبة الله التي إن
دخلت قلبك طردت منه كل محبة للعالم وللخطية.

 

وينبغي
أن تثق بأن الخطية ظلمة. يكفي أنك لا تستطيع أن تفعلها إلا في الظلام، في الخفاء،
في غير ملاحظة الناس لك.. وإن تكشفت لأحد، تحاول أن تغطيها بالأعذار أو التبريرات،
أو الكذب، أو بإلصاقها بغيرك، لكي تبقي في الظلام لا يراها أحد فيك..

 

ومادام
الله نوراً، إذن فالخطية وهي ظلمة تفصلك عن الحياة مع الله.

 

لأنه
كما قال الرسول ” أية شركة للنور مع الظلمة “..

 

وإن
كان الأبرار سيقومون في اليوم الأخير بجسد نوراني روحاني، وسوف يضيئون كالجلد،
والذين ردوا كثيرين إلى البر يضيئون كالكواكب إلى أبد الدهور (دا12: 3)، فماذا
نقول عن قيامة الخطاة الذين كانوا ظلمة في حياتهم؟

 

هؤلاء
سيطرحون في الظلمة الخارجية فلا يمكن أن تكون أرواحهم مضيئة.

 

وهكذا
يكون الله قد فصل في الأبدية أيضاً بين النور والظلمة، ليس فقط من جهة المسكن، حين
يسكن الأبرار في المدينة المنيرة التي لا تحتاج إلى شمس ولا إلى قمر، لأن مجد الله
يضيئها (رؤ21: 32).

 

وإنما
أيضاً من جهة طبيعة الأرواح الأبرار الأبرار منيرة، وأرواح الخطاة مظلمة..

 

ولا
يمكن أن تكون أرواح الأشرار منيرة، لأنهم انفصلوا عن الله الذي هو النور الحقيقي،
ولأنهم يعيشون في الظلمة الخارجية، ولا شركة للنور مع الظلمة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى