كتب

الفصل العاشر



الفصل العاشر

الفصل
العاشر

من
هو المصلوب يهوذا أم يسوع؟!!

 

هدف
الكاتب المزوِّر منذ البداية لهدم أركان المسيحيَّة وعقائدها الأساسيَّة بشدَّةٍ
وبأيَّة وسيلة، بمبدأ الغاية تُبَرِّر الوسيلة، مهما كانت هذه الوسيلة كاذبة
ومضلِّلة!! خاصَّةً موضوع صلب المسيح. وفي هذا الفصل نناقش القضيَّة الوهميَّة
التي أثارها، هذا الكاتب المزوِّر، وزعم أنَّ الذي صُلِبَ هو يهوذا وليس يسوع!!
وإختلق المواقف ولفَّق الأكاذيب وإخترع الروايات الخرافيَّة، كعادته، وبما يتناسب
مع فكره الخرافيّ المتخلِّف، لهذا الغرض:

(1)
فقد زعم أنَّه لما خاف المسيح من الكهنة كشف له الملاك جبريل أنَّه لن يموت قبل
نهاية العالم، فقال في (ف10: 13و11) أنَّه لما خاف يسوع من الكهنة قال له جبريل
” لا تخفْ يا يسوع لأنَّ ألف ألف من الذين يسكنون فوق السماء يحرسون ثيابك
ولا تموت حتَّي يكمُل كلّ شيء ويمسي العالم علي وشك النهاية “!!

(2)
وزعم في (ف6: 140) أنَّ يسوع قال ” أنِّي عالمٌ بأنِّي سأحيا إلي نحو
مُنْتَهَي العالم “!!

(3)
وزعم في (ف3: 43) أنَّ يهوذا شكَّ في يسوع ولم يؤمنْ بشيءٍ ولأنَّه كان سارقًا
للصندوق فقد تَصَوَّر أنَّ المسيح لا يعلمْ شيئًا عن سرقاته وبالتالي تَصَوَّر
أنَّه ليس نبيًا، لذا فقد كان يتبع المسيح، فقط، علي أمل أنْ يصير المسيح ملكًا
ويكون له هو منصبٌ كبيرٌ ولما رفض يسوع المُلك يئس وقرَّر الإستفادة الماليَّة من
الموقف بتسليمه للكهنة. فقال في (ف1: 142-6) ” لما رأي يهوذا الخائن أنَّ
يسوع هرب يئس من أنْ يصير عظيمًا في العالم … فهو قد رجا أنْ يصير يسوع ملكًا
علي إسرائيل وأنَّه هو نفسه يصبح رجلاً عزيزًا، فلمَّا فقد هذا الرجاء في نفسه
قال: لو كان هذا الرجل نبيًا لعرف أنِّي أختلس نقوده ولكان قد حنق وطردني من خدمته
إذ يعلم أنِّي لا أؤمنْ به، ولو كان حكيمًا لما هرب من المجد الذي يريد اللَّه أنْ
يُعطيه إيَّاه، فالأجدر بِي أذًا أنْ أتَّفق مع رؤساء الكهنة والكتبة
والفرِّيسيِّين ونري كيف أسلِّمه إليهم فبهذا أتمكن من تحصيل شيءٍ من النفع
“!!

(4)
وزعم في (ف1: 205-18) أنَّه لما سكبت مريم أخت لعازر الطيب علي رأس يسوع ولم تذعنْ
ليهوذا لتبيعه ب 300 قطعة من الفضَّة حقد يهوذا وقرَّر تسليمه ” حنق (يهوذا)
لأنَّه علم أنَّه خاسر ثلاثين قطعة من النقود … لأنَّه كان يختلس العُشر من كلِّ
ما كان يُعطي ليسوع “!! ومن ثمَّ ذهب إلي رئيس الكهنة في مجلس مشورة من
الكهنة والكتبة والفرِّيسيِّين. فكلَّمهم (يهوذا) قائلاً:

 


ماذا تعطوني وأنا أسلِّم إلي أيديكم يسوع الذي يريد أنْ يجعل نفسه ملكًا علي
إسرائيل… أجاب رئيس الكهنة إذا سلَّمته ليدنا أعطيناك ثلاثين قطعة من الذهب
“!! وقال في (ف5: 214و6) أنَّه لما ذهب يهوذا ليتَّفق علي تسليم يسوع، سأله
رئيس الكهنة ” كم تطلب؟ قال يهوذا ثلاثين قطعة من الذهب “!!

وواضح
هنا أنَّ الكاتب المزوِّر يبذل جهدًا خارقًا ليُناقض الأناجيل التي إقتبس منها
فكرة بعض هذه الأحداث!! ومع ذلك سقط في الكثير من الأخطاء بسبب إعتماده لا علي
الحقائق بل علي بعض التفاسير الخاصَّة بموقف يهوذا ومحاولته الدءوبة لتصوير أنَّ
الذي صُلِبَ هو يهوذا وليس المسيح!! وقد زعم أنَّ يهوذا كان يسرق العشور؟! فلماذا
كان يختلس العُشر بالذات؟!! هل كان يسرق حقّ اللَّه فقط؟!! جاء في الإنجيل
للقدِّيس يوحنَّا أنَّ يهوذا لم يكنْ ” لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ
بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقاً وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ وَكَانَ يَحْمِلُ مَا
يُلْقَى فِيهِ. ” (يو12/6).

كما
أخطأ عندما قال أنَّ رئيس الكهنة أعطاه ثلاثين من الذهب لسببَين؛ أولاً: لأنَّ
زكريَّا النبيّ سبق وتنَبَّأ أنَّ المسيح سيُباع بثلاثين من الفضة وليس من الذهب
” فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي
وَإِلاَّ فَامْتَنِعُوا. فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ ”
(زك11/12)، ” فَقَالَ لِي الرَّبُّ: أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ
الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ]. فَأَخَذْتُ الثَّلاَثِينَ مِنَ
الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرَّبِّ. ”
(زك11/13). ثانيًا: أكَّد ذلك الإنجيل القانونيّ (الصحيح) ” وَقَالَ: «مَاذَا
تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ
ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ.” (مت26/15). ” حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى
يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ
مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ ” (مت27/3). كما
أنَّ الثلاثين من الفضة كانت ثمن عبد حسب الشريعة ” إِنْ نَطَحَ الثَّوْرُ
عَبْدا اوْ امَةً يُعْطِي سَيِّدَهُ ثَلاثِينَ شَاقِلَ فِضَّةٍ وَالثَّوْرُ
يُرْجَمُ. ” (خر21/32). لذا أعطي رؤساء الكهنة ليهوذا ثمن عبد حسب الشريعة!!

1–
أسباب الصلب في رأي الكاتب المزوِّر:

(1)
قال في (ف8: 112-22) أنَّ يسوع كشف لبرنابا وحده أنَّه سيُعاقب بالحرمان من رؤية
اللَّه ومن دخول الجنَّة وبِعار الصليب بسبب دعوة الناس له إلهًا” أجاب يسوع
صدِّقني يا برنابا إنني لا أقدر أنْ أبكي قدر ما يجب عليّ لأنَّه لو لم يدعني
الناس إلهًا لكنت عاينت هنا اللَّه كما يُعاين في الجنَّة ولكنت آمنت خشية يوم
الدين … إنني لو لم أُدعَ إلهًا لكنت حُمِلت إلي الجنَّة عندما أنصرف من العالم
أمَّا الآن فلا أذهب إلي هناك حتَّي الدينونة … لأجل هذا يجب عليّ التحفُّظ
وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة من نقود وعليه فأنِّي علي يقين أنَّ من يبيعني
يُقتل بإسمي لأنَّ اللَّه سيُصعدني من الأرض وسيُغَيِّر منظر الخائن حتَّي يظنَّه
كلّ أحد إيَّاي، ومع ذلك لما يموت شرَّ ميتة أمكث في ذلك العار زمنًا طويلاً
“!!

ثمَّ
يُضيف الكاتب المزوِّر أنَّ يسوع قال له ” ولكن متي حلَّت هذه النازلة بأمِّي
فقلْ لها الحقّ لكي تتعزَّي. حينئذ أجاب من يكتب: إنِّي لفاعلٌ ذلك يا مُعَلِّم
إنْ شاء اللَّه ” (ف21: 112و22).

 

والسؤال
هنا هو؛ هل يُعقل أنْ يُعاقِب اللَّه أحدًا بسبب ما يقوله الناس عنه دون أنْ يكون
له ذنب فيما يُقال عنه؟!! هل هذا منطق؟!! وهل تقرَّرت عقوبة الصلب بسبب ذلك؟!! وهل
تخدع الملايين، بل البلايين من البشر في كلِّ زمان ومكان لسبب غير معقول وغير
منطقى؟ حاشا للَّه! إنما يحاول الكاتب المزوِّر جاهدًا أنْ يُبَرِّر أسباب الصلب
بعيدًا عن فكر الكتاب المقدَّس والإيمان المسيحيّ فوقع في اللامعقول وسقط في
الخرافة والحماقة!!

(2)
وزعم في (ف12: 198-16) أنَّ اللَّه عاقب يسوع بعارِ الصليب لأنَّه، يسوع، لم يخدمْ
اللَّه بإخلاص!! وبسبب دعوة الناس له إلهًا!! ولكن لأنَّه، يسوع، إعترف بأنَّه ليس
إلهًا ولا هو المسيَّا فقد رفع اللَّه العقوبة، عقوبة الصلب عنه وجعل آخر يُكابدها
بدلاً منه ” أجاب يسوع عساني أنْ أنال من اللَّه قصاصًا في هذا العالم لأنِّي
لم أخدمه بإخلاص كما كان يجب عليّ أنْ أفعل ولكن اللَّه أحبَّني برحمته حتَّي أنَّ
كلّ عقوبة رُفِعَت عنِّي بحيث أنْ أعذَّب في شخصٍ آخرٍ، فأنِّي كنت أهلاً للقصاص
لأنَّ البشر دعوني إلهًا ولكن لما كنت قد إعترفت له بأنِّي لست إلهًا فقط كما هو
الحقّ بل إعترفت أيضًا أنِّي لست مسيَّا، فقد رفع اللَّه لذلك العقوبة عنِّي،
وسيجعل شريرًا يكابدها بإسمي حتَّي لايبقي لي منها سوي العار “!!

فهل
كان المسيح مُقَصِّرًا ولم يخدم اللَّه كما يجب، بإخلاص، وهو الذي قال مخاطبًا الآب
” الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ “!؟
(يو17/4). وهل كلّ من لم يخدمْ اللَّه بإخلاصٍ يُعاقب بمثل هذه العقوبة، أم أنَّ
هذا خاصٌّ بالمسيح فقط من وجهة نظر هذا الكاتب المزوِّر المُضّطِهد للمسيح؟!! وإذا
كان المسيح، من وجهة نظر هذا الكاتب المزوِّر، يُعاقَب بمثل هذه العقوبة الشنيعة
ويُضِلّ بسببه البلايين من البشر لأنَّه، حسب زعمه لم يخدمْ اللَّه كما يجب،
بالرغم من إجماع الكلّ علي أنَّه هو وحده الذي بلا خطيئة وأنَّه الوحيد الذي نفَّذ
إرادة اللَّه بالكامل، فما هي عقوبة من يقتل ويسرق ويزني ويحرق ويدمِّر ويُخالف
كلّ وصايا اللَّه؟!!

(3)
ومن أعجب ما زعمه هذا الكاتب المزوِّر هو زعمه أنَّ المسيح عُوقب بعارِ الصليب
بسبب حبّ أمِّه وتلاميذه له!! فقال في (ف17: 220-18) ” صدِّقني يا برنابا
أنَّ اللَّه يُعاقب علي كلّ خطيَّة مهما كانت طفيفة عقابًا عظيمًا لأنَّ اللَّه
يغضب من الخطيَّة، فلذلك لما كانت أمِّي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي
أحبُّوني قليلاً حبًا عالميًا أراد اللَّه البار أنْ يُعاقب علي هذا الحبّ بالحزن
الحاضر حتَّي لايُعاقب عليه بلهب الجحيم “!!

هل
يُعقل أنَّ اللَّه يُعاقب علي الحبِّ بلهب الجحيم، وبعار الصليب بالنسبة للمسيح،
والكتاب المقدَّس يقول أنَّ اللَّه محبَّة ” وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ
يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ ” (1يو4/8)، ” وَنَحْنُ قَدْ
عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي لِلَّهِ فِينَا. اللهُ مَحَبَّةٌ،
وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ ”
(1يو4/16). وكانت أعظم وصايا الكتاب المقدَّس هي ” تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ
مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هَذِهِ هِيَ
الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ
كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ
وَالأَنْبِيَاءُ ” (مت22/37-40)، وقال الربُّ يسوع المسيح ” وَصِيَّةً
جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ
أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضاً ” (يو13/34). بل وكانت
دعوته هي محبَّة الجميع، الأحبَّاء والأقرباء والأصدقاء والأعداء، ”
سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا
أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ.
أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ
إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ ” (مت5/43-45). هذه هي دعوة المسيح وليست دعوة
هذا الكاتب المزوِّر الذي لا يعرف سوي التزوير والتزييف والحقد والكره والإنتقام!!

(4)
وفى (ف11: 142-20) يُضيف أسبابًا جديدةً فيزعم أنَّ الكهنة قرَّروا قتل يسوع خوفَا
من أنْ يملك عليهم ويُصلح الديانة اليهوديَّة، وأيضًا بسبب ما يزعمه هذا الكاتب
المزوِّر بأنَّ المسيَّا لن يأتي من نسل داود بل من نسل إسماعيل!! وخوفًا من أنْ
يأتي الإسماعيليُّون ويأخذون المملكة من بني إسرائيل!! ” كيف يكون مصيرنا تحت
سلطان رجلٍ كهذا، حقًا إنَّنا نهلك نحن وأولادنا، لأنَّنا إذا طُردنا من وظيفتنا
اضطررنا أنْ نستعطي خبزًا. أمَّا الآن فالحمد للَّه لنا ملك ووالٍ أجنبيَّان عن
شريعتنا ولا يباليان بشريعتنا … وأنكي من ذلك أنَّه يقول أنَّ مسيَّا لا يأتي من
نسل داود … بل يقول أنْ يأتي من نسل إسماعيل وأنَّ الموعد صُنع بإسماعيل لا
بإسحاق. فماذا يكون الثمر إذا تركنا هذا الإنسان يعيش؟ من المؤكَّد أنَّ
الإسماعيليِّين يصيرون ذوي وجاهة عند الرومانيِّين فيعطونهم بلادنا ملكًا “!!

فهل
يعقل أنْ يكون سبب قتل المسيح هو حرصه وإصراره علي تطبيق ناموس موسي؟!! الغريب
أنَّ السبب الحقيقيّ الذي ذُكر في العهد الجديد، من وجهة نظر الكهنة، لصلب يسوع،
هو أنَّه لا يُبالي بالناموس ودعوته لنفسه باِبن اللَّه!! ولكن الكاتب كعادته يعكس
كلّ شيء لنقيضه!! كما أنَّ هيرودس، كما بيَّنَّا سابقًا، لم يكنْ ملكًا بل أميرًا،
ولم يكنْ أجنبيًا بل كان يهوديًا من سلالة أدوميَّة ومولود في فلسطين!!

(5)
كما زعم وجود صراع يهوديّ إسماعيليّ حول ” النسل الموعود ” وذلك دون
مُبَرِّر أو سند تاريخيّ، فلا يُذكر في التاريخ أنَّه كان هناك من يُسَمُّون
بالإسماعيليِّين أيَّام المسيح!! واستمرارًا لهذا الزعم يقول في (ف7: 208-8)
” إنَّ اِبن إبراهيم هو إسماعيل الذي يجب أنْ يأتي من سلالته مسيَّا الموعود
به لإبراهيم لتتبارك كلّ قبائل الأرض. فلمَّا سمع رئيس الكهنة حنق وصرخ: لنرجم هذا
الفاجر لأنَّه إسماعيليّ وقد جَدَّف علي موسي وعلى شريعة اللَّه “!!

والثابت
في الكتاب المقدَّس، بعهديه، وكما هو أيضًا ثابت في التقليد اليهوديّ والمسيحيّ،
أنَّ إسحق هو اِبن الموعد ومنه سيأتى النسل الموعود، المسيح المنتظر!! قال اللَّه
لإبراهيم ” وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الارْضِ ” (تك12/3)،
وأيضًا ” وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ امَمِ الارْضِ مِنْ اجْلِ
انَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي ” (تك18/18؛22/18)، ثمَّ أكَّّد له ” أَنَّهُ
بِاسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ ” (تك21/13)، ” سَارَةُ امْرَاتُكَ تَلِدُ
لَكَ ابْنا وَتَدْعُو اسْمَهُ اسْحَاقَ. وَاقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدا ابَدِيّا
لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ … وَلَكِنْ عَهْدِي اقِيمُهُ مَعَ اسْحَاقَ الَّذِي
تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ ”
(تك17/18-21). وكرَّر اللَّه نفس الوعد لإسحق وقال له مثلما قال لأبيه ”
وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ امَمِ الارْضِ ” (تك26/4)، ثمَّ كرَّره
أيضًا ليعقوب ” وَيَتَبَارَكُ فِيكَ وَفِي نَسْلِكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ
الارْضِ ” (تك28/14). وقال بطرس الرسول بالروح أنَّ هذا النسل الموعود هو المسيح
(أع3/25)، وقال بولس الرسول بالروح ” وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ
اللهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ، سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ
«فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ … لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ
لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ 00 وَ«فِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ.
” (غل3/8 و14و16). وجاء في القرآن عن إبراهيم قوله ” وَوَهَبْنَا لَهُ
إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ
” (العنكبوت 26).

2
– خرافة صلب يهوذا بدلاً من المسيح:

(1)
يُصَوِّر الكاتب المزوِّر عمليَّة إلقاء شِبْه المسيح علي يهوذا برواية خرافيَّة
خياليَّة، فيقول في (ف1: 215-5) ” ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحلِّ الذي
كان فيه يسوع، سمع يسوع دُنُوّ جمعٌ غفيرٌ، فلذلك اِنسحب إلي البيت خائفًا، وكان
الأحد عشر نيامًا، فلمَّا رأى اللَّه الخطر علي عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل
وأوريل (عزرائيل في النسخة الأسبانيَّة) سفراءه أنْ يأخذوا يسوع من العالم. فجاء
الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة علي الجنوب، فحملوه ووضعوه في
السماء الثالثة “! ثم يقول في (ف1: 216-5) ” ودخل يهوذا بعنفٍ إلي
الغرفة التي أُصعد منها يسوع وكان التلاميذ كلهم نيامًا فأتي اللَّه العجيب بأمر
عجيب فتَغَيَّر يهوذا في النُطق وفي الوجه فصار شبيهًا بيسوع من كلِّ وجهٍ
“!! ثم يزعم في الفصل التالي أنَّ يهوذا صرخ أمام الجنود ورئيس الكهنة وأمام
بيلاطس أنَّه ليس يسوع بلّ يهوذا الإسخريوطيّ، حتَّي سخر منه الجنود وظنُّوا أنَّه
يَدَّعِي الجنون لينجو من الموت، وقال بيلاطس ” إنَّ هذا الإنسان يقول أنَّه
ليس يسوع بل يهوذا الذي قاد الجنود ليأخذوا يسوع. ويقول أنَّ يسوع الجليليّ قد
حوَّله هكذا بسحره، فإذا كان هذا صدقًا يكون قتله ظلمًا كبيرًا لأنَّه يكون
بريئًا، ولكن إذ كان هو يسوع وينكر أنَّه هو فمن المؤكَّد أنَّه قد فقد عقله ويكون
من الظلم قتل مجنون “!!

(2)
ثمَّ إختلق رواية خرافيَّة، كعادته كلَّما تكلَّم بأكاذيبٍ، وزعم في (ف119و120)
أنَّ الملائكة الذين يحرسون مريم أمّ يسوع صعدوا إليه في السماء الثالثة ”
حيث كان يسوع في صحبة الملائكة وقصُّوا عليه كلّ شيء. لذلك ضرع يسوع إلي اللَّه
أنْ يأذن له بأنْ يري أمَّه وتلاميذه فأمر حينئذ الرحمن ملائكته الأربعة
المقرَّبين الذين هم جبريل وميخائيل ورافائيل وأوريل أنْ يحملوا يسوع إلي بيت أمِّه
وأنْ يحرسوه هناك مدَّة ثلاثة أيام متوالية، وأنْ لا يسمحوا لأحد أنْ يراه خلا
الذين آمنوا بتعليمه. فجاء يسوع محفوفًا بالنساء إلي الغرفة التي أقامت فيها مريم
العذراء مع أختيها ومرثا ومريم المجدليَّة ولعازر والذي يكتب ويوحنَّا ويعقوب
وبطرس، فخرُّوا من الهلع كأنَّهم أموات، فأنهض يسوع أمَّه والآخرين عن الأرض
قائلاً: ” لا تخافوا لأنِّي أنا يسوع ولا تبكوا فإنِّي حيّ لا ميِّت فلبث
كلٍّ منهم زمنًا طويلاً كالمخبول لحضور يسوع لأنَّهم إعتقدوا إعتقادًا تامًا بأنَّ
يسوع مات، فقالت حينئذ العذراء باكيةً: ” قل لي يا اِبني لماذا سمح اللَّه
بموتك ملحقًا العار بأقربائك أخلائك وملحقًا العار بتعليمك؟ وقد أعطاك قوَّة علي
إحياء الموتي فإنَّ كلّ من يحبَّك كان كميِّت.

أجاب
يسوع معانقًا أمِّه: ” صدِّقيني يا أمَّاه لأنِّي أقول لك بالحق أنِّي لم
أمتْ قطّ لأنَّ اللَّه قد حفظني إلي قرب إنقضاء العالم ولما قال هذا رغب إلي
الملائكة الأربعة أنْ يظهروا ويشهدوا كيف كان الأمر “!! ألم تكنْ أقوال يسوع
المزعومة هذه كافية أم أنَّ الكاتب المزوِّر، كعادته، يسند أكاذيبة بتأليف
المعجزات الخارقة. ثم يضيف الرواية الخرافيَّة التالية، كعادته عندما يريد أنْ يُوهم
القرَّاء بصحَّة أكاذيبه ” فظهر الملائكة كأربع شموس متألِّقة حتَّي أنِّ كلّ
أحد خرَّ من الهلع ثانية كأنَّه ميِّت فأعطي حينئذ يسوع الملائكة أربع ملاء من
كتان ليستروا بها أنفسهم لتتمكَّن أمّه ورفاقه من رؤيتهم وسماعهم … ثمَّ قصّ
الملائكة الأربعة علي العذراء كيف أنَّ اللَّه أرسل إلي يسوع وغيَّر ” صورة
” يهوذا ليُكايد العذاب “!!

(3)
وزعم في (ف220) أنَّ يسوع كشف لتلاميذه ورسله علي جبل الزيتون أنَّ يهوذا الذي
صُلب وليس هو!!

(4)
وزعم في (ف3: 218-5) أنَّ ” التلاميذ الذين لم يخافوا اللَّه ذهبوا ليلاً
وسرقوا جسد يهوذا وخبَّأوه وأشاعوا أنَّ يسوع قام، فحدث بسبب ذلك اضطراب “!!.

(5)
ثمَّ يختم كتابه المزيَّف بقوله أنَّ بعض التلاميذ ” بشَّروا أنَّ يسوع مات
ولم يقمْ وآخرون بشَّروا أنَّه مات بالحقيقة وقام … أمَّا نحن فإنما نُبَشِّر
بما كَتَبْت “!!

وفي
رواية الكاتب المزوِّر هنا عدَّة أخطاء تاريخيَّة ودينيَّة ومنطقيَّة ومزاعم
مرتبطة بحقيقة المصلوب هي:

1-
كعادة الكاتب المزوِّر في مناقضة ما سبق أنْ قاله عاد وناقض نفسه هنا، فبعد أنْ
زعم أنَّ يسوع كشف له كيف أنَّ غيره سيُصلب بدلاً منه وطلب منه أنْ يُخبر أمّه
العذراء بذلك لكي تتعزَّى، ناقض نفسه في (ف14: 120) وقال أنَّه بعد أنْ نزل يسوع
من السماء، بعد أحداث الصلب، سأله برنابا قائلاً ” إذا كان اللَّه رحيمًا
فلماذا عذَّبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنَّك كنت ميتًا؟ ولقد بكتك أمَّك
حتَّي أشرفت علي الموت “؟!! فكيف يزعم أنَّه إعتقد أنَّ يسوع مات وهو يزعم
أنَّ يسوع كشف له أنَّ غيره سيموت بدلاً منه وطلب منه أنْ يُخبر أمّه مريم بذلك
حتَّي تتعزَّي وأنَّه هو وعد بتنفيذ ذلك؟!! كيف يزعم ذلك وهو الذي يزعم أنَّ يسوع
كشف له أسراره ومن ضمنها هذا السرّ بما فيها ما يزعمه هنا؟!!

2–
زعم أنَّ أحد الملائكة الأربعة يُدْعَي ” أوريل ” وهذا الاسم لا وجود له
لا في الكتاب المقدَّس أو التقليد المسيحيّ ولا في كلّ الكتب الإسلاميَّة، إنما هو
اِسم ورد فقط في التقليد اليهوديّ فقط، خاصَّة فيما يُسَمَّي بسفر أخنوخ
الأبوكريفي (1) أساطير التلمود (خاصَّة الترجوم) التي تقول أنَّ رؤساء الملائكة
الأربعة ” ميخائيل وجبرائيل وأوريل ورافائيل ” يجلسون حول عرش اللَّه في
السماء (2) هم نفس الأربعة الذين ذكرهم هذا الكاتب المزوِّر!! الذي خلط بين
الأساطير والخرافات والأكاذيب مع قليلٍ مما جاء في الكتب القانونيَّة للأديان!!

3–
استخدامه لتعبير المخبول والذي كرَّره أكثر من مرَّة والذي لا يتَّفق مع سِمُوّ
وجلال ما جاء في الأناجيل القانونيَّة (الصحيحة) يدلّ علي شخصيَّته غير
المتَّزنة!!

4–
تكلَّم عن العذراء القدِّيسة مريم أكثر من مرَّة بلقب ” العذراء ” وهذا
اللَّقب لم تُنادي به القدِّيسة مريم، بعد ولادتها، في كلِّ العهد الجديد، إنما
اُستخدم بعد ذلك في الكنيسة الأولي وكتابات آباء الكنيسة. وهنا خلط الكاتب بين ما
كانت تُنادى به القدِّيسة مريم قبل صعود المسيح ” كأمِّه”، ” أمّ
يسوع ” وما لُقِّبَت به من الكنيسة الأولي بعد ذلك، بسبب دوام بتوليَّتها،
لأنَّ المسيح، قبل صعوده، كان معروفًا كاِبن يوسف النجَّار.

5–
زعم أنَّ المسيح ألقي بملاء علي الملائكة لكي يظهروا للتلاميذ ويتكلَّموا معهم!!
فهل يعجز اللَّه عن إظهار الملائكة بصورة يحتمل رؤيتها البشر حتَّي يلقي عليهم
يسوع بملاءات؟!! يذكر الكتاب المقدَّس ظهور الملاك جبرائيل لزكريَّا الكاهن
والعذراء القدِّيسة مريم وظهرت ملائكة للنسوة تلميذات الربّ يسوع المسيح بعد
قيامته ومع ذلك رأوهم كشباب لابسين ثيابٍ بيض ومناظرهم كانت برَّاقة وتحدَّثوا
معهم (3) كانت الملائكة تهدِّىء خوفهم بعبارت ” لا تخف 00 لا تخافي 00 لا
تخافا “، وذلك دون الحاجة لملاءات أو غيرها مما يتوهَّمه ويَتَصوَّره خيال
هذا الكاتب المزوِّر الخرافيّ التفكير.

6–
زعم أنَّ المسيح خاف عندما جاءوا للقبض عليه!! فهل خاف المسيح؟!! وممن، من الجنود
أم من الموت؟!! وهل يخشي الربّ يسوع المسيح أحدًا ما أو شيئًا ما؟! يقول الوحي في
الإنجيل للقدِّيس يوحنَّا أنَّهم لما جاءوا للقبض علي يسوع ” فَخَرَجَ
يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ
تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ».
وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ:
«إِنِّي أَنَا هُوَ» رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى
الأَرْضِ.فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ».
أَجَابَ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. “. ثم سلَّم لهم نفسه
بإرادته (يو18/4-8). وكان في إمكانه في تلك اللحظة أنْ يتركهم ويمضي دون الحاجة
إلي الحيل والخدع التي لا تليق بجلال اللَّه وعظمته.

 

7–
زعم أنَّ المقبوض عليه، يهوذا، كرَّر أمام الجميع أنَّه يهوذا وليس يسوع، حتَّي
أنَّ الجنود سخروا من كلامه وبيلاطس رأي أنَّه من الظلم قتله!! كما زعم أنَّ بعض
التلاميذ سرقوا جسد يهوذا وقالوا أنَّ يسوع قام فحدثت بلبلة!! وقال أنَّ يسوع
والملائكة كشفوا للتلاميذ والرُسل أنَّ الذي صُلِبَ هو يهوذا!! كما قال أنَّ بعض
الرسل نادوا بأنَّ يسوع مات ولم يقمْ وبعضهم نادي أنَّه مات وقام والبعض الآخر
نادي أنَّه لم يُصلبْ ولم يمتْ!!

وهذه
الإدعاءات والأكاذيب لو كانت قد حدثت حقيقة لشاعت وانتشرت بين الناس وتواترت عبر
التاريخ وكان لها أنصار عديدون، وكان قد حدث انقسام في صفوف التلاميذ والرسل وبين
جميع المسيحيِّين، ولعرفها عنهم غير المسيحيِّين من كلِّ دينٍ وجنسٍ، وكان التاريخ
المسيحيّ واليهوديّ والرومانيّ قد سجَّلها، ومن ثمَّ سُجِلَّتْ في كتبٍ مسيحيَّة
وغير مسيحيَّة، وكانت سبب تندُّر وسخرية من الكثيرين.

ولكن
هذا لم يحدث ولم يُنقل عن المسيحيَّة ولا عن غير المسيحيَّة، بل أنَّ حقيقة صلب
المسيح وموته وقيامته هي حقيقة من الحقائق أو قاعدة الإيمان التي لم يختلف عليها
المسيحيُّون في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، وكانت شعارًا للمسيحيَّة منذ فجرها، فقد روت
الأناجيل القانونيَّة وبقيَّة أسفار العهد الجديد أحداث الألم والصلب والموت
والقيامة بالتفصيل، وتنبَّأت التوراة وبقيَّة أسفار العهد القديم عن أدق التفاصيل
والأحداث المرتبطة بصلب المسيح وموته وقيامته، وشرحت كُتب الآباء وتاريخ الكنيسة
ذلك بإسهابٍ، ويُردِّد المسيحيُّون في كلِّ مكانٍ وزمانٍ وبكلِّ لغةٍ، بجميع
طوائفهم وفرقهم، كلّ يوم، قانون الإيمان الذي يقولون فيه عن المسيح ” وصلب
عنا علي عهد بيلاطس البنطي تألَّم وقُبِر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث
“.

كما
أجمعت جميع الكتب الأبوكريفيَّة، كما بيَّنَّا في الفصل السابع، علي هذه الحقيقة،
حقيقة صلب المسيح، ولم يشذّْ كتاب واحد أو فرقة واحدة في ذلك.

ومن
العجيب أنَّ إحدي الفرق كتبت كتابًا في القرن الثاني (قبل سنة 180م) أسمته ”
إنجيل يهوذا ” يروي قصَّة آلام المسيح وصلبه وموته وقيامته، ويشرح كيف أنَّ
يهوذا بخيانته جعل الخلاص ممكنًا لكلِّ البشريَّة، لأنَّه منع تخريب الحقّ الذي
أعلنه المسيح أو لأنَّه عوَّق علامة القوَّات الشرِّيرة، والرؤساء، الذين أرادوا
منع صلب المسيح الذي به جلب الخلاص للبشريَّة، وأضعف قوَّتهم ” (4)!!

 

3–
شهادة التاريخ المدنيّ والدينيّ لحقيقة صلب المسيح:

سجَّل
الكتاب المقدَّس بعهديه، القديم والجديد، حقيقة صلب المسيح بالتفصيل، كما شهد بذلك
التلمود اليهوديّ وكُتّاب اليهود عبر العصور، كما شهد بذلك سجلات الإمبراطوريَّة
الرومانيَّة وكْتب مؤرِّخيها في القرنَين الأوَّل والثاني للميلاد، ولم يشرْ أحد
من بعيد أو من قريب لما يُسَمَّي بنظريَّة الشِبْه!!

(1)
شهادة التقليد اليهودي:

أشار
التاريخ والأدب اليهوديّ لهذه الحقيقة في أكثر من سجلّ:

(1)
يوسيفوس المؤرِّخ والكاهن المعاصر لتلاميذ المسيح (35 – 100م): قال في عادياته
التي كتبها بعد دمار الهيكل عن صلب الرب يسوع المسيح ” في ذلك الوقت كان هناك
رجل حكيم يُدعي يسوع اشتهر بحسن السلوك وبالتقوي، فتبعه عددٌ غفيرٌ من بين اليهود
والأمم الأخري. غير أنَّ بيلاطس البنطي حكم عليه بالموت صلبًا. أمَّا الذين تبعوه
فلم يتخلُّوا عن تلمذتهم له. وإدَّعوا أنَّه قد ظهر لهم بعد ثلاثة أيام من صلبه
وأنَّه حيّ. وبناء عليه فقد يكون هو المسيح الذي عزا إليه الأنبياء أشياء عجيبة
” (5).

(2)
التلمود: جاء في نسخته التي نُشرت في أمستردام عام 1943، ص 42 قوله ” لقد
صُلب يسوع قبل الفصح بيومٍ واحدٍ. وقبل تنفيذ الحكم فيه، ولمدة أربعين يومًا خرج
منادٍ ينادي: إنَّ (يسوع) سيُقتل لأنَّه مارس السحر وأغري إسرائيل علي الإرتدادر،
فعلي من يشاء الدفاع عنه لمصلحته والاستعطاف من أجله أنْ يتقدَّم. وإذ لم يتقدَّم
(أحد) للدفاع من أجله في مساء (ليلة) الفصح. وهل يجرؤ أحد عن الدفاع عنه؟ ألم يكن
مفسدًا؟ وقد قيل في الأنبياء إنَّ شخصًا مثل هذا: ” لا تَسْمَعْ لَهُ وَلا
تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ وَلا تَرِقَّ لَهُ وَلا تَسْتُرْهُ، بَلْ قَتْلاً
تَقْتُلُهُ ” (تث13/8-9) (6).

(2)
وجاء في مخطوطة توليدوث أيسو(7)
Toledoth
Jesu
أن ّ َ تلاميذ المسيح
حاولوا أنْ يسرقوا جسده فعرف بذلك بستانيّ اِسمه يهوذا. فجاء خفية ونقل جثمان
المسيح من قبر يوسف الرامي إلي قبرٍ جديدٍ آخر حفره له. وعندما جاء التلاميذ إلي
القبر الأصلي وجدوه فارغًا فإدَّعوا أنَّه قام من بين الأموات. ولكن حين أقبل
رؤساء اليهود إلي الضريح وشاهدوه أيضًا فارغًا أخذهم البستانيّ إلي القبر الجديد
وأراهم جثة يسوع”. وهذا ما أشاعه اليهود بعد قيامة المسيح وسجَّله القدِّيس
متَّي بالروح حيث يقول ” وَبَعْدَ السَّبْتِ عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ
الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا
الْقَبْرَ. وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. فَمِنْ
خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ. فَقَالَ الْمَلاَكُ
لِلْمَرْأَتَيْنِ: «لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا
تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ هَهُنَا لأَنَّهُ قَامَ كَمَا
قَالَ. هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعاً فِيهِ.
وَاذْهَبَا سَرِيعاً قُولاَ لِتَلاَمِيذِهِ إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ.
هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ. هَا أَنَا قَدْ
قُلْتُ لَكُمَا». فَخَرَجَتَا سَرِيعاً مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ
رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ. وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ
لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمَا».
فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ. فَقَالَ لَهُمَا
يَسُوعُ: «لاَ تَخَافَا. اذْهَبَا قُولاَ لِإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى
الْجَلِيلِ وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي». وَفِيمَا هُمَا ذَاهِبَتَانِ إِذَا قَوْمٌ
مِنَ الْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ
بِكُلِّ مَا كَانَ. فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ وَتَشَاوَرُوا وَأَعْطَوُا
الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً قَائِلِينَ: «قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا
لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ. وَإِذَا سُمِعَ ذَلِكَ عِنْدَ الْوَالِي
فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ». فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ
وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ فَشَاعَ هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى
هَذَا الْيَوْمِ. ” (متى 28/1-15).

(3)
وقال يوحنا بن زكَّا تلميذ هليل المعلِّم الشهير في كتابه سيرة يسوع الناصريّ
” إنَّ الملك وحاخامات اليهود قد حكموا علي يسوع بالموت لأنَّه جَدَّف حين
إدَّعي أنَّه اِبن اللَّه … وأنَّه اللَّه “. ثم قال بعد ذلك: ” ولما
كان المسيح في طريقه إلي الموت كان اليهود يصرخون أمامه: فلتهلك كلّ أعدائك يا ربّ
” (8).

(4)
وقال الحاخام اليهودي جوزيف كلاونز الذي عاش في القرن التاسع عشر في كتابه يسوع
الناصريّ بعد فحص الإشارات إلي يسوع في التلمود معترفًا دون محاباة قائلاّ ”
لم ينكرْ شيء في الأناجيل!! فقد جري تحريفها (في التلمود) فقط إلي مصدر لومٍ
واستهزاءٍ ” (9).

(2)
شهادة التاريخ الرومانيّ والوثائق الوثنيَّة:

(1)
كورنيليوس تاسيتوس (55-125م)، وهو مؤلِّف رومانيّ عاصر ستَّة أباطرة ولُقِّب
بمؤرِّخ روما العظيم. وقال عنه ف. ف بروس
F.F.Bruce أنَّه، تاسيتوس،
كان، بحكم علاقته بالحكومة الرومانيَّة، مطَّلعًا علي تقارير حكَّام أقاليم
الإمبراطوريَّة وسجلات الدولة الرسميَّة. وقد أشار إلي المسيح في كتابَيه ”
الحوليَّات والتواريخ ” ثلاث مرَّات أهمَّها قوله في الحوليَّات الجزء الثالث
” لكي يتخلَّص نيرون من التهمة (أي حرق روما) ألصق هذه الجريمة بطبقة مكروهة
معروفة باسم المسيحيِّين، ونكَّل بها أشدَّ تنكيل. فالمسيح الذي إِشتُقَّ
المسيحيُّون منه اِسمهم، كان قد تعرَّض لأقصي عقاب في عهد طيباريوس علي يد أحد
ولاتنا المدعو بيلاطس البنطي. وقد راجت خرافة من أشدّ الخرافات إيذاء، وإنْ كانت
قد شُكِمَت لفترةٍ قصيرةٍ، ولكنَّها عادت فشاعت ليس فقط في اليهوديَّة المصدر
الأوَّل لكلِّ شرٍّ، بل انتشرت أيضًا في روما التي أصبحت بؤرة لكلِّ الأشياء
الخبيثة والمخزية التي شرعت ترد إليها من جميع أقطار العالم ” (10).

واضح
أنَّ الخرافة أو الإشاعة التي ألمح إليها هي قيامة المسيح من الأموات.

 

(2)
ومن مؤرخي الرومان الذين كتبوا عن موت المسيح ثللوس: (توفي 52م) في تاريخه الذي
فُقد ولم يبقَ منه سوي شذرات مبعثرة في مؤلَّفات الآخرين، ومن جملتهم يوليوس
الإفريقي الذي كان مطَّلعًا علي هذا التاريخ. ففي سياق حديثه عن صلب المسيح
والظلام الذي خيَّم علي الأرض عندما اِستودع المسيح روحه بين يدَي الآب السماويّ،
أشار يوليوس إلي عبارة وردت في تاريخ ثللوس تدور حول هذه الحادثة قال ” إنَّ
ثللوس في المجلَّد الثالث من تاريخه، يُعَلِّل ظاهرة الظلمة أنَّه كسوف الشمس،
وهذا غير معقول كما يبدو لي ” (11).

وقد
رفض يوليوس الإفريقي هذا التعليل (سنة 221م) بناء علي أنَّ الكسوف الكامل لا يمكن
أنْ يحدث في أثناء إكتمال القمر، ولا سيَّما أنَّ المسيح قد صُلب ومات في فصل
الاحتفال بالفصح وفيه يكون القمر بدرًا مكتملاً (12).

ولم
يكنْ ثللوس وحده هو الذي تحدَّث عن حدوث هذا الظلام، فقد أشار إليه كثيرٌ من
القدامي مثل فليفون الفلكيّ في القرن الثاني وقال ” إنَّ الظلام الذي حدث عند
صلب المسيح لم يحدثْ في الكون مثله من قبل “، كما أشار إليه أيضًا الإمام
الحافظ ابن كثير المؤرخ الإسلاميّ في كتابه ” البداية والنهاية ” ج 1:
182. (13)

(3)
لوسيان اليوناني: كان هذا أحد مؤرِّخي اليونان البارزين في مطلع القرن الثاني
الميلاديّ. وقد علَّق في مقال نقديّ ساخر علي المسيحيِّين والمسيح. وإذ كان ينتمي
إلي المذهب الأبيقوري فقد عجز عن استيعاب طبيعة الإيمان المسيحيّ واستعداد
المسيحيِّين للاستشهاد في سبيل عقيدتهم، وحسبهم شعبًا مخدوعًا يتعلَّق بأوهام عالم
ما بعد الموت بدلاً من التمتُّع بمباهج العالم الحاضر وملذاته وأبرز ما قاله
” إنَّ المسيحيِّين، كما تعلم، ما زالوا إلي هذا اليوم يعبدون رجلاً – وهو شخصيَّة
متميِّزة، إستنّ لهم طقوسهم الجديدة وصُلب من أجلها …ومنذ اللحظة التي اهتدوا
فيها (إلي المسيحيَّة) وأنكروا آلهة اليونان وعبدوا الحكيم المصلوب، استقرّ في
عرفهم أنَّهم إخوة ” (14).

(4)
تقرير بيلاطس البنطي: وهذا التقرير ذكره القدِّيس يوستينوس الشهيد عام 150م في
أثناء دفاعه الأوَّل حيث أكَّد أنَّ صلب المسيح يثبته تقرير بيلاطس، كما يلمح في
نفس الدفاع إلي طائفة من العجائب وأعمال الشفاء، ثم يقول: ” إنَّه حقًا قد
صنع هذه ويمكنك التأكُّد منها من تقرير بيلاطس ” وأشار ترتليان أيضًا إلي نفس
هذا التقرير (15).

(5)
كلسوس الفيلسوف الأبيقوري (مولود 140م): وكان من ألدِّ أعداء المسيحيَّة، وقد
هاجمها في كتابه ” الخطاب الحقيقيّ ” بشدّة وعنف وزعم أنَّ المسيح كان
شخصيَّة ساحرة إستحقّ أنْ يُعلَّق علي الصليب ويموت علي خشبة العار، وقال ساخرًا
عن صلب المسيح ” احتمل المسيح آلام الصلب لأجل خير البشريَّة ” (16)

(6)
الرواقي مارا السوري(73 – 160): كتب في رسالة له لابنه سيرابيون، كتبها من السجن،
عن يسوع بإعتباره ملك حكيم كسقراط وفيثاغورس قائلاً ” أيَّة فائدة جناها
اليهود من قتل ملكهم الحكيم لم يمتْ هذا الملك الحكيم إلي الأبد لأنَّه عاش من خلال
تعاليمه التي علَّم بها “، ولكن اللَّه إنتقم له ” بتدميرهم وتشتيتهم في
كلِّ مكان ” (17).

وهكذا
شهد أيضًا التاريخ اليهوديّ والرومانيّ واليونانيّ لحقيقة صلب المسيح. ولم يُشِرْ
أحدٌ قط لما زعمه هذا الكاتب المزوِّر من مزاعم وإفتراءات علي المسيح.

 

—-

(1)
مخظوطات البحر الميت ج 2: 32و39 مع
The
Apocryphal OT pp.192,208

(2)
David Brauce, Michael the
Archangel P. 5
.

(3)
أنظر لو12: 1و13و26؛ 4: 24؛مت3: 28؛مر5: 16؛يو12: 20).

(4)
New Testament Apocrypha Vol. 1
pp. 313,314
.

(5)
Antiquities 18. 3, 3 (63-64).

(6)
Josh McDowell & Bill Wilson.
He Walked Among Us p. 64
.

(7)
Ibid. 63, 64.

(8)
عوض سمعان ” قضية الغفران ” ص 108 وبقولا يعقوب غبريال ” مباحث
المجتهدين ” ط 6 ص 76.

(9)
W.T. Bib. Is The Bible The Word
of God? p. 65

(10)The Verdict of History, by Gary R. Habermas,
pub. By Thomas Nelson Publication,
Nashville , TN , 1982, pp. 87-88.

(11)
Ibid. 93, 94.

(12)
فارس القيرواني ” هل صلب المسيح حقاً؟ ” ف 2 مع كتاب ” كيف تنتفع
بكفارة المسيح؟ ” ص 17.

(13)
المرجع السابق مع نوّه ابن الأثير (1160 – 1232م) في تاريخه الكامل، ج 1 ص 319
منشورات دار صادر، دار بيروت، 1965 نقلاً عن الرواة والمحدّثين.

(14)
The Verdict of History, p. 100
& He Walked Among Us p. 53, 54

(15)
Ibid. & He Walked Among Us p.
53, 54
.

(16)
عوض سمعان ” قضية الغفران ” 109.

(17)
He Walked Among Us p. 54.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى